إسلام ويب

شرح متن نخبة الفكر [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يكون الحديث موضوعاً لكذب الراوي، ومتروكاً لتهمته بذلك، ومنكراً لفحش غلطه أو فسقه أو وهمه، والمنكر عند المتقدمين أوسع من ذلك، والوضع حرام من كبائر الذنوب، وقد ألف أئمة الحديث مصنفات في الموضوعات لتعريف الناس بها وتحذيرهم منها.

    1.   

    تلخيص الكلام على الحديث المدلس

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه، فالأول: الموضوع، والثاني: المتروك، والثالث: المنكر على رأي، وكذا الرابع، والخامس ].

    تقدم لنا ما يتعلق بحكم رواية المدلس، وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله، وخلافهم في قبول حديث المدلس، وأن المدلسين على درجات، وأنهم ينقسمون إلى أقسام:

    القسم الأول: من يدلس عن الضعفاء، وضربنا لذلك أمثلة، فهؤلاء لا يقبل حديثهم إلا إذا صرح بالسماع.

    والقسم الثاني: من كان مقلاً من التدليس لا يعرف عنه إلا في حديث، أو حديثين... إلى آخره، فهذا يحكم لعنعنته بالسماع.

    والقسم الثالث: مدلسون مكثرون إلا أنهم حفاظ، اعتنى الأئمة بأحاديثهم، وذكرنا منهم الثوري والأعمش وأبي إسحاق السبيعي وهشيم وغيرهم، ومتى تقبل عنعنتهم... إلى آخره؟ ومتى لا تقبل؟ وذكرنا أنها تقبل بضوابط، وتكلمنا أيضاً عن حكم ما جاء في الصحيحين من رواية المدلسين، وأنها محمولة على الاتصال، ولذلك غالب ما في الصحيحين مصرح به خارج الصحيحين.

    أيضاً ننبه إلى أن الأئمة إذا حكموا على حديث بالصحة، فإنه لا يلتفت إلى التدليس. يعني: إذا حكم الإمام على حديث بالصحة وأنه صحيح، فإنه لا يلتفت إلى التدليس.

    1.   

    الحديث الموضوع

    ثم قال الحافظ رحمه الله تعالى: (ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه).

    لما بين الحافظ رحمه الله تعالى الرد بسبب السقط بين الرد بسبب الطعن، وهي عشرة رتبها حسب الأشدية، الخمسة الأول تتعلق بالعدالة، والخمسة الباقية تتعلق بالطعن، لما تكلم عن الرد بسبب السقط بين الرد بسبب الطعن، وهذا الترتيب من المؤلف رحمه الله تعالى موضع اجتهاد، ولهذا أخذ عليه ولوحظ عليه ما يتعلق بهذا الترتيب، وهذا موضع اجتهاد.

    قال المؤلف: (الأول الموضوع).

    تعريف الحديث الموضوع وحكمه

    الوضع في اللغة: الحط.

    وأما في الاصطلاح: فهو الكذب المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والوضع حكمه (حرام)، محرم ولا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، بل إن الجويني رحمه الله تعالى حكم على الوضاع بالكفر؛ لكن جمهور العلماء رحمهم الله تعالى لا يحكمون عليه بالكفر، وإنما يقولون بأنه أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وهذا خلاف ما عليه الكرامية، فالكرامية يجوزون الوضع على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالترغيب والترهيب، ويستدلون بما جاء في الحديث: ( من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ليضل الناس )؛ لكن هذا ليس ثابتاً، فهذا كذب أيضاً.

    من المصنفات في الأحاديث الموضوعة

    وقد ألف العلماء رحمهم الله مصنفات في الأحاديث الموضوعة:

    منها: الموضوعات لـابن الجوزي .

    ومنها: تنزيه الشريعة لـابن العراقي .

    ومنها: اللآلئ المصنوعة للسيوطي .

    ومنها: كشف الحثيث لـإبراهيم بن محمد بن سبط بن العجمي ... إلى آخره.

    والحكم على الراوي بأنه وضاع هذا راجع للأئمة، والأئمة سبروا أحاديث الرواة، وحكموا على بعضهم بالوضع... إلى آخره.

    الأسباب التي تحمل الوضاع على الوضع

    وهناك أسباب كثيرة تحمل الوضاع على الوضع:

    منها: الطعن في الدين وتشويه الإسلام.

    ومنها: الجهل.

    ومنها: حامل السياسة.

    ومنها: العصبية سواء كانت العصبية لجنس كأن يتعصب لجنس العرب، أو العصبية لإمام، أو العصبية لفرد، أو العصبية لقبيلة، ونحو ذلك.

    ومنها أيضاً: قصد التكسب وأخذ المال.

    ومنها أيضاً: قصد الإغراب.

    ومن الرواة من حكم عليه بالوضع وهو لم يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم لكنه احترقت كتبه أو اختلط فوقع عنده الوهم، وهو لم يقصد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

    صيغ الحكم على الراوي بالوضع

    والحكم على الراوي بالوضع له صيغ عند العلماء:

    منها: أن يقال فيه (إليه المنتهى في الكذب)، أو (ركن الكذب) وهذا هو أشدها.

    ومنها: (دجال وضاع).

    ومنها: (يكذب.. يضع) .. إلى آخره.

    1.   

    الحديث المتروك

    قال: (والثاني المتروك).

    هذا الثاني. المتروك: اسم مفعول من الترك.

    قال المؤلف: (ثم الطعن) إما أن يكون لكذب الراوي، فالموضوع هو الكذب المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المتروك قال: (أو تهمته بذلك)، يعني: المتروك هو الذي في إسناده متهم بالكذب، واتهم بالكذب؛ لأنه روى حديثاً، أو أحاديث موضوعة، ومن ذلك حديث عمرو بن شمر الجعفي عن جابر عن أبي الطفيل عن علي وعمار قالا: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر، ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة ويقطع صلاة العصر آخر أيام التشريق ) عمرو هذا متروك الحديث، فهذا مثال للمتروك.

    1.   

    الحديث المنكر

    قال: (والثالث: المنكر على رأي، وكذا الرابع والخامس)، الثالث من المردود بسبب اختلال العدالة: المنكر.

    قال: (وكذا الرابع والخامس).

    والمنكر مأخوذ من الإنكار، وهو ضد الإقرار، وعرفه المؤلف رحمه الله تعالى بأنه الذي فيه راوٍ فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه. وتقدم لنا تعريف المنكر بأنه الضعيف إذا خالف الثقة. وقيل بأن المنكر هو تفرد الضعيف وإن لم يكن هناك مخالفة.

    إذاً: عندنا ثلاثة تعاريف للمنكر:

    التعريف الأول: ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بأنه: من فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه.

    والقول الثاني: بأن المنكر هو مخالفة الضعيف، أو ما رواه الضعيف مخالفاً للثقة.

    والقول الثالث: المنكر: هو تفرد الضعيف، مجرد أن الضعيف تفرد فهذا منكر، وإن لم تظهر منه مخالفة.

    مثال الحديث المنكر

    ومثال المنكر: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب الزيات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام، وقرى ضيف ) إلى آخره.

    قال أبو حاتم رحمه الله: هذا حديث منكر، فـحبيب بن حبيب الزيات خالف الثقات.

    المقصود بالحديث المنكر عند الأئمة

    المسألة الأخيرة المتعلقة بالمنكر: نفهم ما ذكرناه من التعاريف أنها تعاريف اصطلاحية عند المتأخرين، أما بالنسبة للأئمة، فإنهم يطلقون المنكر على ما هو أوسع من ذلك، فيطلقون المنكر على الشاذ، وسبق لنا تعريف الشاذ، وأنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو تفرد الثقة مع ترجح الخطأ وإن لم تكن هناك مخالفة. فالأئمة يطلقون المنكر على ما هو أوسع، يطلقون المنكر على الشاذ، وكذلك يطلقونه على الباطل ونحو ذلك... إلى آخره.

    وصلى الله على نبينا محمد. والله أعلم.