إسلام ويب

شرح متن الورقات [18]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القواعد المسلم بها أن كتاب الله سالم من الاضطراب والاختلاف، وكذلك سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما أنه لا تعارض بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، فإذا ظهر تعارض بين دليلين فإننا نقدم الجمع على الترجيح على أصح أقوال أهل العلم، وإن لم يمكن الجمع فيتوقف فيه

    1.   

    أحكام التعارض بين الأدلة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى في أحكام التعارض: [إذا تعارض نطقان فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه آخر]... إلى آخره.

    التعارض والترجيح من المباحث المهمة التي يتكلم عنها الأصوليون رحمهم الله، وكذلك هي من المباحث المهمة التي يحتاج إليها الفقيه عموماً، وحتى غير الفقيه! كل طالب علم يحتاج إلى معرفة ما يتعلق بالتعارض، وما هو الطريق إذا وردت لديه الأدلة متعارضة، أو في ظاهرها أنها متعارضة؟ ويعلم أن التعارض في الحقيقة بين النصوص هذا ليس موجوداً، وإنما هو في الظاهر بالنسبة للمكلف فقط، فالتعارض هذا إنما هو في الظاهر بالنسبة للمكلف، فلا يمكن أن يوجد تعارض بين النصوص لا نتمكن فيه من الجمع أو الترجيح أو النسخ! هذا لا يمكن وجوده.

    قاعدة في تعارض النصوص

    عندنا بالنسبة للتعارض قاعدة وهي: أن كتاب الله عز وجل سالم من الاختلاف والاضطراب، وكذلك أيضاً سنة النبي صلى الله عليه وسلم سالمة من الاختلاف والاضطراب، والصحيح أيضاً أنه لا فرق بين الآحاد والمتواتر، فكله سالم من الاختلاف والاضطراب، كما قال الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:3-5] .

    أيضاً مما يدخل تحت هذه القاعدة: أن إجماع الأمة لا يمكن أن يتناقض، فلا ينعقد إجماع على خلاف إجماع آخر، فإذا وجدت ذلك فاعلم أن أحد الإجماعين باطل، أو أن كلاً منهما باطل.

    كذلك أيضاً: أن القياس الصحيح لا يمكن أن يتناقض. وكذلك أيضاً نعرف أنه لا يمكن أن يتعارض الشرع الصحيح مع العقل الصريح، فالشرع الصحيح الثابت لا يمكن أن يتعارض مع العقل الصريح، فإذا وجدت عندك شرعاً صحيحاً وعقلاً صريحاً وكان في ظاهرهما التعارض فاعلم أن في هذا العقل الذي عارض الشرط الصحيح شيئاً! أو أن في دلالة الشرع شيئاً، أي: لا بد أن تعيد النظر؛ لأن الله عز وجل قال: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فهذه الشريعة من الله، والذي خلق الخلق هو الله عز وجل، فلا يمكن وجود التعارض.

    ولا يمكن أن يوجد التعارض بين الخبرين؛ لأننا إذا وجدنا تعارضاً بين خبرين فلا شك أن أحد الخبرين باطل غير ثابت، وهذا يؤدي إلى تكذيب الخبر الآخر، فنقول: بأن هذا باطل.

    وأيضاً لا يمكن التعارض بين الخبر والقياس، فالخبر إما أن يكون غير صحيح، أو يكون القياس فاسداً.

    وكذلك أيضاً لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان سمعيان، أو دليلان قطعيان عقليان، أو أحدهما سمعي والآخر عقلي.

    تعريف التعارض في اللغة والاصطلاح

    التعارض في اللغة: التقابل والتمانع.

    وأما في الاصطلاح: فهو تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر.

    وقولنا: (تقابل الدليلين) يشمل كل تقابل بين حكمين مختلفين كالوجوب والتحريم، وأيضاً يشمل التقابل بين الأدلة، والتقابل بين أقوال المجتهدين، وفي التأليف بحيث يخالف أحدهما الآخر؛ أي: أن يدل أحدهما على خلاف ما يدل عليه الآخر، فأحدهما يدل على التحريم، والآخر يدل على الإباحة، أو أحدهما يفيد الجواز، والآخر يفيد المنع.. وهكذا.

    وتقدم لنا أنه لا يمكن التعارض بين الأدلة الشرعية؛ يعني: لا يمكن أن يوجد تعارض بين الأدلة الشرعية من كل وجه بحيث لا نتمكن من الجمع، ولا نتمكن من النسخ، ولا نتمكن من الترجيح؛ لقول الله عز وجل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].

    وأيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً )، أخرجه الإمام أحمد رحمه الله.

    وسبق أن ذكرنا قاعدة: بأن كتاب الله عز وجل سالم من الاضطراب والاختلاف، وكذلك أيضاً سنة النبي صلى الله عليه وسلم سواء كانت آحادية أو متواترة؛ لقول الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    وكذلك أيضاً قلنا: بأن إجماع الأمة سالم من الاختلاف والاضطراب، فلا يمكن أن ينعقد إجماع على خلاف إجماع الآخر، وكذلك أيضاً القياس الصحيح سالم من الاختلاف والاضطراب.

    وأيضاً من القواعد قلنا: بأنه لا تعارض بين الشرع الصحيح وبين العقل الصريح؛ فالشرع الصحيح الثابت لا يمكن أن يعارض صريح العقل، وصريح العقل لا يمكن أن يعارض صحيح الشرع، ودليل ذلك قول الله عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] ، فالأحكام هذه من الشارع، والشارع هو الذي خلق هذا العقل، فلا يمكن أن يخالف هذا العقل ما أنزله الله عز وجل من الأحكام.

    كذلك أيضاً من القواعد: أنه لا يمكن التعارض بين الخبرين، وقولنا: (بين الخبرين) ما يقابل الحكم، فإذا وجد تعارض بين الخبرين فأحدهما باطل؛ لعدم ثبوت هذا الخبر.

    وكذلك أيضاً قلنا: لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين الخبر والقياس، فإن وجد تعارض بين الخبر والقياس فالخبر إما أن يكون غير صحيح، أو يكون القياس فاسداً.

    وكذلك أيضاً قلنا: بأنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين دليلين قطعيين، سواء كان هذان الدليلان سمعيين، أو عقليين، أو كان أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فلا يمكن التعارض بينهما؛ لأنه يلزم من ذلك اجتماع الضدين، وعلى هذا يكون محل التعارض الظنيات.

    كذلك أيضاً قلنا: بأنه لا تعارض بين قطعي وظني، فإذا وجد قدم القطعي؛ لأن الظن لا يرفع اليقين.

    والبحث في تعارض الأدلة يذكره الأصوليون بعد تمام الأدلة، يعني: إذا تكلموا عن أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس يبحثون في أحكام التعارض والترجيح بين هذه الأدلة؛ لأن التعارض متعلق بالأدلة كلها، وهنا قدم المؤلف رحمه الله التعارض, ولم يجعل مبحث التعارض بعد نهاية الأدلة كلها، ومناسبة ذلك أنه لما ذكر المؤلف رحمه الله النسخ ناسب إلى أن يذكر التعارض لكي نصير إلى الترجيح؛ لأن النسخ يصار إليه مع معرفة التاريخ، فإذا لم يعرف التاريخ فإنه يحتاج إلى معرفة طريق آخر للجمع بين الأدلة، فيصار إلى التعارض.

    يعني: إذا وقع تعارض بين دليلين نرجع إلى الجمع، وإذا كان التاريخ معلوماً نرجع إلى القول بالنسخ، وإذا لم نعلم التاريخ فإنه يقع التعارض فيحتاج للخروج من هذا التعارض، فناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله بحث التعارض بعد بحث النسخ.

    شروط تحقق التعارض

    التعارض يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تماماً؛ فهذا يكون بالحرمة, وهذا يكون بالحل.

    الشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في الثبوت، والدلالة، وفي عدد الأدلة.

    الشرط الثالث: تقابل الدليلين في وقت واحد، إذ إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، مثال ذلك: ما جاء في الحديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصبح جنباً وهو صائم )، وأيضاً: ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من أصبح جنباً فلا صوم له ).

    الشرط الرابع: أن يكون التعارض في محل واحد، فإذا اختلف المحل فلا تعارض، ومثال ذلك قول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] ، وقول الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] إلى أن قال الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]، ففي الآية الأولى إباحة النساء، وفي الآية الثانية تحريم أم المرأة، فالمحل هنا مختلف, فلا يقع التعارض.

    1.   

    تقديم الجمع أو الترجيح عند التعارض بين الدليلين

    إذا وقع التعارض بين الدليلين, فهل نقدم الجمع أو نقدم الترجيح؟

    جمهور الأصوليين على أننا إذا وجدنا دليلين وأمكن أن نجمع بينهما فإننا نقدم الجمع؛ واستدلوا على ذلك بأدلة, منها:

    ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن:39] ، مع قول الله عز وجل: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:92]. هنا وقع التعارض، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يسألون في موضع ولا يسألون في موضع آخر، جمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بين الدليلين. وهذا الدليل الأول.

    وأيضاً الدليل الثاني: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما؛ لأننا إذا قلنا بالجمع فإننا نعمل الدليلين جميعاً، وإذا قلنا بالترجيح رجحنا أحدهما على الآخر, فإننا نهمل أحد الدليلين، ولا شك أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وهذا رأي الجمهور -كما تقدم- وهو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية فقالوا: إن علمنا التاريخ فإننا نصير إلى النسخ، وإن لم نعلم التاريخ فإننا نرجح أحدهما على الآخر، وإذا لم نتمكن من الترجيح نصير إلى الجمع؛ يعني هم يقولون: إن كان هناك تاريخ فنسخ، وإن لم يكن هناك تاريخ نقدم الترجيح، وإذا ما تمكنا من الترجيح نصير إلى الجمع، واستدلوا على ذلك بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا أشكل عليهم شيء صاروا إلى الترجيح.

    فمثلاً: في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )، مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنما الماء من الماء )، فرجحوا حديث عائشة : ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )، وقالوا بأنه مرجح، هكذا استدلوا.

    لكن الصحيح في حالة لم نتمكن من الجمع أن نقول: هذا استدلال في غير محل النزاع، فإننا لم نتمكن من الجمع مع معرفتنا للمتأخر، فعرفنا المتأخر فقلنا بالنسخ، فالصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وأنه إذا أمكن الجمع فإننا نصير إلى الجمع، بخلاف ما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله، وهذا الخلاف خلاف معنوي وليس خلافاً لفظياً، ولذلك إذا ذهبت إلى كتب فروع الحنفية تجد أنهم يقولون بالنسخ إن عرفوا التاريخ، فإذا لم يعرفوا التاريخ قالوا: يرجح هذا الدليل على الدليل الآخر، ثم يذكرون مسوغات الترجيح مع أنه يمكن أن يجمع بين الدليلين.

    وجوه الجمع بين الأدلة

    الجمع بين الأدلة له وجوه، ومن وجوه الجمع: حمل أحد الدليلين على حال، والآخر على حال أخرى، فمثلاً: إذا كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فإننا نخصص العام بالخاص، وإذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مقيداً, فإننا نقيد المطلق بالمقيد.

    وكذلك أيضاً من أوجه الجمع: أن نعرف التاريخ، بأن يكون أحدهما متقدماً والآخر متأخراً فيصار إلى النسخ.

    وحكم العمل بالراجح نقول: العمل بالراجح من الدليلين واجب؛ ويدل لذلك فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا تبين لهم الراجح عملوا به؛ كما تقدم في المثال السابق في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما الماء من الماء )، فلما ترجح الدليل على الآخر صاروا إليه وهو أن الغسل يجب من التقاء الختانين.

    شروط الترجيح

    الترجيح يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون ذلك بين ظنيين، فلا يمكن أن يكون التعارض بين قطعيين؛ لأن القطعي هذا لا يحتاج إلى زيادة علم، فلا يطلب له ترجيح غير قابل للزيادة، فلا يطلب له ترجيح. وكذلك أيضاً: لا يكون بين قطعي وظني؛ لأن الظني هذا لا يرفع القطعي، فالقطعي مقدم عليه.

    الشرط الثاني: تعذر الجمع، فإننا نصير أولاً إلى الجمع، فإذا تعذر الجمع فإننا نصير إلى الترجيح.

    الشرط الثالث: تساوي الدليلين في القوة.

    والشرط الرابع: أن يكون المرجح قوياً يغلب على الظن فترجح به أحد الدليلين.

    1.   

    أقسام الترجيحات عند تعارض الأدلة

    بالنسبة للمرجحات فالمرجحات كثيرة، وسنذكر على سبيل الإجمال المرجحات بالنسبة لعلماء الأصول, وعلماء الحديث يتكلمون عليها ويضربون لها أمثلة ويطيلون فيها، والضابط في ذلك أنه متى اقترن بأحد الدليلين ما يقويه ويغلب جانبه حصل بذلك الاقتران زيادة ظن فأفاد ترجيحه على الآخر.

    من حيث الجملة التعارض إما أن يكون بين دليلين نقليين وإما أن يكون بين دليلين قياسيين.

    أقسام الترجيح بين دليلين نقليين

    نقول: إذا كان بين دليلين نقليين فالترجيح له أقسام:

    القسم الأول: ما يعود إلى أحد رواة هذا الدليل، يعني: هناك مرجحات متعلقة بالراوي، هذه المرجحات منها قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: راوي الحديث أقرب من الآخر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حين تكلم النبي عليه الصلاة والسلام فهذا يرجح الدليل الذي رواه، ومنها كبر سنه، ومنها تأخر إسلامه، ومنها أيضاً كثرة الصحبة، وملازمة الشيخ، ومنها أيضاً الاتفاق على عدالته، ومنها تعلق القصة به، ومنها أيضاً كونه فقيهاً، ومنها أيضاً كونه أكثر ورعاً وأعلم باللغة العربية، وأيضاً أرجح عقلاً وأزكى.

    القسم الثاني: ما يعود إلى المتن، فهناك أيضاً مرجحات منها قوة الدلالة، فإذا كان أحد الدليلين أقوى دلالةً من الآخر فإنه يرجح، فإذا كان هذا الدليل تعتريه احتمالات كثيرة, والآخر الاحتمالات فيه أقل، فإنه يرجح ما كانت احتمالاته أقل، وأيضاً منها كون هذا المتن مروياً بلفظه والآخر بمعناه، فهذا من المرجحات.

    ومنها أيضاً: أن يكون هذا المتن مؤكداً، والآخر غير مؤكد.

    ومنها أيضاً أن يكون هذا المتن مستقلاً, والآخر غير مستقل، يحتاج إلى تقدير، فإنه يرجح بذلك.

    ومنها أن يكون هذا المتن قولاً والآخر فعلاً، فيرجح القول على الفعل.

    ومنها: أن يكون هذا المتن تضمن نهياً، والآخر لم يتضمن نهياً.

    ومنها أيضاً أن يكون هذا المتن سالماً من الاضطراب والآخر لم يسلم من الاضطراب.

    القسم الثالث من المرجحات بين الدليلين النقليين: ما يعود إلى سند الحديث، فمن المرجحات كثرة الرواة، فإذا كان أحد الحديثين أكثر رواةً فإن هذا من المرجحات، وكذلك أيضاً كونهم معروفين بالضبط والحفظ والإمامة فإنه يرجح على غيره، وكذلك أيضاً كون أحدهما مسنداً والآخر مرسلاً هذا من الترجيحات، وأيضاً كون أحدهما متواتراً والآخر آحاداً هذا من الترجيحات، وأيضاً كون قلة الوسائط هذا أعلى إسناداً من الآخر، فإنه أيضاً من المرجحات.

    القسم الرابع: ما يرجع إلى الحكم، يعني: حكم الحديثين، فمن المرجحات أن الحكم الذي يدرأ الحد مقدم على الحكم الذي يوجب الحد، وهذا عند الجمهور، والظاهرية يخالفون في ذلك.

    أيضاً من المرجحات: أن الخبر الناقل مقدم على الخبر المبقي على البراءة الأصلية، وكذلك أيضاً الخبر الموجب مقدم على الخبر الذي يقتضي الإباحة، أو يقتضي الكراهة، أو يقتضي الندب، وكذلك أيضاً الخبر المحرم مقدم على الخبر الموجب، وكذلك أيضاً الخبر الأثقل مقدم على الخبر الأخف، وكذلك أيضاً الخبر المفيد للتحريم مقدم على الخبر المفيد للكراهة.

    القسم الخامس: ما يعود إلى أمر خارجي، ومن المرجحات فيما يتعلق بما يعود إلى أمر خارجي: أن أحد الدليلين يوافق ظاهر القرآن، والآخر لا يوافق ظاهر القرآن، أو أحدهما يوافق القياس، والآخر لا يوافق القياس، أو أحدهما يوافق ظاهر السنة، والآخر ليس كذلك، وكذلك أيضاً اشتمال أحد الخبرين على زيادة.

    أقسام الترجيح بين دليلين قياسيين

    إذا كان التعارض بين دليلين قياسيين، هذا أيضاً ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ما يرجع إلى الأصل، يعني الأصل المقيس عليه، وأركان القياس: الأصل, والفرع, والحكم, والعلة، فمن الترجيحات فيما يتعلق بالأصل: أن يكون الأصل في أحد القياسين قطعياً والآخر ظنياً.

    وكذلك أيضاً من المرجحات: أن يكون أحد القياسين موافقاً للشريعة والآخر ليس كذلك. أيضاً أحدهما يقتضي التحريم والآخر ليس كذلك، أو أحدهما أيضاً يدرأ الحد، والآخر ليس كذلك، أحدهما يفيد الحظر والآخر ليس كذلك.

    القسم الثاني: ما يرجع إلى الفرع المقيس، فمن المرجحات أن يكون هذا الفرع يقطع بوجود العلة فيه والآخر مظنوناً؛ يعني: وجود العلة في مظنون.

    وكذلك أيضاً من المرجحات: ورود الفرع متأخراً عن أصله، يعني: أن يرد الفرع متأخراً عن أصله والآخر يكون متقدماً على أصله.

    القسم الثالث: ما يرجع إلى العلة الجامعة بين القياسين، وهناك أيضاً مرجحات ترجع إلى العلة، منها أن تكون العلة في أحدهما متعدية، وفي الآخر قاصرة.

    وكذلك أيضاً: أن يكون وجود العلة في أحدهما قطعية، وفي الآخر ظنية فإنه يرجح.

    وكذلك أيضاً: أن يكون أحد القياسين جلياً والآخر خفياً، وأيضاً أن تكون العلة في أحدهما تقتضي الاحتياط, وفي الآخر ليس كذلك، وأيضاً أن تكون العلة في أحدهما عامة في جميع الأفراد، وفي الآخر ليس كذلك.

    القسم الرابع: ما يرجع إلى أمر خارجي؛ فيكون أحد الدليلين العقليين القياسين أحدهما يوافق عمل أهل المدينة، هذا من المرجحات.

    وأيضاً من المرجحات: أن يكون أحدهما موافقاً لظاهر الكتاب أو السنة.

    ومن المرجحات: أن يكون أحدهما موافقاً لعمل الخلفاء الراشدين.

    ومن المرجحات أيضاً: أن يكون أحدهما موافقاً لقياس آخر.

    1.   

    أقسام التعارض بين الأدلة العامة والأدلة الخاصة

    وقول المؤلف رحمه الله: (إذا تعارض نطقان)، المراد بالنطقان الكتاب والسنة، (فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه، وخاصاً من وجه آخر. فإن كان عامين؛ فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، فإن علم التاريخ ينسخ المتقدم بالمتأخر، وكذا إن كانا خاصين).

    ذكر المؤلف رحمه الله تعارض العامين، وتعارض الخاصين. وهذان قسمان.

    والقسم الثالث: أن يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً.

    القسم الرابع: أن يكون كل منهما عاماً من وجه، وخاصاً من وجه آخر.

    القسم الأول: التعارض بين دليلين عامين

    القسم الأول: أن يكون الدليلان عامين، فنبدأ أولاً بالجمع؛ أي: يصار إلى الجمع خلافاً لرأي الحنفية، فنبدأ بالجمع، فإن أمكن الجمع فإننا نجمع بينهما، ومن أمثلة ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر )، وأيضاً ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب )، كل منهما عام، وقد تعارض هذان العامان، فيصار إلى الجمع قبل الترجيح.

    وقد جمع العلماء رحمهم الله بينهما بأن قوله: ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) -على فرض ثبوت الحديث- أن هذا قبل الدبغ، فالإهاب: اسم للجلد قبل دبغه. وقوله عليه الصلاة والسلام: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر) هذا بعد الدبغ، فهذا هو الجمع.

    وإذا لم نتمكن من الجمع وعرفنا التاريخ فإن أحدهما يكون ناسخاً للآخر، ومثال ذلك: قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:184] . وأيضاً قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فالله عز وجل قال في الآية الأولى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة:184]، هذا يفهم منه عدم وجوب الصيام؛ لأن الإنسان مخير بين الإطعام وبين الصيام، لكن إن تطوع بالصيام فهو خير له، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:184] ، ثم قال في الآية الثانية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، وهنا علمنا التاريخ، فإنه يصار إلى النسخ.

    فإذا لم نتمكن من معرفة التاريخ فإننا نصير إلى الترجيح، أي: نرجح أحد الدليلين على الآخر، وهذا هو الطريق الثالث، وهذا ذكر العلماء رحمهم الله له أمثلة، من هذه الأمثلة ما ورد في حديث بسرة ، وورد أيضاً في حديث طلق بن علي ، ففي حديث بسرة قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من مس ذكره فليتوضأ )، وفي حديث طلق بن علي : ( لما سأله عن الرجل يمس ذكره في الصلاة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما هو بضعة منك ) أي قطعة، فبعض العلماء ذهب إلى الترجيح، قالوا: يرجح حديث بسرة على حديث طلق بن علي ، فقوله: ( من مس ذكره فليتوضأ ) يرجح على حديث طلق بن علي : ( إنما هو بضعة منك ). ووجه الترجيح قالوا: أولاً: أن العمل بحديث بسرة أحوط.

    وثانياً: أن طرقه كثيرة وله شواهد عن الصحابة، له ما يقرب من سبعة عشر شاهداً.

    ثالثاً: أن بسرة حدثت به والصحابة متوافرون، وأيضاً قالوا: بأنه ناقل عن البراءة الأصلية، فالترجيحات ثلاثة: أن العمل به أحوط، ناقل عن البراءة الأصلية، أيضاً أن طرقه أكثر. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: بعض العلماء قال: لا يصار إلى الترجيح، نبدأ بالجمع، والآن الجمع ممكن، ما دام أن الجمع ممكن فإنه يصار إلى الجمع قبل الترجيح؛ لأن الجمع أولى؛ لأن فيه إعمال الدليلين جميعاً، وهو أولى من إهمال أحدهما، والجمع هنا ممكن، فيحمل حديث بسرة على الاستحباب: ( من مس ذكره فليتوضأ ) وحديث طلق بن علي يحمل على نفي الوجوب، فالجمع هنا ممكن.

    هذا القسم الأول, وهو تعارض عامين.

    القسم الثاني: التعارض بين دليلين خاصين

    فإذا تعارض دليلان خاصان فنسلك الطرق السابقة، نبدأ بأول شيء وهو الجمع، فإن لم نتمكن وعرفنا التاريخ فالنسخ، فإذا لم نعرف التاريخ فالترجيح.

    مثال الجمع: ورد في حديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الظهر يوم النحر بمكة )، وفي حديث ابن عمر : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الظهر يوم النحر بمنى )، فكيف الجمع بين الدليلين؟

    جمع بعض العلماء بين الدليلين قالوا: بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد صلى الظهر بمكة, ثم خرج إلى منى فوجد أصحابه لم يصلوا فصلى بهم، فيكون النبي عليه الصلاة والسلام قد صلى الظهر مرتين.

    وإذا لم يمكن الجمع وعرفنا المتأخر فإنه يصار إلى النسخ، ومن أمثلته: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ [الأحزاب:50] ، مع قول الله عز وجل: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب:52]، فهنا علمنا التاريخ: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب:52]، فيصار إلى النسخ، فحرم الله عز وجل على نبيه أن يتزوج على نسائه، فلا يجوز للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج على أحد من نسائه، ثم بعد ذلك قول الله عز وجل: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب:52] ، فأحد الآيتين دلت على الإباحة، والآية الأخرى دلت على التحريم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام محرماً عليه أن يتزوج على نسائه، ثم بعد ذلك نسخ ذلك, وأبيح للنبي عليه الصلاة والسلام.

    فإذا لم نعرف التاريخ فإننا نصير إلى الترجيح كما تقدم، وهذا من أمثلته حديث ميمونة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو حلال )، مع حديث ابن عباس : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج ميمونة وهو محرم )، فرجح العلماء رحمهم الله حديث ميمونة على حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والترجيحات كثيرة؛ لأن ممن روى أنه تزوجها وهو حلال ميمونة وهي صاحبة القصة، ومنها أيضاً: أن أبا رافع روى ( أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو حلال وهو السفير بينهما ). ومنها كبر السن؛ أن ميمونة أكبر سناً من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    القسم الثالث: التعارض بين دليل عام وآخر خاص

    القسم الثالث: أن يكون التعارض بين عام وخاص، فهنا نخصص العام بالخاص، ومن أمثلته قول الله عز وجل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38] ، مع قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما: ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً )، فالآية الأولى عامة، والآية الثانية خصصت القطع في ربع دينار، فنخصص العام بالخاص.

    القسم الرابع: التعارض بين دليلين أحدهما عام من وجه والآخر خاص من وجه

    القسم الرابع: أن يكون أحدهما عاماً من وجه, خاصاً من وجه آخر، فيخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، إذا دل على ذلك دليل.

    ومن أمثلته: قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] ، وقول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، فالآية الأولى عامة في كل متوفى عنها أن تتربص أربعة أشهر وعشراً، وتشمل الحامل وغير الحامل، وهي خاصة أيضاً في المتوفى عنها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة:234].

    وقول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] هذه خاصة في الحامل، عامة في المتوفى عنها وغيره، فنخصص عموم أحدهما بخصوص الآخر؛ فنقول: بالنسبة للآية الأولى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] نخصص من ذلك الحامل، فعدتها بوضع الحمل، وأيضاً قول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، هذه خاصة في الحامل، عامة في المتوفى عنها وفي غيرها، فكل معتدة وهي حامل سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة عدتها وضع الحمل، فنخصها بالمتوفى عنها.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.