إسلام ويب

شرح متن الورقات [25]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشترط للمفتي المجتهد في المسائل الفقهية أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً، ويجوز للعامي تقليد المجتهد في المسائل التي لا قدرة له على البحث فيها لكن بشروط، واجتهاد النبي في الأمور الشرعية جائز، ويجوز للعامي التمذهب بضوابط، ويتبع من المفتين

    1.   

    شروط المفتي

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن شرط المفتي: أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً خلافاً ومذهباً].

    تقدم لنا في تعريف أصول الفقه أنها تعني: معرفة أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

    فالأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها بما يتعلق بدلالة الألفاظ، والأوامر والنواهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والنص ... إلى آخره، تقدمت هذه، وأيضاً تقدم لنا المراد بالأدلة الإجمالية، وتقدم كيفية الاستفادة منها، وشروط الاستدلال إلى آخره.

    وأما قوله: (وحال المستفيد) فهنا الآن يبحث المؤلف رحمه الله في الجزئية الأخيرة من تعريف أصول الفقه وهي حال المستفيد؛ والمراد بذلك: المجتهد الذي ينظر في الأدلة، وينظر في دلالة الألفاظ، وينظر في القياس، ويجري القياس، ويستنبط العلة، ويقوم بتخريج المناط، وتحقيق المناط، وتنقيح المناط.. إلى آخره، فشرع المؤلف رحمه الله في بيان أحكام المجتهد، وما يتبع ذلك من التقليد، ومتى يصار إلى التقليد ومتى لا يصار إليه، وهذا سيتبين إن شاء الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن شرط المفتي) المفتي المراد به: المجتهد (أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً).

    والمفتي في الاصطلاح: هو المخبر عن الحكم الشرعي.

    ويشترط في المفتي الذي يخبر عن الحكم الشرعي شروط:

    الشرط الأول: أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً خلافاً ومذهباً.

    والمراد بالفقه: مسائل الفقه، وأيضاً قوله: (أصلاً وفرعاً) يعني: يكون عالماً بالفروع الفقهية، ويكون أيضاً عالماً بأصول هذه الفروع، فلا بد أن يكون عنده إلمام بجملة من أصول الفقه، وكذلك أيضاً لا بد أن يكون عنده إلمام من جملة من القواعد الفقهية.

    وقوله: (وفرعاً) يعني: يعرف المسائل التابعة لهذه الأصول، وليس المراد أن يحفظ هذه المسائل، ولكن المراد أن يحفظ جملةً منها؛ لكي يتمكن إذا وردت عليه فتوى أن يرد هذه الفروع أو هذه الفتوى أو الحادثة التي نزلت إلى ما يحفظه ويعرفه منها.

    وقوله: (خلافاً ومذهباً) يعني: لا بد أن يكون عارفاً بالخلاف والمذهب، فيعرف المذهب إذا كان يفتي على مذهب إمام من الأئمة، وأيضاً يعرف ما يخالفه، أما إذا كان اجتهاده اجتهاداً مطلقاً فينبغي عليه أن يعرف مذاهب الأئمة وخلافهم في المسألة، ولكن إذا كان مجتهداً في مذهب من المذاهب فهذا لا يشترط أن يكون عارفاً بمذاهب الأئمة الأخرى، وأيضاً لا يشترط أن يعرف المفتي جميع التفاريع الفقهية، وهذا هو الصحيح، ولكن يكتفى أن يعرف بعض التفاريع الفقهية، وأما معرفة جميع التفاريع الفقهية فإن هذا ليس بشرط، ولكن هذا إنما هو للمجتهد المطلق؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( بلغوا عني ولو آية )، وأيضاً كان النبي عليه الصلاة والسلام يرسل الرسول بالآية إلى قومه.

    إذاً: فالشرط الأول الذي ذكره المؤلف رحمه الله: (أن يكون عارفاً بالفقه فرعاً وأصلاً، وخلافاً ومذهباً)، وهذا بالنسبة للمفتي، وقلنا: الصحيح في ذلك بالنسبة للمفتي أن يكون ملماً بجملة من الفروع الفقهية، وأيضاً ملماً بأصول هذه الفروع الفقهية، أو جملة من أصول هذه الفروع الفقهية؛ يعني فيما يتعلق بالقواعد الفقهية أو فيما يتعلق بأصول الفقه، ولا يشترط أن يكون ملماً بكل التفاريع الفقهية، فهذا ليس بشرط، وذكرنا الدليل على ذلك، وأنه يكفي أن يعرف بعض التفاريع الفقهية.

    الشرط الثاني ذكره المؤلف رحمه الله: [أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد] يعني: تتوفر فيه شروط المجتهد، وعلى هذا لا يفتي إلا مجتهد، وأما غير المجتهد فإنه لا يفتي.

    وذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أن المفتي إذا كان متبحراً في مذهب إمامه فاهماً لكلامه، عالماً براجحه ومرجوحه له أن يفتي بذلك.

    وأما اشتراط الاجتهاد المطلق للمفتي فهذا فيه نظر.

    نقول: اشتراط الاجتهاد المطلق للمفتي فيه ثلاثة آراء: الأول: كما تقدم كلام المؤلف رحمه الله وشدد فيه، فقال: لا بد أن يكون من أهل الاجتهاد، يعني ما يفتي أحد إلا من أهل الاجتهاد.

    والرأي الثاني: أنه لا يشترط أن يكون من أهل الاجتهاد المطلق، وإنما إذا كان متبحراً في مذهب إمامه فاهماً لكلامه فله أن يفتي بذلك.

    والرأي الثالث: إذا كان عارفاً بالحكم الشرعي فله أن يفتي به، فإذا عرف الإنسان بالحكم الشرعي فله أن يفتي به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية)، وهذا في الحقيقة إخبار عن دليل الكتاب والسنة.

    فالمفتي يجوز له أن يفتي بالأحكام الشرعية التي دلت عليها الكتاب والسنة، فهذه له أن يخبر عنها؛ لأن إخباره بذلك إنما هو إخبار للكتاب والسنة، فكونه مثلاً يفتي بوجوب صلاة الجماعة فهذا إخبار عن دليل الكتاب والسنة، وكونه أيضاً يفتي بتحريم مسابقة الإمام فهذا نقول: بأنه إخبار عما دل عليه الكتاب والسنة، هذا نقول: بأنه جائز، ولا يشترط فيه أن يكون من أهل الاجتهاد أو من أهل الاجتهاد في المذهب؛ ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية ).

    شروط المفتي المجتهد في النوازل

    لكن المفتي المجتهد هو الذي يفتي بالنوازل، يعني إذا نزلت نازلة من النوازل فهذا يشترط فيه شروط نتعرض لها، يعني: الذي نزلت فيه نازلة يقوم بالنظر في هذه النازلة، والنظر في أدلتها، ومقايسة الأمور، فهذا يشترط له شروط، أما الأحكام الظاهرة في الكتاب والسنة فهذه لا يشترط فيها أن يكون من أهل الاجتهاد المطلق، بحيث أنه لا يخبر الناس بالأحكام الشرعية إلا من كان من أهل الاجتهاد المطلق، أو من كان متبحراً في مذهب إمامه.

    والصحيح أن من عرف الحكم الشرعي له أن يخبر به، وأن إخباره إنما هو إخبار أو أمر بما دل عليه الكتاب والسنة، ودلالة على ما دل عليه الكتاب والسنة، فهو داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عز وجل، وهذا كله دلت عليه الأدلة.

    ولكن بقينا فيما يتعلق بالنوازل التي يجتهد فيها وتستنبط بها الأدلة وينظر في حكمها فهذا يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة وأصول الفقه، وليس بلازم أن يكون عارفاً بكل تفاصيل النحو، أو بكل تفاصيل أصول الفقه أو بكل تفاصيل اللغة، بل الواجب من ذلك هو القدر اللازم الذي يحتاج إليه لاستنباط الأحكام.

    الشرط الثاني: أن يكون عارفاً بأحوال الرجال؛ لكي يعرف الفاضل من المفضول.

    الشرط الثالث: أن يكون عارفاً بالناسخ والمنسوخ.

    الشرط الرابع: أن يكون عارفاً بدلالة الألفاظ، فدلالة الألفاظ لا بد أن يكون عارفاً بها كالعام والخاص، وهذا يدخل فيه ما تقدم في أصول الفقه، فإذا كان دارساً لأصول الفقه يعرف أن هذا الحكم عام، أو أن هذا النص عام وهذا خاص، فالمهم أنه يكون عارفاً بدلالة الألفاظ كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والنص، والمنطوق والمفهوم، فيعرف هذه الأشياء، ولا يلزمه أن يعرف من ذلك إلا القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة.

    الشرط الخامس: أن يبذل جهده قدر المستطاع ولا يقصر في البحث والنظر.

    الشرط السادس: أن يستند في اجتهاده إلى دليل.

    الشرط السابع: أن يكون عارفاً بالواقع، مدركاً لأحوال النازلة، إذ إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد أن يكون عارفاً بالواقعة مدركاً لأحوال النازلة.

    الشرط الثامن: أن يكون عارفاً بآيات الأحكام، فالآيات الواردة في الأحكام لا بد أن يكون عارفاً بها، وهناك مؤلفات خاصة فيما يتعلق بآيات الأحكام.

    والشرط التاسع: أن تكون غير منصوص عليها، ولا مجمع عليها.

    الشرط العاشر: ألا تكون في مسائل العقيدة.

    الشرط الأخير: أن تكون نازلة أو مما يمكن وقوعه.

    والعلماء رحمهم الله أضافوا إلى ذلك كونه يعرف مواقع الإجماع؛ لئلا يخالف الإجماع، وأيضاً يعرف أسباب النزول؛ لأن معرفة سبب النزول هذا مما يعين على إدراك الأحكام.

    1.   

    التقليد

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن شرط المستفتي: أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد، والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة].

    المستفتي: اسم فاعل من الاستفتاء بمعنى طلب الفتوى، والمراد به: السائل عن الحكم الشرعي.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وليس للعالم أن يقلد) هذا يأتينا إن شاء الله متى يجب الاجتهاد، ومتى يحرم، ومتى يندب.. إلى آخره.

    تعريف التقليد

    قال رحمه الله: (والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة).

    التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به ومنه القلادة؛ لكونها محيطة بالعنق.

    وأما في الاصطلاح فعرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (والتقليد قبول قول القائل بلا حجة) يعني: يقبل قوله وليس هناك حجة يذكرها المسؤول للسائل.

    ثم فرع المؤلف رحمه الله على التعريف فقال: [فعلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم تقليداً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الحكم ولا يذكر الحجة]، وهذا انتقده بعض العلماء رحمهم الله أن يكون قبول قول النبي عليه الصلاة والسلام تقليداً؛ لأن نفس كلام النبي عليه الصلاة والسلام حجة، فهو حكم وهو حجة، فالقول الذي ذكره المؤلف رحمه الله بأن قبول قول النبي عليه الصلاة والسلام يعتبر تقليداً فيه نظر، فهو إن كان تقليداً لغيره فالنبي عليه الصلاة والسلام ليس كذلك؛ لأن نفس كلام النبي عليه الصلاة والسلام حجة، فالسنة حجة، وكما قال الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    والقول الثاني في تعريف التقليد: أنه اتباع من ليس قوله حجة، فإذا قلنا بهذا التعريف يخرج علينا ما أورده المؤلف رحمه الله.

    حكم التقليد

    حكم التقليد: جائز للعامة الذين لا قدرة لهم في النظر في الأدلة، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وهذا دليل على جواز التقليد بالنسبة للعامة؛ لأن العامي إذا قلت له: لا تقلد وانظر في الكتاب والسنة لكان هذا تكليفاً له بما لا يطيق، فمن حيث الجملة هذا جائز للعامة الذين لا قدرة لهم على النظر في الأدلة والاستنباط، أما المجتهد فسيأتينا إن شاء الله هل له أن يقلد؟ أو ليس له أن يقلد. ومن حيث التفصيل نقول: منه ما هو جائز، ومنه ما هو مذموم.

    التقليد الجائز

    فالجائز ما توفرت فيه شروط:

    الشرط الأول: أن يكون جاهلاً عاجزاً عن معرفة حكم الله ورسوله، وأما القادر على الاجتهاد فيجوز له التقليد إذا عجز عن الاجتهاد؛ فالقادر على الاجتهاد يجوز له أن يقلد إذا عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة، كأن تكافأت عنده الأدلة أو ضاق الوقت عنده ولم يتمكن الآن أنه يجتهد، أو لم يظهر له الدليل فإنه في هذه الحالة يقلد.

    الشرط الثاني: أن يقلد من عرف بالعلم والاجتهاد من أهل الدين والصلاح.

    الشرط الثالث: ألا يتبين الحق للمقلد، فإن تبين الحق للمقلد فإنه يجب عليه أن يتبع الحق، وأيضاً ألا يظهر له أن قول غيره أرجح، فإذا ظهر له أن قول غيره أرجح من قول مقلده فهذا لا يجوز له أن يتبع قول المقلد.

    الشرط الرابع: ألا يكون التقليد في أمور العقيدة، وهذا عند جمهور أهل العلم، فالإنسان لا يجوز له أن يقلد في أمور العقيدة، بل يجب عليه أن يتعلم ما يجب لله عز وجل، أو ما يجب أن يعتقده من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

    وهذا قول جمهور أهل العلم.

    الشرط الأخير: ألا يخالف التقليد الإجماع أو النص الظاهر.

    أيضاً بقي: ألا يلتزم في تقليده مذهب إمام معين بل عليه أن يتحرى في كل مسألة.

    التقليد المذموم

    القسم الثاني: التقليد المذموم، فالتقليد المذموم يكون فيما يلي:

    أولاً: الإعراض وعدم الالتفات؛ أن يعرض الإنسان ولا يلتفت إلى ما أنزله الله عز وجل في كتابه، أو بينه النبي عليه الصلاة والسلام في سنته اكتفاءً بالتقليد، فإن هذا مذموم، فالله عز وجل قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، فذمهم الله عز وجل في ذلك كونهم يقلدون آباءهم، فكون الإنسان يعرض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويكتفي بتقليد إمام أو نحو ذلك فهذا فيه تشبه بالمشركين الذين قال الله عز وجل فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104].

    أيضاً يكون التقليد مذموماً: إذا قلد قول من عارض قوله قول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أيضاً يكون التقليد مذموماً إذا قلد شخصاً لا يعلم أنه أهل للتقليد.

    كذلك أيضاً من المواضع التي يكون التقليد مذموماً فيها: أن يقلد وهو قادر على الاجتهاد.

    وكذلك أيضاً من المواضع: أن يقلد مجتهداً في كل اجتهاداته.

    قال المؤلف رحمه الله: [ومنهم من قال: التقليد: قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز قبول قوله تقليداً].

    قوله: (قبول قول القائل: وأنت لا تدري من أين قاله)، هذا أيضاً من تعاريف التقليد، فذكر المؤلف تعريف التقليد بقوله: (قبول قول القائل بلا حجة، أو قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله)، والتعريف الثالث: اتباع من ليس قوله حجة.

    1.   

    اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم

    قوله رحمه الله: (فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس) يعني: قياس الاجتهاد، فالنبي عليه الصلاة والسلام هل له أن يجتهد أو ليس له أن يجتهد؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، واجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الاجتهاد في الأمور الدنيوية، فهذا له أن يجتهد كغيره، وهذا مثاله اجتهاده عليه الصلاة والسلام في تأبير النخل، فإن النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد في تأبير النخل، وأن النخل لم يؤبر، فلم يخرج النخل.

    والثاني: اجتهاده في الأمور الشرعية، فهل النبي عليه الصلاة والسلام له أن يجتهد أو ليس له أن يجتهد؟ الصحيح في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام له أن يجتهد؛ لقول الله عز وجل: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159]، وطريق المشاورة الاجتهاد.

    وأيضاً من الأدلة على ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تحريم مكة قال العباس رضي الله تعالى عنه: ( يا رسول الله! إلا الإذخر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إلا الإذخر )، وهذا من اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأيضاً اجتهاده عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بأسارى بدر, فالصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام له أن يجتهد، ولكن إذا أخطأ النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يقر ويأتي الوحي بالتصحيح كما جاء الوحي فيما يتعلق بأسارى بدر.

    فيقول المؤلف رحمه الله: (فإن قلنا: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول بالقياس -أي الاجتهاد- فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً) وهذا كما تقدم وقلنا: إن فيه نظر، فالصحيح أن أخذ قول النبي عليه الصلاة والسلام لا يسمى تقليداً؛ لأن كلام النبي عليه الصلاة والسلام حجة، واجتهاده حجة؛ لإقرار الله عز وجل له.

    1.   

    تمذهب العامي

    أما تمذهب العامي، فالعامي هل يلزمه أن يتمذهب أو لا يلزمه ذلك؟ فيه قولان لأهل العلم رحمهم الله:

    الرأي الأول: أن العامي لا يلزمه أن يتمذهب، فلا يأخذ بمذهب إمامه.

    والقول الثاني: أن العامي يلزمه أن يتمذهب، وهذا القول هو الصحيح، وأن يأخذ بمذهب إمامه، ولكن هذا يقيد فنقول: يجوز للعامي أن يتمذهب ويأخذ بمذهب إمامه بقيدين:

    القيد الأول: إذا لم يستطع تعلم دينه إلا بالتزام مذهب معين.

    القيد الثاني: أن يترتب على ذلك دفع فساد لا نتمكن من دفعه إلا بذلك، فلو قلنا: بأنك تتنقل بين المذاهب لكي تعرف الأدلة فهذا قد يحصل فساد بين العامة، فكل عامي سيقول: أنت انظر في الصلاة فالراجح من الأدلة كذا وهو مذهب الشافعي ، والراجح من كذا وهو مذهب أبي حنيفة ، وهذا قد يصعب على العامة، ويترتب عليه فساد.

    ضوابط التمذهب للعامي

    لكن هذا التمذهب لا بد له من ضوابط:

    الضابط الأول: ألا يتخذ هذا دعوة لأن يعادي ويوالي عليه؛ يعني: أن الإنسان يعادي إذا خالفه أحد، ويوالي إذا وافقه أحد.

    الضابط الثاني: ألا يعتقد أنه يجب على جميع الناس اتباع شخص بعينه.

    الضابط الثالث: أن يعتقد أن هذا الذي اتبعه ليس له من الطاعة إلا ما وافق فيه الكتاب والسنة، إذ الطاعة المطلقة إنما تكون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما ما عداهما فإن طاعتهم مقيدة بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    الضابط الرابع: الاحتراز من الوقوع في أخطاء المتمذهبين؛ مثل التعصب والانتصار بالأحاديث الضعيفة، أو بالأدلة الغير صريحة، أو بالقياسات المردودة وغير ذلك.

    فأصبح العامي له أن يتمذهب لكن كما قيدنا ذلك بقيدين: إذا كان لا يستطيع أن يتعلم الدين إلا بهذا، وأن يترتب على ذلك فساد، وهذا التمذهب يشترط له هذه الضوابط الأربعة التي ذكرنا.

    حال العامي عند وجود مجتهدين في بلده

    من المسائل المهمة التي تكلم عليها الأصوليون: بالنسبة للعامي إذا كان في البلد مجتهدان، فهل للعامي أن يتخير من أقوالهم أو نقول: بأنه لا يتخير وإنما يتبع الأعلم والأفضل؟

    جمهور الأصوليين على أن له أن يتخير، ولا يلزمه أن يسأل الأعلم والأفضل، فله أن يتبع العالم الفلاني، ولا يلزمه أن يتبع العالم الأعلم والأفضل، واستدلوا على ذلك بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يرد عنهم ذلك، فلم يرد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم حملوا الناس على اتباع الصحابة، مع أن الصحابة يختلفون في الفضل والعلم، فقالوا: كونه لم ينقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أن فيهم مجتهدين, فهذا يدل على أنه لا يجب على العامي بل له أن يتخير. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه يلزمه أن يسأل ولا يتخير، فيسأل الأعلم والأورع، وهذا قال به طائفة من الأصوليين، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقال به ابن سريج والقفال، واستدلوا على ذلك فقالوا: إنه إذا أراد أن يسلك مسلكاً في أمور دنياه فإنه سيسأل الأعلم في أمور الدنيا، وإذا أراد أن يتعالج في المرض الحسي فسيسأل الأعلى من الأطباء، فكونه في المرض المعنوي يسأل الأعلم من الأطباء هذا من باب أولى.

    وكذلك أيضاً قالوا: القياس على الأعمى، فالأعمى في القبلة قال العلماء رحمه الله: أنه يتبع الأعلم بالقبلة، وهذا القول هو الأقرب والأحوط لدين الإنسان إذا كان الإنسان يتمكن من ذلك.

    إذا اختلف عالمان في حكم عند سؤال العامي لهما

    مسألة أخرى: إذا سأل عالمين أو أفتى عالمان، فقال أحدهما: بالجواز، وقال الآخر: بالتحريم، هل له أن يتخير أو ليس له أن يتخير؟ وهذا فيه قولان:

    القول الأول: قال بعض العلماء: له أن يتخير.

    والقول الثاني: أنه ليس له أن يتخير، بل يكون متبعاً للأعلم والأورع.

    وإذا تساوى العالمان في العلم والورع وأفتى أحدهما بمسألة، والآخر أفتى بها بخلاف ذلك، فكثير من الأصوليين قالوا: يتخير في هذه الحال، يعني: الآن تساوى العالمان وكل منهما عالم وورع، ولكن هذا أفتى بالجواز وهذا أفتى بالتحريم، فكثير من الأصوليين قالوا: يتخير من أقواله. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه يأخذ بالأثقل، وهذا قال به الخطيب البغدادي رحمه الله، وأيضاً حكي عن الظاهرية.

    والرأي الثالث: أنه يأخذ بالأسهل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إنما بعثت بالحنيفية السمحة )، فأصبح إذا أفتى عالمان بمسألة وكان أحدهما أعلم وأورع قيل: إنه يتخير، وقيل: إنه يتبع الأعلم والأورع، لكن إذا تساويا في العلم والورع فهذا فيه ثلاثة آراء: يتخير، أو يأخذ بالأثقل، أو يأخذ بالأخف.

    وأما الاتباع فقد تقدم أنه إذا أراد أن يتبع أحد العالمين قال بعض العلماء أنه: يتخير، وقال بعضهم: يتبع الأعلم والأورع.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.