إسلام ويب

شرح متن نخبة الفكر [27]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اهتم أئمة الحديث بصفة كتابة الحديث وعرضه وسماعه وإسماعه، وحرصوا على الرحلة لطلبه من رواته بغية العلو في الإسناد، وصنفوا له كتباً مقسمة على الأبواب أو العلل أو المسانيد أو الأطراف، وكل ذلك له فوائده في معرفة سبب الحديث ومعناه، وحفظه من الاشتباه والتدليس وا

    1.   

    سن التحمل

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ ومعرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء وصنفوا في غالب هذه الأنواع، وهي نقل محض، ظاهره التعريف، مستغنية عن التمثيل، وحصرها متعسر، فلتراجع لها مبسوطاتها. والله الموفق والهادي لا إله إلا هو ].

    تقدم لنا ما يتعلق بمعرفة الأسماء المجردة والمفردة، وكذلك ما يتعلق بمعرفة الكنى، والألقاب، والأنساب، وكذلك معرفة أسباب النسبة، ومعرفة المولى من أعلى ومن أسفل، ومعرفة الإخوة والأخوات، وأن الفائدة من معرفة هذه الأشياء الأمن من الغلط والاشتباه ونحو ذلك.

    ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى: (ومعرفة آداب الشيخ والطالب)، وتقدم لنا أن هذه الآداب تنقسم ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: آداب مشتركة بين الشيخ والطالب كتصحيح النية، وحسن الخلق، والعمل بالعلم.

    وهناك آداب خاصة بالشيخ، كبذل العلم، والصبر على الطالب، وأن لا يحدث في البلد وفيه من هو أولى منه، وكذلك عند التحديث أن يجلس متطهراً بوقار، وأن يمسك عن التحديث إذا خشي التغير... إلى آخره.

    وأما الآداب الخاصة بالطالب وما يتعلق بطلب العلم على أهله: الرحلة في طلب العلم، والصبر عليه، واستدامة طلب العلم ومذاكرته، وغير ذلك.

    ثم قال رحمه الله تعالى: (وسن التحمل)، جمهور أهل العلم على أن أقل سن للتحمل هو خمس سنوات، ودليل ذلك ما جاء من حديث محمود بن الربيع رضي الله تعالى عنه، أنه قال: ( عقلت مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي )، وكان له خمس سنوات.

    وقال بعض العلماء بأنه لا يحدد بالسن، وإنما يحدد بالحال، فإذا فهم الخطاب ورد الجواب فإنه يكون أهلاً للتحمل. يعني: إذا كان مميزاً بفهم الخطاب ورد الجواب فإنه يكون أهلاً للتحمل.

    1.   

    سن الأداء

    قال: (والأداء)، بعد أن يتحمل متى يؤدي؟ قال ابن خلاد : يؤدي إذا بلغ خمسين سنة، ولا ينكر عند الأربعين.

    وأجيب عن هذا: بأن من الأئمة من حدث قبل ذلك كـالشافعي رحمه الله تعالى، وحينئذ الصحيح أنه لا يتقدر بسن، وإنما يكون ذلك عند الاحتياج، فإذا كان هذا الطالب أهلاً للتحديث فإنه يحدث... إلى آخره.

    1.   

    صفة كتابة الحديث

    قال: (وصفة كتابة الحديث).

    صفة كتابة الحديث، وذلك أن يكتبه مفسراً مبيناً عندما يروي عن شيخه، ويكتب عن شيخه ويسمع، يكتب الحديث مفسراً مبيناً، ويشكل ما يحتاج إلى شكل، وما يكون من سقط فإنه يكتب في الحاشية اليمنى.

    1.   

    صفة عرض الحديث

    قال: (وعرضه).

    يعني: عرض الحديث بعد أن يسمعه، إما أن يقابله مع الشيخ الذي أسمعه، يعني: يعرض مسموعاته، إما أن يعرضها على الشيخ الذي سمع منه، وإما أن يعرضها على ثقة، وإما أن يعرضها على نفسه شيئاً فشيئاً، والأحسن هو أن يعرضها على الشيخ الذي سمع منه.

    1.   

    صفة سماع الحديث وإسماعه

    قال: (وسماعه وإسماعه).

    (سماعه) يعني: سماع الحديث من الشيخ. (وإسماعه) يعني: إسماع الشيخ للطالب، فعند سماعه وإسماعه لا يتشاغل لا الشيخ المسمع، ولا الطالب المستمع، لا يكون هناك تشاغل بكلام، أو بنعاس، أو بكتابة، أو نحو ذلك، بل يعتنى بالسماع، فالشيخ المسمع والشيخ المستمع كل منهما يعتني بالسماع، وهذا من آداب سماع الحديث، وإسماع الشيخ له، وكذلك يسمع من أصل الشيخ، فإن لم يمكن ذلك فإنه يسمع من فرع قوبل على أصل الشيخ.

    1.   

    الرحلة في طلب الحديث

    قال: (والرحلة فيه).

    يعني: الرحلة في طلب الحديث، وتقدم أن من آداب الطالب: الرحلة في طلب الحديث، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن ذلك فقال: يرحل. يكتب عن الكوفيين والبصريين، وأهل المدينة ومكة. وكان الأئمة يرحلون، فهذا أبو حاتم رحمه الله تعالى يقول: مشيت بين مكة والمدينة أربع مرات على قدمي في طلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويقول: مشيت أكثر من سبعة آلاف ميل على قدمي في طلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والإمام أحمد رحمه الله تعالى اتفق هو ويحيى بن معين على أن يذهبا إلى عبد الرزاق الصنعاني في اليمن، فتوافق أن حج الإمام أحمد وابن معين، وحج عبد الرزاق فوجداه يطوف، فقال يحيى : نأخذ منه الآن ما دام أنه يطوف. قال الإمام أحمد : لا، أما أنا فلا أغير نيتي، فتركه ولم يسمع منه الحديث حتى خرج عبد الرزاق إلى بلده، ثم بعد ذلك لحق به الإمام أحمد رحمه الله، وانقطعت بالإمام أحمد رحمه الله النفقة، فأكرى نفسه من الجمالين الذين يكرون جمالهم مقابل النفقة، وهذا من شدة إخلاصه رحمه الله تعالى، ولذلك كان إماماً في هذا الفن وفي غيره.

    فوائد الرحلة لطلب الحديث

    والرحلة في طلب العلم لها فوائد:

    منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ).

    ومن ذلك: طلب علو الإسناد، فالعلماء رحمهم الله كانوا يرحلون لطلب علو الإسناد. يعني: لكي يسقط الواسطة، فإذا كان هذا الحديث عن هذا الشيخ، وبينه وبين هذا الشيخ واسطة، لكي يسقط الواسطة يذهب ويسمع من الشيخ نفسه.

    وأيضاً من فوائدها: الحرص على كثرة الشيوخ، والتتلمذ على أكثر عدد من أهل العلم.

    1.   

    تصنيف الحديث

    قال رحمه الله: (وتصنيفه إما على المسانيد، أو الأبواب، أو العلل، أو الأطراف).

    هذه أنواع التصنيف:

    النوع الأول: تصنيف الحديث على المسانيد. يعني: أن يذكر مرويات كل صحابي على حده، فيذكر مرويات أبي بكر ، عمر ، عثمان ، علي ... إلى آخره، كل صحابي على حده، كما فعله الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند.

    النوع الثاني: الأبواب. يعني: الأبواب الفقهية كما فعل أبو داود وغيره، يأتي إلى كتاب الطهارة، ثم يروي الأحاديث في كتاب الصلاة ثم كتاب الصيام ثم كتاب الزكاة... إلى آخره.

    النوع الثالث: (أو العلل) وذلك أن يذكر طرف المتن، ثم بعد ذلك يذكر بيان طرق الحديث والاختلاف فيه، كما فعل ابن أبي حاتم ، وكذلك فعل الدارقطني رحمه الله، ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى رتبه على الأبواب، والدارقطني رحمه الله تعالى رتبه على المسانيد.

    النوع الرابع: (أو الأطراف) والتأليف على الأطراف مثاله: (تحفة الأشراف في معرفة الأطراف)، وذلك بأن يجمع أسانيد كتب معينة، ثم يرتبها على أسماء. يعني: تحفة الأشراف جمع أسانيد كتب معينة، وقام بترتيبها على أسماء الصحابة، فمن دونهم على حروف المعجم. أي: جمع الكتب الستة وغيرها ورتبها على أسماء الصحابة على حروف المعجم.

    والسيوطي رحمه الله من المتأخرين رتب أطراف الحديث على حروف المعجم دون أن يسوق الأسانيد وعزاها على مواضعها من الكتب.

    1.   

    معرفة سبب الحديث وفوائده

    قال رحمه الله: (ومعرفة سبب الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء ، وصنفوا في غالب هذه الأنواع، وهي نقل محض ظاهره التعريف مستغنية عن التمثيل، وحصرها متعسر فلتراجع لها مبسوطاتها).

    يقول الحافظ رحمه الله تعالى: أيضاً من المهم معرفة سبب ورود الحديث، وإن كان عندنا قاعدة تقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    وإذا عرفنا سبب نزول الآية، وسبب ورود الحديث نستفيد من ذلك فوائد:

    منها: زوال الإشكال الذي يوجد في الآية، أو في الحديث.

    ومن ذلك: زوال ما يتوهم من وجود الإشكال.

    ومن ذلك: قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] إذا عرفنا سبب نزول الآية زال الإشكال، فإن الله عز وجل قال: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ [البقرة:158] يفهم من ذلك أن الطواف بينهما ليس واجباً؛ لكن إذا عرفنا سبب نزول الآية زال الإشكال.

    كذلك من فوائده: معرفة المعاني، فمعرفة سبب النزول أو ورود الحديث هذا يفيد في معرفة معنى الآية، أو في معرفة معنى الحديث.

    وكذلك من فوائده: أن معرفة سبب نزول الحديث من أسباب الترجيح عند وجود التعارض.

    وبهذا يكون انتهى هذا المتن، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يسددنا، وهذا هو آخر درس في هذه الدورة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما علمناه حجة لنا، وأن لا يجعله حجة علينا، وأن يرزقنا الهدى والتقى، والعفاف والغنى؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.