إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيع المرابحة للآمر بالشراء: أن يتفق العميل مع المصرف على شراء سلعة يلزم العميل بشرائها مع ربح للمصرف، وهذه الصورة محرمة عند الجمهور، أما في حال أن العميل غير ملزم بالشراء فالجمهور على الجواز. وجمعية الموظفين لها عدة صور: الأولى: أن يتفق أشخاص على دفع مبل

    1.   

    تابع بيع المرابحة للآمر بالشراء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

    تقدم لنا في الدرس السابق بقية الضوابط المتعلقة بأحكام المعاملات، وذكرنا من هذه الضوابط: منع الغرر، ومنع الميسر، والصدق والأمانة، وسد الذرائع.

    ثم شرعنا في مسألة: المرابحة للآمر بالشراء، وذكرنا أن هذه المرابحة لها ثلاث صور، وذكرنا الصورة الأولى وهي: ما تبنى على المواعدة الملزمة.. أن يكون هناك مواعدة ملزمة بين العميل وبين المصرف، فيتفق العميل مع المصرف على أنه ملتزم بشراء هذه السلعة إذا اشتراها المصرف له، فيقوم المصرف بشراء السيارة أو غير ذلك من السلع للعميل، والعميل ملتزم بشرائها مع قدر من الربح.

    وذكرنا أن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في هذه المسألة على رأيين:

    الرأي الأول وهو قول جمهور أهل العلم المتأخرين: أن هذه المعاملة محرمة ولا تجوز.

    واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن هذه الأدلة العمومات التي تنهى عن بيع الإنسان ما لا يملك.

    وأيضاً من هذه الأدلة العمومات على نهي الإنسان أن يبيع شيئاً قبل أن يقبضه.

    وكذلك أيضاً من أدلتهم: أن حقيقة هذه المعاملة هي بيع نقد بنقد أكثر منه مؤجلاً، فهي تشتمل على ربا الفضل وربا النسيئة، فربا الفضل لوجود الزيادة بين الجنسين الربويين، وربا النسيئة لوجود التأجيل بين النقدين.

    وذكرنا أن بعض المتأخرين ذهب إلى جواز هذه المعاملة، وقال بأن الحاجة داعية إلى ذلك لاتساع رقعة التعامل، وتضخم رؤوس الأموال، كما أجاز الشارع عقد السلَم وعقد الاستصناع.

    وأجبنا عن ذلك بأن هذا لا يسلَّم في أن الحاجة داعية لمثل هذا التعامل؛ إذ بالإمكان أن يصار إلى الصورة الثانية كما سيأتي إن شاء الله.

    الصورة الثانية من صور بيع المرابحة للآمر بالشراء

    الصورة الثانية من صور بيع المرابحة للآمر بالشراء، وهي: ما يُبنى على المواعدة غير الملزمة بين الطرفين.

    وهذه الصورة يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون هناك ذكر مقدمٌ للربح.

    القسم الثاني: أن لا يكون هناك ذكر مقدمٌ للربح.

    فبعض العلماء يجعلها صورتين، وبعض العلماء يجعلها ثلاث صور، فيقول:

    الصورة الأولى: المواعدة بين الطرفين غير الملزمة مع عدم ذكر مقدار للربح.

    الصورة الثانية: المواعدة بين الطرفين: بين العميل والمصرف مع ذكر قدر للربح.

    الصورة الثالثة: وهي ما تُبنى على المواعدة غير الملزمة بين العميل وبين المصرف.

    مثالها: أن يأتي العميل إلى المصرف -البنك- والغالب أن العميل الذي يأتي إلى البنك إنما يريد قرضاً لا يريد السلعة وإنما يريد الدراهم، فيأتي إلى المصرف ويتفق معه على أن يبحث العميل عن سلعة، والغالب أن هذه السلعة تكون سيارة، فيقوم المصرف بشراء هذه السلعة، والمصرف دائماً يكون واجداً، فيشتري هذه السلعة بدراهم حاضرة، ثم بعد ذلك يقوم ببيعها على العميل بثمن مؤجل، فالمصرف يشتري هذه السيارة مثلاً بخمسين ألف ريال ثم بعد ذلك يقوم ببيعها على العميل بثمن مؤجل بستين ألف ريال، أو بثمانين ألف ريال.. حسب ما يتفقان عليه.

    هذه هي الصورة الثانية، وهي ما يُبنى على المواعدة غير الملزمة بين الطرفين: العميل والمصرف.

    فالعميل يأتي ويأمر المصرف بأن يشتري له هذه السلعة، ويقوم المصرف بشراء هذه السلعة بثمن حاضر، ثم يقوم ببيعها للعميل بثمن مؤجل، دون أن يكون هناك إلزام من المصرف للعميل بشراء هذه السلعة.

    هذه الصورة تكلم عليها العلماء في القديم، والشافعي رحمه الله تكلم عليها في كتاب الأم، ونقلت نص الشافعي من الأم، يقول الشافعي رحمه الله في كتاب الأم: إذا أرى الرجل السلعة، فقال: اشترها وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل فالشراء جائز.

    والذي قال: أربّحك -يعني: الآمر بالشراء وهو العميل كما في صورتنا- هو بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعاً وإن شاء تركه.

    ثم قال: وهكذا إن قال: اشتر لي متاعاً. ووصفه له، فكل هذا سواء.

    فـالشافعي رحمه الله يرى جواز مثل هذه الصورة لو قال: اذهب واشتر لي هذه السلعة وأنا أربحك فيها، أي: أشتريها منك بربح، هو ما معه دراهم، لكن يريد أن يشتريها بثمن مؤجل، وأنه لو كان معه دراهم ما قال: اشتر لي هذه السلعة، ولشتراها هو بنفسه، فهو يأمر هذا الشخص أن يشتري له هذه السلعة، أو يصف له سلعة ليشتريها له، ثم بعد ذلك يقوم بشرائها منه بثمن مؤجل ويربحه في ذلك.

    وهذه أيضاً نص عليها الحنفية كـابن عابدين رحمه الله في حاشيته على رد المحتار، وأنها جائزة.

    وكذلك أيضاً المالكية نص ابن رشد رحمه الله على جوازها، ويذكرها المالكية رحمهم الله تحت مباحث بيع العينة.

    وكذلك أيضاً نص ابن القيم رحمه الله تعالى عليها في إعلام الموقعين.

    إذاً: مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وأكثر المتأخرين الجواز، حتى إني قرأت كلاماً لـرفيق المصري وهو ممن بحث في هذه المسألة، فقال: ليس فيها خلاف معتبر. يعني: أن أكثر المجامع الفقهية ذهبت إلى جواز مثل هذه المعاملة، ما دام أنه لم يكن هناك إلزام.

    الأحاديث التي ذكرها الجمهور في الصورة الأولى، إذا كان هناك إلزام، يعني: لم يكن هناك بيع للسلعة قبل قبضها، ولم يكن هناك بيع للسلعة قبل أن يملكها المصرف، وما دام أنه ليس هناك إلزام، فالآن المصرف اشترى السلعة ثم بعد ذلك يعقد للعميل، فمسألة بيع السلعة قبل قبضها انتفت، وما دام أنه لم تكن هناك إلزام فإن المحاذير التي توجد في الصورة الأولى انتفت.

    فالمصرف يخاطر بشراء هذه السلعة لنفسه، ثم بعد ذلك إن أراد العميل أن يشتريها اشتراها، وإن أراد أن يتركها تركها، وكون الإنسان يشتري السلعة لنفسه ويخاطر في ذلك.. إن اشتراها هذا العميل فله ذلك، وإن لم يشترها فليس له ذلك؛ وقالوا بأن الأصل في ذلك هو الجواز، والأصل في العقود الحل، وأن المحاذير التي توجد في صورة الإلزام قد انتفت الآن، فالمصرف يخاطر بشراء هذه السلعة لنفسه، ثم بعد ذلك إن أراد العميل أن يشتريها عقد معه عقداً جديداً، وإن لم يرد أن يشتريها فله ذلك.. وإذا كان كذلك فالأصل الجواز والحل.

    وكذلك أكثر المتأخرين على جواز مثل هذه المعاملة، وممن أفتى بجوازها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ بكر أبو زيد ، والشيخ عبد الله المنيع وغيرهم، فأكثر المتأخرين والمجامع الفقهية على جواز مثل هذه المعاملة.

    والشيخ بكر أبو زيد لما مال إلى جواز مثل هذه المعاملة ذكر لها ثلاثة ضوابط:

    الضابط الأول: خلوها من الالتزام الذي يكون في الصورة الأولى، فإذا لم يكن هناك التزام لا من قبيل المكاتبة ولا من قبيل المشافهة، فإن هذا جائز.

    الضابط الثاني: خلوها من ضمان العميل للسلعة، وإنما يكون ضمان السلعة على المصرف؛ لأن المصرف هو الذي يقوم بشراء هذه السلعة وتملكها، فيكون ضمانها على المصرف، لو حصل عليها تلف، أو حصل عليها عيب أو نقص قبل أن يشتريها العميل منه، فضمانها يكون على المصرف.

    ولو اشترط المصرف على العميل أن يكون ضامناً لها فإن هذا محرم ولا يجوز.

    الضابط الثالث: أن يقوم المصرف ببيعها على العميل بعد أن يقبضها، فإذا اشترى المصرف هذه السلعة وقبضها ثم بعد ذلك باعها على العميل كان جائزاً ولا بأس به.

    هذه ثلاثة شروط ذكرها الشيخ بكر أبو زيد. وهذه الشروط يقول بها الجمهور أيضاً، ومن قال بجواز هذه المعاملة يشترط ألا يكون هناك إلزام، فإذا كان هناك إلزام للعميل بشرائها فإنها داخلة في الصورة الأولى، والصورة الأولى يحرمها الجمهور.

    وأيضاً لا يكون هناك ضمان، فلو كان هناك ضمان على العميل لكان العميل ملزماً بها، وكذلك أيضاً القبض... إلى آخره، فالضوابط التي ذكرها الشيخ بكر أبو زيد يقول بها من قال بجواز هذه المعاملة.

    الرأي الثاني في هذه المسألة: تحريم هذه المعاملة حتى وإن لم يكن هناك إلزام، وهذا قال به الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، فالشيخ محمد رحمه الله يرى أن هذه المعاملة محرمة ولا تجوز، وعلته في ذلك بأنها حيلة على الربا.

    فالأصل أن المصرف يقرض ستين ألفاً بثمانين ألفاً، فبدلاً من أن يقرض ستين ألفاً بثمانين ألف ريال يصار إلى هذه السلعة أو هذه السيارة، فيقول المصرف للعميل: اذهب وابحث عن سيارة وأنا أشتريها، ثم بعد ذلك أبيعها عليك، فالعميل لا يريد السيارة وإنما يريد النقود، فيشتريها المصرف بستين حاضرة ويأخذها العميل ويشتريها من المصرف بثمانين مؤجلة، ثم بعد ذلك يقوم العميل مرة أخرى ببيعها والإفادة من ثمنها، فأصبحت دراهم بدراهم بينهما سلعة.

    فالشيخ رحمه الله يقول: هذه محرمة ولا تجوز، حتى وإن لم يكن هناك إلزام.

    ويقول: لا بد أن يكون المصرف مالكاً للسلع، فقبل أن يأتيه الناس يشتري سلعاً فإذا اشترى السلعة لا بأس أن يبيع على الناس بثمن مؤجل، أما كونه ينسق مع العميل على أن المصرف يذهب ويشتري له السلعة، ثم بعد ذلك يبيعه إياها يقول الشيخ: هذه حيلة على الربا.

    وكذلك أيضاً أشار إلى الاستدلال، كما أنه في فتواه استدل بأن هذا تحيل على الربا، وأيضاً استدل بالنهي عن بيع العينة.

    والأئمة الأربعة كلهم يجيزون بيع التورق، وهو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على غير من اشتراها منه بأقل من ثمنها نقداً، فيشتري السيارة من زيد بثمانين ألف ريال مؤجلة، ثم يذهب ويبيعها على عمرو بستين ألف ريال نقداً، وهذا التورق يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تحريمه، وأنه داخل في بيع العينة.

    ويقول الشيخ رحمه الله: إذا كان الشارع نهى عن بيع العينة وجعله محرماً؛ لأن بيع العينة مفاده دراهم بدراهم بينهما سلعة، ومنه هذه المعاملة دراهم بدراهم بينهما سلعة.

    هذا ما يتعلق ببيع المرابحة وللآمر بالشراء، وتلخص لنا أنها تشتمل على صورتين، وبعض العلماء يجعلها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: المبنية على المواعدة الملزمة للطرفين، مع ذكر مقدار الربح. فهذه محرمة لا إشكال في ذلك.

    والصورة الثانية: المواعدة المبنية على عدم الإلزام، وهذه كما أشرت أن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: الجواز. وهو قول الجماهير، والرأي الثاني: التحريم. وهو رأي الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

    وذكرنا ما احتج به كل قائل.

    1.   

    جمعية الموظفين

    أيضاً عندنا من المسائل التي يكثر الآن وقوعها بين الناس، ويكثر السؤال عنها وإن كان الأكثر على جوازها، لكن كون طالب العلم يفهم دليل القول الآخر وما يجاب عنه، ودليل من قال بالجواز وما اعتمد عليه، هذا مهم جداً. وهو ما يتعلق بجمعية الموظفين، هذه الجمعية الآن تكون بين الموظفين كما سنذكر صورها الثلاث وحكم كل صورة إلى آخره، وما هو دليل من منعها، وما استند عليه؟ وكيف الجواب عنه؟ إلى آخره.

    معنى جمعية الموظفين

    الجمعية: مأخوذة من الاجتماع، والموظفون: جمع موظف. وهو من يعمل عند الدولة أو في مؤسسة أو شركة.

    يعني: العامل الموظف هو العامل عند دولة أو عند مؤسسة أو عند شركة.

    جمعية الموظفين أضيفت للموظفين؛ لأن الغالب أن من يتعامل فيها موظفون، وإلا فإن هذه الجمعية قد تكون بين غير الموظفين كالتجار مثلاً، أو كالمزارعين، أو كالصناع... ونحو ذلك، لكن أضيفت هذه الجمعية للموظفين لأن الغالب أن من يتعامل بها هم الموظفون، فإن الموظف يتحصل على مرتب شهري مطرد، فإذا كان كذلك فإنه يتمكن من الدخول في هذه الجمعية.

    أما بالنسبة للتاجر أو للفلاح أو للصانع... ونحو ذلك، فقد يحصل على غلة في آخر الشهر، وقد لا يحصل له ذلك.

    صور جمعية الموظفين

    جمعية الموظفين لها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً عند نهاية كل شهر أو كل شهرين أو كل سنة... إلى آخره.

    الصورة الثانية: أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً عند نهاية كل شهر أو شهرين... إلى آخره، مع اشتراط ألا ينسحب أحدٌ منهم حتى تنتهي الدورة.

    يعني: يكونون خمسة أو عشرة حتى يدور عليهم الأخذ.

    الصورة الثالثة: وهي كالصورة الثانية.. أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً يأخذه أحدهم عند نهاية كل شهر أو شهرين... إلى آخره، حتى تنتهي دورتان أو ثلاث أو أربع، يعني: يزيدون دورة ثانية أو ثالثة أو رابعة... إلى آخره.

    حكم الصورة الأولى من جمعية الموظفين

    بالنسبة للصورة الأولى فقد أشار إليها العلماء رحمهم الله، وممن أشار إليها أبو زرعة الرازي وهو من أئمة المحدثين، وأشار إلى جوازها، ولما وجدت هذه الصورة الآن وكثرت في أيدي الناس وتعامل الناس بها، اختلف المتأخرون في جوازها هل هي جائزة أو غير جائزة؟ على قولين:

    القول الأول: أن هذه المعاملة جائزة ولا بأس بها، وهذا قال به أكثر المتأخرين، وممن قال به من المتأخرين الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وأذكر أن الشيخ محمد بن عثيمين كان يرى التحريم، ثم راجعته فيها، فرجع إلى الجواز، وانتصر لها كثيراً، وفي بعض كلامه: أنه مندوب إليها؛ لما سيأتي أنها تفك حاجات المحتاجين، وأنها تغني كثيراً من الناس عن الالتجاء إلى البنوك الربوية وغير ذلك، ولما فيها من التعاون على البر والتقوى.

    وكذلك أيضاً الشيخ عبد الله بن جبرين ، وغالب أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة يرون أن هذه المعاملة جائزة ولا بأس بها.

    الرأي الثاني: أن هذه محرمة ولا تجوز، وأشهر من قال بهذا الشيخ صالح الفوزان ، وكذلك أيضاً الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة الآن..

    أما رأي الجمهور الذين قالوا بأنها جائزة ولا بأس بها فقد قالوا: بأن هذا العقد من العقود التي جاءت الشريعة بجوازه؛ لأن حقيقة هذا العقد هو قرض فيه إرفاق بالمقترض؛ حيث أن المقترض يأخذ القرض ويرد مثله ولا زيادة عليه، وإلا فهو يأخذ مثلاً ألف ريال أو ألفين أو خمسة آلاف ريال ثم يرد هذه الخمسة، وليس هناك زيادة.

    وأما مسألة كل قرض جر نفعاً، فهذا سيأتي ما المراد بالقرض الذي جر نفعاً.. والضوابط التي ذكرها العلماء رحمهم الله في ذلك.

    فهم يقولون بأن هذه معاملة شرعية جاءت بها الشريعة؛ حيث أنها قرض فيه إرفاق بالمقترض، حيث أنه يأخذ هذا المال وينتفع به ويرد مثله دون زيادة على المقترض، وليس هناك زيادة على المقترض، فهذا قرض لا يخرج عن القرض المعتاد، إلا أن الفرق بينه وبين القرض المعتاد: أن الإقراض في الجمعية يشترك فيه أكثر من شخص، والقرض المعتاد يكون بين شخص وآخر، ففيه إرفاق بالمقترض؛ حيث إن المقترض ليس عليه زيادة، وإنما يأخذ هذا المال ويرد بدله.

    كذلك أيضاً استدلوا بالأصل، وأن الأصل في المعاملات الحل، وقد ذكرنا هذا في الضابط الأول من الضوابط التي تدور عليها المعاملات.

    وكذلك أيضاً استدلوا: بأن في هذا تعاوناً على البر والتقوى، فمثل هذه الجمعية طريق لسد حاجة المحتاجين، وإعانة لهم عن البعد عن البنوك الربوية والمعاملات المحرمة كالربا ونحو ذلك.

    كذلك أيضاً استدلوا بأن المنفعة التي تحصل للمقرض في هذه الجمعية لا تنقص المقترض، يعني: قد يقال بأن المقرض قد انتفع، لكنهم يحتجون بأن المقرض وإن حصل له شيء من الانتفاع، إلا أن هذه المنفعة لا تنقص المقترض شيئاً من ماله، بل الانتفاع متبادل بين المقرض والمقترض، كل منهم ينفع الآخر.

    وسيأتينا إن شاء الله ما المراد بالمنفعة التي هي ربا ونص عليها الصحابة رضي الله تعالى عنهم في كل قرض جر نفعاً فهو ربا، وأما ما قد يحصل للمقرض مقابل قرضه من الانتفاع أنه ليس داخلاً في هذه المنفعة التي حكم عليها الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنها ربا. هذا بالنسبة لما يتعلق بدليل من قال بجواز هذه المعاملة.

    أما الرأي الثاني وهم الذين قالوا بالتحريم فاستدلوا بأدلة منها:

    قالوا: القرض في هذه الجمعية مشروط فيه القرض من الآخر، فهو قرضٌ جر نفعاً. هذا خلاصة الدليل.

    فهذا زيد يُقرض عمراً، وما أقرضه إلا بشرط أنك تقرضه أنت، فهذا قرضٌ جر نفعاً.

    ويبقى: ما هو الدليل على أن القرض الذي جر نفعاً محرم ولا يجوز؟

    أما من السنة فقد ورد في ذلك حديثان أو ثلاثة وكلها لا تثبت، ومن ذلك: ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا ) ، وهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك أيضاً استدلوا بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى له -يعني: المقترض أهدى للمقرض- أو حمله على دابة، فلا يركبها ولا يقبل، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ). أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف لا يثبت، لكن القرض الذي جر نفعاً ورد تحريمه عن جماهير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن ذلك: ما ورد عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه أنه قال: كل قرض جر منفعة فهو ربا. وهذا أخرجه البيهقي في سننه.

    وكذلك أيضاً في صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام قال لـأبي بردة : إنك في أرضٍ الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حقٌ فأهدى إليك حبلة تبنٍ أو شعير أو قتٍّ فلا تقبله.

    وكذلك أيضاً ورد نحو هذا عن عمر رضي الله تعالى عنه وعن ابن عمر وعن أبي هريرة وعن ابن مسعود وعن أنس وعن ابن عباس .. يعني: أن جماهير الصحابة يرون أن المنفعة التي تُجلب للمقرض أو يفيد منها المقرض فأنها محرمة من الربا.

    وقد ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أسلف سلفاً فلا يشترط إلا قضاءه، وهذا أخرجه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ، وإسناده صحيح.

    فتلخص لنا: أن تحريم المنفعة للمقرض وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن أيضاً ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إجازة بعض المنافع للمقرض، وحينئذ يحتاج إلى ضبط المنفعة التي تكون محرمة.

    ضابط المنفعة المحرمة في القرض

    الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجازوا السفتجة كما ورد عن الحكم وعن علي بن أبي طالب وابن الزبير ... وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    والسفتجة هي: أن تقرض شخصاً مالاً بالمدينة ويعطيك إياه في مكة، هنا المقرض استفاد أمن الطريق، وأن الخطر الذي قد يحصل له أثناء السفر قد زال، قد يكون المكان بعيداً فهو بحاجة إلى أن يحفظ المال، وقد يضيع عليه، فمنفعة الحفظ وأيضاً منفعة ما يحصل له من خطر قد زال.

    وكذلك أيضاً العلماء أجازوا بعض المنافع للمقرض، فقالوا: لا بأس أن الشخص يقرض فلّاحاً دراهم لكي يقوم الفلاح بشراء الآلات والبذور ويعمل في أرض المقرض، يعني: أنت مثلاً ساقيت زيداً من الناس أو زارعته على أن يعمل في أرضك، هذا العامل ما عنده دراهم، فأنت لا بأس أن تقرضه ويقوم بالعمل في أرضك، لعلك تستفيد الآن، أو مثلاً تقرضه ويكون العمل في بيتك؛ أنت الآن تستفيد.

    فهذا القرض أجازه العلماء رحمهم الله تعالى وشيخ الإسلام أيضاً قال: لا بأس أن يقول الفلاح للفلاح: اعمل معي وأعمل معك.. أنت اعمل معي اليوم في حصاد الزرع أو جذاذ النخل وأنا أعمل معك غداً في حصاد الزرع أو جذاذ النخل.

    وحينئذ تكون المنفعة التي تكون محرمة إذا أفادها المقرض ما شملت أمرين، كما يؤخذ من آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم:

    الأمر الأول: ما يشترطه المقرض على المقترض، وليس له مقابل في القرض. فهذه من المنفعة المحرمة.

    مثلاً يقول: أقرضك ألف ريال بشرط أن تعطيني سيارتك أستعملها لمدة يوم أو يومين، هذه منفعة محرمة.

    لأن المقرض استفاد أن ينتفع بهذه السيارة، والمقترض ما استفاد شيئاً، استفاد القرض لكنه سيرده، فحينئذ كونه يشترط عليه فيقول: بشرط أن تعطيني سيارتك أستعملها، أو بشرط أن تبيعني بيتك... كل هذه انتفع فيها المقرض، أما المقترض فما انتفع بشيء إلا القرض، والقرض سيرده على المقرض.

    فالضابط الأول للمنفعة المحرمة في القرض هي: ما يشترطه المقرض على المقترض، ولا ينتفع المقترض إلا بالقرض فقط، وليس له منفعة أخرى.

    في الجمعية لا يوجد هذا، المقرض ينتفع والمقترض ينتفع.. المقرض يقبض دراهم، والمقترض أيضاً ينتفع ويأخذ دراهم المقرض. فكلٌ منهما ينتفع.

    أما هنا إذا قال: بشرط أن تبيعني بيتك، بشرط أن تعطيني زيادة مائة ريال، بشرط أن تعطيني هدية، بشرط أن أستعمل سيارتك، أستعمل بيتك... إلى آخره، هذا داخل في المنفعة المحرمة في القرض.

    ويدل لهذا أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع )، هنا سلف في بيع يقول: أقرضك بشرط أن تبيع عليَّ، هنا الانتفاع إنما حصل للمقرض، أما المقترض فإنه لم يحصل له إلا القرض والقرض سيرده. هذا الضابط الأول.

    الضابط الثاني: ما يقدمه المقترض للمقرض بسبب القرض. وهذا يدل له أثر عبد الله بن سلام .

    فمثلاً: أنت أعطيت زيداً من الناس ألف ريال قرضاً وبعد يوم أو يومين جاء لك بهدية، لا يجوز أن تقبل هذه الهدية؛ لأنه إنما أعطاك هذه الهدية لأجل القرض.

    ولهذا العلماء رحمهم الله يقولون: إذا كان بينهما مهاداة تعطيه ويعطيك، فهذا ليس داخلاً في النهي، لكن إذا عرفنا أن هذه الهدية إنما أعطاك إياها المقترض من أجل القرض فهذه من المنفعة المحرمة في القرض.

    فكونك تقرضه ألف ريال ثم بعد ذلك يعطيك هدية ككتاب هذا لا يجوز لك أن تقبله كما ورد عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه إلا إذا أردت أن تكافئه أو تخصم ذلك من القرض، يعني: تأخذ الكتاب بشرط أن تخصم قيمته من القرض، فإذا كانت قيمته عشرة ريالات تخصم عشرة ريالات.

    أقسام الهدية في القرض

    وبالنسبة للهدية في القرض فقد قسّمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون ذلك بعد الوفاء. فهذا لا بأس به، بل استحبه بعض العلماء رحمهم الله.

    زيد أقرضك ألف ريال، أردت أن توفيه أعطيته ألفاً ومائة، أو أعطيته ألفاً وثوباً هدية له مقابل معروفه وإحسانه. فهذا لا بأس به؛ لأن العقد -عقد القرض- انتهى الآن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( خيركم أحسنكم قضاءً )، واستقرض النبي عليه الصلاة والسلام بكراً ورد خيراً منه رباعياً.

    والصواب أيضاً أنه لا فرق سواء كانت الزيادة في الكيفية أو كانت في الكمية؛ لأن بعض العلماء يجوّز الكيفية ولا يجوّز الكمية، يعني: لو أنه أقرضك براً متوسطاً تعطيه براً جيداً، يقولون: هذا جائز، لكن في الكيفية أعطاك ألف ريال فلا يجوز أن تعطيه ألفاً ومائة، والصواب أن هذا كله جائز إذا كانت الهدية بعد الوفاء، ما دام أنها ليست مشروطة.

    القسم الثاني: أن تكون الهدية قبل الوفاء، كأن أعطاك كتاباً قبل الوفاء بالدين، فإذا كان ذلك بسبب القرض فلا بد أن تمتنع، أو تخصم ذلك من القرض أو تكافئه.

    أما إذا كانت الهدية بغير سبب القرض، كأن يكون بينكما مهاداة لقرابة أو صداقة ونحو ذلك فهذا لا بأس به.

    وأيضاً: أدخل بعض العلماء الدعوات العامة، يعني: دعاك لزواج أو لمناسبة عامة، فهذه الدعوة ليست بسبب القرض وإنما حصلت هذه المناسبة بسبب آخر، فهو لم يعمل لك طعاماً خاصاً بسبب القرض.

    فيتلخص لنا: أن المنفعة المحرمة في القرض هي ما اشتملت على هذين الضابطين، وحينئذ نعرف أن المنفعة التي تحصل للمقرض في مسألة الجمعية هذه ليست داخلة، بل كلٌ منهما ينتفع.

    ولهذا العلماء رحمهم الله كما ذكرت أنه إذا أهداه يقابله بالهدية، فيكون الانتفاع لكل منهما.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.