إسلام ويب

شرح متن الورقات [13]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنواع المخصصات المنفصلة ما تكون مخصصة للكتاب أو السنة، فمخصصات الكتاب هي: تخصيص الكتاب بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع أو بالقياس. ومخصصات السنة هي: تخصيص السنة بالكتاب أو بالسنة أو بالقياس. وأما تخصيص العام بقول الصحابي أو فعله فموضع خلاف بين العلماء.

    1.   

    المخصصات المنفصلة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة واللاسم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    قال رحمه الله: [ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق: قول الله سبحانه وتعالى وقول الرسول صلى الله عليه وسلم].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن التخصيص المتصل، شرع في المخصص المنفصل.

    وسبق أن أشرنا إلى المخصص المنفصل أنه يشمل الحس، والمراد بالحس المشاهدة، كما في قول الله عز وجل: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25]، فقوله: (كل شيء) يشمل كل شيء، ولكن الحس والمشاهدة دال على أنها لم تدمر الأرض، فقالوا: الحس هنا خصص هذا العموم، ولكن قلنا: بأن بعض الأصوليين اعترض على ذلك، وقال: بأن هذا ليس من باب التخصيص وإنما هو من باب العام الذي أريد به الخاص، وهذا هو النوع الأول من المنفصل.

    ثانياً: ومن المخصصات المنفصلة العقل، وهذا على قول، وذكرنا له مثالاً قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، فقالوا: بأن العقل أخرج صفات الله عز وجل، بأن الله لم يخلقها، وهذا أيضاً قلنا: بأن بعض الأصوليين قال: بأن هذا ليس من باب التخصيص وإنما هو من باب العام الذي أريد به الخاص، وأن هذا أصلاً لم يدخل في اللفظ.

    فمثلاً: في قول الله عز وجل: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23]، أصلاً لم تكن أنها أوتيت من السماء والأرض.

    ثالثاً: التخصيص بالشرع أو بالنقل، وهذا يشمل تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب... إلى آخره.

    التخصيص بالشرع يشتمل على أمور:

    مخصصات الكتاب

    الأمر الأول: تخصيص القرآن بالقرآن:

    مثاله: قول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فالمطلقات هنا عام يشمل كل مطلقة، وخص ذلك بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49].

    فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49] خصت نوع من المطلقات وهو: إذا طلقت قبل الدخول بها، فإنه لا عدة عليها.

    الأمر الثاني: تخصيص القرآن بالسنة:

    وهذا مثاله قول الله عز وجل: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] يشمل كل شيء، واتفق أن (ما) من صيغ العموم، وخص ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا تنكح المرأة على عمتها، ولا تنكح المرأة على خالتها ).

    الأمر الثالث: تخصيص الكتاب بالإجماع:

    وهذا مثاله: قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4]، فـ(الذين) من صيغ العموم، والأسماء الموصولة من صيغ العموم، فقوله: يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4] يشمل كل من يرمي، سواء كان حراً أو رقيقاً، لأن الإجماع قائم على أن الرقيق يجلد النصف، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الخلاف قائم على أن الرقيق يجلد كما يجلد الحر، وهذا مذهب الظاهرية, وذهب إليه عمر بن عبد العزيز وكذلك ابن مسعود وغيرهم، والظاهرية يتشددون في مسألة الأحرار والأرقاء، أي: أن القاعدة عند الظاهرية أن الرقيق كالحر تماماً، إلا ما ورد الشرع فقط، وإلا فهم يطلقون ذلك دائماً ولا يفرقون، ولكن الجمهور يفرقون كثيراً بين أحكام الأرقاء والأحرار, والظاهرية الأصل عندهم لا يفرقون، وما ذهب إليه الظاهرية هو الأصل.

    الأمر الرابع: تخصيص الكتاب بالقياس:

    ومثاله: قول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، فهذا يشمل الحر والرقيق، والأمة والحرة، لكن الله عز وجل قال في الإماء: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، فهذا في الإماء، ولكن هل هو في الرقيق؟

    قالوا: نقيس الرقيق الذكر على الأنثى، ويقتصر على خمسين جلدة، فالرقيق يجلد خمسين جلدة.

    مخصصات السنة

    الأول: تخصيص السنة بالكتاب:

    مثاله: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم )، فقوله: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ) خص ذلك بقول الله عز وجل: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وهم وإن لم يقولوا: لا إله إلا الله، فالناس هنا عام حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ثم خص ذلك بقوله سبحانه وتعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فإذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإنهم لا يقاتلون.

    الثاني: تخصيص السنة بالسنة:

    مثاله قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فيما سقت السماء وكان عثرياً العشر )، خص هذا بقوله عليه الصلاة والسلام: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ).

    الثالث: تخصيص السنة بالقياس:

    مثاله: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) والأمة قال الله عز وجل فيها: نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25] هذا بالنسبة للأمة، فيقاس عليها الذكر من الأرقاء، فنقول: فالرقيق عذابه النصف فيجلد خمسين جلدة.

    تخصيص العام بقول الصحابي

    بقي مسألة مهمة جداً لم يذكرها المؤلف رحمه الله: وهي التخصيص بقول الصحابي وهي موضع خلاف، والخلاف الذي يترتب عليها معنوي وليس لفظياً، فكثير من الفروع يرتب أصحاب المذاهب فروعهم عليها، أي: هل قول الصحابي ومذهبه يخصص العام أو لا؟

    الرأي الأول: أن مذهب الصحابي وقوله وفعله يخصص العام، وهذا هو المذهب ومذهب أبي حنيفة رحمهم الله.

    الرأي الثاني: وهو مذهب الإمام مالك والشافعي : أن قول الصحابي لا يخصص العام.

    أما الذين قالوا: بأنه لا يخصص العام فقالوا: بأن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد ما يصلح معارضاً له إلا قول الصحابي وفعله، فلا يصلح لمعارضته حيث أنه لم يستند إلى نص، إذ إن مذهب الصحابي أو قوله يخرج هذا العام من كونه عاماً إلى كونه عاماً أريد به الخاص، فقول الشارع جاء بلفظ عام، والصحابي ذهب إلى قول أو فعل أخرج هذا العام من كونه عاماً إلى كونه عاماً أريد به الخاص، فإخراج هذا العام من كونه عاماً محفوظاً إلى كونه عاماً غير محفوظ هذا يحتاج إلى دليل، هذا الدليل الأول.

    الدليل الثاني: قالوا: بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورد عنهم أنهم يتركون أقوالهم ومذاهبهم إذا بلغهم العموم، فهذا دليل على أن قول الصحابي أو فعله لا يرتقي إلى تخصيص العام.

    أما الرأي الثاني: القائل أن العام يخصصه قول الصحابي ومذهبه، فاستدلوا على ذلك: بأن قول الصحابي حجة، فيصلح أن يكون مخصصاً.

    وإذا كان كذلك قالوا: يصح أن يكون الحديث مخصصاً، لكن هذا أجيب عنه بأن قول الصحابي يكون حجة إذا لم يعارضه نص، وهنا عارضه النص العام، فلا ينتهض لكونه حجة.

    ومن الأمثلة على ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من بدل دينه فاقتلوه )، فهذا عام يشمل كل من بدل دينه رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، لكن مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، فهل قول ابن عباس يخصص العام أو لا يخصص العام؟

    الحنابلة يقولون: يشترط للقتل ألا يكون المرتد امرأة، ويجعلون كلام ابن عباس مخصصاً لهذا العام، ولكن الشارع أتى بلفظ عام، فكوننا نقول: لفظ ابن عباس يخصص هذا العام من كونه عاماً إلى كونه عاماً أريد به الخاص، فيحتاج هذا الإخراج إلى دليل, وأيضاً أخرج هذا العام من كونه عاماً محفوظاً إلى كونه عاماً غير محفوظ.

    وأيضاً: هذا النص تقل قوته، وتقدم العام غير المحفوظ هل هو حجة أو غير حجة؟ والمطلق إذا قيد، أي: قيده الصحابي، مثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أعفوا اللحى )، ( أرخوا اللحى )، فالإعفاء هذا مطلق قيده ابن عمر رضي الله تعالى عنه بما زاد على القبضة، فهل يصلح هذا للتقييد أو لا يصلح؟

    الحنابلة يقولون: لا يكره أخذ ما زاد على قبضة، ولكن إذا قلنا: بأن هذا غير صالح للتقييد؛ لأن كلام الشارع لا يقيده، فالأصل بقاء المطلق على إطلاقه، وكلام أو فعل الصحابي لا يقيده.

    وهكذا كثير من النصوص تجد أن الصحابة قيدوها أو خصصوها وهي تكون عامة فيترتب عليها كثير من الفروع الفقهية، فهذا ينبني على هذا الخلاف.

    1.   

    المجمل وأسبابه

    قال رحمه الله: [والمجمل ما يفتقر إلى البيان].

    تعريف المجمل

    المجمل في اللغة: المجموع، ومنه: أجمل الحساب إذا جمعه، وقد عرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (والمجمل ما يفتقر إلى البيان)، والأحسن أن يقال في تعريف المجمل: أنه ما له دلالة على معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه.

    فقولنا: (ما له دلالة) يشمل الأدلة القولية والفعلية، وقولنا: (على معنيين) هذا يخرج النص، فإن النص له دلالة على معنىً واحد.

    وقولنا: (لا مزية لأحدهما على الآخر) أخرج به الظاهر، فإن الظاهر له دلالة على معنيين، لكن أحدهما تميز على الآخر، فالمتميز على أحدهما نسميه ظاهراً.

    أسباب الإجمال

    الإجمال له أسباب لم يذكرها المؤلف رحمه الله، فذكر العلماء رحمهم الله تقريباً ثمانية أسباب للإجمال، مأخوذة عن طريق الاستقراء:

    السبب الأول: عدم معرفة المقدار، كما في قول الله عز وجل: وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فقوله: (وآتوا الزكاة) مجمل لا ندري ما مقدار النصاب ولا مقدار المزكى والزكاة. هذا السبب الأول.

    السبب الثاني: عدم معرفة المراد، كما في قول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فقوله: (ثلاثة قروء) القرء متردد بين الطهر وبين الحيض، يشمل الطهر ويشمل الحيض، فهذا مجمل، فلا يزول الإجمال إلا بتعيين المراد.

    السبب الثالث: الجهل بالصفة؛ مثل: قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97] فهذا جهل بالصفة، فلا يزول الإجمال إلا ببيان الصفة؛ لأن صفة الصلاة أولاً كانت مجهولة ثم بعد ذلك بينها النبي عليه الصلاة والسلام.

    السبب الرابع: الاشتراك، فالاشتراك -أي: اتحاد اللفظ- واختلاف المعنى- فهذا من أسباب الإجمال، فلا بد من الدليل المبين، فمثلاً: العين، تشمل مشتركاً بين الذهب والعين الباصرة والعين المروية، فهذا يحتاج إلى بيان المراد.

    السبب الخامس: الاشتراك في الحرف، ونظيره قول الله عز وجل في آية التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] فـ(منه) هنا مشترك، فالحرف هنا هل هو للتبعيض أو لابتداء الغاية؟

    السبب السادس: الاشتراك في اللفظ المركب، وهذا من أمثلته قول الله عز وجل: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:237] فهل المراد (الذي بيده عقدة النكاح) الزوج أو المراد الولي؟

    السبب السابع: التخصيص بالمجهول، كما لو قيل: اقتل المشركين إلا بعضهم.

    السبب الثامن: التردد في مرجع الضمير؛ مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبةً في جداره )، فقوله: (جداره), هل هو إلى جدار الجار، أو جدار نفسه؟

    فالضمير في جداره هل يعود إلى الجار، أو يعود إلى جدار الشخص نفسه لا يمنع جاره أن يغرز خشبةً في جدار نفسه؟

    هذا بالنسبة لأسباب الإجمال.

    وأيضاً الإجمال يكون في اللفظ ويكون في الفعل، في اللفظ كما تقدم، وفي الفعل كما في الحديث: ( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في السفر )، فقوله: (في السفر) الجمع شامل للسفر الطويل والسفر القصير، فحكم العمل بالمجمل أنه يجب التوقف فيه حتى يأتي دليل خارجي يبين المراد.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.