إسلام ويب

شرح متن الورقات [20]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في حجية قول الصحابي، والراجح أنه حجة ما لم يخالف صحابياً آخر أو صريح القرآن. والخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، ومنه الآحاد ومنه المتواتر. وإنما ذكره العلماء في أصول الفقه لتعلقه بدليل السنة، والمتواتر يوجب العلم القطعي، وهو نوعان: معنوي و

    1.   

    قول الصحابي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله: [وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد].

    قول الصحابي من الأدلة المختلف في حجيتها، والمراد بقول الصحابي: ما نقل إلينا عن أحد من الصحابة من فتوى أو قضاء أو رأي أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص ولم يجمع عليها.

    تحرير محل النزاع في حجية قول الصحابي

    لتحرير محل النزاع في قول الصحابي نقول:

    أولاً: قول الصحابي إذا خالف غيره من الصحابة فإنه ليس بحجة بالاتفاق، بل إذا اختلف الصحابة فالواجب التخير من أقوالهم حسب الدليل، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.

    ثانياً: إذا قال الصحابي قولاً وانتشر هذا القول ولم يظهر له مخالف, فهذا يكون حكمه حكم الإجماع السكوتي، وتقدم لنا في بحث الإجماع هل الإجماع السكوتي حجة أو ليس بحجة؟

    ثالثاً: إذا خالف الصحابي نصاً من القرآن أو السنة فإنه لا عبرة به، فإن العبرة بما روى الصحابي لا بما رأى.

    خلاف العلماء في حجية قول الصحابي

    اختلف أهل العلم رحمهم الله في حجية أقوال الصحابة, هل قول الصحابي حجة أو ليس حجة؟ على آراء:

    الرأي الأول: قول جمهور أهل العلم: أن قول الصحابي حجة؛ واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن هذه الأدلة قول الله عز وجل: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، فقالوا: بأن الله عز وجل أثنى على الصحابة، فأثنى عليهم ومدحهم ومدح التابعين والذين اتبعوهم بإحسان، وإنما استحق التابعون المدح؛ لأنهم تابعوا الصحابة؛ ففي هذا دليل على أنه يتابع الصحابي، وكونه يمدح التابعي لمتابعته للصحابي هذا دليل على أنه يطلب منا متابعة الصحابي وإلا لم يكن للمدح موجب.

    واستدلوا أيضاً بقول الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، ويدخل في ذلك أقوال الصحابة، فإنهم يأمرون بالمعروف, فيؤخذ بهذا المعروف الذي يأمرون به. وكذلك أيضاً استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )، وهذا فيه تزكية للصحابة رضي الله تعالى فدل على اعتبار أقوالهم.

    وكذلك أيضاً قالوا: بأن فتوى الصحابي لا تخرج عن ستة أمور:

    الأول: أنه سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام.

    الثاني: أنه سمعها ممن سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام.

    الثالث: أن يكون فهماً أوتيه هذا الصحابي من كتاب الله عز وجل خفي علينا.

    الرابع: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد اتفقوا عليها, ولكن لم يبلغنا إلا قول المفتي.

    الخامس: أنه قال بهذا القول؛ لكمال علمه باللغة، وكذلك أيضاً بدلالات الألفاظ، والقرائن الحالية التي اقترنت بالخطاب.

    السادس: أن يكون فهم فهماً لم يرده النبي عليه الصلاة والسلام.

    وفي الأحوال الخمسة السابقة يكون حجةً, وفي الحال الأخير -أن يفهم فهماً لم يرده النبي عليه الصلاة والسلام- يكون بعيداً، ففي هذه الحالة لا يكون حجة، هذه بالنسبة لأدلة الجمهور.

    الرأي الثاني: أن الحجة في أقوال الخلفاء الراشدين الأربعة؛ واستدلوا على ذلك بحديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ).

    الرأي الثالث: أن الحجة في قول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقط؛ واستدلوا على ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا )، وأيضاً بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ).

    الرأي الرابع: أن قول الصحابي ليس بحجة، وهذا كما ذكر المؤلف أنه قول الشافعي في الجديد، وأهل العلم رحمهم الله مختلفون في ذلك، فبعض الشافعية ينسبه للشافعي، وبعض العلماء لا ينسبه للشافعي، وابن القيم رحمه الله ذكر عدم نسبته للشافعي، واختار هذا القول وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً اختار هذا القول الغزالي والآمدي وابن حاجب أن قول الصحابي ليس بحجة، واستدلوا على ذلك بدليلين:

    الدليل الأول: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليسوا معصومين، فيمكن منهم وقوع الغلط والخطأ.

    والدليل الثاني: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد اختلفوا في مسائل كثيرة، منها: العول، هل يقال به أو لا يقال به؟ ومنها: مسائل الجد والإخوة، هل يورث الإخوة مع الجد، أو نقول: بأن الإخوة يحجبهم الجد؟ ومن هذه المسائل أيضاً ما يتعلق بأمهات الأولاد، فهذا مما يدل على كون الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد اختلفوا, وهذا مما يدل على أن قولهم ليس حجةً، وأنهم ليسوا معصومين، ويطرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم.

    الراجح في حجية قول الصحابي

    الأقرب في قول الصحابي أن يقال بالتفصيل، فيقال:

    أولاً: إن خالف نصاً أو قول صحابي آخر فهذا ليس بحجة.

    وثانياً: إذا خالف عموم القرآن أو عموم السنة، أو إطلاق القرآن أو إطلاق السنة، أو ما يدل عليه ظاهر القرآن أو ما يدل عليه ظاهر السنة؛ فهذا نقول: بأنه ليس حجةً، ولكن نحمل قول الصحابي رضي الله تعالى عنه على سبيل الندب والاحتياط.

    ثالثاً: ما عدا ذلك فإنه يكون حجة، فأصبح أن قول الصحابي لا يخلو من هذه الأمور الثلاثة.

    ومن أمثلة ذلك: في قول الله عز وجل في قضاء رمضان: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، فالله عز وجل أوجب عدةً من أيام أخر، وظاهر ذلك أن من لم يصم حتى جاءه رمضان الثاني لا يلزمه إلا عدة من أيام أخر، ولكن ورد عن أبي هريرة بإسناد ثابت، وعن ابن عباس أنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، ويترتب على هذا أن العلماء رحمهم الله اختلفوا هل يجب أن يطعم أو لا يجب؟

    فنقول: الأظهر أننا نحمله على الندب؛ لأن ظاهر القرآن فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، لا يجب إلا عدة من أيام أخر، وعلى هذا فقس؛ يعني: في الأشياء التي تكون مخالفة لظاهر القرآن نقول: هذه نحملها على الندب والاحتياط، وهذا إذا لم يظهر له مخالف، أو لم يخالف صريح النص. فإن خالف صريح النص أو خص العام أو قيد المطلق فهذا نقول: ليس بحجة.

    ومن الأمثلة على ذلك: إيجاب العدة، فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه فيمن وطئت بشبهة أنه يجب عليها العدة، مع أن ظاهر القرآن أن إيجاب العدة للمطلقة فقط، فهي التي تعتد بثلاثة قروء، أما غير المطلقة فهذه تستبرأ فقط، وعلى هذا نحمل ما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه -مع أنه مخالف لظاهر القرآن- على الاحتياط، فنقول: بأنها تعتد على سبيل الاحتياط فقط، وأما الواجب فإنه استبراء.

    ومثل ذلك أيضاً: ما ورد عن الصحابة في التيمم أنه يكون بضربتين، مع أن السنة صريحة بأنه يتيمم بضربة واحدة، فنقول: هذا على سبيل الاحتياط كما قال الحنابلة رحمهم الله، يعني: يجوز له أن يتيمم بضربتين، مع أن السنة إنما وردت بضربة واحدة، كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: (أنه لما علم عمار ضرب بضربة واحدة). فالظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام اقتصر عليها، وكوننا نزيد ضربة أخرى فهذا خلاف الظاهر.

    1.   

    الأخبار

    قال المؤلف رحمه الله: [وأما الأخبار فالخبر: ما يدخله الصدق والكذب، والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر].

    الأصوليون يوردون جملةً من مباحث مصطلح الحديث في مؤلفاتهم في أصول الفقه، وهذه المباحث إنما يريدون هذا إن الأدلة المتفق عليها؛ لأنهم يبحثون الأدلة المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فيبحثون عن السنة وحجية السنة، وإذا كان كذلك فإنهم يحتاجون إلى إيراد شيء من مباحث مصطلح الحديث؛ لأن المستدل بالسنة يحتاج إلى أمرين:

    الأمر الأول: ثبوت هذه السنة.

    والأمر الثاني: دلالة هذه السنة على الحكم.

    فنحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: أن هذه السنة ثابتة. والأمر الثاني بعد ثبوتها: هل هي دالة على الحكم المراد إثباته أو ليست دالة؟ وبهذا نحتاج إلى أن ننظر في بعض مسائل مصطلح الحديث؛ لأنه كما ذكرت أن العلماء رحمهم الله يتطرقون للسنة على أنها هي الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها، أما القرآن فلا يحتاج إلا إلى نظر واحد فقط؛ لأن القرآن منقول إلينا بالتواتر، فثبوته قطعي لا خلاف في ذلك، لكن يحتاج إلى نظر آخر وهو دلالة النص من القرآن على الحكم المراد إثباته، وهذا يبحث في دلالة الألفاظ، ولكن السنة لما كان يبحث فيها ما يتعلق بالإسناد، فهذا يحتاج إلى البحث في جملة من مباحث مصطلح الحديث.

    تعريف الخبر

    قال المؤلف رحمه الله: (وأما الأخبار فالخبر: ما يدخله الصدق والكذب).

    عرف المؤلف رحمه الله الخبر: بأنه ما يدخله الصدق والكذب أو ما يحتمل الصدق والكذب، لكن يضاف لهذا التعريف محترز (لذاته). فنقول: الخبر هو ما يدخله الصدق والكذب، أو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.

    فقولنا: (لذاته) يخرج الخبر الذي لا يحتمل الصدق والكذب باعتبار المخبر به، أو باعتبار المخبر كما سيأتي بيانه، وعلى هذا نقول: بأن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما لا يحتمل إلا الصدق، ولا يمكن وصفه بالكذب، وهذا خبر الله، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والقسم الثاني: عكس هذا القسم, وهو ما لا يحتمل إلا الكذب، ولا يمكن وصفه بالصدق، وهذا كخبر المستحيل شرعاً أو عقلاً، فأما المستحيل شرعاً كمدعي الرسالة، وأما المستحيل عقلاً فهو كخبر الجمع بين الضدين، كالجمع بين الحركة والسكون.

    القسم الثالث: ما يحتمل الصدق والكذب على حد سواء، أو مع رجحانه، إما أن يكون هناك مرجح أو لا يكون هناك مرجح، فإن كان معروفاً بالصدق ترجح، وإن كان معروفاً بالكذب ترجح، هذا فيما يتعلق في تعريف الخبر.

    أقسام الخبر

    قال المؤلف رحمه الله: (والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر).

    الخبر باعتبار وصوله إلينا ذكر المؤلف رحمه الله أنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: آحاد. والقسم الثاني: متواتر.

    1.   

    الخبر المتواتر

    قال المؤلف رحمه الله: [فالمتواتر ما يوجب العلم, وهو: أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، ويكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد].

    المؤلف رحمه الله بدأ بالمتواتر, وأخر البحث في الآحاد؛ لأن البحث في الآحاد يطول جداً، بخلاف البحث في المتواتر.

    تعريف التواتر في اللغة والاصطلاح

    والتواتر في اللغة: التتابع.

    وأما في الاصطلاح فكما عرفه المؤلف رحمه الله قال: (أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه). يعني: أن يروي هذا الخبر جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه.

    شروط الخبر المتواتر

    هل هذه الجماعة التي تروي الحديث المتواتر محددة بعشرة أو بأقل أو بأكثر؟

    هذا اختلف فيه الأصوليون على أقوال كثيرة، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذه الجماعة ليس لها عدد محدد محصور، بل قد يحصل التواتر بكثرة المخبرين، وقد يحصل بصفاتهم، أو بضبطهم، وقد يحصل بدينهم، وقد يحصل بقرائن أخرى؛ يعني: أن عدد الجماعة هؤلاء ليسوا محصورين، فقد يحصل بعددهم بكونهم كثرة، وقد يحصل بعدالتهم وضبطهم، وقد يحصل بدينهم، وقد يحصل بقرائن أخرى تحتف بالخبر. وهذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن يستحيل عادةً تواطؤهم على الكذب.

    الشرط الثالث: أن يكون ذلك في جميع طبقات السند، ففي كل طبقات السند يروي هذا الخبر جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب.

    الشرط الرابع: أن يكون مستند خبرهم عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد؛ لأن الاجتهاد يمكن فيه الغلط، ولكن من أخبر عن شيء شاهده أو شيء سمعه فإنه ينتفي معه وجود الغلط.

    ما يوجبه الخبر المتواتر

    أفاد المؤلف رحمه الله بقوله: [ويوجب العلم].

    أي: أن المتواتر يوجب العلم الضروري، وهذا ظاهر، كالتواتر الآن بوجود مكة لمن لم ير مكة، فهذا يوجب العلم الضروري، فيضطر الإنسان أن يصدق بهذا الخبر تصديقاً يقينياً كما لو شاهد ذلك، أو كما لو سمع ذلك.

    وكذلك أيضاً التواتر في وجود الخلافة العباسية، فيضطر الإنسان إلى أن يصدق بهذا الخبر، إذ نقل هذا بالتواتر, فالمتواتر هذا يفيد العلم الضروري، وليس العلم النظري، فإنه يضطر الإنسان إلى أن يصدقه تصديقاً يقينياً جازماً، ولو أراد أن يتخلص من هذا العلم الضروري لم يتمكن.

    أقسام المتواتر

    المتواتر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: متواتر لفظي. والقسم الثاني: متواتر معنوي.

    أما المتواتر اللفظي: فهو ما تواتر لفظه ومعناه؛ ومثاله ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، فهذا تواتر لفظه ومعناه، وقد رواه ما يقرب من سبعين صحابياً من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

    القسم الثاني: المتواتر المعنوي: وهو ما تواتر معناه دون لفظه، وهذا له أمثلة, مثل المسح على الخفين، فهذا تواترت الأحاديث فيه، ولكن التواتر هذا لجملة المسح، وليس لحديث من أحاديث المسح. ومثل ذلك: رفع الأيدي في الدعاء, فهذا تواتر معنوياً وغير ذلك.

    1.   

    خبر الآحاد

    قال المؤلف رحمه الله: [والآحاد: هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم، وينقسم إلى مرسل ومسند، فالمسند ما اتصل إسناده].

    عندما تكلم المؤلف رحمه الله عن المتواتر شرع الآن في القسم الثاني وهو الآحاد.

    تعريف خبر الآحاد

    فالآحاد: جمع أحد, مثل آجال جمع أجل، وهو ما يرويه الواحد.

    وأما في الاصطلاح: فهو ما لا يبلغ حد التواتر؛ يعني: لم تبلغ نقلته مبلغ الخبر المتواتر سواء كان المخبر به واحداً أو أكثر من واحد، كاثنين وثلاثة.

    حجية خبر الآحاد

    قال المؤلف رحمه الله: [هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم].

    مذهب أهل السنة والجماعة أنه يوجب العمل في الفروع وفي العقائد، هذا مذهب أهل السنة والجماعة يجب أن يعمل به في الأحكام الفقهية, وكذلك أيضاً في العقائد. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه بعض المبتدعة والمتكلمين وغيرهم قالوا: بأن خبر الآحاد لا يعمل به في العقائد، وهذا لا شك أنه باطل، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم اتفقوا على العمل بخبر الآحاد، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل رسله بالعقائد فهو يبعث رسوله بالدعوة إلى الإسلام، وببيان عقيدة التوحيد وأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام أرسل إلى الملوك والرؤساء بالعقائد، ولو كان خبر الآحاد لا تثبت به العقائد لما ساغ ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام.

    فنقول: الدليل على حجية خبر الآحاد سواء كان ذلك في الأحكام أو في العقائد: بعث النبي عليه الصلاة والسلام إلى الملوك بالدعوة إلى الله عز وجل والدعوة إلى التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأيضاً من الأدلة على ذلك بعث النبي عليه الصلاة والسلام السعاة في جلب الصدقات وغير ذلك، فهذا دليل على قبول خبر الواحد.

    وأيضاً من الأدلة على ذلك: اتفاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العمل بخبر الواحد، وهذا له أمثلة كثيرة، ومن أمثلتها: حديث ابن عمر : (لما كان الناس يصلون الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: بأن القبلة قد حولت, فتحولوا رضي الله تعالى عنهم في صلاتهم). وكذلك أيضاً في حديث أنس : ( لما جاء الآتي إلى الصحابة وهم يشربون الخمر وقال: بأن الخمر قد حرمت تركوا ما في أيديهم من الخمر ).

    فالصحيح أن خبر الآحاد -وهو مذهب أهل السنة والجماعة- يعمل به في العقائد, وكذلك أيضاً في الأحكام.

    ما يوجبه خبر الآحاد

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يوجب العلم).

    تقدم لنا أن المتواتر يوجب العلم الضروري وليس العلم النظري، يعني: العلم اليقيني الجازم الذي لا يتمكن الإنسان من الانفكاك عنه، كما قلنا: وجود الخلافة العباسية، ووجود الخلافة الأموية، ووجود الخلفاء الراشدين، فهذا علم ضروري لا يتمكن الإنسان من الانفكاك عنه.

    لكن بقينا في خبر الآحاد هل يوجب العلم أو لا يوجب العلم أو إنما يوجب الظن؟ المسألة هنا فيها ثلاثة آراء:

    وقول المؤلف رحمه الله: (ولا يوجب العلم) هذا قول جمهور أهل العلم، أي: أن خبر الآحاد لا يوجب العلم، بل يفيد الظن فقط؛ وهو رجحان صحة الخبر لمن نسب عنه، أو لمن أخبر عنه.

    واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن أدلتهم: قالوا: أن خبر الواحد يعتريه الغلط، ويعتريه الكذب والغفلة والنسيان، فإذا كان كذلك فإنه لا يوجب العلم الضروري.

    والدليل الثاني قالوا: لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، نقول: لا يلزم من ذلك أن نصدق كل خبر نسمعه، لو أفاد العلم، وهذا غير موجود الآن، فكل إنسان لا يصدق كل خبر يسمعه. وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أنه يفيد العلم ولا يفيد الظن، وهذا ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله، وذهب إليه جماعة من أهل الحديث قالوا: بأنه يفيد العلم ولا يقتصر على مجرد الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن أدلتهم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان -كما تقدم لنا- يبعث رسله في تبليغ العقائد، وتبليغ الأحكام، ولو كان يفيد مجرد الظن لم يبعث النبي عليه الصلاة والسلام آحاد الصحابة؛ لأن هذا الواحد يجب تصديقه والأخذ بما قال، فإذا كان كذلك فإنه لا يقتصر على أنه يفيد الظن، ولو قلنا: بأنه يفيد الظن ما وجب تصديقه، ولكن إذا قلنا: بأنه يفيد العلم فهذا وجب تصديقه.

    الرأي الثالث: وهو التفصيل في هذه المسألة: وهو أن خبر الآحاد في الأصل يفيد الظن، هذا من حيث الجملة، لكن لا يمنع أن يرتقي إلى إفادة العلم واليقين باحتفاف القرائن. وهذا القول هو الأقرب، وهو الذي تجتمع به أقوال المسألة وأدلتها.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله قرائن تحتف بخبر الآحاد تخرجه إلى العلم، ومن هذه القرائن: إخراج الشيخين للحديث في الصحيحين، يعني: إخراج البخاري ومسلم الأحاديث في الصحيحين، هذه قرائن على أنه يفيد العلم، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها، ونقله عن بعض الأئمة، وهذا -يعني كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ليس على إطلاقه، فإن أهل المصطلح استثنوا، كـابن الصلاح رحمه الله قال: يستثنى بعض الأحاديث في الصحيحين لا يقطع بصحتها، ولكن نقول: من حيث الجملة الأحاديث المخرجة في الصحيحين تفيد القطع والعلم.

    كذلك أيضاً من القرائن: كثرة طرق الحديث، وسلامته من الشذوذ والعلة وضعف الرجال، وهذا مما يرقيه عن درجة الظن إلى درجة العلم، وكذلك أيضاً من القرائن ما رواه الأئمة، كما لو رواه الإمام أحمد؛ ويشاركه فيه الشافعي، أو رواه الشافعي ويشاركه فيه الإمام مالك وغير ذلك، فما رواه الأئمة من القرائن التي تحتف بخبر الآحاد وتخرجه إلى درجة العلم.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.