إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خطابات الضمان: عبارة عن تعهد كتابي بناءً على طلب العميل، يلتزم فيه المصرف لصالح العميل في مواجهة طرف ثالث بدفع مبلغ معين في وقت معين، وحكمها بحسب تكييفها، فمن اعتبرها كفالة حرمها، ومن اعتبرها وكالة أجازها، وفصل مجمع الفقه الإسلامي بأن ما كان مغطى تغطية كا

    1.   

    تابع الوديعة لأجل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وبعد:

    سبق في الدرس السابق شيءٌ من أقسام وأنواع الودائع المصرفية، وذكرنا بأن هذه الودائع تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الودائع المصرفية غير الاستثمارية. وذكرنا تحتها ثلاثة أنواع.

    القسم الثاني: الودائع المصرفية الاستثمارية. وذكرنا شيئاً من أنواعها. وبقي نوع واحد.

    ذكرنا من أنواع الودائع المصرفية الاستثمارية: الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب، وذكرنا تكييفها الشرعي: هل هي قروض أو ودائع؟

    وذكرنا أن المتأخرين اختلفوا في ذلك على رأيين، وذكرنا شيئاً من أدلتهم، وأيضاً تعرضنا لمسألة وضع النقود في مثل هذه المصارف... إلى آخره.

    ثم تكلمنا أيضاً عن الودائع الائتمانية، والودائع لأجل، وأن الودائع لأجل هي المبالغ النقدية التي يودعها أصحابها في المصارف؛ لأجل معين لا يحل لهم سحبها إلا بعد انقضاء الأجل.

    وذكرنا أن المصارف تدفع لأصحاب هذه القروض فوائد ربوية، وهذه الفوائد هل هي محرمة أو ليست محرمة؟ وأن جمهور أهل العلم على تحريمها.

    وأن بعض المتأخرين ذهب إلى حلها، وذكرنا أن أبرز أدلتهم شبهتان:

    الشبهة الأولى قالوا: المحرم هو الربا في القروض الاستهلاكية دون الاستثمارية؛ أما الاستثمارية فإنه يجوز أخذ الربا فيها، وذكرنا الجواب عن هذه الشبهة.

    والشبهة الثانية قالوا: إن المحرم هو الربا أضعافاً مضاعفة؛ حملاً للمطلق على المقيد، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، ومثل هذه الفوائد ليس فيها هذا النوع، فليست أضعافاً مضاعفة، وأُجيب عن هذه الشبهة بأجوبة:

    الجواب الأول: أن قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] هذا القيد غير مراد، بل هو لبيان الغالب، كما في قول الله عز وجل: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23].

    فقول الله عز وجل: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23] هذا قيدٌ أغلبي، وعند الأصوليين: ما كان قيداً أغلبياً فإنه لا مفهوم له، فيحرم الربا سواءٌ كان أضعافاً مضاعفة أو لم يكن كذلك.

    والجواب الثاني: أن قوله تعالى: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] بعض أفراد العام في قول الله عز وجل: وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وعند الأصوليين أنه إذا ذُكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام فإنه لا يقبل التفصيل.

    الجواب الثالث: أن المسلمين مجمعون على تحريم الربا قليله وكثيره.

    الجواب الرابع: أن قول الله عز وجل: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278] هذا يشمل قليل الربا وكثيره، وهذه الآية هي آخر ما نزل.

    فأصبح الجواب عن هذه الشبهة من أربعة أوجه، فتبين أن أخذ هذه الفوائد محرم ولا يجوز.

    وعلى هذا يجب على الإنسان أن يتوب من الربا، فإذا تاب منه فنقول: لا يخلو التائب من أمرين:

    الأمر الأول: ألا يكون قد قبض الربا، وحينئذ لا يجوز له أن يأخذه، يعني: إذا كان حتى الآن ما قبض الربا فهذه الفوائد لا يجوز له أن يأخذها؛ لقول الله عز وجل: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة:279] فإذا تاب الإنسان يأكل رأس ماله، ولا يأكل الربا.

    الحالة الثانية: أن يكون قد قبض الربا، تجمعت عنده هذه الفوائد، وهي موجودة الآن عنده.

    هذا أيضاً ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: بالنسبة للدافع، من قام بدفع هذا الربا كالمصرف وغيره، فإنه لا يرد إليه الربا؛ لئلا يُجمع له بين العوض والمعوّض، فهذا الدافع قد أخذ عوض هذا الربا، فلا يُرد إليه لئلا يُجمع له بين العوض والمعوّض.

    ومن تجمعت عنده هذه الأموال الربوية في حساباته ونحو ذلك، فهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون جاهلاً. بهذه المعاملة المحرمة من ربا أو غيره، فهذا لا شيء عليه؛ لقول الله عز وجل: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة:275]، فإذا كان إنسان يجهل أن هذه المعاملة محرمة، أو كان حديث عهد بإسلام، أو كان ناشئاً ببادية من بلاد المسلمين بعيدة عن أوامر الإسلام... إلى آخره، فنقول: بأن هذه الأموال التي تجمعت عنده وهو يجهل التحريم تكون له ولا شيء عليه.

    فإن كان يعلم أن هذه المعاملة محرمة، وأن أخذ هذه الفوائد لا يجوز ثم تاب، ففيه خلاف بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إذا تاب فإنها تكون له.

    وقال: بأن الله عز وجل لم يأمر برد الربا وإنما أمر بعدم أخذه، فكون الإنسان يرد الربا ويخرجه، هذا لم يأمر به الله عز وجل، بل الله عز وجل قال: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275]، والذي أمر الله عز وجل به هو ألا يأخذ الربا وإنما يأخذ رأس ماله؛ لقول الله عز وجل: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة:279].

    وأيضاً: هذا مما يسهل على الإنسان، أو على الذي فعل المحرم التوبة.

    و ابن القيم رحمه الله يقول: إذا كان عالماً أن هذه محرمة فهذا مالٌ محرم، أصله خبيث، فإنه يخرجه في وجوه البر من الصدقة والإحسان وغير ذلك.

    بقينا في النوع الأخير من ودائع المصارف الاستثمارية وهي: الودائع الادخارية.

    1.   

    الودائع الادخارية

    الودائع الادخارية تشبه القسمين السابقين جميعاً: تشبه الودائع الجارية تحت الطلب، وتشبه الودائع التي لأجل معين.

    الودائع الادخارية: هي المبالغ التي يقتطعها العملاء من دخلهم وتدفع إلى المصرف؛ ليفتح لهم حساباً ادخارياً يحق لهم سحبه في أي وقت.

    ولما كان الغالب على هذه الودائع الادخارية أن أصحابها لا يسحبونها؛ لأنه قصد بذلك الادخار، كانت المصارف تدفع على هذه الودائع الادخارية نسبة ضئيلة من الفوائد الربوية.

    فهذه الودائع الادخارية تشبه الودائع الجارية التي تحت الطلب، ووجه ذلك: أن صاحبها يملك أن يسحبها في أي وقت، ومن هذا الوجه هي تشبه الودائع الجارية التي تحت الطلب.

    ومن وجهه: أن أصحابها غالباً لا يسحبونها وإنما يتركونها لفترة، وكذلك أيضاً المصارف تقوم بإعطاء فوائد ربوية وإن كانت ضئيلة على هذه الودائع، فهي تشبه الودائع التي لأجل معين، فتشبه الودائع الجارية من وجه، وتشبه الودائع التي لأجل معين من وجه آخر.

    وحكمها أنها قروض بفوائد فتكون من الربا المحرم.

    1.   

    خطاب الضمان

    عندنا أيضاً ما يتعلق بخطاب الضمان:

    تعريف خطاب الضمان

    الضمان في اللغة: مأخوذ من الضمن وهو الضمن.

    وأما في اصطلاح الفقهاء فهو التزام ما وجب أو ما قد يجب على غيره مع بقائه.

    (ما وجب): مثلاً زيدٌ أقرض عمراً ألف ريال، أو باع عليه سيارة بثمن مؤجل.. الآن وجب عليه الألف، ووجب عليه ثمن السيارة، ثم بعد ذلك المقرض طالبه بضمين، أو البائع طالبه بمن يضمنه، فجاء شخص وضمنه. هذا ضمان على شيء وجب.

    (أو ما قد يجب)، فيقول مثلاً: بع عليه السيارة وأنا أضمنه، يعني: حتى الآن ما وجب..

    (مع بقائه) يعني: كون الضامن يضمن المضمون عنه للمضمون له، الذمة ذمة المضمون عنه لا تزال مشغولة، يعني: كونه يشاركه في الضمان وإشغال الذمة، الضامن يشارك المضمون عنه في إشغال ذمته، هذا لا يترتب عليه أن تكون ذمة المضمون عنه قد برئت.

    والضمان من عقود الإرفاق والإحسان، وقد دل عليه القرآن والسنة وإجماع العلماء.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72].

    وأما السنة فقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في سنن أبي داود وغيره: ( الزعيم غارم )، والإجماع قائم على ذلك.

    خطاب الضمان التي تصدره البنوك أو ما يسمى باسم آخر وهو (الكفالات المصرفية)، وهي عبارة عن تعهد كتابي بناءً على طلب العميل يلتزم فيه المصرف لصالح العميل في مواجهة شق ثالث بدفع مبلغ معين في وقت معين.

    أقسام خطابات الضمان

    وخطابات الضمان من حيث الغطاء تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون الغطاء كاملاً مائة بالمائة.

    وقبل ذلك الغطاء هو ما يدفعه العميل للمصرف عندما يطلب خطاب الضمان من نقود، أو أوراق مالية، أو أعيان مالية... أو غير ذلك على وجه التوثيق.

    والغطاء ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون كاملاً، وإما أن يكون جزئياً.

    الكامل هو أن يمثل الغطاء مائة بالمائة من قيمة الضمان. فمثلاً: يطلب خطاب ضمان بمليون ريال، والعميل دفع للمصرف مليون ريال، هذا غطاء كامل، وقد يدفع أسهماً يعني: أوراقاً مالية، وهذه الأوراق المالية عبارة عن أسهم في شركات، وسيأتينا شيء من بعض الأسهم في الشركات، وقد يدفع وثائق عقارات ونحو ذلك.

    المهم أن يكون الغطاء مساوياً لما طلبه العميل من المصرف أو أكثر، فهذا غطاء كامل.

    القسم الثاني: غطاء جزئي، وهو غطاء لبعض قيمة الضمان، فقد يطلب العميل من المصرف مائة ألف ريال ويعطيه خمسين ألف ريال، أو يعطيه أسهماً بقيمة خمسين ألف ريال... إلى آخره. فهذا غطاء جزئي.

    كذلك أيضاً يقسّم خطاب الضمان إلى قسمين من حيث الشكل ويتنوع إلى نوعين:

    النوع الأول: خطاب ضمان ابتدائي: وهو تعهد من المتقدم؛ يدل على جديته واستمراريته وعدم انسحابه.

    يعني: يأخذ من المصرف أو من البنك خطاب ضمان ابتدائي يقدمه عند طرح المناقصة، وسيأتينا فائدة خطابات الضمان هذه.

    الثاني: خطاب ضمان نهائي: وهو تعهد يقدمه العميل أو المتقدم لقيامه بتنفيذ العملية وفق النصوص أو الشروط المتفق عليها، هذا خطاب ضمان نهائي.

    فائدة خطاب الضمان: خطابات الضمانات يلجأ إليها أصحاب الشركات وأصحاب رءوس الأموال، يلجئون إلى المصارف لأخذ هذه الخطابات عند طرح المناقصات الحكومية.

    عندما يكون هناك مناقصات حكومية ومزايدات، فيتقدم أصحاب رءوس الأموال والشركات للدخول في مثل هذه المناقصات التي تطرحها الدول، فالحكومة لكي تضمن استمرار العميل في هذه المناقصة تطالبه بأن يضع نقوداً، تحجز عليه ولا يستفيد منها لمدة معينة بحيث أنه إذا لم يتمكن من هذه المناقصة يأخذ فترة طويلة لكي يخلص هذه النقود، فبدلاً من أن يدفع هذه النقود وتحجز عليه ولا يستفيد منها فترة طويلة يتقدم بخطاب الضمان، يذهب إلى المصرف والمصرف يعطيه خطاب ضمان أنه ضامن لهذا الشخص بالمبلغ الذي تطالبه به الحكومة، بدلاً من أن يدع أمواله عند الحكومة ويتأخر عليه أن يسحب هذه الأموال فلا يستفيد منها، يتقدم بخطاب ضمان بمقدار هذه الأموال التي يطالب بها، فيذهب إلى المصرف والمصرف يعطيه خطاب الضمان.

    وكذلك أيضاً تستعمل خطابات الضمان في عقود التوريد، يحتاج الإنسان أن يورد كذا وكذا من السلع والبضائع، فأصحاب المصانع والشركات يطالبونه بخطابات الضمان هذه؛ لكي يرجعوا بالثمن على البنوك.

    فيذهب التاجر هذا إلى المصرف ويأخذ منهم خطاب ضمان، بدلاً من أن يعطي نقوده هذا المصنع أو هذه الشركة الأجنبية في عقد التوريد، يذهب ويأخذ من المصرف خطاب ضمان يقدمه لأصحاب المصانع أو أصحاب الشركات... إلى آخره.

    التكييف الفقهي لخطابات الضمان

    خطابات الضمان اختلف المتأخرون في تكييفها، وما ينبني على هذا التكييف، على ثلاثة آراء:

    وسوف نأخذ هذه الآراء بإجمال:

    الرأي الأول: وهو ما ذهب إليه كثير من الباحثين قالوا: إن خطاب الضمان كفالة؛ لأن الكفالة هي التزام دين للغير، وهذا موجود الآن في خطابات الضمان، فالمصرف يلتزم الدين الذي يكون على التاجر أو على من يريد أن يدخل في هذه المناقصة للغير، إما للحكومة، أو لصاحب المصنع، أو لصاحب الشركة... إلى آخره، فقالوا: إن خطاب الضمان هذا عقد كفالة، وعقد الكفالة: هو التزام دينٍ للغير، يعني: شخص يلتزم بضمان هذا الشخص عند ثالث، كما ذكرنا في تعريف الضمان.

    وهذا موجود في خطاب الضمان، فالمصرف يقوم بالتزام الديون التي تكون على هذا التاجر أو من أراد أن يدخل في هذه المناقصة... إلى آخره، أمام طرف ثالث وهو صاحب المصنع أو الحكومة، فقالوا: بأنه كفالة، وإذا خرّج على أنه كفالة فلا يجوز؛ لأن البنوك ستأخذ عمولة على هذه الكفالة، وقد تقوم بالتشديد عن هذا الشخص، فهذا إقراض أيضاً بفوائد، فقالوا: أولاً: إنه كفالة، وإذا كان كفالة فإن العلماء ينصون على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، وقال بعضهم: لأن هذه الكفالة من الأمور التعبدية، وقال بعضهم: لأن هذه الكفالة مما يراد بها الإرفاق والإحسان، وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز أخذ الأجرة على خطاب الضمان بناءً على تخريجها أنها كفالة.

    ودليلٌ آخر قالوا: الكفالة حقيقتها أنها دين على المكفول -المدين- فإذا رده مع الزيادة فهذا هو الربا، يعني: المصرف سيدفع إلى صاحب المصنع أو الحكومة أو غير ذلك، وسيأخذ على ذلك فائدة، فقالوا: بأنه لا يجوز.

    فحقيقة الكفالة: دين على المكفول المدين، فإذا رده مع الزيادة كان ربا.

    وهذا ذهب إليه كثير من الباحثين وكيفوا خطاب الضمان أو الكفالات المصرفية على أنها كفالة، وإذا كانت كفالة فإنه لا يجوز خطاب الضمان لما ذكروا من العلتين.

    الرأي الثاني: أن خطاب الضمان وكالة، والوكالة: هي إقامة الغير مقام النفس في تصرف جائز معلوم.

    وهذا موجود الآن في خطابات الضمان، فالعميل يوكل المصرف في تصرف معلوم جائز، فيقوم بتوكيله أن يسدد عنه هذه الضمانات إذا كان لم يسدد هذه الضمانات أو لم يقم بهذه العملية ونحو ذلك.

    فخرجوا هذا على أنه وكالة، فإذا كان وكالة قالوا: أخذ الأجرة على الوكالة جائز، فيكون هذا الخطاب جائزاً، هو يقوم الآن بتسديد هذه المبالغ التي يطالب بها العميل، ثم بعد ذلك يطالب المصرف العميل ويأخذ عليه زيادة، قالوا: هذه الزيادة التي يأخذها المصرف على العميل هو أجرة على الوكالة، وهذا جائز ولا بأس به، وهذا فيه نظر ظاهر.

    الرأي الثالث: ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي، قالوا: خطاب الضمان ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون مغطى تغطية كاملة، يعني: العميل أخذ خطاب ضمان بمائة ألف ريال ووضع مائة ألف ريال، هنا مغطى تغطية كاملة، فقالوا: هذا من قبيل الوكالة فيكون جائزاً.

    والقسم الثاني: ألا يكون مغطى تغطية كاملة، أو ليس هناك غطاء، فيقولون: ما غُطي فهو وكالة، وما لم يُغط فهو كفالة.. فيفصلون في هذه المسألة: إن غُطي تغطية كاملة فهذا من باب الوكالة وحينئذ يكون خطاب الضمان جائزاً، وأما إذا لم يغط تغطية كاملة أو لم يكن هناك غطاء، فإنه لا يجوز في هذه الحال، وأنه يكون كفالة والكفالة كما تقدم لا يجوز أخذ الأجرة عليها.

    هذا ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي من التفصيل.

    أما اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية فمنعوا خطاب الضمان مطلقاً، وقالوا: حتى لو غطي تغطية كاملة؛ لأن هذا الغطاء الذي دفعه العميل للمصرف رهن، والمصرف سيقوم باستعمال هذا الرهن، وهو ليس مركوباً ولا محلوباً، والذي يجوز للمرتهن أن يستخدمه هو ما يتعلق بالظهر إذا كان مركوباً يركبه بنفقته، واللبن إذا كان الحيوان يشرب لبنه فإنه يشرب اللبن بالنفقة، فقالوا: يُمنع من ذلك حتى ولو كانت التغطية كاملة، وأن هذا من قبيل استخدام الرهن من قِبل المرتهن، ولا يجوز له ذلك خصوصاً إذا كان سبب الرهن القرض؛ لأنه يكون داخلاً في منافع القروض المحرمة، وهذا ليس مما جاء الشرع بإباحته أن يكون المرهون ظهراً يركب أو لبناً يُشرب بالنفقة.

    ولعل ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي أقرب؛ لوجود الحاجة، وكما ذكرت أنه قد يصعب على الإنسان أن يدفع أمواله ثم بعد ذلك يحتاج مرة أخرى إلى تخليصها، وهذا يستمر إلى فترة طويلة يمنعه من الإفادة من هذه الأموال.

    فتخريجه على أنه إذا كان الغطاء كاملاً أنه وكالة، والمصرف لو أخذ عمولة أو أجرة يكون هنا أجرة على الوكالة.

    1.   

    الأسهم والسندات

    سنتكلم الآن عن موضوع الأسهم والسندات، وقبل ذلك لا بد أن نعرف شركة المساهمة، ونبين أن شركة المساهمة لا تخرج عن أقسام الشركات التي ذكرها العلماء رحمهم الله في الزمن السابق.

    أقسام الشركات

    الشركة في اللغة هي: الاجتماع في شيء.

    وفي اصطلاح الفقهاء هي: الاجتماع في استحقاق أو تصرف.

    وقولهم: (في استحقاق)، هذا ليس مناط البحث، يعني: زيد وعمرو ورثا هذا البيت من أبيهما، هما الآن يستحقان عين هذا البيت وأمتعته.

    وكذلك لو اشتريا هذا البيت أو وقف عليهم هذا البيت، هذا اشتراك في استحقاق، وهذا لا يبحثه العلماء رحمهم الله في قولهم: باب الشركة، أو كتاب الشركة، وإنما يبحثون الجزء الثاني وهو التصرف. يعني: شركة العقود.

    وشركة العقود يقسمها العلماء رحمهم الله إلى خمسة أقسام، ويختلف فيها العلماء من حيث الجواز وعدم الجواز، لكن الصواب أن هذه الأقسام الخمسة كلها جائزة.

    ونأخذها على سبيل الإجمال:

    أولاً: شركة العنان وهي: أن يجتمعا في المال والبدن، يعني: أن يشتركا في المال والبدن.

    هذا زيد يدفع مائة ألف ريال وهذا يدفع مائة ألف ريال، أو خمسين، أو أقل.. أو أكثر... إلى آخره، ويعملان في هذا المال، يفتحا محلاً تجارياً، مواداً غذائية... إلى آخره.

    ثانياً: شركة المضاربة: وهي أن يدفع ماله لمن يقوم عليه بجزء مشاع معلوم من الربح.

    يعني: تعطيه مائة ألف ريال يشتغل فيه بالبيع والشراء، بجزء معلوم مشاع من الربح، له النصف ولك النصف، أو له الربع، أو له ثلاثة الأرباع... إلى آخره.

    ثالثاً: شركة الوجوه: وهي أن يشتري اثنان فأكثر سلعة في ذمتيهما بجاهيهما، والربح حسب ما يتفقان عليه.

    يعني: هذا زيد وعمرو لا يوجد عندهم أموال، لكن لهم جاه عند الناس ولهم قدر، فيذهبان إلى الناس ويأخذها منهم سلعاً، ويقترضان هذه السلع في ذمتيهما.. يقترضا مثلاً سيارات أو أطعمة، ثم بعد ذلك يقومان بالعمل والبيع في هذه الأطعمة، أو الأقمشة، أو السيارات... ونحو ذلك.

    رابعاً: شركة الأبدان: وهي ما يكون بين أهل الحرف والصنائع... إلى آخره، سواء اتفقت الصنائع أم اختلفت على الصحيح.

    يعني: هذان الرجلان كل منهما نجار، أو كلٌ منهما حداد أو سباك، فيشتغل هؤلاء النجارون وما تحصّل فهو بينهما حسب ما يتفقان، يعني: يتفقا على النصف، أو هذا له الثلث وهذا له الثلثان... إلى آخره، وسواءٌ اتفقت الصنائع أو اختلفت، يعني: النجارون والحدادون يشتغلون... إلى آخره، حسب ما يتفقان عليه.

    خامساً: شركة المفاوضة: وهي تجمع الأقسام السابقة، فيشترك اثنان شركة مفاوضة يدفعان أموالاً، يعملان بأبدانهما، يأخذان بذممهما، يضارب أحدهما بالمال... إلى آخره.

    فشركة المفاوضة: أن يفوض كل واحد منهما للآخر كل عمل مالي من أعمال الشركة.

    هذه الأقسام يذكرها العلماء رحمهم الله في الزمن السابق.

    شركة المساهمة

    شركة المساهمة وهي توجد الآن مثل شركة الاتصالات وشركة سابك وغيرهما.

    شركة المساهمة هي شركة ينقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية، وهذه الأسهم يمكن تداولها حسب الشروط المتفق عليها.

    فهي عبارة عن شركة بين اثنين فأكثر في رأس المال والربح، وهذه كما يتضح من تعريفها لا تخرج عن أقسام الشركات السابقة التي ينص العلماء عليها لكنها تتميز أن أسهمها تكون متساوية، مثلاً: السهم بألف ريال، أو السهم بألفي ريال... إلى آخره، والربح يقسّم على المساهمين حسبما يكون متفقاً عليه.

    الاكتتاب في شركة المساهمة: هو عبارة عن دعوة موجهة إلى أشخاص غير محددين للإسهام في رأس المال.

    فتطرح الأسهم ويُعلن عنها في الصحف أن هذه الشركة تفتح باب المساهمة، أو تفتح باب الاكتتاب... إلى آخره، فالمقصود بالاكتتاب هو: دعوة موجهة للإسهام في هذه الشركة، والمساهمة في تكوين رأس مال هذه الشركة، فيتقدم الناس ويدخلون في هذه الشركة، ويدفعون قيم هذه الأسهم، فيكونون شركاء في شركة المساهمة.

    شركة المساهمة لا تخرج عن أنواع الشركة التي سبق أن بيناها، ويتضح هذا أن مجلس الإدارة في الشركة -شركة المساهمة- لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون المجلس مساهماً وعاملاً.. المجلس يعمل في إدارة الشركة، وأيضاً هو مساهم في هذه الشركة. وهذا هو الغالب.

    فهنا مالان وبدن.. البدن من مجلس الإدارة، والمال الأول من مجلس الإدارة، والمال الثاني من بقية المساهمين. فهي تجمع بين العنان والمضاربة.

    يعني: إذا كان مجلس الإدارة مساهماً فإنه اجتمع عندنا مالان، أعضاء مجلس الإدارة يدفعون مالاً، وبقية المساهمين يدفعون مالاً، أعضاء مجلس الإدارة يديرون العمل وهذا بدن، فالآن اجتمع عندنا شركة عنان وشركة مضاربة.

    شركة العنان: أن يشتركا في المال وفي البدن، وشركة المضاربة: أن يدفع عليه المال ويقوم بالعمل.

    فمن حيث أن كلاً منهما مال فهذا عنان، ومن حيث أن أحدهما عمل والآخر لم يعمل فهذه مضاربة.

    فنقول: القسم الأول: إذا كان مجلس الإدارة مساهماً فهو يعمل الآن ويساهم، كلٌ منهم دفع مالاً.. شركة عنان، كما نص على ذلك ابن قدامة رحمه الله.

    أحدهم عمل والآخر لم يعمل، هذه شركة مضاربة. هذا القسم الأول.

    وتقدم أن شركة المضاربة وشركة العنان كلٌ منهما جائز.

    الحالة الثانية: أن يكون مجلس الإدارة عاملاً دون مساهمة، فهذه شركة عنان؛ لأن المال والعمل من جميع الشركاء.

    فالشركاء دفعوا المال، والعمل أيضاً منهم؛ لأنهم استأجروا مجلس الإدارة، فكانت هذه الشركة شركة عنان.

    الحالة الثالثة: أن يكون لمجلس الإدارة نسبة من الربح من المساهمين، ومن مجلس الإدارة العمل، يعني: مجلس الإدارة ما ساهم، لكن منه العمل وله نسبة من الربح. فهذه شركة مضاربة.

    وكما تلخص لنا: أن شركة المساهمة لا تخرج عن أنواع الشركات التي ذكرها العلماء رحمهم الله.

    والسهم في اللغة: النصيب.

    وأما في الاصطلاح فهو: وثيقة يمثّل حقاً عينياً أو نقدياً في رأس مال الشركة، قابل للتداول. يعني: البيع والشراء كما سيأتي، ويعطي صاحبه حقوقاً خاصة.

    وبالنسبة للأسهم فإنها تنقسم إلى أقسام، وسيأتي إن شاء الله بيان أقسام الأسهم، وحكم كل قسم من هذه الأقسام، وأيضاً سنذكر أهم المسائل المتفرعة على شركة المساهمة، وما يتعلق بالسندات، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.