إسلام ويب

شرح متن نخبة الفكر [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل صحيح البخاري ثم صحيح مسلم ثم شرطهما، وللحديث الصحيح مراتب في الصحة، والحديث الحسن لذاته هو ما خف ضبطه وله شروط للاحتجاج به، والحديث الصحيح لغيره ما جاء من طريق آخر مثله أو أعلى منه.

    1.   

    تابع أوجه تقديم البخاري على مسلم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

    تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله قال: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما).

    أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل هما الصحيحان، واختلف العلماء رحمهم الله أيهما أصح البخاري أو مسلم؟ وما عليه الأئمة أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم وذكرنا ثلاثة أوجه تبين أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم:

    الوجه الأول: من حيث الشرط، فإن شرط البخاري هو الذي عليه الأئمة كالإمام أحمد وابن معين وأبي حاتم وغير ذلك، فـالبخاري رحمه الله لا يكتفي بإمكان اللقي، ولا بد من التصريح بالسماع ولو مرة واحدة. أما مسلم فيقول: يكتفى أن يتعاصر الراويان وإمكانية اللقاء، فإذا تعاصر الراويان وأمكن أن يلتقيا كفى ذلك.

    الوجه الثاني مما رجح به البخاري على مسلم: ما يتعلق بعدالة الرواة وضبطهم، فإن مما انتقد على مسلم أكثر مما انتقد على البخاري ، بل إن الذي انتقد البخاري فيه إنما هو في شيوخه ممن انتقى من حديثهم، ولم يكثر من الأخذ عنهم.

    الوجه الثالث: فيما يتعلق بالعلة والشذوذ الذي انتقد عليه مسلم أكثر مما انتقد عليه البخاري ، فـمسلم انتقد عليه ما يقرب من مائتي حديث بخلاف البخاري الذي انتقد عليه ما يقرب من ثمانين حديثاً.

    الوجه الرابع: أن الإمام مسلم رحمه الله تعالى تخرج على البخاري فهو تلميذ من تلاميذ البخاري.

    1.   

    المقصود بشرط الشيخين

    قال رحمه الله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما)، ما هو شرط الشيخين؟

    نقول: شرط الشيخين ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: شرط خاص، ويراد به الاتصال والسماع على شرط البخاري ، فإذا قيل: على شرط البخاري معنى ذلك: أن هذا الراوي سمعه بشيخه، وإذا قيل: على شرط مسلم معنى ذلك: أن هذا الراوي عاصر هذا الراوي وأمكن اللقي معه. هذا الشرط الخاص.

    والشرط العام يعني: أن رجال هذا الإسناد ممن خرج لهم البخاري ومسلم على سبيل الاحتجاج، وليس المعنى: أن يوجد هؤلاء الرجال في هذا الإسناد، يعني: لو أن هؤلاء الرواة خرج لهم البخاري ومسلم فوجدنا هؤلاء الرواة في إسناد من الأسانيد فليس المعنى: أن هذا الإسناد على شرط البخاري أو شرط مسلم فلا بد أن ننتبه إلى ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: أنه قد يوجد راويان خرج لهما البخاري لكنهما إذا روى أحدهما عن الآخر ففي رواية أحدهما عن الآخر ضعف، فلا نقول بأن هذا على شرط البخاري. مثال ذلك: رواية قشيب عن الزهري قشيب من رجال البخاري والزهري أيضاً من رجال البخاري ، رواية قشيب عن الزهري هذه فيها ضعف، وكذلك رواية الدراوردي عن عبيد الله العمري هذه فيها ضعف.

    فالمسألة الأولى التي ينتبه لها: مراعاة صورة الرواية؛ لئلا يكون رواية بعضهم عن بعض معللة.

    يعني: نحن نقول شرط البخاري بالمعنى العام: أن يكون هؤلاء الرواة خرج لهم البخاري ومسلم ، لكن كما ذكرنا ننبه أن لا تكون رواية بعضهم عن بعض معللة، فإذا كانت رواية بعضهم عن بعض معللة فإن هذا ليس على شرط البخاري .

    المسألة الثانية: أن يكون البخاري أخرج له في الأصول، لكن انتقى من حديثه واجتنب خطأه، وليس كل من أخرج له البخاري في الأصول ووجد في سند آخر أن يكون على شرط البخاري فينظر إلى هذا الراوي إن كان البخاري قد انتقى من حديثه واجتنب خطأه، فليس معنى ذلك: أننا إذا وجدناه في سند آخر نقول بأنه على شرط البخاري. المسألة الثالثة: أن لا يكون الشيخان قد أخرجا له في المتابعات.

    يعني: ليس في الأصول ولا في المتابعات، أو أخرجا له مقروناً بغيره، فإنه لا يصح أن يقال بأن ذلك على شرطهما.

    يعني: إذا كان البخاري ومسلم أخرجا له في المتابعات أو أخرج لهذا الراوي مقروناً بغيره فإنه لا يصح أن يقال بأنه على شرط البخاري ومسلم ؛ ولهذا بعض أهل العلم يقول: ما كان على شرط البخاري ومسلم هو أن يوجد هذا الإسناد نفسه في غير الصحيح، يعني: إذا وجدنا هذا الإسناد نفسه في غير الصحيح هذا هو الذي عليه شرط البخاري ومسلم . يعني: هذا الإسناد في البخاري ونجده في غير البخاري ، هذا الإسناد في مسلم ونجده في غير مسلم ، فهذا الذي يكون على شرط البخاري ومسلم .

    والمهم نفهم شرط البخاري ومسلم وأنه بالمعنى الخاص على شرط البخاري ما يتعلق بالسماع، وعلى شرط مسلم ما يتعلق بإمكان اللقاء، وأما المعنى العام فالرواة الذين في الصحيحين في غير الصحيحين، لكن ننتبه لهذه المسائل الثلاث.

    1.   

    مراتب الحديث الصحيح

    قال رحمه الله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما) مراتب الصحيح، المرتبة الأولى: ما اتفق عليه الشيخان.

    وما هو الحديث الذي يتفق عليه الشيخان؟ الحديث الذي يتفق عليه الشيخان: أن يروي الصحابي هذا المتن عن النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يروي أبو هريرة هذا المتن عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخرجه البخاري ويخرجه مسلم ، أما لو رواه صحابيان عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا ليس مما اتفق عليه الشيخان، فنقول: المرتبة الأولى: ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم .

    المرتبة الثانية: ما أخرجه البخاري في صحيحه.

    المرتبة الثالثة: ما أخرجه مسلم في صحيحه.

    المرتبة الرابعة: ما كان على شرطهما.

    المرتبة الخامسة: ما كان على شرط البخاري.

    المرتبة السادسة: ما كان على شرط مسلم.

    المرتبة السابعة: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس على شرط الشيخين؛ فإن الشيخين لم يستوعبا جميع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال البخاري رحمه الله تعالى: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيحة، فالمرتبة الأخيرة المرتبة السابعة: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ليس على شرط الشيخين كما سلف.

    1.   

    الحديث الحسن لذاته .. تعريفه وشروطه

    قال رحمه الله تعالى: [فإن خف الضبط فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصحح].

    القسم الثاني من أقسام حديث الآحاد: الحديث الحسن لذاته، ما هو الحسن لذاته؟

    الحسن لذاته: هو ما رواه عدل خفيف الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة.

    من أمثلته: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ) بهز صدوق، وحكيم صدوق، وجده صحابي، فهذان صدوقان خف ضبطهما، والعلماء رحمهم الله تتبعوا أحاديث من خف ضبطهم فوجدوا فيها شيئاً من الوهم والخطأ، ومن ذلك سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن ذلك أيضاً عبد الله بن محمد بن عقيل هؤلاء كلهم حديثهم من الحسن لذاته.

    والحسن لذاته لكي يكون حجة يشترط له شروطاً:

    الشرط الأول: يشترط في الصدوق أن لا يخالفه غيره فإن خالفه غيره فإنه لا يحتج به.

    الشرط الثاني: أن لا يكون في حديثه نكارة؛ لأن النكارة تكثر في أحاديث الصدوقين.

    الشرط الثالث: أن لا يكون هذا الحديث من الأحاديث التي ضعف هذا الراوي من أجلها، فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة فإن الحديث يكون حسناً لذاته من هذا الصدوق.

    قال رحمه الله: (وبكثرة طرقه يصحح).

    يعني: إذا جاء من طريق آخر مثله أو أعلى منه، فإنه يكون صحيحاً لغيره، فالصحيح لغيره هو الحسن لذاته إذا جاء من طريق آخر، مثل الطريق الأول أو أعلى منه، فإذا كان مثل الطريق الأول أو أعلى منه لا دونه فإنه يكون صحيحاً لغيره.

    والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.