إسلام ويب

المسائل المستجدة في نوازل الزكاة [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفوائد التي يستفيدها صاحب السندات لا يجب إخراج الزكاة فيها؛ لأنها فوائد ناتجة من قروض ربوية، فهي من الأموال المحرمة، والمال الحرام لا زكاة فيه، أما الزكاة في أسهم الشركات فمبناه على حالات المساهم فيها سواء كان مستثمراً أو مدخراً أو مضارباً، وفي الحساب ال

    1.   

    زكاة السندات

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا عليم يا حكيم، وبعد:

    ففي الدرس السابق تطرقنا لجملة من المسائل المستجدة المتعلقة بفقه الزكاة، وذكرنا من هذه المسائل زكاة الأوراق النقدية، وتكييف هذه السندات النقدية شرعاً، وما هو النصاب لهذه الأوراق، ثم بعد ذلك تطرقنا لكيفية زكاة الرواتب، ثم بعد ذلك تطرقنا لزكاة مكافأة نهاية الخدمة، وهل تجب الزكاة لهذه المكافأة التي يحصل عليها الموظف عند انتهاء عمله، سواء كان انتهاء عمله بسبب التقاعد أو بسبب الوفاة، أو بسبب آخر من الأسباب.

    وكذلك أيضاً تطرقنا لزكاة الأجرة وكيف تزكى الأجرة ومتى يبدأ الحول لها؟ وهل يشترط الحول للأجرة أو لا يشترط.. إلخ؟ وكذلك تكلمنا عن زكاة الأموال المحرمة وهل تجب الزكاة في الأموال المحرمة أو لا تجب فيها الزكاة، وذكرنا أن الأموال المحرمة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أموال تحريمها لعينها، بمعنى: أن عينها وذاتها محرمة كالخمر والخنزير والدخان ونحو ذلك، وذكرنا أن هذه الأموال لا زكاة فيها باتفاق الأئمة.

    والقسم الثاني: الأموال المحرمة لكسبها، وهي التي تجمعت عند الشخص بسبب كسب محرم، كما لو تعامل بالربا أو تعامل ببيع المحرمات ونحو ذلك، فتوفرت عنده هذه الأموال، فهل تجب عليه الزكاة فيها أو لا زكاة فيها؟ تكلمنا حول هذه المسألة وذكرنا أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، وأن الأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه أكثر المتأخرين وهو أن هذه الأموال التي تحريمها لكسبها لا زكاة فيها، رداً وتنكيلاً لفعل صاحبها؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    وتطرقنا أيضاً إلى الأموال العامة: هل تجب الزكاة فيها أو لا تجب؟ والأموال العامة كأموال الدولة، وكذلك أيضاً أموال جمعيات البر وجمعيات تحفيظ القرآن ونحو ذلك، وتطرقنا أيضاً لزكاة الأموال الموقوفة هل تجب الزكاة في الأموال الموقوفة أم لا؟ وذكرنا أن الأموال الموقوفة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أموال وقفت على جهات عامة، فهذه لا زكاة فيها، كما لو كان الوقف على المساجد أو على مسجد أو على طلاب علم أو على الفقراء أو على المساكين ونحو ذلك، فهذه الأموال التي وقفت على جهات عامة لا زكاة فيها.

    والقسم الثاني: أن تكون هذه الأموال وقفت على جهات خاصة، كما لو وقف هذه العمارة أو هذه المحلات التجارية ونحو ذلك على أولاده، فإن الزكاة تجب في ريع هذه المحلات وهذه المساكن، أي: في أجرتها، وقد بينا كيفية إخراج زكاة الأجرة.

    وبقي عندنا في هذا الدرس جملة من المسائل، فمن المسائل التي سنقوم بطرقها: ما يتعلق بزكاة الأسهم والسندات، وكذلك زكاة المصانع والورش، هل تجب الزكاة في هذه المصانع والورش، أو أن الزكاة لا تجب فيها، وكذلك أيضاً هل يجوز إعطاء الفقير من أموال الزكاة ما يتزوج به، أو إعطاء الفقير من أموال الزكاة ما يشتري به سيارة، أو إعطاء الفقير من أموال الزكاة ما يشتري به بيتاً يسكنه.

    وكذلك أيضاً سنتطرق لحكم استثمار أموال الزكاة، بمعنى: المضاربة في أموال الزكاة والمتاجرة فيها وتنميتها: هل هذا جائز أو ليس جائزاً.. إلخ؟ كذلك أيضاً ما يتعلق بحفر الآبار من أموال الزكاة ونحو ذلك، وشراء الحوائج الأساسية كالأدوات المدرسية ونفقات علاج الفقراء.. إلخ. ‏

    تعريف السندات وصورتها

    المسألة الأولى: ما يتعلق بزكاة السندات؟

    السندات: السندات جمع سند، وهي عبارة عن صكوك تصدرها بعض الدول أو بعض الشركات، وتمثل هذه الصكوك قرضاً تلتزم بسداده بفوائد ثابتة.

    ومن صور هذه الصكوك أو هذه السندات: هذه الشركة تحتاج إلى أموال، وهذه الأموال التي تحتاجها إما لتوسيع أعمال الشركة، أو خشية إفلاس هذه الشركة وكسادها ونحو ذلك، فتقوم بطرح سندات للجمهور.

    تطرح سندات للجمهور بمعنى أنها تأخذ من الجمهور أموالاً وتعطيهم سندات، وهذه الأموال التي تأخذها من الجمهور تكون قرضاً عليها بفوائد، وهذا لا شك أنه محرم ولا يجوز؛ لأن هذا قرض بفائدة، والقرض بفائدة ربا، فمالك السند إذا أخذ هذا السند وأعطى هذه الشركة جملة من المال على أنه قرض في ذمتها، وتعطيه عليه فوائد، فهذه السندات هل تجب فيها زكاة أو لا تجب فيها زكاة؟

    فصورة هذه المسألة: أن بعض الدول تحتاج إلى سيولة أو أموال وبعض الشركات تحتاج إلى أموال، فتقوم بطرح هذه السندات للجمهور، والجمهور يشترون هذه السندات بدراهم، وهذه الدراهم هي قرض لهذه الشركة أو لهذه الدولة، تلتزم بسداده بفوائد، بأن تعطيه فوائد كل شهر أو كل ستة أشهر أو كل سنة حسب ما يتفقان عليه أو حسب ما هو منظم..إلخ.

    وهذا العمل محرم ولا يجوز، ولا إشكال في ذلك؛ لأن كل قرض بفائدة فإنه محرم ولا يجوز، لأنه كما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، و(لا يحل سلف وقرض) .. إلخ، بل العلماء يتفقون على أنه إذا كان هناك شرط من المقرض على المقترض أن يعطيه فائدة، فإن هذا ضرب من ضروب الربا، فتبينت لنا صورة السندات.

    التكييف الفقهي لزكاة السندات

    إذاً: البحث فيما يتعلق بزكاة هذه السندات من وجهين:

    الوجه الأول: زكاة الديون: هل تجب الزكاة في الديون أو لا؟ لأن هذه السندات هي عبارة عن قروض لهذه الشركات.

    الوجه الثاني: الأموال المحرمة: هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة؟ لأن هذه السندات قروض بفوائد.

    فعندنا هذا السند مثلاً قيمته عشرة آلاف ريال، وفوائده في السنة خمسمائة ريال، أو ألف ريال، نحتاج أن ننظر إلى أصل السند عشرة آلاف ريال: هل فيها زكاة أو لا؟ والفوائد الربوية هذه هل فيها زكاة أو لا؟ فنحن بحاجة إلى بحث مسألتين: المسألة الأولى: زكاة الديون، والمسألة الثانية: الزكاة في الأموال المحرمة.

    زكاة الديون من أجل أن نبحث أصل المال العشرة آلاف هذه هل فيها زكاة أو لا، وزكاة الأموال المحرمة من أجل أن نبحث في الفوائد هذه: هل تجب فيها الزكاة أو نقول: هذه الفوائد لا تجب فيها الزكاة؟

    فعندنا المسألة الأولى وهي ما يتعلق بزكاة الديون:

    العلماء رحمهم الله يقسمون الديون إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: دين على مليء باذل، يعني: على إنسان يقدر على سداد الدين وهو باذل غير جاحد وغير مماطل.

    القسم الثاني: دين على معسر أو على مليء غير باذل، إما أن يكون جاحداً وإما أن يكون مماطلاً.

    القسم الثالث: ديون مؤجلة.

    هل تجب الزكاة في هذه الديون بأقسامها الثلاثة، أو نقول: لا تجب فيه الزكاة؟

    العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك خلافاً كثيراً، ولو أردنا أن نستعرض خلاف العلماء رحمهم الله تعالى وأدلتهم لطال بنا المقام، لكن نقول: الخلاصة في ذلك أن زكاة الديون تنقسم إلى قسمين:

    إن كانت هذه الديون على مليء باذل، يعني على شخص يقدر على الوفاء وهو ليس مماطلاً ولو كان الدين مؤجلاً، فهذا تجب زكاته كل عام، وأنت بالخيار، إن شئت أن تزكي كل عام بعام، وإن شئت أن تنتظر حتى تقبض فتزكي عن جميع الأعوام.

    القسم الثاني: أن يكون الدين على معسر، كإنسان ليس عنده شيء، أو على مليء لكنه جاحد أو مماطل، فهذا لا يجب عليه أن يزكيه إلا سنة واحدة هي سنة قبضه، فإذا قبضه زكاه مباشرة دون أن يستأنف له حوله.

    ومثل ذلك أيضاً: الأموال المسروقة، فلو أن شخصاً له أموال مسروقة أو أموال مغصوبة أو أموال منتهبة أو أموال ضائعة تائهة ثم وجدها، فإنه يجب عليه أن يزكيها مرة واحدة متى ما وجدها، ومثل ذلك أيضاً الأموال التي تكون عند الحكومة وقد لا يتمكن منها الإنسان إلا بعد سنوات، يعني: يطالب بها ولا يتمكن منها إلا بعد سنوات، فهنا نقول: لا يجب عليه أن يزكيها إلا مرة واحدة.

    كيفية زكاة السندات

    عندنا الآن ما يتعلق بالسندات، وذكرنا أن هذه السندات قروض لهذه الدول أو هذه الشركات بفوائد، الآن بالنسبة للدولة: هل هي من القسم المعسر أو المليء باذل؟

    بالنسبة لهذه الشركة هل هي من القسم المعسر أو من قسم المليء الباذل؟ الملاحظ والغالب أن هذه الشركات وهذه الدول أنها من القسم الأول: المدين الباذل، يعني: هي لا تجحد هذا المال ولا تماطل في بذله لصاحبه، بل هي من المدين الباذل، وعلى هذا نقول: يجب عليه أن يزكي أصل هذا المال كل عام.

    بقينا في الفوائد المترتبة على هذه الأموال، كما ذكرنا أنها قروض بفوائد: هل تجب الزكاة في هذه الفوائد التي يستفيدها صاحب هذا السند، أو أن الزكاة لا تجب عليه؟

    هذا كما تقدم لنا ينبني على ما ذكرنا في الدرس السابق، وهو أن الأموال المحرمة سواء كان تحريمها تحريماً عينياً أو كان تحريمها تحريماً كسبياً لكسبها أنه لا تجب فيها الزكاة، وعلى هذا نقول: هذه الفوائد التي تأخذها بسبب الربا هذه لا زكاة فيها؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ويبقى أصل هذا القرض يجب عليك أن تزكيه.

    1.   

    زكاة أسهم الشركات

    أيضاً عندنا ما يتعلق بزكاة أسهم الشركات: هذه الأسهم موضع خلاف كثير بين العلماء، وبين المجامع الفقهية، والمؤتمرات الفقهية والندوات.. وغيرهم ممن بحث في هذه المسألة.

    تعريف الأسهم وأنواع المساهمين

    السهم في اللغة: النصيب والحظ.

    وفي الاصطلاح: عبارة عن صك يمثل حصة شائعة في رأس مال الشركة.

    فالذي له أسهم في شركات المساهمة هل تجب عليه الزكاة أو لا تجب عليه الزكاة؟ وكيف يزكي.. إلخ؟

    الخلاصة في كلام أسهم الشركات بالنسبة لزكاتها نقول بأن المساهم لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: المساهم المستثمر.

    والحالة الثانية: المساهم المضارب.

    والحالة الثالثة: المساهم المدخر.

    المساهم المستثمر

    الأول: المساهم المستثمر، وهو الذي اشترى الأسهم لكي يأخذ ريعها وربحها، أي: ما تعطيه الشركة، أي شركة شارك فيها.. شركة الكهرباء، شركة الاتصالات.. إلخ، فتوزع على شركائها المساهمين فيها أرباحاً.

    فالمساهم المستثمر: هو الذي دخل في هذه الشركة واشترى أسهمها لكي يأخذ ما تعطيه الشركة من ربح، فمثلاً تعطيه في الشهر مائة ريال أو في السنة ألف ريال أو نحو ذلك..إلخ، هذا هل تجب عليه الزكاة في أسهمه؟ وكيف يزكي هذه الأسهم.. إلخ؟

    نقول: المساهم المستثمر هو الذي يشتري هذه الأسهم لكي يأخذ الريع والربح من الشركة كل عام أو كل شهر حسب ما توزعه هذه الشركة، فهذا المساهم إن كانت الشركة تخرج الزكاة فإنه يكتفي بإخراج الزكاة، والغالب عندنا في هذه البلاد أن الحكومة تطالب الشركات بالزكاة، وإن كانت الشركة لا تخرج الزكاة فإنه يجب عليه أن يخرج الزكاة، وكيف يخرج الزكاة؟ ينظر إلى زكاة الشركة، ويقسم زكاة هذه الشركة على عدد الأسهم.

    فمثلاً: زكاة الشركة مليون، والأسهم مليون، فيقسمه على مليون، ومليون على مليون يساوي ريالاً واحداً، فإن كان عندك ألف سهم، فإن عليك ألف ريال.

    وإذا قال: أنا لا أستطيع أن أعرف زكاة الشركة، نقول: زَكِّ القيمة الحقيقية لأسهمك، يعني: أسهمك كم تساوي دون الربح، وليس بالقيمة السوقية وإنما بالقيمة الحقيقية لأسهمك دون أن يكون هناك ربح، كم قيمة هذه الأسهم أي: القيمة الحقيقية لها؟ ثم أخرج هذه الزكاة.

    إذاً: خلاصة زكاة المستثمر أن نقول: إن كانت الشركة تزكي -وهذا هو الموجود الآن- فالحمد لله، وإن لم تكن الشركة تزكي فإنك تنظر إلى زكاة الشركة وتقسمها على عدد المساهمين وتضرب بعدد أسهمك، فإن قال: لا أعرف زكاة الشركة وهذا هو الحاصل، فنقول: أخرج قيمة هذه الأسهم دون أن يكون هناك ريع أو ربح، يعني: أخرج القيمة الحقيقية لهذه الأسهم دون أن يكون هناك ريع أو ربح.

    هذا القسم الأول وهو المساهم المستثمر.

    المساهم المضارب

    القسم الثاني: المساهم المضارب الذي يضارب بالأسهم، وهذا ما عليه كثير من الناس اليوم، يبيع من هذه الشركة ويشتري من هذه الشركة ونحو ذلك، فهذا يزكي زكاة عروض تجارة، ينظر كم تساوي أسهمه، فإن كانت أسهمه مثلاً تساوي عشرة آلاف ريال، فإنه يخرج ربع العشر.

    وإذا كانت الشركة تزكي وهو يضارب أيضاً، فنقول: يكتفي بزكاة الشركة، إلا أن الملاحظ أن الشركات تقصر بعض المال، ولا تخرج كل الزكاة، فيخرج عشرة بالمائة من الزكاة الواجبة عليه، والباقي يكتفي بإخراج الشركة، فإذا كان مثلاً أسهمه تساوي اليوم مائة ألف ريال، فإن زكاة المائة ألف ريال ألفان وخمسمائة، فإذا كانت الشركة لا تزكي فيخرج ألفين وخمسمائة، وإذا كانت الشركة تزكي لا يخرج إلا عشرة بالمائة من ألفين وخمسمائة، يعني: يخرج مائتي ريال وزيادة تقريباً، لأن الذي يلاحظ أن الشركات لا تخرج تمام الزكاة.

    إذاً: تبين لنا أنه ينظر إلى القيمة السوقية لأسهمه كم تساوي اليوم، تساوي مائة ألف، مائتين ألف.. إلخ، فيخرج ربع العشر، فإن كانت الشركة تزكي فإنه يقتصر على زكاة الشركة، وإلا فيخرج ما يقرب عشرة بالمائة احتياطاً لأنه قد لا تخرج الشركة تمام الزكاة.

    المساهم المدخر

    القسم الثالث: المساهم المدخر وهو الذي يشتري الأسهم لا لكي يضارب، وإنما يشتري الأسهم لينتظر أن تزيد ثم يبيع، فنقول: هذا يزكي زكاة المستثمر، وإذا باع زكاها مرة واحدة زكاة عروض تجارة، فمثلاً: قد تكون عنده أسهم تجلس سنتين أو ثلاث سنوات أو أربع سنوات، يقول: أنتظر حتى تزيد، فإذا زادت بعت، نقول: كل سنة زكِّ زكاة المستثمر، وزكاة المستثمر أن الشركة تخرج الزكاة، لكن إذا بعت زكها مرة واحدة، فإذا جلست عندك ثلاث سنوات، أو أربع سنوات، ثم بعتها بعشرة آلاف، أو بعتها بعشرين ألفاً، أو بثلاثين ألف، زكها مرة واحدة وأخرج ربع العشر، اقسم ما بعت به على أربعين ويكون الناتج هو الزكاة.

    فالمساهم المدخر هو الذي يشتري الأسهم ويتركها لكي تزيد ثم بعد ذلك يقوم ببيعها، وقبل البيع يزكي زكاة المستثمر، وكما تقدم أن ذكرنا في زكاة المستثمر إن كانت الحكومة تأخذ الزكاة، فقد كُفِيْت، وبقينا إذا باع فإنه يزكيها مرة واحدة، ولو جلست عنده سنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً.. إلخ، فإنه يزكيها مرة واحدة زكاة عروض تجارة ويخرج ربع العشر.

    هذا ما يتعلق بزكاة الأسهم، ويتلخص لنا أن المساهم لا يخلو من هذه الأحوال الثلاثة.

    1.   

    زكاة الحساب الجاري

    تعريف الحساب الجاري

    أيضاً عندنا من المسائل زكاة الحساب الجاري.

    الحساب الجاري: هو المبالغ النقدية التي يودعها صاحبها المصرف، ويلتزم المصرف بدفعها وإعادتها إليه في أي وقت، فيتمكن من أخذ هذه الأموال.

    التكييف الفقهي للحساب الجاري

    ولكي ننظر هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه الزكاة لابد أن نعرف تكييفه الشرعي، وللعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله تعالى وعليه المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات.. إلخ، يقولون: هذه المبالغ التي يودعها أصحابها في هذه المصارف هي قروض، فأنت تقرض البنك وتقرض المصرف، فإذا أودعت أموالك في هذا المصرف فمعنى ذلك أنك تقرض المصرف هذه الأموال، فهي عبارة عن قروض، وإن سميت ودائع فهذا باعتبار أول الأمر، لكنها في الحقيقة قروض، ولماذا قروض؟ لأن المودع لهذه المبالغ يأذن للمصرف أن يتصرف فيها، ولو كانت وديعة ما تصرف فيها، لكنك تأذن للمصرف أو البنك أن يتصرف فيها، فيبيع ويشتري ويضارب فيها، والعلماء رحمهم الله يقولون بأن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة فإنها تنقلب من كونها وديعة إلى كونها قرضاً.

    فنقول: الدليل على أنها قروض أن المودِع يأذن للمودَع أن يتصرف فيها.

    والدليل الثاني: أن المصرف ضامن لها في كل حال حتى لو تلف المصرف واحترق فهو ضامن لك أموالك، وهذا هو المقترض.

    أنت إذا أقرضتني ألف ريال فأنا ضامن لك هذه الألف حتى لو احترق المال، ولو كانت وديعة واحترقت هذه الوديعة وتلفت فلا أضمنها إلا إذا فرطت، فالمصرف هذا ضامن لهذا المال، مما يدل على أن هذا المال ليس وديعة وإنما هو قرض.

    الدليل الثالث: أن حقيقة القرض ينطبق على هذا، فالقرض: هو بذل مال لمن ينتفع به ويرد بدله، وهكذا أن تبذل المال لهذه المصارف وترد عليك بدله، بخلاف الوديعة، فهي أن تبذل المال لمن يقوم بحفظها.

    فتبين لنا أن هذه الأموال التي يودعها أصحابها في هذه المصارف عبارة عن قروض وليست ودائع، وحينئذ يأتينا ما سبق أن تكلمنا عليه، وهي: زكاة الديون، هل تجب الزكاة في الديون، أو لا تجب الزكاة في الديون؟ وذكرنا أن الدين إذا كان على مليء باذل فإن الزكاة تجب فيه، وهذه المصارف الآن مليئة وباذلة وليست مماطلة ولا جاحدة، وحينئذ تجب الزكاة في هذه الأموال التي تكون في هذه المصارف.

    كيفية زكاة الحساب الجاري

    لكن كيف تُزكَّى هذه الأموال لأن الإنسان قد يضيف مالاً وقد يأخذ.. إلخ؟ هذه زكاتها كما أسلفنا في رواتب الموظفين، وهو أن الإنسان عنده الآن مال في المصرف، ثم جاءه راتب ووضعه عليه، ثم جاءه هبة ووضعها عليه، كونه يحسب حولاً لهذا المال وحولاً لهذا الراتب وهذه الهبة، هذا فيه مشقة عليه، والأحسن كما سلف أن المسلم يحدد له وقتاً في العام، وينظر إلى ما تجمع في هذا الحساب، وحينئذ يخرج ربع العشر، فما حال عليه الحول أخرج زكاته، وما لم يحل عليه الحول فإنه يكون قد عجل زكاته، وتعجيل الزكاة جائز ولا بأس به.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.