إسلام ويب

المسائل المستجدة في نوازل الزكاة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • راتب الموظف هو من الأموال المستفادة، أي التي يتحصل عليها أثناء الحول وليست هي ربح تجارة ولا نتاج مال من جنس ما، وعليه فيحسب لها حول مستقل. أما مكافأة نهاية الخدمة والتي يلزم بها صاحب العمل، فالراجح أنها لا تعد في ملك الموظف حتى يحوزها ثم يحسب لها الحول من

    1.   

    زكاة الراتب الشهري

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:

    المسألة الثانية: وهي تتعلق بزكاة الراتب الشهري، كيف نخرج زكاة الراتب الشهري؟

    تعريف الراتب الشهري

    الراتب الشهري: هو الأجر الذي يتقاضاه الموظف مقابل عمله كل شهر ونحو ذلك، والرواتب الشهرية تعتبر من الأموال المستفادة، ولكي نعرف كيف نزكي الراتب الشهري لابد أن نعرف مسألة تكلم عليها العلماء رحمهم الله تعالى، وهذه المسألة هي: كيف نزكي المال المستفاد؟

    أنت الآن عندك أموال، ثم بعد ذلك جاءك مال، هذا المال المستفاد في أثناء الحول كيف تزكيه؟ وهل يجب له حول تضمه في حوله إلى المال الذي عندك.. إلخ؟

    زكاة الأموال المستفادة

    وقبل أن ندخل في كيفية زكاة الرواتب لابد أن نعرف كيف نزكي الأموال المستفادة؟

    نقول: الأموال المستفادة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن تكون هذه الأموال ربح تجارة أو نتاج سائمة، فإذا كانت هذه الأموال ربح تجارة أو نتاج سائمة فإن حولها حول أصلها، فمثلاً: إنسان صاحب بقالة أو عنده محل لبيع الملابس الرجالية أو لبيع الكتب ونحو ذلك، في أول محرم البقالة ثمنها يساوي مائة ألف ريال، بدأ يبيع ويشتري، ولما جاء رمضان أصبحت قيمة البقالة مائة وخمسين ألف ريال، الآن هذه الخمسون التي استفادها أثناء الحول، هل نقول: اجعل لها حولاً مستقلاً، أو نقول: بأن حولها حول أصلها؟

    نقول: إذا كانت ربح تجارة فحولها حول أصلها، وعلى هذا إذا جاء محرم من العام القادم يخرج الزكاة عن مائة ألف أو عن مائة وخمسين ألفاً؟ نقول: عن مائة وخمسين، فربح التجارة هذا حوله حول الأصل، وعلى هذا أصحاب البقالات كيف يزكون بقالاتهم وأصحاب الكتب وأصحاب الدكاكين والمحلات؟ مثلاً: انظر إلى البقالة كم تساوي بسعر البيع وليس بسعر الشراء، فإن كان يبيع بالإفراد فينظر إلى سعر البيع بالإفراد، وإن كان يبيع بسعر الجملة فينظر إلى سعر البيع بالجملة، فإذا حال عليها الحول فينظر كم تساوي البقالة، ربما أن البقالة في أول الحول تساوي مائة ألف، لكن في آخر الحول أصبحت تساوي مائتي ألف، زادت ونمت البقالة بسبب البيع والشراء فيخرج عن مائتي ألف بسعر البيع، فينظر كم تساوي بسعر ما يبيعه للناس..إلخ، فإذا قدر أنها تساوي مثلاً مائتي ألف فيخرج ربع العشر، فاقسم مائتي ألف على أربعين، والناتج هو الزكاة، وهو خمسة آلاف.

    كذلك أيضاً نتاج السائمة حوله حول أصله، فمثلاً: خمس من الإبل فيها شاة، وست فيها شاة، وسبع فيها شاة، وثمان فيها شاة، وتسع فيها شاة حتى تبلغ عشراً، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل ففيها شاة، فلو ملكها في ذي الحجة قبل محرم، فتوالدت وأصبحت عشراً، كم يجب عليه الزكاة؟ نقول: يجب عليه شاتان، فهذه الخمس التي رزقه الله في شهر ذي الحجة حولها حول أصلها؟

    فتبين لنا أن ربح التجارة ونتاج السائمة حوله حول أصله، ولا تحسب له حولاً مستقلاً وإنما يكون حوله حول أصله.

    القسم الثاني: أن يكون المستفاد ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة، لكنه مثل جنس المال الذي عندك، فمثلاً: رجل عنده في المصرف مائة ألف، جاءه راتب عشرة آلاف أو خمسة آلاف، الآن استفاد هذا الراتب، وليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة، لكنه من جنس المال الذي عنده، فهل يحسب حوله من حول المال الذي عنده، أو يستأنف له حولاً مستقلاً؟

    جمهور العلماء على أنه يستأنف له حولاً مستقلاً، خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله، فإنه يقول: ما دام أن الجنس واحد فإن حوله حول الجنس الذي عنده.

    القسم الثالث والأخير، وهذا يتفق عليه العلماء: أنه يحسب له حولاً مستقلاً إذا كان المستفاد ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة ولا يوافق المال الذي عنده في الجنس، بل يخالفه في الجنس، فرجل عنده مائة ألف ريال، ثم بعد ذلك جاءته سائمة من البقر أو سائمة من الإبل ونحو ذلك، فهذا يحسب له حولاً مستقلاً.

    كيفية زكاة الراتب

    عندنا الآن رواتب الموظفين: كيف ننزلها على هذه الأقسام، وهل هي من القسم الأول أو من القسم الثاني أو من القسم الثالث؟

    الجواب أنها من القسم الثاني، يعني: من المال المستفاد الذي ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة لكنه من الجنس، فعند الحنفية أنه يُضم إلى حول المال الذي عنده، وعند الجمهور أنه يحسب له حولاً مستقلاً، وهذا رأي جمهور أهل العلم هو الراجح، أنك إذا أخذت راتب محرم تجب عليك الزكاة عليه في محرم، أو في صفر يجب عليك أن تزكيه في صفر، وراتب صفر لا تضمه مع راتب محرم، وراتب ربيع الأول لا تضمه مع راتب محرم، فراتب محرم تخرج زكاته في محرم إن حال عليه الحول، وراتب صفر في صفر من السنة الثانية، وراتب ربيع الأول في ربيع الأول من السنة الثانية، وهكذا؛ لأن هذا مال مستفاد وليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة فلا يضم في الحول، لكنه على رأي الحنفية يضم فتخرج في محرم جميع الرواتب، لكن على رأي الجمهور كل راتب سيكون له حولاً مستقلاً، وهذا قد يكون فيه مشقة على الموظف، ولهذا هيئات الفتوى مثل اللجنة الدائمة للإفتاء في إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة، وغير ذلك كثير من العلماء يقولون للموظف بدلاً من كونه سيخرج في محرم، يخرج في صفر، أو في ربيع الأول، أو في ربيع الثاني.. إلخ، هذا قد يلحقه مشقة في ذلك، فيقولون: انظر إلى وقت كرمضان مثلاً أو شعبان ونحو ذلك، واجمع الأموال التي عندك وأخرج زكاتها ربع العشر، فإن حال الحول عليه فقد أخرجت زكاتك، وإن لم يحل الحول عليك فقد عجلت زكاتك، وتعجيل الزكاة جائز ولا بأس به.

    فالخلاصة في زكاة رواتب الموظفين أننا نفهم أن هذه الرواتب من المال المستفاد الذي ليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة، وإذا كان كذلك فالصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن هذه الأموال المستفادة لها حول مستقل كما جاء عن الصحابة، وأنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، جاء عن أبي بكر وعثمان وعلي ، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وعلى هذا إذا كان الإنسان سيأخذ برأي الجمهور أنه كل شهر من العام القادم ينظر إلى راتبه ويخرج الزكاة عليه، لكن هذا قد يلحقه مشقة، لكن كما ذكرنا فإن العلماء الآن ولجان الفتوى يفتون أن الموظف يجعل له وقتاً يخرج فيه الزكاة، فينظر إلى ما تجمع عنده وما بقي ولم يستهلكه، فإن كان الباقي به الزكاة نصاب فأكثر فإنه يخرج زكاته ربع العشر، فإن كان حال عليه الحول فقد أخرج زكاته في وقته، وإن كان الحول حتى الآن لم يحل عليه فقد عجل الزكاة، وتعجيل الزكاة هنا جائز.

    1.   

    زكاة مكافأة نهاية الخدمة

    كذلك أيضاً من المسائل: ما يتعلق بمكافأة نهاية الخدمة، إذا أنهى الموظف خدمته في هذه الشركة أو في الحكومة ونحو ذلك فإنه يستحق مبلغاً من المال، وقد تكون نهاية هذه الخدمة بسبب التقاعد، وقد تكون بسبب الوفاة، وقد تكون بسبب آخر غير هذه الأسباب، المهم أنه إذا أنهى خدمته فإن الدولة تعطيه كذا وكذا من المال أو أن الشركة تعطيه كذا وكذا من المال، هذا المال الذي تحصل عليه: هل تجب فيه الزكاة، أو لا تجب عليه حتى يحول عليه الحول؟ هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    مكافأة نهاية الخدمة هي حق مالي أوجبه ولي الأمر بشروط محددة على رب العمل لصالح الموظف عند نهاية خدمته، وهذا الحق المالي هل تجب فيه الزكاة؟ إذا أخذ مثلاً مائة ألف أو أخذ خمسين ألفاً أو أخذ مليوناً.. إلخ، هل نقول: يجب عليه أن يخرج الزكاة، أو نقول بأن الزكاة لا يجب عليه أن يخرجها..إلخ؟ هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى.

    فالرأي الأول: قالوا بأن هذه المكافأة تجب فيها الزكاة مباشرة، إذا قبضها الموظف بسبب التقاعد، أو بسبب الوفاة، أو بأي سبب من الأسباب، المهم أنه يجب عليه أن يزكي.

    الرأي الثاني: أن هذه المكافأة لا زكاة عليها، لكن إذا تركها ولم يستهلكها حتى حال عليها الحول فإنه يجب عليه أن يزكي، وهذا كسائر الأموال.

    وهذا القول هو الصواب، وأن هذه المكافأة التي يقبضها الموظف في نهاية خدمته، قلت أو كثرت، أنه لا زكاة فيها، والدليل على أنه لا زكاة فيها أن هذه المكافأة لا يستحقها الموظف إلا عند نهاية خدمته، ولهذا لا يملك أن يطالب بها قبل نهاية الخدمة، فدل ذلك على أنها ليست مملوكة له قبل، هو الآن ملكها عند نهاية الخدمة، فإذا كان ملكها فلابد لها من حول، كما ذكرنا في الأموال المستفادة إذا لم تكن ربح تجارة ولا نتاج سائمة فإنه لابد أن يحول عليها الحول، فهذه المكافأة يملكها الموظف عند نهاية خدمته، وقبل نهاية الخدمة ليست ملكاً له، ولهذا لا يحق له أن يطالب فيها، ولا يحق له أن يتصرف فيها قبل نهاية الخدمة، لا يحق له أن يهبها لأحد ولا أن يتنازل عنها لأحد..إلخ، مما يدل على أنه ملكها عند نهاية الخدمة، وإذا كان ملكه لها عند نهاية الخدمة فلابد أن يحول عليها الحول.

    الدليل الثاني: أن هذه المكافأة إذا كانت بسبب الوفاة فإنها لا تصرف للورثة على أنها ميراث شرعي، فلا يقتسمونها حسب قسمة المواريث الشرعية، وإنما تقتسم بين الورثة حسب النظام الموجود، سواء كان نظام الحكومة أو كان نظام الشركة، فدل ذلك على أنها ليست ملكاً للموظف، ولو كانت ملكاً له لأصبحت ميراثاً يقتسمها الورثة اقتسام الميراث.

    الدليل الثالث والأخير: أن هذه المكافأة قد يحرم منها الموظف أو قد يحرم من بعضها إذا أخل ببعض شروط العمل، فدل ذلك على أنها ليست ملكاً له، وأنه حتى الآن لم يملك هذه المكافأة، والعلماء رحمهم الله يقولون: من شروط وجوب الزكاة الملك التام، لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَفِى أَمْوَالِهِم حَقٌ مَعْلُومٌ [المعارج:24] فأضاف المال إليهم.

    وفي حديث ابن عباس لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله...) إلى أن قال: (فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أموالهم)، فأضاف المال إليهم، فدل ذلك على أنهم يملكونه، فلابد -إذاً- أن يكون مالكاً.

    وعلى هذا نقول: إذا كان غير مالك فإنه لا تجب عليه الزكاة.

    وبهذه الأدلة يتبين لنا أن الموظف قبل نهاية الخدمة ليس مالكاً، وإنما يملك هذه المكافأة عند نهاية خدمته، وحينئذ نقول: لا زكاة عليه حتى يحول الحول على هذه المكافأة، فإن استهلكها قبل ذلك بأن اشترى بها بيتاً أو اشترى بها سيارة أو تزوج بها ونحو ذلك فلا زكاة عليه حينئذ، وأشرنا إلى أن بعض العلماء قال بأنه يجب عليه أن يزكي؛ لأن هذا مال مستفاد يضم إلى حول المال الذي عنده، لكن الصواب في هذا هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا يضم الحول إلا إذا كان ربح تجارة أو نتاج سائمة.

    1.   

    زكاة المال المحرم

    أيضاً من المسائل: زكاة المال المحرم، هل تجب الزكاة في المال المحرم، أو لا تجب فيه الزكاة؟ والمال المحرم هو كل ما حرم الشارع على المسلم تملكه والانتفاع به، والمال المحرم ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: هو كل ما كانت عينه وذاته محرمة، مثل: الخنزير والخمر والدخان ونحو ذلك، فهذا مال محرم لعينه.. إلخ، فالمال المحرم إذا كانت عينه وذاته محرمة فإن الزكاة لا تجب فيه بالاتفاق، فلو كان هناك شخص يتاجر بالدخان أو عنده بقالة، والبقالة هذه فيها دخان فإذا أراد أن يخرج الزكاة، وكانت البقالة هذه بمائة ألف والدخان هذا بعشرة آلاف، فإن الدخان هذا لا تجب فيه الزكاة.

    كذلك أيضاً لو كان يتاجر بلحم الخنزير كما لو كان عنده مجزرة أو يبيع ونحو ذلك، فإنه لا يخرج زكاة هذا المال المحرم لعينه.

    ودليل ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فالله سبحانه وتعالى طيب ومن أسمائه الطيب ولا يقبل إلا طيباً، لا يقبل من الأعمال والأموال إلا الطيب، وما عدا ذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبله، ولله المثل الأعلى إذا كان الآدمي لا يقبل إلا الطيب فالله سبحانه وتعالى أولى وأحرى أن لا نعطيه ونتقرب إليه من أموالنا إلا بالطيب، فهذا إذا كان محرماً لعينه فهذا باتفاق العلماء أن الزكاة ليست واجبة فيه.

    القسم الثاني: أن يكون محرماً لكسبه، يعني: تجمعت عنده أموال بسبب المكاسب المحرمة، بسبب بيع الأغاني، بسبب بيع الدخان، بسبب الميسر، بسبب الرشوة، بسبب الربا.. ونحو ذلك، فهل تجب الزكاة في هذه الأموال المحرمة التي حرمت لكسبها، أو نقول بأن الزكاة لا تجب فيها؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، وأكثر العلماء أن هذا المال المحرم لكسبه أيضاً لا تجب فيه الزكاة؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    وعلى هذا إذا كان هناك شخص عنده مليون ريال، ومنها مائة ألف ريال بسبب الربا، فنقول: هذه التي بسبب الربا لا زكاة فيها، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    وإذا كان عنده أسهم مختلطة في شركات مختلطة.. إلخ، فنقول: يجب عليه أن يتخلص من هذه الأسهم وقدر الحرام هذا لا تجب عليه الزكاة، هذا ما عليه أكثر العلماء المتأخرين، ودليل ذلك ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    وعلى هذا فإذا كان عنده محلات تجارية ويبيع فيها أشياء محرمة وأشياء مباحة، فالأشياء المحرمة كالدخان أو الشيشة أو نحو ذلك، إذا كانت حتى الآن لم تبع فهذه محرمة لعينها فلا يقدرها في الزكاة، وإذا كانت بيعت وتجمعت عنده أموال فهذه محرمة لكسبها، فالدخان الموجود في البقالة هذا محرم لعينه فلا زكاة فيه، والأموال التي تجمعت بسبب بيع هذا الدخان أيضاً لا زكاة فيها، فالدخان هذا لا يخرج زكاته إذا كان عنده أموال تجمعت بسبب بيع الدخان وبسبب بيع المباح، فينظر كم من المال الذي باع به الدخان، فمثلاً: باع بعشرة آلاف خلال هذا الشهر، وباع بتسعين ألفاً من المباح، فالعشرة آلاف هذه لا يخرج زكاتها، والدخان أيضاً لا يقدره في الزكاة، فما كان محرماً لعينه وما كان محرماً لكسبه فهذا لا تجب فيه الزكاة؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

    وقولنا: لا يجب عليه أن يزكي في مثل هذه الأشياء، هذا ليس من باب التخفيف عليه، وإنما هذا من باب الزجر والردع والرد لفعله، لعله ينتهي ويرعوي ويكتفي بما أباح الله عز وجل له، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها).

    1.   

    زكاة الأموال العامة

    وأيضاً من المسائل التي نختم بها هذه المسألة: زكاة الأموال العامة، هل تجب الزكاة في الأموال العامة أو لا تجب فيها الزكاة؟

    المال العام هو المال المُرصَد للنفع العام دون أن يكون مملوكاً لشخص بعينه، وهذا مثل أموال بيت مال المسلمين، ومثل مال الدولة، ومثل أموال جمعيات البر وأموال جمعيات تحفيظ القرآن وأموال الأوقاف المرصودة على جهات عامة وليست معينة، فمثلاً: هذه الأموال هل تجب فيها الزكاة، أو لا تجب فيها الزكاة؟

    العلماء رحمهم الله تعالى يشترطون لوجوب الزكاة -كما أشرنا- الملك التام، أن يملكها ملكاً تاماً، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: وَفِى أَمْوَالِهِم حَقٌ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، فأضاف المال إليهم، مما يدل على أنهم يملكونه، وأيضاً قول الله عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا[البقرة:48]، فأضاف المال إليهم، وكما ذكرنا أيضاً حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله...)، إلى أن قال: (فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أموالهم)، فأضاف المال إليهم، دل ذلك على أن هذه الأموال العامة يشترط أن يكون لها مالك، وإذا كانت هذه الأموال ليس لها مالك فنقول: لا تجب فيها الزكاة.

    وعلى هذا فالدولة لا يجب عليها أن تخرج الزكاة، وأيضاً الأموال التي توفرت وتجمعت في جمعيات البر أو جمعيات تحفيظ القرآن أو المال الذي جمعناه لهذا المسجد كل هذا ليس له مالك معين، فلو حال عليه حول أو حولان أو ثلاثة فهذه الأموال لا تجب فيها الزكاة، ما دام أنه ليس لها مالك معين، وأيضاً أموال الأوقاف التي وقفت على جهات عامة، نقول: لا تجب فيها الزكاة.

    وأموال الأوقاف تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أوقاف على جهات عامة، كالوقف على المساجد، على طلاب العلم، على الفقراء، على المساكين..إلخ، فهذه الأموال لا زكاة فيها، فلو كان عندنا محلات تجارية أو عندنا شقق أو عندنا بيوت نؤجرها، هذه الأجرة هل تجب فيها الزكاة؟ إذا كانت هذه الأوقاف موقوفة على جهات عامة فنقول: لا يجب فيها الزكاة.

    القسم الثاني: أن تكون هذه الأوقاف على جهة خاصة، على أناس معينين، فهنا تجب الزكاة، فمثلاً لو وقّف هذه العمارة على أولاده فإن ريع هذه العمارة سيكون لهؤلاء الأولاد.. إلخ، فنقول: الزكاة تجب بالأجرة؛ لأن الوقف هنا له مالك معين، ريعه له مالك معين وهم أولاده، لكن إذا كان على المساجد، على طلاب العلم، على الفقراء.. إلخ، فنقول: هذا لا زكاة فيها ولو حال عليه حول أو حولان أو ثلاثة أعوام.. إلخ.

    فتلخص لنا أن الأموال العامة التي أُرصِدت على جهات عامة لا زكاة فيها، وما أرصد على جهات خاصة فهذه نقول: فيها زكاة.

    1.   

    زكاة الأجرة

    كذلك أيضاً عندنا مسألة لها ارتباط بهذه المسألة، وهي ما يتعلق بزكاة الأجرة، كيف نزكي الأجرة؟ وهل يشترط للأجرة الحول، أو نقول بأن الأجرة لا يشترط لها الحول؟

    جمهور العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: الأجرة يشترط لها الحول، وكما تقدم أن المال المستفاد إذا لم يكن ربح تجارة ولا نتاج سائمة لابد له من حول، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن الأجرة مستثناة، لأنه يرى أن الأجرة مثل الثمرة، والثمرة لا يشترط لها الحول، والله عز وجل قال في الثمرة: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه [الأنعام:14]، ولم يشترط الحول، بل مجرد أنك تحصد الزرع أو تجني الثمار يجب عليك أن تخرج الزكاة، ولا يشترط الحول.

    والصواب في هذه المسألة: فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ما كان يبعث السعاة إلا عند الحول، وكما ورد عن الصحابة أبي بكر وعثمان وعلي وابن مسعود أنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، وأيضاً في الحديث وإن كان فيه ضعف: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول).

    فعلى هذا نقول: الأجرة كسائر الأموال المستفادة، ما دام أنها ليست ربح تجارة ولا نتاج سائمة فإنه لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، لكن متى يبدأ حول الأجرة؟

    نقول: حول الأجرة يبدأ من حين العقد، وعلى هذا إذا أجرت المحل التجاري في محرم، وأعطاك الأجرة في أول العقد فلا تجب عليك الزكاة، فمثلاً: أجرته الآن بعشرة آلاف ريال، وأعطاك العشرة، فلا تجب عليك الزكاة حتى يحول عليها الحول، فإن أكلتها فلا زكاة عليك، لكن لو أجرته في محرم ولم تستلم الأجرة إلا في نهاية السنة، نقول: تزكي؛ لأن الحول بدأ من حين العقد، فإذا قبضت المال في أول العقد فهذا لا زكاة فيه حتى يحول عليها الحول، ولو أكلته فلا شيء عليك، لكن لو أنك قبضت، وعرف الناس اليوم أنهم يقبضون نصف الأجرة في أول العقد والنصف الثاني وسط العقد، فالنصف الأول ليس فيه زكاة، إلا إذا تركته ومر عليه سنة، والنصف الثاني بعد ستة أشهر ليس فيه زكاة، لأنه حتى الآن لم يمض عليه إلا ستة أشهر، ولو تركته ستة أشهر ثانية وجب فيه الزكاة، لكن لو أن المستأجر ما أعطاك الأجرة إلا نهاية السنة هنا نقول: فيه زكاة.

    فنقول: إذا أخذت الأجرة في نهاية الحول فيجب أن تزكي، لكن لو أخذتها في أول السنة فلا زكاة عليك إلا إن حال الحول، وإن أخذتها في نهاية السنة وبقي عليك تمام الحول، فإن أكلتها فلا شيء عليك، وإن تركتها فإن عليك الزكاة، وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس ويجهلها ولا يعرف كيف يخرج زكاة الأجرة.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.