إسلام ويب

المعاملات المالية المعاصرة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الضوابط التي تراعى في المعاملات المالية: أن الميسر ممنوع، وهو: أن يكون في المعاملة غانم وغارم، ومنها: أن الأصل فيها الصدق والأمانة، ومن الضوابط كذلك: سد باب الذريعة وهي: الوسائل التي ظاهرها الإباحة لكنها تؤدي إلى محرم، ويمكن أن تقسم إلى ثلاثة أقسام: قس

    1.   

    تابع الضوابط في المعاملات

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من تعريف المعاملات، وذكرنا المراد بالمعاملات المالية، وأن بعض الفقهاء أدخل قسم الأنكحة في قسم المعاملات.

    وأيضاً تطرقنا لشيء من الضوابط التي تدور عليها المعاملات المالية، فذكرنا سبعة ضوابط، ومن هذه الضوابط: أن الأصل في المعاملات الحل، وذكرنا أن هذا ما عليه جماهير أهل العلم، وهو ما اتفق عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله، خلافاً لما ذهب إليه الظاهرية.

    الضابط الثاني: أن الأصل في الشروط في العقود الحل والصحة، والخلاف في هذا الضابط كالخلاف في الضابط السابق.

    وذكرنا أيضاً من الضوابط: منع الغرر، ومنع الظلم، ومنع الربا... إلى آخر ما ذكرناه.

    منع الميسر

    الضابط السادس: منع الميسر.

    الميسر في اللغة يُطلق على معانٍ، منها: السهولة، وعلى معنى الغنى إذا كان مأخوذاً من اليسار، ويُطلق أيضاً على الوجوب، يقال: يسر لي شيء إذا وجب.

    وأما في الاصطلاح فهو: كل معاملة يدخل فيها الإنسان وهو إما غانم أو غارم.

    والعلماء رحمهم الله يتفقون على تحريم الميسر، والأدلة عليه ظاهرة من القرآن ومن السنة ومن الإجماع.

    أما القرآن: فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90].

    ومن السنة: ما ثبت في صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق ).

    فكون النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتصدق كفّارة لقوله هذا، هذا يدل على أنه دعا إلى محرّم.

    والإجماع قائمٌ على تحريم الميسر.

    ومن الأمثلة الداخلة في الميسر: بيع المجهول، وأيضاً داخل في الغرر.

    فمثلاً: إذا بعت سيارة مجهولة بكذا وكذا، المشتري داخل، وهو إما غانم أو غارم، فإذا دفع في قيمة هذه السيارة مثلاً عشرة آلاف ريال، فإن كانت هذه القيمة التي دفعها مساوية لقيمة السيارة أو أقل فهو غانم، وإن كانت القيمة التي دفع أكثر من قيمة السيارة فهو غارم.

    وكذلك أيضاً من الأمثلة الداخلة تحت الميسر: إذا كان الثمن مجهولاً، يعني: باع هذه السلعة بثمن مجهول، فالبائع يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم.

    الفرق بين الميسر والغرر:

    الميسر أخص من الغرر، فكل ميسر غرر وليس كل غرر ميسراً، وبينهما عموم وخصوص.. الغرر أعم من الميسر، والميسر أخص من الغرر.

    فقد تكون المعاملة غرراً لكن ليس فيها شيء من الميسر، وإذا كانت ميسراً فإنها غرر.

    فمثلاً: ما يتعلق بجهالة أثاثات الحيطان، أو جهالة ما في باطن الجبة من الحشو، أو جهالة الثمر الذي لم يخلق... إلى آخره، هذه الأشياء من الغرر، لكنها ليست من الميسر؛ فالغرر أعم من الميسر، والميسر أخص.

    كذلك جهالة الثمن ميسر وغرر، وجهالة المثمن ميسر وغرر، وبيع المعجوز عن تسليمه ميسر وغرر؛ لأن المشتري يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم، إما أن يحصّله وإما ألا يحصّله.

    الصدق والأمانة

    الضابط السابع: الصدق والأمانة.

    الصدق في اللغة يدل على قوة في الشيء، فهو: مطابقة الحكم للواقع.

    والأمانة في اللغة: سكون القلب، والوفاء والتصديق.

    والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي، فالصدق في المعاملات هو أن يطابق قول العاقد الواقع ولا يخالفه.

    والأمانة: إتمام العهد والعقد في المعاملة وعدم مخالفته.

    والأدلة على هذا الضابط من القرآن ومن السنة والإجماع.

    أما القرآن: فقول الله عز وجل: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85]، وأيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وأيضاً قول الله عز وجل: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]، وأيضاً قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58].

    وأما السنة: فمثل حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البيعان بالخيار... ) إلى أن قال: ( فإن بيّنا وصدقا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما ).

    وفي حديث أبي ذر في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) وذكر منهم: ( الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب ) فدل ذلك على وجوب الصدق، ووجوب الأمانة عند إجراء العقود.

    وقد ذكر الغزالي رحمه الله تعالى الضابط في ذلك، فقال: ألا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه، فكل ما عومل به شق عليه وثقل على قلبه فلا يعامل به أخاه.

    وفي الصحيح من حديث أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ).

    سد الذرائع

    الضابط الثامن والأخير: سد الذرائع.

    السد في اللغة: إغلاق الخلل، والذرائع: جمع ذريعة وهي الوسيلة.

    وفي الاصطلاح: منع الوسائل التي ظاهرها مباح وتؤدي إلى محرّم.

    واعلم أن ما يتعلق بسد الذرائع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ذرائع أجمع العلماء رحمهم الله على سدها، وهي الذرائع المؤدية إلى الفساد والخلل في أمور الدين والدنيا، مثل: شرب الخمر، هذا ذريعة إلى السكر المؤدي إلى اختلال العقل، فهذا أجمع العلماء على سده، ومثل: الزنا، هذا ذريعة إلى اختلاط الأنساب وضياعها، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على سده.

    فهذه الذرائع المؤدية إلى الفساد في الدين والدنيا، هذه أجمع العلماء رحمهم الله على سدها.

    القسم الثاني: ذرائع أجمع العلماء رحمهم الله على عدم سدها، وذلك مثل زراعة العنب؛ لئلا يتخذ خمراً، فالعلماء مجمعون على أن زراعة العنب جائز، وإن كان شيءٌ من هذا العنب قد يشترى ويتخذ ويعصر لكي يكون خمراً، ومع ذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أن هذه الذريعة لا تسد، وسيتبين هذا بذكر ضوابط سد الذرائع كما سنذكرها إن شاء الله على سبيل الإجمال.

    القسم الثالث: الوسائل المباحة إذا أفضت إلى محرم غالباً فهل تسد أو لا تسد؟ هذا فيه خلاف بين الأئمة رحمهم الله.

    فالمشهور عند المالكية وكذلك الحنابلة أن هذه الذرائع تسد.

    ومذهب المالكية هو أحسن المذاهب فيما يتعلق بسد الذرائع، ثم بعدهم مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى.

    وعند الحنفية والشافعية فيما يتعلق بسد الذرائع المباحة التي توصل إلى محرّم يقولون: لا يجب سدها، وهذا في الجملة، وإن كانوا في بعض التفاريع يلتزمون بمنع هذه التفاريع، لكنهم لا يدخلونها تحت أصل سد الذرائع؛ لأن هذا الأصل لا يقولون به وإنما يدخلونها تحت أصول أخرى تكون لهم.

    والراجح في ذلك ما ذهب إليه المالكية والحنابلة، وابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين ذكر تسعة وتسعين دليلاً على وجوب سد الذرائع المباحة إذا كانت تؤدي إلى محرم.

    أما ضوابط سد الذرائع:

    الضابط الأول: أن يكون الفعل المأذون فيه مؤدياً إلى مفسدة غالباً.

    فإن كانت المفسدة المترتبة عليه نادرة فإنه لا يقال بذلك ولا عبرة به، فالنادر لا تترتب عليه الأحكام ولا تتعلق به.

    الضابط الثاني: أن تكون المفسدة الناتجة عن فعل المأذون مساوية لمصلحته أو أكثر من مصلحته.

    فإن كان فعل المأذون مصلحته أكثر من المفسدة المترتبة على الفعل فإنه لا تسد الذريعة، فتكون الأقسام ثلاثة:

    القسم الأول: أن تكون المفسدة المترتبة على فعل المأذون مساوية لمصلحته، فيسد هذا الفعل ويُمنع.

    القسم الثاني: أن تكون المفسدة المترتبة على فعل المأذون أكثر من المصلحة المترتبة على سده، فإنه تسد ويُمنع هذا الفعل.

    القسم الثالث: أن تكون المفسدة المترتبة على فعله أقل والمصلحة المترتبة على فعله أكثر، فإنه حينئذ لا يُسد.

    ومن المسائل المتعلقة بسد الذرائع: ما مُنع سداً لأجل الذريعة أباحته الحاجة، فمثلاً: النظر، قال العلماء رحمهم الله: تحريم النظر من باب تحريم الوسائل، وعلى هذا تبيحه الحاجة؛ فيجوز للخاطب أن ينظر إلى المخطوبة للحاجة إلى ذلك، ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع العورة أو المرأة الأجنبية... إلى آخره؛ للحاجة المترتبة على ذلك.

    هذا ما يتعلق بالضوابط التي تدور عليها هذه المعاملات، وقد استخلصها العلماء رحمهم الله من نصوص الكتاب والسنة.

    1.   

    بيع التقسيط

    المسألة الأولى: ما يتعلق ببيع التقسيط.

    بيع التقسيط: هو بيعٌ بثمن مؤجل يدفع إلى البائع على شكل أقساط.

    فمثلاً: هذا زيد من الناس يبيع سيارته بعشرة آلاف ريال.. كل شهر ألف ريال، هذا يسمى بيع التقسيط.

    والأصل في البيوع أن الثمن يكون حالّاً، ولهذا يجعل العلماء رحمهم الله حلول الثمن من شروط البيوع التي يقتضيها العقد، يعني: أنت إذا بعت سيارة أو بعت بيتاً فلست بحاجة أن تقول: بشرط أن يكون الثمن حالاً، حتى لو ما اشترطت فإن هذا العقد يقتضي أن يكون الثمن حالاً، فهذا الشرط لو اشترطته وقلت: بشرط أن يكون الثمن حالّاً، كان بياناً وتأكيداً فقط، وإلا فالأصل أنه إذا جرت المعاملة كان الثمن حالّاً، كما أن المشتري يتسلم السلعة فكذلك أيضاً البائع يتسلّم الثمن.

    لكن لو اختار البائع أن يكون ثمنه مؤجلاً أو أن يكون ثمنه مقسطاً... إلى آخره، فهذا هو الذي يرد علينا الآن.

    لو قال المشتري: يكون الثمن مقسطاً، فهل يجوز البيع بالتقسيط أو لا يجوز؟

    كما أسلفنا أن شرط حلول الثمن مما يقتضيه العقد، والبائع ليس بحاجة إلى أن يشترطه، لكن لو أنه حصل ذلك واتفقا على أن يكون الثمن مقسطاً، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    جماهير أهل العلم: أن البيع بالتقسيط جائز ولا بأس به، فيصح أن يبيع الإنسان السلعة مقسطة، كما أنه يصح له أن يبيعها بثمن حال، يعني: إذا باعها بثمن مؤجل، وكان هذا الثمن مقسطاً على أزمان يتفق عليها المتعاقدان فإن هذا جائز..

    وسواء كان الثمن مساوياً للسلعة، أو زيد من أجل الأجل، أو أنه نقص من الثمن وهذا نادر.. لكن لو حصل فالجمهور على أن هذا جائز، يعني: باعه السيارة مقسطة، فالتقسيط هنا جائز سواءٌ كان الثمن مساوياً لقيمة السيارة، أو أن البائع -وهذا هو الغالب- زاد في الثمن مقابل التأجيل، أو أنه نقص وهذا نادر.

    فهذا كله جائز عند جمهور العلماء رحمهم الله، واستدلوا على ذلك بما تقدم من الأصول، فالأصل في المعاملات الحل، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأصل في الشروط في العقود الحل، فإذا اتفقا على هذا الشرط وهو أن يكون الثمن مقسطاً فالأصل في ذلك الحل، والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.

    وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك فقالوا: هذا مقتضى العدل، يعني: لو كان فيه زيادة في الثمن فكما أنه تأخر عليه قبض الثمن والإفادة منه، فهذا البائع، يمكنه أن يستفيد بأن يقابل هذا ضرر التأخير بزيادة الثمن، فكونه يزيد في الثمن هو مقتضى العدل، وهو عوض عن الضرر الذي يحصل له.

    وأيضاً يستدلون على هذا بعقد السلم وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ).

    والسلَم تقديم الثمن وتأخير المثمن، وهذا في الغالب يكون في المثمن زيادة؛ لأن المسلم يدفع الثمن ويأخذ سلعاً بعد مدة، الغالب أن هذه السلع تكون أرخص من قيمتها الآن، ويكون فيها زيادة.

    هذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، بل حكي الإجماع على ذلك.

    والرأي الثاني: ذهب إليه بعض أهل العلم كـعلي بن الحسين ونقله الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار عن بعض العلماء: أن هذا غير جائز، يعني: كونه يكون هناك زيادة في الثمن مقابل التأجيل، لو أنه باعه السيارة بثمن مؤجّل وزاد في الثمن مقابل التأجيل، فقالوا: هذا لا يجوز؛ لأن هذا هو الربا.. فالزيادة قالوا: هي عوض عن التأجيل وهذا هو الربا؛ إذ إن الربا في الجاهلية أنه إذا لم يسدد من عليه الدين يؤخره في الأجل ويزيد في الدين، قالوا: الزيادة هنا الآن حصلت مقابل التأجيل في ربا الجاهلية، فكذلك أيضاً هنا الزيادة حصلت مقابل التأجيل، وهذا لا يجوز.

    والجواب عن هذا سهل: أن هناك فرقاً بين ربا الجاهلية وبين هذه المعاملة.

    فربا الجاهلية فيه ظلم وفيه أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه لا يجد ما يسدد، فيُظلم بأن يزاد عليه، أما هنا فلا ظلم، بل هو الآن دخل على بينة واختيار، وهذا مقتضى العدل، فإن البائع يفوته الإفادة من هذا المال، فيأخذ على ذلك الزيادة.

    وعلى هذا فيكون الأقرب هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم رحمهم الله.

    صور بيع التقسيط

    وبيع التقسيط له صور:

    الصورة الأولى: الحلول والأجل.

    الصورة الثانية: الأجلان أو الآجال.

    الصورة الثالثة: الزيادة مقابل التأخير.

    الصورة الأولى: الحلول والأجل. يعني يقول: أبيعك السيارة بعشرة آلاف ريال حالّة أو بعشرين ألف ريال مؤجلة لسنة أو سنتين، فهذه المعاملة جائزة لكن يُشترط أن يكون ذلك عند المساومة، ولا بد من الجزم بأحد العقدين قبل التفرق، إما أن يكون بعشرة آلاف ريال أو بعشرين ألف ريال مؤجلة.

    الصورة الثانية من صور بيع التقسيط: الأجلان أو الآجال. يعني يقول: بعتك السيارة مؤجلة لمدة سنة بعشرة آلاف ريال، ولمدة سنتين بعشرين ألف ريال، ولمدة ثلاث سنوات بثلاثين ألف ريال... وهكذا.

    فهذا جائز ولا بأس به، وكما أسلفت أن هذا إنما يكون عند المساومة، أما في غير المساومة فلا بد أن يجزم بأحد الثمنين، يعني: مؤجلة لمدة سنة بعشرة آلاف، أو مؤجلة لمدة سنتين بعشرين ألفاً، أو لمدة ثلاث سنوات بثلاثين ألفاً، لا بد من الجزم، هذا إنما يكون عند المساومة.

    الصورة الثالثة: أن يشترط عليه الزيادة. يقول: بعتك السيارة بعشرة آلاف ريال، فإن تأخرت عن التسديد لمدة شهر زدتك مائة، فإن تأخرت شهرين زدتك مائتين... وهكذا، فهذا محرم ولا يجوز؛ لأن هذا هو ربا الجاهلية.

    ابن القيم رحمه الله في كتابه تهذيب السنن تكلم على حديث عبد الله بن عمرو : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك ).

    فذكر خلاف العلماء رحمهم الله في الشرطين في البيع، ما المراد بالشرطين في البيع؟

    قال بعض العلماء: إن المراد بالشرطين في البيع هو الحلول والأجل، أو الأجلان.

    أما الحلول والأجل فمثل أن يقول: بعتك نقداً بكذا أو مؤجلاً بكذا، أو الأجلان: بعتك السيارة مؤجلة إلى كذا بكذا، ومؤجلة إلى كذا بكذا.. إلى شهر بكذا، وإلى شهرين بكذا. هذا هو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أن المراد بالشرطين اللذين نهى عنهما النبي صلى الله عليه وسلم هما: شرطا المنفعة، يعني: أن يشترط شرطين من شروط الانتفاع في المبيع أو البائع، فمثلاً يقول: بعتك السيارة بشرط أن أستعملها لمدة شهر، وبشرط أن تقوم بتغسيلها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    الرأي الثالث: أن المراد هو اشتراط شرطين مطلقاً، سواءٌ كان الشرطان شرطا منفعة، أو شرطا مصلحة، أو شرطا صفة... إلى آخره.

    والقول الأخير الذي ذهب إليه ابن القيم رحمه الله: أن المراد بالشرطين اللذين نهى عنهما النبي عليه الصلاة والسلام هما بيع العينة.

    وعلى هذا إذا قال: بعتك السيارة حالّة بكذا أو مؤجلة بكذا، فإن هذا جائز، أو قال: بعتك السيارة مؤجلة بكذا أو مؤجلة بأجل آخر إلى كذا، فإن هذا جائز، لكن لا بد أن يُقطع بأحد الأجلين، وأن لا يتفرط يعني لا يقول: بعتك السيارة إلى شهر بكذا، أو إلى شهرين بكذا، أو إلى ثلاثة أشهر بكذا.. وكلما تأخر زاد عليه، هذا إنما يكون عند المساومة، أما في غير المساومة لا بد أن يقطع ويتفقان على الأجل.

    1.   

    بيع المرابحة للآمر بالشراء

    المسألة الثانية: بيع المرابحة للآمر بالشراء، ويسميها بعض العلماء بيع المواعدة؛ لأنها في صورتها تعتمد على المواعدة.

    وبيع المرابحة للآمر بالشراء يكثر تعامل الناس به الآن، فيذهب الشخص إلى المصرف ويريد قرضاً، يريد مالاً.. إما لكي يعمر البيت، أو لكي يتزوج.. أو نحو ذلك، فيتفق مع المصرف على أن يشتري له المصرف سيارة، ثم بعد ذلك يأخذ السيارة ويبيعها ويستفيد من ثمنها، هذا هو المراد بمسألة بيع المرابحة للآمر بالشراء.

    العلماء رحمهم الله يتكلمون عن بيع المرابحة، يقولون: إذا باعه مرابحة.. إذا باعه تولية، فبيع المرابحة عند الفقهاء رحمهم الله ليس مراداً في هذه الصورة، هذه الصورة يبحثونها في مباحث أخرى، فإذا قرأت في كتب الفقهاء رحمهم الله قولهم: باعه السيارة مرابحة، فهذا ليس مراداً هنا.

    المراد بالمرابحة في كلام الفقهاء: أن يبيعه برأس المال وربح معلوم، فمثلاً يقول: بعني السيارة، يقول: بعتك السيارة برأس مالي ولي ربح مائة ريال، أو ربح مائتي ريال. هذا بيع مرابحة، وهذا جائز بإجماع العلماء رحمهم الله.

    ويذكر العلماء رحمهم الله ما يتعلق ببيع المرابحة في أقسام الخيار: خيار التخيير بالثمن، ويذكرون صور خيار التخيير بالثمن.. وأنه بيع التولية، وبيع المرابحة، وبيع الشركة، وبيع المواضعة.

    بيع التولية: أن يبيعه السلعة برأس مالها.

    بيع المرابحة: أن يبيعه السلعة برأس المال وربح معلوم.

    بيع المواضعة: أن يبيعه السلعة برأس المال وخسارة معلومة.

    وهذه البيوع بإجماع العلماء رحمهم الله على أنها جائز ولا بأس بها.

    لكن المرابحة للآمر بالشراء ليس هو ما يقوله الفقهاء: إذا باعه مرابحة... إلى آخره، وإنما يذكرون هذا النوع تحت مباحث بيع العينة، هل هو داخل في بيع العينة أو لا؟ لأن بعض صوره داخلة في بيع العينة، ومن العلماء من يبحثه تحت الحيل المحرّمة، ومن العلماء من يبحثه تحت بيع ما ليس عند الإنسان، ومن العلماء من يبحثه تحت بيع الغرر.

    المهم أننا نفهم أن بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي انتشر الآن ليس هو المراد بقول الفقهاء رحمهم الله: إذا باعه مرابحة.. إلى آخره؛ فإن هذا البيع الذي أشرت إليه جائز بالإجماع.

    صور بيع المرابحة

    بيع المرابحة له صورتان وبعض العلماء يجعل له ثلاث صور، وممكن أن نشير إلى الصورة الثالثة.

    الصورة الأولى: أن يكون هناك مواعدة ملزمة بين الطرفين مع ذكر مقدار الربح.

    مثالها: أن يذهب الشخص إلى المصرف ويتفق هذا الشخص مع المصرف اتفاقاً ملزماً على أن المصرف يقوم بشراء هذه السلعة من سيارة ونحو ذلك، وأن العميل يلتزم بشراء هذه السلعة، وعليه من الربح قدر كذا وكذا، فيذهب هذا الشخص إلى المصرف -البنك- ويتفقان اتفاقاً ملزماً بين العميل وبين البنك على أن العميل يشتري منه هذه السلعة بعد أن يشتريها المصرف من شخص آخر، وأن عليه من الربح قدر كذا وكذا.

    هذه الصورة الأولى التي تنبني على المواعدة الملزمة، وهذه الصورة محرمة ولا تجوز عند جمهور المتأخرين، يعني: إذا كان هناك إلزام من البنك أو من المصرف على أن العميل يشتري هذه السلعة بعد أن يشتريها البنك أو المصرف، فهذا عند جماهير المتأخرين أنها محرمة ولا تجوز.

    واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، ومن هذه الأدلة: عموم الأحاديث التي تنهى الإنسان عن بيع ما ليس عنده، فإذا كان هناك اتفاق بين المصرف وبين العميل على أن العميل ملزم بشرائها، هنا يكون فيه بيع من المصرف لهذه السلعة قبل أن يملكها.

    فعموم الأحاديث التي تنهى عن بيع الإنسان ما ليس عنده يستدلون بها، ومن ذلك: حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا تبع ما ليس عندك )، وكذلك حديث ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك )، وهذا أيضاً في السنن وصححه الترمذي .

    وكذلك أيضاً يستدلون بعموم الأحاديث التي تنهى الإنسان عن بيع الشيء قبل أن يقبضه، ومن ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه )، وهذا في الصحيحين.

    فإذا كان هناك اتفاق ملزم للعميل مع المصرف، فإن هذا فيه بيع للسلعة قبل أن قبضها، فيكون داخلاً تحت عمومات هذا النهي.

    وكذلك أيضاً استدلوا بأن حقيقة هذا البيع أنه بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل بينهما عهد.

    وهذا كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: دراهم بدراهم بينهما حريرة.

    فهذا الشخص الآن ملزم بثمانين ألف ريال، البنك دفع ستين ألف ريال للسلعة، ثم باعها عليه بثمانين ألفاً، هو ملزم الآن بثمانين ألفاً والبنك أو المصرف دفع ستين ألف ريال، فعبارة عن بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل، فيدخل في ذلك ربا النسيئة وربا الفضل... إلى آخره، فيكون محرماً. هذا ما عليه جمهور المتأخرين.

    الرأي الثاني: أن هذه المواعدة التي تنبني على الإلزام جائزة ولا بأس بها، واستدلوا على ذلك بأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لاتساع رقعة التعامل وتضخم رؤوس الأموال، وما دام أن الحاجة داعية إلى ذلك فإن هذا يجوز كما جاز عقد الاستصناع وعقد السلَم، وسيأتينا إن شاء الله الكلام على حقيقة عقد الاستصناع، وهل هو عقد مستقل أو عقد سلم؟

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن هذه المسألة لا تجوز إذا كان هناك إلزام.

    والصورة الثانية: تنبني على المواعدة بين المصرف وبين العميل، لكن لا يكون هناك إلزام، وهذه أيضاً موضع خلاف، وسنتطرق إليه في درس قادم.