إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • البطاقات التخفيضية لها ثلاث صور: الأولى: البطاقات التخفيضية العامة: وهي التي يستفيد منها العميل بخفض الأسعار ونيل الخدمات لدى جهات متعددة، وأكثر أهل العلم على تحريمها. الثانية: بطاقات تخفيضية خاصة: وهي التي يستفيد منها العميل فقط من الجهة الصادرة لها فحسب

    1.   

    أحكام البطاقات التخفيضية.. وصورها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

    تكلمنا في الدرس السابق عن الجوائز التي يعطيها أصحاب المحلات التجارية للمشترين، وذكرنا أن هذه الجوائز تنقسم إلى أقسام:

    فمن هذه الأقسام: أن تكون الجوائز عن طريق المسابقات، وذكرنا أن الجائزة إذا كانت عن طريق المسابقة فإن تحتها أنواعاً وبيّنا هذه الأنواع.

    وذكرنا القسم الثاني وهو: أن تكون الجائزة ليست عن طريق المسابقة، وإنما يستحقها المشتري إذا اشترى سلعة معينة، أو إذا اشترى من هذا المحل التجاري.

    وذكرنا القسم الثالث: الجوائز التابعة للسلع، وذكرنا ما تحتها من أنواع.

    بقي ما يتعلق بالبطاقات التخفيضية، والبطاقات التخفيضية بحسب الاستقراء لها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: البطاقات التخفيضية العامة.

    والصورة الثانية: البطاقات التخفيضية الخاصة.

    والصورة الثالثة: البطاقات التخفيضية المجانية.

    وهذه البطاقات استجدت في هذه الأزمان، وتكلم عليها العلماء وكتب فيها الباحثون.

    البطاقات التخفيضية العامة

    أما البطاقات التخفيضية العامة، فهي: البطاقات التي يستفيد منها المستهلك أو العميل في الخصم من الأسعار والخدمات لدى جهات تجارية عديدة.

    وهذا النوع من هذه البطاقات الغالب أن الذي يقوم بإصدارها شركات السياحة والدعاية والإعلان.

    والفرق بين هذه البطاقات العامة والبطاقات الخاصة: أن البطاقات العامة تكون الاستفادة منها من عدة محلات تجارية محدودة، فالمشترك في هذه البطاقة يستفيد من مجموعة من الفنادق، تخفض له في السعر، تجده يستفيد من بعض المطاعم، أو يستفيد من بعض المحلات التجارية.. وهكذا.

    يعني: ليست جهة التخفيض واحدة، وإنما هي جهات متعددة، فتجد أنه يستفيد من هذا الفندق، ومن هذا المطعم، ومن هذا المحل التجاري... وغير ذلك من جهات التخفيض التي تشترك مع الجهة المصدرة.. جهة الدعاية والإعلان أو جهة السياحة.. إلى آخره.

    أما البطاقات التخفيضية الخاصة فإن جهة التخفيض جهة واحدة، وأيضاً الأطراف في البطاقات التخفيضية الخاصة طرفان: المستهلك وهو جهة الإصدار، فمثلاً: مستشفى خاص أو مستوصف خاص يقوم بإصدار مثل هذه البطاقات، فمن اشترك معه في رسم سنوي أو شهري حسب ما يتفقان عليه يستفيد من التخفيض الذي يبذله هذا المستشفى أو هذا المستوصف، أو غيرهما من الجهات التجارية كالمحل التجاري، أو الفندق.. إلى آخره.

    فتبين لنا الفرق بين جهات البطاقات التخفيضية العامة وبين البطاقات التخفيضية الخاصة من وجهين:

    الوجه الأول: أن البطاقات التخفيضية العامة أطرافها ثلاثة:

    الطرف الأول: المصدر للبطاقة، والغالب أن المصدر للبطاقة هي شركات السياحة والدعاية والإعلان التي تقوم بإصدار مثل هذه البطاقات.

    الطرف الثاني: الجهات التجارية المشتركة في هذه البطاقة.

    الطرف الثالث: العميل أو المستهلك.

    أما البطاقات التخفيضية الخاصة فإن أطرافها طرفان فقط: العميل، وجهة الإصدار.

    فالعميل أو المستهلك يشترك في هذه البطاقة من جهة الإصدار مباشرة من المستشفى، أو المستوصف، أو الفندق، أو المحل التجاري، أو المطعم... أو غير ذلك، يشترك اشتراكاً مباشراً، وليس هناك طرف ثالث آخر بين العميل وبين جهة التخفيض. هذا الفرق الأول.

    الفرق الثاني: أن البطاقات التخفيضية العامة يستفيد المستهلك من جهات تجارية عديدة وليست جهة تجارية واحدة، فتجد أنه يستفيد من مجموعة من الفنادق، أو من مجموعة من شركات الطيران، أو من المطاعم، أو من المحلات التجارية، أو من هذه كلها، فيستفيد من المحلات التجارية والمطاعم والفنادق وشركات الطيران وغير ذلك.

    أما بالنسبة للبطاقات التخفيضية الخاصة، فالعميل إنما يستفيد من جهة واحدة فقط وهي التي قامت بإصدار هذه البطاقة، فهي جهة تجارية واحدة فقط لا يستفيد من غيرها.

    البطاقات التخفيضية العامة أكثر أهل العلم على أنها محرمة ولا تجوز، وبهذا صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة، ووجه التحريم -كما قالوا- أن جهة التخفيض وهي الجهات التجارية تقوم باستئجار جهة الإصدار، وجهة الإصدار هي شركات السياحة وشركات الدعاية والإعلان، فالعلاقة بين المحلات التجارية جهة التخفيض وبين جهة الإصدار علاقة عقد إجارة.

    فجهة التخفيض تقوم باستئجار جهة الإصدار، وجهة الإصدار هي شركة الدعاية والإعلان أو شركة السياحة تبذل لها رسماً إما أن يكون مقطوعاً وإما أن يكون نسبة من المبيعات التي حصل عليها التخفيض من هذه البطاقة..

    الآن جهة التخفيض دفعت الأجرة لجهة الإصدار، ما هي المنفعة التي تأخذها؟ هي منفعة الدعاية لهذا الفندق، ويقومون بإصدار كتيبات ونشرات، فيستفيد هذا المحل التجاري أو هذا المطعم أو غير ذلك ما يحصل له من الدعاية، أيضاً تسهيل استفادة جمع كثير من الناس من هذه الشركة.

    فالعلاقة بين جهة الإصدار وبين جهة التخفيض هي علاقة إجارة.

    وقالوا: إذا كانت هذه العلاقة علاقة عقد إجارة بين جهة التصدير وبين جهة التخفيض فالإجارة هنا فيها غرر، ووجه الغرر: أن المنفعة هنا مجهولة.. المنفعة التي تستفيدها جهة التخفيض هي الشراء، والشراء هذا قد يحصل وقد لا يحصل، فإذا كان كذلك فإنه يكون محرماً.

    إذاً: الوجه الأول: أن هذه إجارة فيها غرر؛ إذ إن جهة التخفيض الآن استأجرت جهة الإصدار، ودفعت إليها إما مقطوعاً وإما نسبة من المبيعات، فقالوا: المنفعة التي تستفيدها جهة التخفيض مقابل هذا الذي دفعته هو ما قد يحصل من الشراء أو الاستئجار، وهذا الشراء أو الاستئجار فيه غرر، قد يحصل لهذا الفندق وقد لا يحصل له.

    الوجه الثاني: قالوا: إذا كانت جهة الإصدار أجرتها هي نسبة من مبيعات جهة التخفيض، فعندئذ هذه الأجرة مجهولة لا يدرى كم تكون، قد تكون قليلة وقد تكون كثيرة... إلى آخره. هذا الوجه الثاني.

    الوجه الثالث: قالوا: إن العلاقة بين الإصدار -وهي شركة الدعاية والإعلان أو شركة السياحة- وبين العميل المستهلك علاقة عقد إجارة؛ فإن العميل يقوم بدفع رسم سنوي أو شهري مقابل أخذ هذه البطاقة، لكي يستفيد من التخفيضات، وهذه قالوا: منفعة مجهولة فيها غرر، قد يستفيد وقد لا يستفيد.

    أيضاً من جهة أخرى: أن هذه المنفعة ومنفعة الاستفادة عند غير المؤجر، عند الفندق وعند المحل التجاري.. إلى آخره، فالمؤجر الآن ليست عنده المنفعة، فهذه منفعة غير مقدور على تسليمها، فالعميل يدفع رسماً لجهة الإصدار وهي شركة السياحة والمنفعة ليست عنده.. المنفعة التي قد يستفيدها العميل وهو التخفيض هذه غير مقدور عليها بالنسبة لجهة الإصدار وهي الشركة السياحية. وهذا من أقوى الأدلة على تحريم هذه البطاقات العامة.

    فهو الآن يشترك ويدفع البطاقة على أنه سيأخذ منفعة التخفيض، وهذه ليست موجودة عند المؤجر وهي جهة الإصدار.. وهي الشركة السياحية وشركة الدعاية والإعلان، وإنما منفعة التخفيض عند المحلات التجارية.

    قد يذهب ويقدم هذه البطاقة ويستفيد من التخفيض وقد لا يستفيد من التخفيض، وقد يعطيه المحل التجاري يخفض له وقد لا يخفض له ويرفض مثل هذه البطاقة، فحينئذ تكون جهة الإصدار عقداً على منفعة لا يملكها هو الآن، صحيح أن العميل يستفيد كتيبات تصدرها جهة الإصدار فيها الشركات، وفيها الفنادق، وفيها المحلات التجارية... إلى آخره، لكن ليس هي المقصود له.. المقصود له هو التخفيض، والتخفيض هذا لا تملكه جهة الإصدار الذي استأجره هذا العميل ودفع له هذه النسبة، فحينئذ تكون جهة الإصدار باعت شيئاً لا تملكه.. عقدت على منافع لا تملكها، وهي منافع التخفيض التي تكون عند المحلات التجارية.

    وعلى هذا كان الراجح في هذه البطاقات التخفيضية أنها محرمة؛ لما ذكرنا من هذه الوجوه الأربعة، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد قد أفتت بتحريم مثل هذه البطاقات، مع أن اللجنة الدائمة أيضاً أشارت إلى أن كثيراًمن هذه البطاقات وهمية يقصد منها استغلال الناس، وأكل أموالهم بالباطل، وأما ما قد يتوهمه المستهلك من أنه سيحصل له تخفيض في هذه المحلات التجارية، أو في شركات النقل... أو غير ذلك، فإن هذا لا وجود له.

    هذا فيما يتعلق بالبطاقات التخفيضية العامة.

    البطاقات التخفيضية الخاصة

    الصورة الثانية: البطاقات التخفيضية الخاصة.

    وهي: التي لا يستعملها المستهلك إلا في جهة تخفيضية واحدة، والأطراف فيها طرفان:

    الطرف الأول: العميل المستهلك.

    الطرف الثاني: جهة الإصدار، وجهة الإصدار هي جهة التخفيض.

    فالأطراف فيها طرفان فقط: العميل المستهلك، وجهة الإصدار التي هي جهة التخفيض.

    وهذا كما لو قام فندق من الفنادق بإصدار بطاقات يدخل فيها الراغبون عن طريق رسوم يدفعونها، يعني: البطاقة ثمنها مائة ريال تستفيد من هذا الفندق إذا أردت أن تسكن فيه بالخصم مثلاً: عشرين بالمائة، ثلاثين بالمائة... إلى آخره.

    أو مستشفى من المستشفيات التجارية، أو مستوصف من المستوصفات التجارية، أو شركة طيران... إلى آخره يقوم بإصدار بطاقة يشتريها الراغبون، وبمقابل هذه البطاقة يستفيدون من التخفيضات التي تقدمها هذه الجهة المصدرة لهذه البطاقة التي هي الجهة التخفيضية.

    هذه البطاقة اختلف فيها المتأخرون، ولا شك أن هذه البطاقة هي أخف من البطاقة التخفيضية العامة؛ لأننا ذكرنا أن أقوى الأدلة وهي أن جهة الإصدار المؤجر في البطاقات التخفيضية العامة لا تملك المنفعة، وأن المنفعة هذه غير مقدور عليها.. إنما هي عند جهة التخفيض.

    أما هنا فجهة الإصدار هي جهة التخفيض، فجهة الإصدار الآن تملك المنفعة، فزال هذا المحذور.

    ولهذا فإن الخلاف في هذه المسألة أخف من الخلاف في المسألة السابقة، وهي: البطاقات التخفيضية العامة.

    وعلى كل حال فالعلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: إلحاق هذه البطاقات التخفيضية الخاصة بالبطاقات التخفيضية العامة، وأن هذه البطاقات محرمة ولا تجوز.

    وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة، قالوا: هذه محرمة ولا تجوز.

    ووجه التحريم أن العلاقة بين المستهلك وجهة الإصدار التي هي جهة التخفيض علاقة إجارة.

    فالعميل يدفع مثلاً مائة ريال أو خمسين ريالاً أو عشرين ريالاً... إلى آخره، مقابل المنفعة التي هي التخفيض التي يستفيدها من المستوصف، أو يستفيدها من الفندق، أو يستفيدها من المحل التجاري... إلى آخره.

    فالعلاقة بينهما علاقة عقد إجارة، قالوا: إن المنفعة في هذه العلاقة وهي التخفيض مجهولة، وإذا كانت مجهولة فلا يجوز، قد يستفيد هذا العميل من هذا الفندق وقد لا يستفيد، وأيضاً إذا استفاد ما هو قدر الاستفادة؟!

    قد يحتاج إلى هذا المستوصف في كل أسبوع، وقد لا يحتاج إليه إلا في الشهر مرة واحدة، وقد لا يحتاج إليه طيلة السنة... إلى آخره، فقالوا: المنفعة المتعلقة بالتخفيض مجهولة، ويترتب على ذلك الغرر للعميل وكذلك أيضاً مصدر هذه البطاقة.

    ولهذا ذهبت اللجنة الدائمة إلى أن هذه البطاقة محرمة ولا تجوز.

    وبعض الباحثين ذهب إلى جوازها وقيدها بقيدين:

    القيد الأول: أنه يُشترط أن تكون نسبة التخفيضات معلومة.

    فمثلاً: الداخل في هذه البطاقة يدفع مائة ريال، كم يحصل من التخفيض؟ يحصل على عشرين في المائة من أسعار هذا المستوصف، أو على ثلاثين في المائة... إلى آخره.

    القيد الثاني: أن تكون المنفعة معلومة، يعني: ما تكون به التخفيضات التي يتمكن المستهلك من الإفادة منها تكون معلومة، فمثلاً: مستوصف تستفيد من العلاج الفلاني فيه كذا وكذا وكذا، ويكون لك من نسبة التخفيضات كذا وكذا وكذا. فقيدوا هذين القيدين.

    أما على الرأي الأول فقالوا: حتى مع هذين القيدين لا يزال الغرر موجوداً.

    البطاقات التخفيضية المجانية

    الصورة الثالثة: البطاقات التخفيضية المجانية.

    وهي البطاقات التي تمنحها الجهات التجارية للمستهلكين مكافأة لهم على تعاملهم معها، أو تشجيعاً عليه.

    فمثلاً: رجل استخدم هذا المحل التجاري فأعطاه المحل التجاري بطاقة تخفيضية؛ على أن لك الحق في أن يخصم لك من الأسعار كذا وكذا، أو أنه استخدم هذا الفندق فأعطاه الفندق بطاقة مجانية على أنه إذا استخدمه مرة أخرى أن له الحق في الخصم، أو استخدم هذا المستوصف فأعطاه المستوصف هذه البطاقة بدون مقابل، فهذه جائزة، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أفتوا بجواز مثل هذه البطاقة، وأن هذا جائز ولا بأس بها؛ لعدم المحذور الشرعي في ذلك، ولأن الأصل في المعاملات الحل.

    1.   

    أحكام المسابقات والألعاب

    هذا ما يتعلق بالبطاقات، والآن ما يتعلق بالمسابقات والألعاب.

    المسابقات مأخوذة من السبق، والسبق في اللغة: التقدم والغلبة.

    وفي الاصطلاح: عقد يكون بين فردين أو فريقين في مجال علمي أو رياضي أو عسكري من أجل معرفة السابق من المسبوق.

    والمسابقات في الشريعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    المسابقات المشروعة

    القسم الأول: المسابقات المشروعة، وهي التي نص عليها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ) والخف: الإبل، والنصل: السهام، والحافر: الخيل.

    فالمسابقات على هذه الأشياء: مشروعة، يعني: أن الإنسان إذا فعلها يؤجر عليها، ويلحق بهذا كل ما كان من آلات الجهاد.. وأيضاً الاستعداد لقتال الكفار.

    ولهذا رخّص الشرع فيها بالرهان كما سيأتي إن شاء الله.

    إذاً: القسم الأول: مسابقات مشروعة وهي كل ما يتعلق بآلات الجهاد، فمثلاً: المسابقات على الرمي، أو غير ذلك من أمور الجهاد كله مشروع.

    وأما أخذ العوض على هذا القسم فعلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون العوض من الإمام، يعني: السلطان الأعظم يجري المسابقة في آلة من آلات الجهاد، أو في الخيل، أو في الإبل، أو في الرمي... أو نحو ذلك من آلات الجهاد، فأخذ العوض من الإمام جائز بالاتفاق.

    ويدل لهذا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وأعطى السابق )، وهذا أخرجه الإمام أحمد والبيهقي ، وغيرهما.

    القسم الثاني: أن يكون العوض من كلٍ منهما، يعني: هذا زيد يدفع مائة ريال، وهذا عمرو يدفع مائة ريال، ثم يتسابقان في الرمي مثلاً، من أصاب الهدف يأخذ المائتين، فالآن الرهان من كل منهما، هذا يدفع وهذا يدفع، والذي يفوز يأخذ العوض.

    جمهور أهل العلم قالوا بالجواز، لكن بشرط المحلل، وما هو المحلل؟

    المحلل قالوا: يدخل مع المتسابقين ويغنم ولا يغرم، فمثلاً: يتسابقان على الخيل، زيد دفع مائة ريال وعمرو دفع مائة ريال؛ ولكي تصح هذه المسابقة فإنه يدخل معهما ثالث، وهذا الثالث لا يدفع شيئاً، إن فاز وسبقهما أخذ العوض كله وغنم، وإن خسر فلا يدفع شيئاً، يعني: وإن فاز عمرو أخذ العوض، وإن فاز زيد أخذ العوض، وإن فاز الثالث أخذ العوض؛ فهو يغنم ولا يغرم. هذا هو المحلل.

    فالجمهور قالوا: يجوز المسابقة في الرهان بشرط أن يكون هناك محلل.

    واستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدخل فرساً بين فرسين فإن كان يأمن أن يُسبق فهو قمار، وإن كان لا يأمن أن يُسبق فليس بقمار ).

    وقوله: ( من أدخل فرساً بين فرسين ) إذا كان المتسابقان يعرفان أن هذا الفرس الثالث سيسبق فهذا لا يجوز وهو قمار، وإن كان يمكن أنه يسبق ويمكن أن يُسبَق قالوا: هذا كما في الحديث: ( فليس بقمار ).

    الرأي الأول قالوا: إذا كان العوض من كل منهما يُشترط أن يكون هناك محلل؛ لما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والرأي الثاني: أن اشتراط المحلل غير صحيح، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، قالوا: إن المحلل ليس شرطاً، ويصح أن يتسابق اثنان، إذا سبق أحدهما فله العوض والآخر يخسر، فيكون هذا الرهان من الميسر الذي جاء به الشارع؛ لما يترتب عليه من المصلحة العظيمة؛ إذ إن هذا إنما يكون على آلات الجهاد خاصة.

    ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ).

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: والقول بالمحلل تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب ، وأما الصحابة فلم يحفظ عن أحد منهم أنه اشترطه.

    وعلى هذا نقول: القسم الثاني: إذا كان العوض من كلٍ منهما فإن هذا جائز ولا بأس به، ويكون من الميسر والرهان الذي رخّص فيه الشارع؛ لما يترتب عليه من المصلحة.

    القسم الثالث: إذا كان العوض من أجنبي، فهذا أولى بالجواز، فإذا قال: تسابقا والسابق أعطيه كذا وكذا، أو اضربا على الهدف هذا والذي يضرب الهدف له كذا وكذا... إلى آخره، فهذا جائز ولا بأس به.

    القسم الرابع والأخير: أن يكون العوض من أحدهما.

    وهذا أيضاً جائز ولا بأس به؛ لأننا إذا أجزنا أن يكون العوض من كلٍ منهما فكون العوض من أحدهما هذا من باب أولى.

    فعلى هذا تلخص ما يتعلق بالمسابقات المشروعة: أنه يجوز أخذ العوض فيها مطلقاً، سواءٌ كان من الحاكم، أو من أحدهما، أو من أجنبي، أو من كلٍ منهما.

    ويكون هذا من الرهان والميسر الذي جاءت الشريعة بالرخصة فيه.

    المسابقات المحرمة

    القسم الثاني: المسابقات المحرمة.

    وضابط ذلك: أن كل مسابقة ترتب عليها ضرر في الدين أو في الدنيا، فإنها مسابقة محرمة.

    وهذا له أمثلة كثيرة، مثل: ما يوجد اليوم في سباق السيارات؛ فإن مثل هذه المسابقات فيها ضرر، وضررها ظاهر لما يكون فيها من الحوادث وغير ذلك.

    ومثل ذلك أيضاً: ما يكون من سباق الملاكمة أو المصارعة وما يترتب عليها من أضرار.

    ومثل ذلك أيضاً: المسابقات والألعاب التي تولد الحساسية والتحزبات، وتوجد الفرقة بين الناس.. هذه كلها محرمة ولا تجوز.

    فسباق الكرة أو اللعب بالكرة إذا كان يولد الحساسية بين المسلمين والفرقة، والتحزبات... وغير ذلك، فهذا نقول: لعبٌ محرم ولا يجوز، لكن إذا انتفت فهذه الكرة تدخل في ضابط المسابقات المباحة.

    وكذلك أيضاً ما يدخل في المسابقات المحرمة التي يكون فيها كشف للعورات، أو يكون فيها صور مقصودة... إلى آخره، فهذه محرمة ولا تجوز، أو فيها إيذاء للحيوان ونحو ذلك.

    إذاً: الضابط في ذلك: إذا كان يترتب عليها ضرر في الدين بفعل أمر منهي عنه، أو ترك واجب، أو ضرر في الدنيا، سواءً كان للأبدان أو للأموال والأعراض، فنقول: هذه محرمة ولا تجوز.

    وأخذ العوض على هذا القسم محرم ولا يجوز مطلقاً.

    إذاً: عندنا قسمان متقابلان:

    القسم الأول: المشروع فهذا يجوز أخذ العوض عليه مطلقاً.

    القسم الثاني: المحرم، وهذا لا يجوز أخذ العوض عليه مطلقاً، سواءٌ كان من كل منهما، أو كان من أحدهما، أو كان من أجنبي... إلى آخره، فأخذ العوض على هذا محرم ولا يجوز.

    المسابقات المباحة

    القسم الثالث: المسابقات المباحة.

    وهي ما عدا القسمين السابقين، وهي: كل مسابقة ترتبت عليها مصلحة وانتفت عنها مضرة، فنقول: هذا من المسابقات المباحة التي جاء الشرع بإباحتها.

    وهذا له أمثلة، منها: المسابقة على الأقدام.. هذه من المسابقات المباحة، ولا نقول بأنها من المسابقات المشروعة، وإن كان فيها نوع من الاستعانة على الجهاد؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حصر فقال: ( لا سبق ) يعني: لا عوض ( إلا في خف أو نصل أو حافر )، فحصر ذلك في آلات الجهاد التي يستخدم فيها الجهاد غالباً.

    أيضاً من المسابقات المباحة: السباحة وما يتعلق بها، والمسابقة على الدراجات، وما يوجد اليوم مما يتعلق برفع الأثقال، وأيضاً المصارعة ولعب الكرة إذا انتفت من المحاذير الشرعية.

    وكذلك أيضاً ما يوجد الآن من الألعاب التي يستخدمها الأطفال، الأصل في ذلك أنه من المباح؛ كونه يترتب عليه مصلحة وينتفي عنه المضرة، لكن هذه الأشياء المباحة لها ضوابط.

    الضابط الأول: أن لا يترتب عليها مضرة في الدين بترك واجب أو فعل منهيٍ عنه، ترك واجب مثل: تأخير الصلاة عن وقتها. وفعل منهي عنه، كأن تولد البغضاء أو الفحش أو السباب أو غير ذلك.

    الضابط الثاني: أن لا يترتب عليها مضرة في الدنيا، سواءٌ كان ذلك في الأموال أو في الأعراض والأبدان.

    الثالث: ألا يكثر منها المكلَّف، وقلنا: المكلَّف يخرج غير المكلَّف، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرخَّص للصغير ما لا يرخّص للكبير، وقالت عائشة كما في البخاري : اقدروا للجارية حديثة السن قدرها.

    فالكبير يرخّص له أن يلعب، لكن لا يكثر الترخيص له كما يرخّص للصغير، فهو يرخّص له أن يلعب وأن يتلهى؛ لما في ذلك من الإجمام والاستعانة.. إجمام القلب والاستعانة على طاعة الله عز وجل، وعلى هذا تجد العلماء رحمهم الله اختلفوا في اللعب بالورق هل هو جائز أو ليس جائزاً؟

    بعض العلماء يقول: جائز، وبعض العلماء يقول: محرم، لكن إذا ضُبط بمثل هذه الضوابط التي ذكرنا فيجوز.

    اللعب بالكرة: أيضاً بعض العلماء جوّزه وبعض العلماء منعه، لكن إذا ضُبط بما ذكرنا من الضوابط.

    واللعب بالشطرنج: بعض العلماء منع من ذلك لما فيه من التماثيل... إلى آخره، وبعض العلماء أجازه، فننظر إلى مثل هذه الضوابط التي ذكرنا.

    وبالنسبة لأخذ العوض نقول: العوض ينقسم إلى أربعة أقسام، كما ذكرنا في المسابقات المشروعة:

    القسم الأول: أن يكون العوض من الإمام.

    كما لو كان هناك مسابقة على الأقدام، أو مسابقة على الدراجات وأعطى الإمام فيها عوضاً، فنقول: هذا جائز ولا بأس به.

    القسم الثاني: أن يكون العوض من كل منهما.

    يعني: يتسابقان على الأقدام، أو سباحة، أو مصارعة.. ونحو ذلك، وكلٌ منهما يدفع عوضاً، هذا يدفع مائة ريال وهذا يدفع مائة ريال يأخذها الغانم. نقول: هذا محرم ولا يجوز.

    ويدل له قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ).

    القسم الثالث: أن يكون العوض من أجنبي.

    يعني: يلعب هؤلاء والذي يفوز أعطيه كذا وكذا، فالعوض هنا من أجنبي، فهذا موضع خلاف.

    فكثير من أهل العلم منع من ذلك، وقال: العوض لو جاء الشرع بإباحته لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر )، وممن ذهب إلى المنع ابن القيم رحمه الله.. وقال: مثل هذه المسابقات كالخمر قليلها يدعو إلى كثيرها، وكثيرها يصد عما يحبه الله ورسوله، وتخرج عن مقصودها أيضاً.. وهو ما يتعلق بتقوية البدن والاستعانة على طاعة الله، وإجمام القلب، لا أن يكون القصد بها التجارة والكسب.

    والأقرب والله أعلم أن هذا القسم يلحق بالقسم الأول، فإذا كان العوض من الإمام جائزاً فالذي يظهر أنه إذا كان من أجنبي خارج عن المتسابقين كان جائزاً؛ لأن الأصل هو إباحة مثل هذه الأشياء.

    وأما القول بأن قليلها يدعو إلى كثيرها كما ذكر ابن القيم رحمه الله، فنحن قد ضبطناها بضوابط.

    وكذا القول بأن هذا يدعو إلى أن تكون مصدراً للكسب إلى آخره، فإن هذا بعيد، وإذا تضمنت محاذير شرعية منعت.

    القسم الرابع: أن يكون العوض من أحدهما. فهؤلاء الذين منعوا في القسم الثالث أيضاً يمنعون في القسم الرابع من باب أولى، والمنع في القسم الرابع أقرب من الإجازة، وعلى هذا تكون المسابقات المباحة في قسمين يجوز أخذ العوض، وفي قسمين لا يجوز أخذ العوض.

    والمشروعة يجوز أخذ العوض مطلقاً، والمحرمة لا يجوز أخذ العوض مطلقاً، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.