إسلام ويب

شرح متن الورقات [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر من أقسام السنة، وهي حجة للأدلة العامة في حجية السنة، وفعله عليه الصلاة والسلام إن كان على وجه القربة ولم يكن مختصاً به فالراجح أنه يحمل على الندب، وما كان على غير وجه القربة فيحمل على الإباحة، وإقرار النبي حجة، سواء كا

    1.   

    أفعال النبي عليه الصلاة والسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك، فإن دل دليل على الاختصاص به فيحمل على الاختصاص، وإن لم يدل لا يخصص به؛ لأن الله تعالى يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب، ومنهم من قال: يتوقف عنه. فإن كان على وجه غير القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه عليه الصلاة والسلام وحقنا].

    أفعال النبي عليه الصلاة والسلام من أقسام السنة؛ لأن السنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القول، والفعل، والتقرير. أما القول فهو داخل فيه الألفاظ والأوامر والنواهي والمطلق والمقيد، وبالنسبة للأفعال هذا قسم من أقسام السنة، وسيعقبه المؤلف رحمه الله بالتقرير، كما سيأتي إن شاء الله بعد ذلك.

    ومعرفة أقسام أفعال النبي عليه الصلاة والسلام لكي تنزلها على المشروع وغير المشروع هذا مبحث مهم جداً، والأصوليون أفردوا ذلك بمؤلفات مستقلة تتعلق بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام.

    حجية أفعال النبي عليه الصلاة والسلام

    أفعال النبي عليه الصلاة والسلام حجة، ويستدل على حجيتها: أولاً: الأدلة العامة على حجية السنة، فمن ذلك قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وأيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54]، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في خطبته: ( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ).

    ثانياً: أدلة خاصة تتعلق بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام، من ذلك قول الله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وأيضاً قول الله عز وجل: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ [الأعراف:158].

    ثالثاً: من الأدلة على ذلك اتفاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم على اتباع أفعال النبي عليه الصلاة والسلام.

    أقسام فعل النبي عليه الصلاة والسلام

    بالنسبة لأفعال النبي عليه الصلاة والسلام قال المؤلف رحمه الله: (إما أن يكون على وجه القربة والطاعة) هنا بيان لأقسام أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، وهي خمسة أقسام:

    القسم الأول من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعله النبي عليه الصلاة والسلام على وجه القربة والطاعة، فما فعله النبي عليه الصلاة والسلام على وجه القربة والطاعة فهذا ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يدل دليل على كونه مختصاً به، فهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، مثال ذلك المواصلة في الصيام، فكون النبي عليه الصلاة والسلام يواصل الصيام هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ( النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الوصال، ولما قيل له: إنك تواصل قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ).

    الأمر الثاني: إذا لم يدل دليل على أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام فالأصل في ذلك التأسي، وقد ذكر المؤلف رحمه الله في حكم هذا التأسي ثلاثة أقوال، قال: (وإن لم يدل لا يخصص به؛ لأن الله تعالى يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: يحمل عن ندب، ومنهم من قال: يتوقف عنه)، فذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة أقوال إذا لم يدل دليل على التخصيص:

    القول الأول: أنه يجب؛ عملاً بالأحوط.

    القول الثاني: أنه محمول على الندب؛ لرجحان الفعل على الترك، وكذلك أيضاً أن هذا الفعل الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام يتطرق إليه الاحتمال والأصل براءة الذمة، فلا يصار إلى الوجوب، وإنما يكتفى بالندب؛ لأن الأصل هو التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام.

    القول الثالث الذي ذكره المؤلف رحمه الله: التوقف؛ لعدم معرفة المراد ولتعارض الأدلة.

    وأرجح الأقوال في ذلك أنه يحمل على الندب، وأن الفعل المجرد عن القرائن إذا لم يدل على الوجوب فإنه يحمل على الندب، وهذا أقرب الأقوال، ومن أمثلته حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته يستاك، وإذا استيقظ من النوم أيضاً يستاك عليه الصلاة والسلام )، فالأدلة عليه كثيرة، وأرجح الأقوال في ذلك أنه للندب؛ لأن مجرد الفعل هذا لا يسوقه إلى الإيجاب، ولا يقال: بالتوقف؛ لأن الأصل هو التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. إذاً: هذا ما فعله على سبيل القربة.

    القسم الثاني: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل الجبلة البشرية والخلقة وما شابه طبائع النفوس، فهذا لا حكم له، مثل النوم والأكل والشرب واللباس ونحو ذلك؛ فهنا نقول: هذا لا حكم له، لكن مثل هذه الأشياء التي تكون من قبيل المباحات إذا نوى بها الإنسان الاستعانة على أمر الله عز وجل فإنه يكون مثاباً عليها.

    ولكن أحوال الأكل والشرب وأحوال اللباس وأحوال النوم هذا أمر به الشارع، فإنه في هذه الحالة ينتقل، لكن أمور لم يأمر بها الشارع مجرد أنه أكل، أو شرب، أو نكح، أو نام، أو تحرك، أو مشى، فهذه أشياء لم يأمر بها الشارع وإنما فعلها على سبيل الجبلة والخلقة فنقول: هذه الأشياء لا حكم لها، ولا يلزم بأن يتأسى بها، بل فعلها النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه بشر، وكل بشر يحتاج إلى مثل هذه الأمور، لكن لو أن الإنسان نوى بهذه الأشياء الاستعانة على طاعة الله عز وجل فإنه يكون مأجوراً، وهذه الأحوال قد ورد في السنة التقييد لكثير منها، يعني: في المنام، في الأكل، في الشرب فإنها تنتقل في هذه الحالة، لكن أصل الكلام هو في ذات العمل.

    القسم الثالث: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل العادة، وهذا كلبسه الإزار والرداء، والعمامة، وركوبه الخيل، ونحو ذلك، فهذا النوع أيضاً لا يقال: بأنه يتأسى بالنبي عليه الصلاة والسلام به، بل التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام هو موافقة العادة؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام، إنما فعل ذلك موافقةً لأهل بلده، ولم يغير النبي عليه الصلاة والسلام اللباس الذي كان يلبسه قبل النبوة، وإنما اللباس ورد في الشريعة له بعض الأحوال وبعض الهيئات، ولذلك ما كان من قبيل العادات فإنه لا يتأسى بالنبي عليه الصلاة والسلام، بل المشروع أن يوافق الإنسان أهل بلده. والقاعدة في ذلك: أن كل شيء قدر أن النبي عليه الصلاة والسلام وافق أهل بلده في ذلك الزمن وهو من قبيل العادات، ثم خالف أهل بلده فإنه يتأسى به، أما إذا فعله موافقةً لأهل بلده فالأسوة باتباع أهل البلد.

    القسم الرابع: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لمجمل، فهذا له حكم المجمل، فإن كان واجباً فيأخذ حكم الوجوب، وإذا كان مندوباً فإنه يأخذ حكم الندب:

    مثال الواجب: قول الله عز وجل: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، فهذا أمر، وبينه النبي عليه الصلاة والسلام بمسحه جميع رأسه، فهذا بيان للواجب وهو مسح الرأس.

    ومثال بيان المندوب: قول الله عز وجل: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فهذا أمر -اتخاذ مقام إبراهيم مصلى- وبينه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أتى المقام وقرأ قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فصلى ركعتين خلف المقام.

    القسم الخامس: ترك النبي عليه الصلاة والسلام للفعل، فنقول: بأن ترك النبي عليه الصلاة والسلام للفعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يترك الفعل؛ لعدم وجود المقتضي له، وهذا كتركه عليه الصلاة والسلام قتال مانعي الزكاة لعدم وجود المقتضي لذلك في عهده عليه الصلاة والسلام، فهذا نقول: بأنه ليس سنة، بل إذا وجد المقتضي كان فعل ما تركه هو السنة.

    القسم الثاني: أن يترك الفعل -مع وجود المقتضي له- لسبب من الأسباب كقيام مانع من الموانع، وهذا من أمثلته ترك النبي عليه الصلاة والسلام جماعة التراويح، فقد وجد المقتضي وهو دخول شهر رمضان، لكن تركه النبي عليه الصلاة والسلام لسبب خشية الفرضية.

    القسم الثالث: أن يترك الفعل مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، فنقول هنا: ترك النبي عليه الصلاة والسلام هو السنة، وهذا له أمثلة كثيرة، وشيخ الإسلام أيضاً يعلل به، ومن أمثلته السواك عند دخول المسجد هل يشرع أو لا يشرع؟ فالمقتضي هو دخول المسجد، وانتفى المانع وهو عدم وجود مانع يمنع من السواك، ومع ذلك لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: بأن تركه هو السنة، ومثال ذلك أيضاً الأذان للعيدين أو المناداة لصلاة العيدين، كما ذكر الحنابلة لا ينادى لصلاة العيدين، فقد وجد المقتضي -وهو وجود الصلاة- وانتفى المانع ومع ذلك لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: بأن الترك هو سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    إقرار النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإقرار صاحب الشريعة هو قول صاحب الشريعة، وإقراره على الفعل من أحد كفعله، وما فعل في وقته في غير مجلسه، وعلم به ولم ينكره فحكمه حكم ما فعل في مجلسه].

    لما ذكر المؤلف رحمه الله أفعال النبي عليه الصلاة والسلام شرع في بيان إقرارات النبي عليه الصلاة والسلام، وتقرير النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم أنه قسم من أقسام السنة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وإقرار صاحب الشريعة من أحد هو قول صاحب الشريعة)؛ فكل أمر أقره الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر على فاعله، فإن كان قولاً فهو كقول النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان فعلاً فهو كفعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ والعلة في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من الخطأ بما يتعلق بالتبليغ والتشريع، فلا يقر أحداً بقول أو فعل بما يخالف عليه الشرع.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به)، أي: إذا فعل في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره فإنه يكون كما لو فعل في مجلسه، فإن كان قولاً فهو كقوله، وإن كان فعلاً فهو كفعله، واشترط بعض الأصوليين بشرط ألا يكون النبي عليه الصلاة والسلام بين حكمه قبل ذلك بياناً يسقط الإنكار أو وجوب الإنكار.

    ومثال إقرار النبي عليه الصلاة والسلام على القول إقراره عليه الصلاة والسلام على أبي بكر في قوله: ( السلب للقاتل )، ومثال إقرار النبي عليه الصلاة والسلام على الفعل إقرار النبي عليه الصلاة والسلام الحبشة على اللعب في المسجد بحرابهم.

    وأيضاً إقرار النبي عليه الصلاة والسلام قيس بن قهد في قضائه الركعتين بعد صلاة الفجر.

    وأما مثال ما فعل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكره؛ فعل معاذ فقد كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم يخرج إلى قومه فيصلي بهم فهي له تطوع، ولهم فريضة، ومع ذلك لم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام على معاذ .

    1.   

    حجية إقرار الله عز وجل

    هنا مسألة مهمة وهي: إقرار الله عز وجل هل هو حجة أو ليس حجة؟ يعني: ما فعل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يعلم به النبي عليه الصلاة والسلام -وهذا ما يسميه الأصوليون بإقرار الله عز وجل- هل هو حجة أو ليس حجة؟ يعني فعله الصحابة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام علم ذلك وأقره، فهل إقرار الله عز وجل حجة أو ليس حجة؟

    هذا اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله على قولين:

    القول الأول: أنه حجة، وهذا ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم ، والصنعاني، واستدلوا على ذلك باستقراء القرآن؛ وقالوا: القرآن نزل بالإنكار في بعض المواضع على الذين يخالفون، فيدل على أن ما عدا ذلك -كون الله عز وجل يتركه ولا ينكره- يدل على إقرار الله، وأنه جائز، مثال ذلك: قول الله عز وجل: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1] .

    وأيضاً قال الله عز وجل: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء:108]، فلو كان هذا منكراً لأنكره الله، كما أنكر على استخفاء المنافقين: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله).

    وأيضاً قول الله عز وجل: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [الأنعام:136]، فهنا أنكر الله عز وجل عليهم ذلك.

    وكذلك أيضاً استدلوا بقول جابر رضي الله تعالى عنه: ( كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه لنهى عنه القرآن )، وهذا ظاهر.

    وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك قالوا: بأن الله عز وجل أقرهم على أكل الزروع التي تدوسها البقر، من غير أمر لهم بغسلها.

    وكذلك أيضاً حديث عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً )، فنظروا فوجدوا عمراً أكثرهم قرآناً وله ست أو سبع سنوات فقدموه، ومع ذلك لو كان هذا منكراً لأنكره الله عز وجل.

    القول الثاني: أنه ليس حجة، فلا بد أن يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام ويقره وإلا فليس حجةً، وهذا قال به الطحاوي وابن عقيل وابن حزم ، واستدلوا على ذلك بأدلة، من هذه الأدلة ما رواه رفاعة بن رافع قال: (إني لجالس عند عمر بن الخطاب فجاءه رجل، فقال: زيد بن ثابت يفتي الناس بعدم الغسل من الجنابة برأيه، فقال عمر : أعجل علي به، فجاء زيد فقال عمر : قد بلغ من أمرك أنك تفتي الناس بعدم الغسل من الجنابة برأيك، فقال زيد: والله يا أمير المؤمنين! ما أفتيت برأيي ولكن سمعت من أعمامي شيئاً فقلت به، فقال عمر : أي أعمامك؟ فقال: أبي بن كعب ، وأبو أيوب ورفاعة بن رافع. فالتفت إلي عمر ، فقال: ما يقول هذا الفتى؟ فقلت: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا نغتسل، فقال: أفسألتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، فقال عمر : لا يبلغني أن أحداً فعله إلا أنزلت عليه العقوبة). فـعمر قال: أسألتم النبي عليه الصلاة والسلام؟ فهذا دليل على أنه لا بد أن يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يكتفى بإقرار الله عز وجل، وهذا الأثر أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه محمد بن إسحاق .

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أم سلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار )، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد يخطئ في الحكم على حسب ما يسمع من الحجة، فقد لا يصيب الحق على حسب الحجة، ومع ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: الله سيبين ذلك، فهذا دليل على أنه قد يحصل ذلك ومع ذلك لا ينزل إقرار من الله عز وجل، فهذا دليل على أن إقرار الله عز وجل ليس حجةً، لكن أجابوا عنه قالوا: بأن المراد بذلك ما كان متعلقاً بمسائل التشريع، وهذا ليس من مسائل التشريع، فهذا خارج عن محل النزاع.

    وعلى هذا يكون الأقرب هو الرأي الأول، ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه لا يمكن أن الله عز وجل يعلم أن ما يفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم خطأ ويقرهم عليه. أما إذا بلغ النبي عليه الصلاة والسلام فالأمر ظاهر، لكن ما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام فهذا لا بد منه فنقول: بأن إقرار الله عز وجل حجة، فلو فعل الصحابة خطأ فإن الله عز وجل سينكره كما أنكر على المنافقين، وسورة براءة ظاهرة في ذلك، فقد فضح فيها المنافقين أقوالهم وأفعالهم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.