إسلام ويب

شرح متن الورقات [19]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإجماع هو الدليل الثالث من الأدلة الشرعية المتفق عليها بعد الكتاب والسنة، والإجماع حجة عند جمهور الأصوليين، وعندهم أنه ممكن التحقق والوقوع في كثير في المسائل، ويشترط فيه أن يكون من العلماء المجتهدين، وهو في كل عصر حجة على الذي يليه.

    1.   

    الإجماع

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة، ونعني بالعلماء: الفقهاء، ونعني بالحادثة الحادثة: الشرعية].

    الإجماع هو الدليل الثالث من الأدلة الشرعية المتفق عليها، والأدلة الشرعية المتفق عليها أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

    تعريف الإجماع

    الإجماع في اللغة: الاتفاق, والعزم المؤكد.

    وأما في الاصطلاح فعرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة)، والأحسن أن نقول في تعريف الإجماع: اتفاق مجتهدي العصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم, أو اتفاق مجتهدي العصر من أمة النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته على حكم ديني، أو نقول: الأحسن في تعريفه: اتفاق مجتهدي عصر من العصور من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أمر ديني.

    قول المؤلف رحمه الله: (اتفاق)، هذا يخرج الاتحاد والاشتراك في الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير، وأيضاً قولنا: (اتفاق) هذا قيد يخرج الخلاف، فالمخالف حتى ولو كان واحداً فإنه لا يكون هناك إجماع كما سيأتي إن شاء الله.

    وأيضاً قوله: (ونعني بالعلماء: الفقهاء) العلماء هذا يخرج العوام، فالعوام لا عبرة باتفاقهم ولا خلافهم، وكذلك أيضاً يخرج طلبة العلم ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد.

    وقولنا أيضاً: (اتفاق مجتهدي عصر من العصور) يخرج من مات، فلا عبرة بكلامه، ويخرج أيضاً من لم يولد، فهذا أيضاً لا عبرة به.

    وأيضاً قولنا: (بعد وفاته) أيضاً أخرج الاتفاق في حياة النبي عليه الصلاة والسلام؛ الدليل حصل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام من قوله أو فعله أو تقريره، ولهذا قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم: (كنا نفعل)، هذا له حكم الرفع، يعني: إذا أسند ذلك إلى عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأيضاً قول العلماء رحمهم الله: (من هذه الأمة) يخرج الاتفاق من الأمم السابقة فلا عبرة به، يعني بالنسبة لاتفاق النصارى واليهود هذا لا عبرة به.

    أيضاً: (على أمر ديني) يخرج الاتفاق على أمر لغوي، أو على أمر عقلي فإن هذا لا عبرة به.

    ونعني بالحادثة: الحادثة الشرعية، فالاتفاق على حكم لغوي هذا لا يكون داخلاً هنا، أو الاتفاق على حكم عقلي هذا لا يكون داخلاً هنا.

    وأيضاً قولنا في التعريف: (اتفاق مجتهدي عصر من العصور)، المجتهد هو من توفرت فيه شروط الاجتهاد.

    حجية الإجماع وأدلته

    قال المؤلف رحمه الله: [وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تجتمع أمتي على ضلالة )، والشرع ورد بعصمة هذه الأمة].

    الإجماع حجة، وهذا قول جمهور الأصوليين، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، والوسط العدول، ومقتضى ذلك أنهم معصومون من الخطأ، وإذا كان كذلك فإنه يكون حجةً.

    وأيضاً: قول الله عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء:115] ، فقال: (ويتبع غير سبيل المؤمنين)، فالله عز وجل ذم من يتبع غير سبيل المؤمنين، فدل ذلك على أن الإجماع حجة.

    وكذلك أيضاً من الأدلة على ذلك قول الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران:110] ، ومقتضى هذه الخيرية أن يكون اتفاقهم حجة.

    وأيضاً من الأدلة: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ). وأيضاً من الأدلة قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين )، وأيضاً من الأدلة على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ثلاث لا يضل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العبادة لله عز وجل، ولزوم جماعة المسلمين... )، فهذا يدل على أنهم لا يجتمعون على خطأ. وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: يرى كثير من الظاهرية أن الحجة هو إجماع الصحابة فقط، وما عدا ذلك فإنه ليس حجة؛ واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100]، فالله عز وجل أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لكن هذا الثناء نقول: لا يلزم منه أن يكون هو إجماعهم فقط هو الحجة دون غيره، ولهذا قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100]. وأيضاً استدلوا بقول الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فالقرآن محفوظ بحفظ الصحابة له؛ فدل ذلك على صدق إجماعهم، لكن الجواب عن هذا سهل فنقول: كون هذه الآية تدل على صحة إجماع الصحابة لا ينفي ذلك إجماع غيرهم.

    إمكانية تحقق الإجماع

    مسألة أخرى: هل الإجماع ممكن أو ليس ممكناً؟

    نقول: جمهور الأصوليين على أن الإجماع ممكن، والأدلة على ذلك: وقوعه في مسائل كثيرة منها: أن الإجماع قائم على حرمة شحم الخنزير قياساً على لحمه. وأيضاً الإجماع قائم على أن الابن يحجب ابن الابن. وأيضاً الإجماع قائم على أن الدين يقدم على الوصية، مع أن ظاهر القرآن تقديم الوصية: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]. كذلك أيضاً الإجماع قائم على أنه يكتفى في الوضوء بغسلة واحدة. وكذلك أيضاً الإجماع قائم على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه -لونه أو طعمه أو ريحه- بنجاسة أنه يكون نجساً.

    شروط الإجماع

    بالنسبة للإجماع يشترط له شروط:

    الشرط الأول: يشترط أن يكون من العلماء المجتهدين. وهل يشترط في المجتهد أن يكون مجتهداً مطلقاً، أو يكفي الاجتهاد الجزئي؟ هذا موضع خلاف بين الأصوليين، والصحيح أنه ليس بشرط، وأنه يكفي الاجتهاد الجزئي؛ لأن القول باشتراط الاجتهاد المطلق هذا يؤدي إلى تعذر الاجتهاد.

    وعلى هذا المعتبر في كل مسألة من لهم أثر من أهل العلم المجتهدين، فمثلاً: في مسائل الحديث المعروف فيها أهل الحديث هم المجتهدون، وفي مسائل الفقه المجتهدون في ذلك هم أهل الفقه.. وهكذا.

    الشرط الثاني: الإسلام؛ يشترط في أهل الإجماع أن يكونوا مسلمين، وعلى هذا لا عبرة بالكافر وإن كان عالماً في أمور الشريعة؛ لأنه غير داخل في قول الله عز وجل: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115].

    الشرط الثالث: العدالة، وهذا ما عليه جمهور الأصوليين أنه يشترط في أهل الإجماع أن يكونوا عدولاً؛ لقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: عدول.

    وكذلك أيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، فالفاسق لا يقبل خبره.

    وذهب بعض الأصوليين أن هذا ليس بشرط، فحتى إن كان فاسقاً فإنه يعتبر إجماعه وخلافه؛ لأنه داخل في قول الله عز وجل: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] ، وداخل أيضاً في قول الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110]، فهو داخل في لفظ الأمة، وداخل في لفظ المؤمنين.

    الشرط الرابع: اتفاق جميعهم، يشترط في الإجماع أن يتفق الجميع؛ وعلى هذا لو خالف البعض حتى ولو كان واحداً فإنه لا عبرة في ذلك، وهذا قول جمهور الأصوليين؛ لأن الله عز وجل قال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] ، والواحد هذا من المؤمنين، وأيضاً الواقع يدل لذلك، فـابن عباس رضي الله تعالى عنهما خالف في مسألة العول وهو واحد, ومع ذلك لم يعتبر إجماعاً.

    وأيضاً زيد بن ثابت خالف في مسألة الجد والإخوة، فاعتبر خلافه. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه ابن جرير الطبري قال: بأنه لا عبرة بمخالفة الواحد والاثنين، واستدل على ذلك بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اتفقوا على خلافة أبي بكر , مع أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه خالف في ذلك، لكن هذا يقال: بأنه غير مسلم، فـعلي رضي الله تعالى عنه لم يخالف في ذلك.

    الشرط الخامس: هل يشترط أن يبلغ المجتهدون -لكي يصح الإجماع- حد التواتر أو ليس بشرط؟

    قال بعض الأصوليين: يشترط أن يبلغوا حد التواتر، وعند جمهور الأصوليين أن هذا ليس بشرط, وهذا القول هو الصحيح؛ لأن الأدلة مطلقة: غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110] ، وهذا يشمل من بلغوا حد التواتر, ومن لم يبلغوا حد التواتر.

    الشرط السادس: يشترط أن يكون للإجماع مستند ودليل؛ لقول الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ما ينطق عن الهوى, فكذلك أيضاً أتباعه لا بد أن يكون لهم وحي، وألا يكون اتفاقهم على غير وحي، يعني: الوحي الصحيح؛ أي أن مستند الإجماع لا يشترط أن يكون قطعياً، فسواء كان قطعياً أو كان ظنياً فهذا كله يصح أن يكون مستند الإجماع؛ لعموم أدلة الإجماع، فإذا كان مستندهم قطعياً صح، وإذا كان مستندهم أيضاً ظنياً صح ذلك، ومستند الإجماع: هو الوحي من القرآن والسنة.

    واختلف العلماء رحمهم الله في القياس هل يصح أن يكون مستنداً للإجماع أو لا يصح؟ على قولين. جمهور الأصوليين: يصح أن يكون مستند الإجماع قياساً؛ واستدلوا على ذلك بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اتفقوا على خلافة أبي بكر قياساً للإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى، فما دام أن النبي عليه الصلاة والسلام جعله إماماً للصلاة فقالوا: يتفق على خلافته الإمامة الكبرى قياساً على الإمامة الصغرى.

    وكذلك أيضاً اتفقوا على كتابة المصاحف قياساً على حفظها في الصدور، واتفق العلماء على تحريم شحم الخنزير قياساً على لحمه.

    حجية الإجماع على العصر الذي يليه

    وقول المؤلف رحمه الله: [والإجماع حجة على العصر الثاني].

    يعني المؤلف رحمه الله: بأن الإجماع حجة على العصر الثاني، فإذا أجمع الصحابة رضي الله على تعالى عنهم على شيء فإنه يكون حجةً على من بعدهم من التابعين، وإذا أجمع التابعون يكون حجةً على من بعدهم من أتباع التابعين.

    اشتراط انقراض العصر

    قال المؤلف رحمه الله: [وفي أي عصر كان، ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح].

    يعني: هل يشترط لصحة الإجماع موت المجمعين أو نقول: بأن الإجماع ينعقد ويصح حتى ولو كانوا أحياء؟

    هذه المسألة فيها رأيان:

    الرأي الأول: جمهور الأصوليين: أنه لا يشترط انقراض العصر، معنى لا يشترط انقراض العصر يعني: لا نشترط أن يموت المجمعون، حتى ولو كان المجمعون أحياء فإن الإجماع ينعقد به، والدليل على ذلك أدلة الإجماع: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، وأيضاً: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] ، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110]، وهذه شاملة إذا كانوا موجودين أو كانوا أحياء، وهذا قول جمهور الأصوليين.

    والرأي الثاني: يشترط انقراض العصر، يعني: أن الإجماع لا يصح حتى يموت المجتهدون المجمعون؛ ودليل هذا القول قالوا: بأنه يحتمل رجوع بعضهم قبل الموت، فيئول ذلك إلى الخلاف.

    والصحيح في ذلك: رأي جمهور الأصوليين؛ لأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم قبل انقراضهم، ولو كان يشترط انقراض المجمعين لما احتج به التابعون.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن قلنا: انقراض العصر شرط؛ يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد).

    يعني: إذا قلنا بالرأي الثاني: أنه يشترط انقراض العصر بصحة الإجماع، يقول المؤلف رحمه الله: إذا قلنا بهذا يعتبر قول من ولد في حياته, وهذا يؤدي إلى ألا يكون هناك إجماع، وهذا مما يؤيد قول جمهور الأصوليين؛ يعني: إذا قلنا: بأنه يشترط انقراض العصر ولم ينقرض، ثم ولد شخص في حياته وتفقه وأصبح من المجتهدين، يصبح الآن قوله معتبراً، فإذا خالف نقض الإجماع السابق، وهذا مما يؤيد قول جمهور الأصوليين.

    فقول المؤلف رحمه الله: (لهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم).

    إذا قلنا: باشتراط انقراض العصر أي: لهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم، لكن الصحيح أنه لا يشترط موتهم، وأنه بمجرد اتفاقهم يصح الإجماع.

    بمَ يصح الإجماع

    قال المؤلف رحمه الله: [والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم، وبقول البعض وبفعل البعض، وانتشار ذلك, وسكوت الباقيين].

    قول المؤلف رحمه الله: (يصح بقولهم وبفعلهم)، يعني: إذا قالوا قولاً واتفقوا عليه كان إجماعاً، وإذا فعلوا فعلاً واتفقوا عليه كان إجماعاً، وإذا قال بعض المجتهدين قولاً وبعض المجتهدين فعل ذلك الفعل فإنه يكون إجماعاً.

    قوله رحمه الله: (وبفعل البعض وانتشار ذلك وسكوت الباقين عنه) هذا ما يسمى بالإجماع السكوتي.

    آراء العلماء في الإجماع السكوتي

    والإجماع السكوتي اختلف العلماء رحمهم الله فيه؛ هل هو حجة أو ليس حجة؟ على قولين:

    القول الأول: أنه حجة، وهذا قول جمهور أهل العلم, وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهذا تجده كثيراً في فروع الحنابلة، قال به فلان ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً، فلو قرأت في كتاب المغني وكتاب الشرح الكبير تجده كثيراً، واستدلوا على أن الإجماع السكوتي حجة؛ لأنه يتعذر أن ينص كل واحد منهم على رأيه بصراحة، هذا الدليل الأول.

    الدليل الثاني: قالوا: القياس على مسائل العقيدة، فمسائل العقيدة حصل فيها الإجماع السكوتي، فكذلك أيضاً تقاس الأحكام.

    القول الثاني: رأي الظاهرية، وأيضاً هو قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إن الإجماع السكوتي ليس حجة؛ وحجة ذلك أن الإجماع السكوتي يحتمل الرضا ويحتمل عدم الرضا، فلا يكون حجة.

    والراجح في الإجماع السكوتي أنه ينظر إلى القرائن, وهو أحوال الساكتين وملابسات الكلام.

    إجماعات اختلف العلماء فيها

    هناك إجماعات اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله عموماً. إجماع مجتهدي العصر تقدم الكلام عليه، وهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: إجماع الخلفاء الأربعة هل هو حجة أو ليس حجة؟ أي: إجماع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؟ جمهور الأصوليين على أنه حجة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ).

    القسم الثالث: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حجة أو ليس حجة؟ قال بعض الأصوليين: بأنه حجة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( واقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا ). وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه ليس بحجة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا بد من اتفاق مجتهدي الأمة.

    القسم الرابع: إجماع أهل المدينة هل هو حجة أو ليس حجةً؟ جمهور الأصوليين على أنه ليس حجة؛ لأن الإجماع هو اتفاق مجتهدي العصر، ومجتهدي العصر سواء كانوا في المدينة أو في غيرهم. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: مذهب الإمام مالك رحمه الله وهو أصل من أصول المالكية، ولهذا تجد المالكية يستدلون كثيراً به فيقولون: هذا عليه عمل أهل المدينة.

    فمثلاً وقت الاستواء هل هو وقت نهي أو ليس وقت نهي؟ عند المالكية أنه ليس وقت نهي، مع أن الحديث فيه صريح، ما هو الدليل على ذلك؟ قالوا: لأن عمل أهل المدينة ليس على ذلك، فالإمام مالك رحمه الله وجد أهل المدينة أن عملهم على خلاف ذلك، فقالوا: بأنه ليس وقت نهي.

    واستدلوا على ذلك قالوا: بأن المدينة هي معدن العلم، وكذلك أيضاً قالوا: بأنها مهبط الوحي، ودار الهجرة، ومجمع الصحابة وأولاد الصحابة، وقد شاهدوا التنزيل وعاصروه وغير ذلك, فهم أعلم من غيرهم.

    وهذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله, وحصلت مراسلات بين الإمام مالك رحمه الله والليث بن سعد في عدم اعتبار إجماع المدينة، وأجاب العلماء رحمهم الله -كـالليث بن سعد وغيرهم- بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا من المدينة، ولم يستقروا في المدينة، فـعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه خرج إلى العراق، وابن مسعود رضي الله تعالى عنه خرج، فكيف لا يقال بأن إجماعهم حجة؟ فـعلي وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبو موسى كلهم انتقلوا إما إلى العراق وإما إلى الشام أو غير ذلك، وما يقرب من ثلاثمائة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كلهم خرجوا من المدينة.

    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن عمل أهل المدينة ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ما يجري مجرى النقل عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، فهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: حجة بالاتفاق.

    القسم الثاني: العمل القديم لأهل المدينة قبل مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه.

    القسم الثالث: العمل المتأخر بالمدينة، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الجمهور أنه ليس حجة، ويقول: لم أر في كلام مالك ما يوجب جعله حجة، لكن هذا مشهور عند المالكية، يعني: عمل أهل المدينة هذا أصل من أصول المالكية.

    الأحكام المترتبة على الإجماع

    الأحكام المترتبة على الإجماع هي:

    الحكم الأول: وجوب اتباعه وحرمة مخالفته؛ فإذا حصل الإجماع فإنه يجب اتباعه، ويحرم مخالفته؛ لقول الله عز وجل: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115] .

    الحكم الثاني: أنه إذا وقع الإجماع فهو حق وصواب؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ويترتب على ذلك أنه لا ينعقد إجماع على خلاف النص، فإن ظهر فنقول: بأن هذا النص غير ثابت، أو نقول: بأن الإجماع استند على نص منسوخ.

    الحكم الثالث: أنه لا يقع إجماع على خلاف إجماع؛ لأنه يلزم من ذلك أن يتعارض قطعيان.

    الحكم الرابع: أنه لا يتصور ردة هذه الأمة كلها.

    الحكم الخامس: أنه لا يمكن للأمة أن تضيع نصاً يحتاج إليه المسلمون، بل الأمة معصومة، ولكن قد يجهل هذا النص البعض، أما كونه يجهله الجميع نقول: هذا منتف.

    لكن ما حكم منكر الإجماع؟

    نقول: إذا أنكر الإنسان الإجماع فإنه يكفر، ولكن يشترط أن يكون الإجماع الذي ينكره معلوماً، أما إن كان غير معلوم فإنه يمتنع تكفيره.

    إحداث قول ثالث في المسألة

    أيضاً من المسائل المتعلقة بالإجماع: إذا اختلف الصحابة أو الأولون على قولين, فهل للتابعين أو للمتأخرين من بعد الأوليين إحداث قول ثالث, أو ليس لهم ذلك؟ فيه خلاف.

    فجمهور الأصوليين على أنه ليس لهم أن يحدثوا قولاً ثالثاً؛ لأن في إحداث قول ثالث نسبة الأمة إلى الغفلة عن الحق وتضييعه، وأيضاً كونهم يجمعون على قولين هو إجماع منهم على عدم إحداث قول ثالث. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا بأس بإحداث تفصيل في المسألة؛ لأن إحداث التفصيل في المسألة هذا ليس قولاً مستقلاً, وإنما هو جمع بين القولين، فهو لا يخرج عن أقوال السابقين، وهذا قال به الآمدي والسبكي والرازي والقرافي، وهذا يسلكه شيخ الإسلام ، فمثلاً في الوتر يقول شيخ الإسلام : بأن الوتر واجب على من يقوم الليل، ويقول: هو قول بعض من يقول بوجوبه مطلقاً كالحنفية، والجمهور على أنه سنة، فـشيخ الإسلام يقول: بأنه واجب على من يقوم الليل، فهو أخذ ببعض أقوال هؤلاء. وأخذ ببعض أقوال هؤلاء.

    مواطن ذكر الإجماع

    قال قائل: أين نجد هذه الإجماعات؟

    فنقول: هي في كتب الإجماعات.

    فلو قال: مثل ماذا؟

    قلنا: مثل كتاب الإجماع لـابن المنذر ، ومراتب الإجماع لـابن حزم ، والإفصاح لـابن هبيرة يذكر اتفاق الأئمة الأربعة، وابن قدامة كثيراً ما ينقل الإجماع وغيره, فـابن قدامة صاحب الشرح الكبير وغيره من كتب الفروع للعلماء، تجد فيها الإجماعات، وكذلك أحكام القرآن للجصاص وغيره، ولكن مثلما ذكر كلام شيخ الإسلام الذي ينضبط هو ما كان عليه إجماع الصحابة، أما غيره فلابد للإنسان أن يتحرى فيه وينظر.

    انعقاد الإجماع على خلاف النص

    لو قال قائل: هل الإجماع ينعقد على خلاف النص؟

    قلنا: لا يمكن للإجماع أن ينعقد على خلاف النص، فهذا النص إما أن يكون غير صحيح، أو أن يكون الإجماع استند إلى نص منسوخ.

    ولو قال قائل: هل يمكن أن يتصور الإجماع في هذا الزمن؟

    قلنا له: شرعاً ممكن أنه يقع.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.