إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجوائز هي: العطايا التي يهبها أصحاب السلع للمشترين، وسواء كانت من أصحاب السلع أو من غيرهم فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يكون عن طريق المسابقات، وهي أنواع: منها ما يكون عن طريق دفع الرسوم للدخول فيها وهي محرمة، أو عن طريق شراء الجائزة وغيرها. الث

    1.   

    تابع مسألة جمعية الموظفين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

    فسنكمل إن شاء الله ما يتعلق بمسألة جمعية الموظفين، ثم بعد ذلك سنتعرض لأحكام الجوائز والمسابقات.. الجوائز التي يعطيها أصحاب السلع من المحلات التجارية وغيرها، وكذلك ما يتعلق بالمسابقات والألعاب وأقسامها، وحكم أخذ العوض على كل قسم من هذه الأقسام... إلى آخره.

    تقدم أن ذكرنا طرفاً من كلام العلماء رحمهم الله في حكم جمعية الموظفين، وذكرنا أن جمعية الموظفين لها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً معيناً متساوياً، يأخذه أحدهم عند نهاية كل شهر أو شهرين أو نصف سنة... ونحو ذلك، حسب ما يتفقون عليه.

    والصورة الثانية كالصورة الأولى، إلا أن الصورة الثانية يشترط فيها ألا ينسحب أحدهم حتى تكتمل الدورة.

    والصورة الثالثة كالصورة الثانية أيضاً، إلا أنه يُشترط فيها أن يكون هناك دورتان أو ثلاث أو أكثر.

    ثم بعد ذلك تكلمنا عن خلاف أهل العلم رحمهم الله في الصورة الأولى، وأن أكثر العلماء على جواز مثل هذه الصورة، وذكرنا طرفاً من أدلتهم، وشرعنا في دليل القول الثاني الذي يمنع هذه الصورة، وذكرنا أبرز أدلتهم: وهو أن هذا من قبيل القرض الذي جر نفعاً، وأن القرض الذي جر نفعاً ربا، كما ورد ذلك عن جماهير الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وأجبنا عن ذلك بأجوبة، ومن أهم هذه الأجوبة: بيان الضابط في المنفعة التي تحرم بعقد القرض، وأن المنفعة التي تحرم بعقد القرض هي ما اشتملت على أمرين:

    الأمر الأول: أن يشرط المقرض على المقترض منفعة لا يقابلها سوى القرض.

    الأمر الثاني: ما يقدمه المقترض للدائن بسبب القرض.

    أما بالنسبة للدليل الثاني لمن قال بالتحريم، فقالوا: هذا من قبيل بيعتين في بيعة الذي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

    والبيعتان في بيعة اختلف شرّاح الحديث كثيراً في بيان ما المراد بالبيعتين في بيعة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال، وذكر بعض شرّاح الحديث ما يقرب من ثمانية أقوال، وأبرز هذه الأقوال: أن المراد بالبيعتين في بيعة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم لنا في بيوع التقسيط: الحلول والأجل، يعني: أن يقول: بعتك السلعة حالّة بكذا وكذا، أو مؤجلة بكذا وكذا. قالوا: هذا هو المراد ببيعتين في بيعة.

    الرأي الثاني: قالوا: إن المراد ببيعتين في بيعة الأجلان، بأن يقول: بعتك السلعة بكذا مؤجلة أو بكذا مؤجلة.. يعني يقول مثلاً: بعتك السيارة بعشرة آلاف إلى شهر، أو بعشرين ألفاً إلى شهرين، وثلاثة أشهر... إلى آخره.

    الرأي الثالث: أن المراد ببيعتين في بيعة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو اشتراط عقد في عقد، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد في مذهبه: أن يقول: بعتك السيارة بشرط أن تؤجرني بيتك، أو تبيعني بيتك... ونحو ذلك، قالوا: هذا هو المراد ببيعتين في بيعة.

    وهذا سيأتي بيانه عند بحث مسألة الإجارة المنتهية بالتمليك.

    الرأي الرابع: هو ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله، وهو أن المراد ببيعتين في بيعة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو بيع العينة، وأن السنة يفسّر بعضها بعضاً.

    فقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ) المراد بذلك بيع العينة، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيعتين في بيعة ) المراد بذلك بيع العينة، وهو أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل من ثمنها نقداً، فيبيع السيارة مثلاً بمائة ألف ريال مؤجلة، ثم بعد ذلك يشتري هذه السيارة بأقل من ثمنها نقداً، فقالوا: هذا هو بيعتان في بيعة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أطال ابن القيم رحمه الله في تقريره، وقال: السنة يفسر بعضها بعضاً، فهذه هي التي يوجد فيها المحظور، وأنها دراهم بدراهم بينهما سلعة أو حريرة كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    فالشرطان اللذان نهى عنهما النبي صلى الله عليه وسلم هما الشرطان اللذان في بيع العينة، والبيعتان اللتان نهى عنهما النبي صلى الله عليه وسلم هما البيعتان في بيع العينة، وأنه في بيع العينة يبيع السيارة مؤجلة ثم يشتريها نقداً، فهاتان بيعتان: بيعة التأجيل، وبيعة النقد أو الثمن الحاضر. وهذا القول هو الأقرب.

    وعلى هذا؛ فإن التفاسير السابقة لا تكون داخلة تحت حديث: ( ولا شرطان في بيع )، ولا تكون أيضاً داخلة تحت حديث النهي عن بيعتين في بيعة.

    كذلك قالوا أيضاً من أدلة التحريم: أن هذه الجمعية فيها شيءٌ من المخاطر، فقد يموت أحد أعضاء هذه الجمعية، وقد يفصل من عمله، وقد يُنقل إلى بلد آخر فتضيع على أصحاب الحقوق حقوقهم؛ فيُنهى عنها من أجل هذه المخاطر.

    والجواب عن هذا أن يقال: المصالح المترتبة على هذه الجمعية أكثر من المخاطر المترتبة على هذه الجمعية، قد تقدم لنا بيان شيء من ذلك في ضابط سد الذرائع.

    وكذلك أيضاً: أن مثل هذه المخاطر توجد حتى في المعاملات المباحة، فما من معاملة من المعاملات المباحة إلا وفيها شيءٌ من المخاطر، فحتى القرض المعتاد فيه شيء من المخاطر، فكون زيد يقرض عمراً هذا أيضاً فيه شيء من المخاطرة، فعمرو المقترض قد يموت ولا يتمكن زيد من حقه، فالمخاطر المنغمرة في المصالح الأخرى المرتبة على المعاملة هذه لا تعلق عليها الأحكام، ولا ينظر إليها الشارع.

    حكم الصورة الثانية

    أيضاً الذين يجوزون الصورة الأولى يجوزون الصورة الثانية لعدم المحذور الشرعي.

    والصورة الثانية كما تقدم هي: أن يُشرط ألا ينسحب أحد حتى تنتهي الدورة. فالذين يجوزونها مثل الشيخ محمد العثيمين رحمه الله والشيخ عبد الله بن جبرين يجوزون أيضاً الصورة الثانية؛ لأن المحذور منتف، فكما أنه منتف في الصورة الأولى فهو أيضاً منتف في الصورة الثانية، فالمنفعة التي يستفيدها المقرض أيضاً يستفيدها المقترض في هذه الدورة، فهي منفعة متبادلة كما سلف أن أشرنا إليه.

    حكم الصورة الثالثة

    الصورة الثالثة وهي: أنه يُشترط أن يكون هناك أكثر من دورة، يعني: تدور الجمعية لمدة سنتين، أو ثلاث سنوات... إلى آخره.

    أيضاً الشيخ محمد رحمه الله يرى جواز مثل هذه الصورة، وذهب بعض الباحثين إلى التفريق بين الصورة الأولى والثانية، ففي الصورة الأولى والثانية تجوز، وأما الصورة الثالثة إذا اشترط أن يكون هناك دورة ثانية ودورة ثالثة فإنها محرمة ولا تجوز، مع أنه أجاز الصورة الأولى والصورة الثانية؛ لما في ذلك من المنفعة التي تكون داخلة في نفع المقرض الذي نهي عنه.

    وتقدم أن أشرنا إلى المنفعة التي تكون محرمة في باب القرض، وأنها تشتمل على أمرين:

    الأمر الأول: ما يشترطه المقرض على المقترض، وليس له مقابل سوى القرض، قالوا: هذا داخل في هذا الضابط، فكونه يشترط عليه أن يكون هناك دورة ثانية أو ثالثة داخل في هذا الضابط.

    والذين أجازوها مثل الشيخ رحمه الله يقول: حتى لو شرط دورتين أو ثلاثاً، يعني: اتفق الموظفون على دورتين أو ثلاث ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به.

    زكاة جمعية الموظفين

    بقينا في مسألة أخيرة تتعلق بهذه الجمعية، وهي: زكاة هذه الجمعية، وهذه أيضاً يسأل عنها كثير من الناس.

    نقول: الداخل في هذه الجمعية لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون في أول القائمة.

    الحالة الثانية: أن يكون في آخر القائمة.

    الحالة الثالثة: أن يكون في وسط القائمة.

    أما الذي يأخذ الجمعية في أول القائمة فهذا لا زكاة عليه، اللهم إلا إذا ترك هذه الدراهم حتى حال عليها الحول، فلو فرضنا أن زيداً هو الأول ثم أخذ هذه الدراهم وتركها عنده حتى حال عليها الحول فيجب عليه أن يخرج الزكاة عند حولان الحول، لكن لو استهلكها، والغالب فيمن يلجأ لمثل هذه الجمعية أنه يستهلكها سواء في بناء البيت، أو في الزواج، أو في شراء سيارة... أو نحو ذلك، فإذا استهلكها فإنه لا شيء عليه.

    الثاني: أن يكون في آخر الجمعية. وهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يأخذ الجمعية بعد تمام الحول، بحيث يكون عددهم اثني عشر، فأخذ الجمعية بعد تمام الحول، فهذا يجب عليه أن يخرج عن الشهر الأول الذي دفعه، فإذا كانت الجمعية من ألفين ريال يجب عليه أن يخرج عن ألفين إذا قبض الجمعية، وبعد اثني عشر شهراً يجب عليه أن يخرج زكاة الشهر الأول وهما ألفا ريال.

    ثم بعد ذلك إن استهلكها فلا شيء عليه، لكن لو بقيت عنده يخرج عن زكاة الشهر الثاني؛ لأن الشهر الثاني أيضاً حال عليه الحول، فإذا مر شهر ثانٍ يخرج عن زكاة الشهر الثاني، فإذا مر عليه شهر ثالث يخرج عن زكاة الشهر الثالث... وهكذا.

    أما من كان في وسط الجمعية مثل لو كان ترتيبه السابع وقبض هذه الجمعية، فنقول أيضاً: هذا لا زكاة عليه إذا استهلكها، لكن لو بقيت عنده حتى مضى حول من الشهر الذي دفعه، يعني: إذا مضت خمسة أشهر بعد السبعة أشهر والدراهم عنده أخرج عن الشهر الأول، فإذا مضت ستة أشهر أخرج عن الشهر الثاني، وإذا مضت سبعة يزكي الثالث... وهكذا.

    1.   

    أحكام الجوائز

    أيضاً من المسائل التي كثرت عند الناس اليوم: ما يتعلق بالجوائز والمسابقات والألعاب، وسنتكلم عن الجوائز التي يبذلها التجار أو المحلات التجارية، ثم نتكلم عن المسابقات والألعاب، وإذا انتهينا من المسابقات نتكلم عن الإجارة المنتهية بالتمليك.

    الجوائز في اللغة: جمع جائزة وهي العطية.

    وفي الاصطلاح: هي العطايا التي يهبها أصحاب السلع للمشترين.

    والأصل في مثل هذه العطايا أنها جائزة، يعني: كونك تشتري من صاحب المحل ويعطيك هدية أو يعطيك جائزة على ذلك، الأصل في مثل هذه الجوائز والهبات من أصحاب المحلات أنها جائزة، وإجماع العلماء رحمهم الله منعقد على ذلك.

    أقسام الجوائز

    وتقدم لنا أن الأصل في المعاملات الحل، وذكرنا دليل ذلك، والمستقرئ لأحوال هذه الجوائز والهبات التي تكون من أصحاب السلع وغيرهم يتبين له أن هذه الجوائز تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الجوائز عن طريق المسابقات

    القسم الأول: الجوائز التي تكون عن طريق المسابقات. وهذه تحتها أنواع:

    النوع الأول: أن تكون الجائزة عن طريق دفع رسوم للدخول في المسابقة، يعني: لا يدخل الإنسان في المسابقة لكي يأخذ الجائزة حتى يدفع رسماً مثال ذلك:

    كأن تكون هناك بطاقات يشتريها الناس، ثم بعد ذلك يدخلون في المسابقة.

    ومن الأمثلة التي توجد الآن: ما تقيمه بعض وسائل الإعلام من المسابقات، فتتصل على نفس الهيئة المنظمة للمسابقة، ثم بعد ذلك تقوم بالإجابة، قد تحصل على الجائزة وقد لا تحصل على الجائزة، ومثل هذه الاتصالات يستفيد منها أصحاب اللجنة وأصحاب الهيئة الذين قاموا بتنظيم مثل هذه المسابقة.

    ومثل ذلك: ما يسمى بالمسابقة عن طريق هاتف (700) ونحو ذلك، فمن دفع رسماً لكي يدخل في هذه المسابقة اتصل على هذه الهيئة عن طريق الهاتف، وهذه اللجنة المنظمة لهذه المسابقة تستفيد من هذا الاتصال، ولها نسبة في أخذ رسم من هذا الاتصال، وإدارة الاتصال لها نسبة أخرى.

    فهذا النوع من الميسر المحرم الذي لا يجوز.. إذا كانت الجائزة عن طريق دفع رسوم للدخول في المسابقة سواء كانت هذه الرسوم عن طريق بطاقات يشتريها الناس، أو عن طريق اتصالات ونحو ذلك تكلفهم أموالاً، فهذا من قبيل الميسر؛ لأن الإنسان يدخل فيها وهو إما غانم أو غارم.

    وقد تقدم لنا أن من الضوابط التي تنبني عليها المعاملة: منع الميسر. والميسر هو أن يدخل الإنسان في المعاملة وهو إما غانم أو غارم.. وهكذا الآن قد تجد أنه يتكلف مائتي ريال، أو ثلاثمائة ريال... إلى آخره، عن طريق شراء البطاقة أو عن طريق الاتصال، ثم بعد ذلك قد يحصل على شيء من الجائزة وقد لا يحصل على شيء منها.

    النوع الثاني: أن تكون الجائزة عن طريق الشراء.

    وصورة ذلك: أن يضع التاجر جائزة على مسابقة لا يدخل في هذه المسابقة إلا من اشترى سلعة يبيعها التاجر، وما عدا ذلك لا يدخل في المسابقة.

    فمثلاً: تأتي المحل التجاري وقد وضع سيارة أو وضع ثلاجة ونحو ذلك، ومن اشترى منه أعطاه ورقة، وهذه الورقة فيها مسابقة قد تقوم بحل أسئلة، ثم بعد ذلك يفرز من حل هذه الأسئلة، أو قد يحل جمع من الناس هذه الأسئلة وتكون إجاباتهم صحيحة، ثم بعد ذلك يفرز عن طريق الحظ من يفوز بهذه الجائزة.

    وهذا النوع تحته قسمان:

    القسم الأول: أن تكون الجائزة مؤثرة بالسعر؛ بحيث أن التاجر رفع السعر مقابل وضع الجائزة، فهذا محرم ولا يجوز وهو من الميسر؛ لأن العميل أو المستهلك لما اشترى هذه السلعة زاد في ثمنها، وهو قد يحصل على الجائزة وقد لا يحصل عليها، فهو إما غانم أو غارم.

    القسم الثاني: أن لا يكون للجائزة أثر في السعر، أي أن السعر كما هو، لكنه وضع هذه السيارة أو هذه الثلاجة ونحو ذلك لكي يرغب في الشراء منه، وإلا فالأسعار كما هي، فهذه موضع خلاف بين المتأخرين:

    فالرأي الأول: قالوا: إن كان قصد المستهلك السلعة لحاجته إليها، فهو جائز. يعني: هو يحتاج إلى هذه السلعة وليس قصده الجائزة، سواء كان هناك جائزة أو لم يكن هناك جائزة، المهم أنه يحتاج إلى هذه السلعة، فهو يريد أن يشتري حليباً أو لبناً أو نحو ذلك، سواءٌ وجد عليه جائزة أم لم يكن يجد؛ وهذا جائز ولا بأس به.

    وإن كان ليس قصده السلعة وإنما قصده الجائزة، وكان إنما أراد من هذا الشراء أن يحوز على الجائزة، فقالوا: هذا محرم ولا يجوز؛ لأنه لا يخلو من القمار، فهو إما غانم أو غارم، وما دام أنه لا يحتاج إلى السلعة فهو غالباً لا ينتفع بها. هذا هو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: التحريم مطلقاً.

    ولكل منهم دليل، فالذين قالوا بالرأي الأول وهو التفصيل استدلوا بأدلة، قالوا: إذا كان الإنسان يريد هذه السلعة ويحتاجها فقد انتفى المحذور، وليس هناك شائبة قمار أو ميسر، فالسلعة بثمنها والمستهلك أو العميل يحتاج إلى هذه السلعة.. فشائبة الميسر والقمار ليست موجودة، والأصل في المعاملات الحل.

    والذين قالوا بأنها محرمة، استدلوا على ذلك بأدلة، وقالوا: حتى وإن كانت السلعة بسعر المثل، وحتى وإن كان العميل يحتاجها فإن اشتراط عدم الزيادة في السعر مما يصعب ضبطه.

    وأيضاً قالوا: إن قصد العميل أمرٌ خفي، يصعب التحقق منه؛ لأن العميل قد يقصد في اعتباره الجائزة، فإذا كان أخذ في اعتباره الجائزة، دخل في مسألة القمار.

    وأيضاً قالوا: أن مثل هذه المعاملات مدعاة لأن يشتري الإنسان ما لا يحتاجه، وهذا فيه شيءٌ من الإسراف، يعني: كونه تباح مثل هذه المعاملة مدعاة لأن يشتري الإنسان شيئاً لا يحتاجه، نعم قد يشتري هذا ما يحتاجه لكن غيره إذا علم أن هناك جائزة كبيرة قد يشتري سلعاً لا يحتاجها الآن، وقد يشتري أكثر من حاجته، ولهذا يُمنع من ذلك.

    كذلك أيضاً قالوا: القمار موجود من جهة البائع، فقد يفوز أحد المشترين بهذه الجائزة وسلع البائع لم تنته، فيكون البائع داخلاً في القمار إما غانم أو غارم.

    والأقرب في مثل هذا هو الرأي الأول، وأن مثل هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله؛ لما ذكرنا أن الأصل في المعاملات الحل، وما ذكره أصحاب القول الثاني من العلل تنتفي بما ذكره أصحاب القول الأول من الضوابط، وذلك: أن تكون بسعر المثل، وأن يشتري ما يحتاجه. فإذا توفر ذلك انتفت مثل هذه الضوابط.

    القسم الثالث: أن تكون الجائزة عن طريق المسابقات التي يظهر منها تعليم الناس وإرشادهم.

    وهذا كما تضعه بعض المؤسسات التربوية، أو بعض المؤسسات التعليمية.. تضع مسابقة على شريط هادف، أو على كتاب من كتب أهل العلم، أو أسئلة شرعية؛ وتقصد من وراء ذلك تعليم الناس وإرشادهم هذه الأحكام.

    وهذا القسم ينبني على خلاف أهل العلم رحمهم الله: هل يجوز أخذ الرهان على المسائل العلمية أو لا يجوز؟

    هذه المسألة فيها قولان: الحنفية يقولون: هذا جائز ولا بأس به. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه يجوز أخذ الرهان على المسابقات العلمية الشرعية، فيتسابق اثنان على مسألة علمية هل هي من الحلال أو الحرام؟ وكل منهم يدفع مائة ريال، فمن كان القول قوله أخذ العوض وخسر الآخر، فكلٌ منهم يدخل وهو غانم أو غارم، وهذا من الرهان الذي أباحه الشارع.

    قالوا: كما أن الدين قام بالسيف والسنان أيضاً قام بالعلم والبيان.

    الرأي الثاني رأي جمهور أهل العلم: أن أخذ الرهان على المسائل العلمية محرم ولا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حصر الرهان في ثلاثة أشياء: الخف، والنصل، والحافر. يعني: في آلات الجهاد، قال: ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ).

    والراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنفية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن سنذكر لهذا القسم ضابطاً.

    إذاً القسم الأول: إذا كانت الجوائز عن طريق المسابقات فلها ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: أن تكون الجائزة عن طريق المسابقة، لكن لا تدخل بالمسابقة إلا عن طريق دفع رسوم ونحو ذلك.

    النوع الثاني: أن تكون الجائزة عن طريق مسابقة، لكن لا تدخل في المسابقة إلا عن طريق شراء سلعة ونحو ذلك.

    النوع الثالث: أن تكون الجائزة عن طريق المسابقة التي يظهر منها قصد تعليم الناس وإرشادهم، وهذا فيما إذا كانت المسابقات شرعية.

    القسم الثاني: الجوائز التابعة للسلع

    القسم الثاني: الجوائز التابعة للسلع، وهذه أيضاً تحتها أنواع:

    النوع الأول: أن تكون الجائزة من قِبل البائع بلا شرط ولا قيد، وقد تكون هذه الجائزة عيناً وقد تكون منفعة.

    يعني: أن تكون الجائزة من البائع غير مقيدة مسابقة أو شراء سلعة معينة أو نحو ذلك، وقد تكون هذه الجائزة عيناً، وقد تكون منفعة.

    فهذه جائزة ولا بأس بها، مثل: أن يشتري من صاحب محل فيعطيه المحل كذا وكذا من الهدايا، أو ما يوجد الآن في محطات البنزين، يعطيك صاحب المحطة كذا وكذا، وقد تكون هذه عيناً، وقد تكون منفعة.. يعني: أن من عمل عنده كان العمل الآخر مجاناً، فهذه جائزة ولكنها منفعة وليست عيناً، أو مثل من أصلح السيارة عنده يكون الإصلاح الثاني مجاناً، أو من غسل عنده السيارة يكون الغسيل الثاني مجاناً، فهذه الجائزة لا بأس بها، والأصل في ذلك الحل؛ لعدم المحذور الشرعي.

    إذاً: النوع الأول: إذا كانت الجائزة من قِبل البائع بلا قيد ولا شرط، فإنها جائزة سواءٌ كانت عيناً أو منفعة.

    النوع الثاني: أن تكون الجائزة هدية معلومة للمشتري، وصورة ذلك: أن تشتري السلعة وقد بيّن لك البائع أن مع هذه السلعة هدية، فتشتري أنت هذه السلعة وتجد أن مع السلعة هدية، فهذا أيضاً جائز ولا بأس به.

    لأن هذه الهدية بمثابة التخفيض أو الخصم، ولا يوجد شيءٌ من الغرر على من علم بهذه الهدية.

    النوع الثالث: أن تكون الهدية مجهولة؛ لكونها داخل السلعة، يعني: يشتري السلعة ويفتح السلعة ثم بعد ذلك يجد هدية، وهذه الهدية مجهولة لا يدري ماهية الهدية. فهذا فيه تفصيل:

    إن كانت هذه الجائزة لها أثر في السعر، يعني: رُفع السعر من أجل هذه الجائزة، فهذا لا يجوز؛ لأن الإنسان يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم، قد تكون هذه الزيادة في السعر مساوية لهذه الهدية، وقد تكون هذه الزيادة في السعر أكثر، وقد تكو أقل.. فيدخل وهو إما غانم أو غارم. فإذا كان كذلك فإنه لا يجوز.

    أما إن كانت الهدية الجائزة ليس لها أثر في السعر، السعر كما هو والجائزة مجهولة، قد تكون صغيرة، وقد تكون كبيرة؛ فهذا جائز ولا بأس به؛ لما تقدم أن هذا بمثابة التخفيض أو الخصم، والأصل في المعاملات الحل.

    النوع الرابع: أن تكون الجائزة في بعض السلع دون بعض، يشتري هذه السلعة وقد لا تكون فيها جائزة. فهذه أيضاً جائزة.. لكن تقيد بقيدين:

    القيد الأول: ألا يكون للجائزة أثر في السعر.

    القيد الثاني: أن يشتري الإنسان ما يحتاجه لهذه السلع.

    النوع الخامس: أن تكون الجائزة من النقود. يعني: يكون في داخل هذه السلعة شيءٌ من النقود.

    فهذه اختلف فيها المتأخرون:

    الرأي الأول: قال بعض العلماء: هذا محرم ولا يجوز، وأن هذا داخلٌ في مسألة مد عجوة ودرهم، ومد عجوة ودرهم هو بيع ربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسهما.

    مثلاً: بر ومعه شيءٌ من الدراهم، فعندك الآن بر هذا ربوي بربوي ومع أحدهما من غير جنسهما، هذه مسألة مد عجوة ودرهم، ويدل لها حديث فضالة بن عبيد لما اشترى قلادة فيها خرز بدنانير، والدنانير ذهب، والقلادة من ذهب فيها شيء من الخرز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا. حتى تفصل بينهما ).

    فعندما تبيع ذهباً بذهب لا بد من التساوي، ولا يجوز أن يكون مع أحد العوضين شيءٌ زائد حتى ولو كان من غير الجنس.. إذا كان من غير الجنس فهو محرم لأنه وسيلة إلى ربا الفضل.

    فإذا كانت من النقود قالوا: هذه محرمة؛ لأنه الآن يبادل دراهم بدراهم، ومع أحدهما من غير جنسهما، فهذه الريالات ربوية، والريالات التي في السلعة أيضاً ربوية، فأنت الآن تبادل ريالات بريالات ومع أحدهما من غير جنسهما.

    والرأي الثاني: التفصيل في المسألة، فقالوا: يُنظر إلى هذه الدراهم، إن كانت شيئاً يسيراً فهذا لا بأس بها، مثلاً اشترى ما قيمته خمسون ريالاً ويوجد ريال واحد، هنا الدراهم ليست مقصودة، فأصبح الآن دراهم بسلعة وليست بدراهم؛ لأن الدراهم هذه تابعة وليست مقصودة، والعلماء يقولون حتى في مسألة مد عجوة ودرهم: التابع اليسير لا أثر له.

    وهذا القول هو الصواب، أن يُنظر إلى الدراهم، إن كانت الدراهم يسيرة فهذه منغمرة ولا أثر لها، ولا تكون داخلة في مسألة مد عجوة ودرهم، وإن كانت الدراهم كثيرة فإن هذا لا يجوز؛ لوجود القصد، فأصبحت الآن دراهم بدراهم ومع أحدهما من غير جنسهما.

    فنقول: إن كانت يسيرة فهذا لا بأس، وإن كانت كثيرة فإن هذا غير جائز.

    القسم الثالث: قسائم السحب على الجوائز

    القسم الثالث: قسائم السحب على الجوائز.

    وصورة هذا القسم هو: أن بعض الشركات أو المحلات التجارية عند شراء المستهلك شيئاً من السلع يحصل على بطاقة، ثم بعد انتهاء مدة معينة يقومون بالسحب على هذه البطاقات، يعني: عندما تشتري سلعة تعطى بطاقة فيها رقم، ورقم آخر تضعه عند تلك الشركة أو المحل التجاري، ثم بعد مضي فترة تقدم الشركة أو المتجر قام بالسحب على هذه الأرقام، فمن خرج نصيبه استحق هذه الجائزة.

    هذه موضع خلاف أيضاً بين المتأخرين:

    فالرأي الأول: الجواز. وهذا قال به الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، وأيضاً بيت التمويل الكويتي، فإذا اشتريت من محل تجاري وأعطاك بطاقة على أنه إذا خرج رقمك المدون في هذه البطاقة فإنك تستحق جائزة معينة، فقالوا: هذا جائز.

    واشترطوا لذلك شرطين:

    الشرط الأول: عدم رفع قيمة السلع. يعني: هذه الجائزة لا يكون لها أثر في سعر السلعة، فتكون السلعة بمثل الثمن.

    الشرط الثاني: أن يكون شراؤه لهذه السلعة من أجل حاجته إليها، ولا يقصد الشراء من أجل الجائزة وإنما يحتاج هذه السلعة.

    واستدلوا لذلك بما تقدم: أن الأصل في مثل هذه الأشياء الحل، وأن شائبة الميسر أو القمار قد انتفت إذا كانت الجائزة ليس لها أثر في السعر.

    الرأي الثاني: أن هذا محرم ولا يجوز، وهذا ما ذهب إليه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكذلك أيضاً اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة، ويستندون في ذلك إلى أن مثل هذه الصورة يتحقق فيها شائبة القمار، وكونه يتخلص منها بالقيود السابقة قد يصعب هذا.

    وأيضاً قالوا: إن في هذا إضراراً بالمحلات التجارية الأخرى.

    وأيضاً عللوا أن هذا مدعاة لأن يشتري الإنسان ما لا يحتاجه من السلع.

    والأقرب -والله أعلم- في مثل هذا كما تقدم هو القول بالجواز إذا ضبطت بالقيود التي ذكرها أصحاب القول الأول.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.