إسلام ويب

شرح متن الورقات [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المكلفين الداخلين في خطاب الشرع هم المؤمنون، والمؤمن لا يكون مكلفاً إلا إذا كان عاقلاً بالغاً، فيخرج بذلك الصبي والمجنون والساهي والنائم، ولكل واحد من هؤلاء أحكام تخصه سواء في الأحكام التكليفية أو الأحكام الوضعية.

    1.   

    الأوامر والنواهي المتعلقة بالأدب والإرشاد

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    تقدم لنا بعض مباحث الأمر, وذكرنا من هذه المباحث: تعريف الأمر، وأن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، وذكرنا أيضاً هل له صيغة أو ليس له صيغة، وذكرنا خلاف الأصوليين في ذلك، وأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأمر له صيغة تخصه.

    وذكرنا أن الأمر عند الإطلاق له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون هناك ما يدل على الوجوب.

    والحالة الثانية: أن يكون هناك ما يدل على الاستحباب.

    والحالة الثالثة: أن يرد الأمر مطلقاً.

    وهل إذا ورد مطلقاً يدل على الوجوب؟ وهل الأصل فيه الوجوب أو الأصل فيه الاستحباب؟ وذكرنا أنه باتفاق الأئمة يدل على الوجوب.

    وكذلك أيضاً: تقدم لنا من مباحث الأمر: هل يقتضي الأمر التكرار أو لا يقتضي التكرار؟ وذكرنا أن هذه المسألة تحتها ثلاثة أقسام.

    وأيضاً هل يقتضي الفورية أو هو على التراخي؟ وذكرنا أن جمهور أهل العلم أنه يقتضي الفورية، وذكرنا الأدلة على ذلك، وذكرنا أيضاً مذهب الشافعية ودليلهم.

    وقبل ذلك تقدم لنا أن الأمر المجرد عن القرائن - يعني: الأمر الذي لم يكن هناك ما يدل على كونه واجباً أو يدل على كونه مندوباً- أن الأصل فيه الوجوب, وهذا قلنا: بأنه باتفاق الأئمة، وهو مذهب الظاهرية، فالظاهرية لا يستثنون شيئاً، يعني: أن الظاهرية يقولون: بمقتضى هذه القاعدة مطلقاً في كل الأوامر، فكل الأوامر المجردة عن القرائن عندهم تقتضي الوجوب، حتى ما يتعلق بالأشياء التي تدل على الإرشاد والأدب فإنها تقتضي الوجوب عندهم.

    والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم، أن الأوامر التي تتعلق بالإرشاد والأدب لا تقتضي الوجوب، وإنما على الندب والاستحباب، يعني: ورد في الشرع أوامر كثيرة كلها تتعلق بالإرشاد والأدب، واقرأ مثلاً: ما يتعلق بمكروهات الصلاة، ( فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التخصر في الصلاة )، يعني: أمر بعدم التخصر، فهذا الأمر هنا على سبيل الإرشاد والأدب، والنهي على سبيل الإرشاد والأدب.

    وأيضاً: نهي الإنسان أن يفترش ذراعيه في الصلاة افتراش السبع. وأيضاً: نهي عن الإقعاء، وأيضاً: نهي أن يصلي وهو بحضرة طعام أو وهو يدافعه الأخبثان, فقالوا: بأن هذه الأشياء على سبيل الإرشاد والأدب.

    وأما عند الظاهرية فعندهم النهي يقتضي التحريم مطلقاً، والأمر يقتضي الوجوب مطلقاً، حتى ولو كان فيما يتعلق بالإرشاد والأدب، لكن عند جمهور أهل العلم قالوا: بأن ما يتعلق بالإرشاد والأدب فإنه على سيبل الاستحباب.

    ومثل ذلك أيضاً: الأمر بأن يأكل الإنسان بيمينه, فهذا من قبيل العادات، ونهيه أن يأكل بشماله, فقالوا: بأن هذا من قبيل الإرشاد والأدب, ولو أنه أكل بشماله لم يحرم عليه عند جمهور أهل العلم.

    وكذلك أيضاً: الأمر بلعق الصحفة، والأمر بلعق الأصابع، ونحو ذلك من الأوامر التي تتعلق بالإرشاد والأدب، فعند جمهور العلماء رحمهم الله أنها على الاستحباب.

    والأقرب في مثل هذه الأشياء التفصيل, فنقول: بأن هذه الأوامر لا تدل على الوجوب إن كانت أمراً, ولا تدل على التحريم إن كانت نهياً؛ لأن أصلها وذاتها يتعلق بالإرشاد والأدب، وهذا الأدب والإرشاد في أصله ليس واجباً إذا كان أمراً، وإنما هو إرشاد من الشارع، إلا إذا دل الدليل أو قامت القرائن على تأكيد النهي أو تأكيد الأمر, فإذا كانت عندنا قرائن وأدلة على تأكيد الأمر وتأكيد النهي، فإن ذلك ينتقل إلى الوجوب إن كان أمراً، أو ينتقل إلى التحريم إن كان نهياً، أو داوم الإنسان على ذلك.

    فمثلاً: النهي عن التخصر الأصل أن لا يقال: بأنه محرم على الإنسان أن يتخصر في صلاته, فلا نقول: بأنك فعلت محرماً, وأنك آثم, لكن نقول: بأنك فعلت مكروهاً، اللهم إلا إذا داوم الإنسان على ذلك، أو كان مكثراً منه، يعني: يكثر من هذا الشيء، فإنها في هذا الحالة نقول: بأنه يأثم؛ لأنه مخالف لأمر النبي عليه الصلاة والسلام.

    أو كانت هناك قرائن تدل على تأكد الأمر, مثلاً: الأمر بأن يأكل الإنسان بيمينه ويشرب بيمينه، فالشارع أكد على ذلك، ونهى عن الأكل بالشمال، وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وأن الشيطان يشارك الإنسان في مأكله ومشربه, فالمهم إذا دلت عندنا القرائن وقامت الأدلة على تأكد الأمر أو داوم الإنسان على ذلك، فإنه ينتقل عن الأصل، أما إذا لم يكن كذلك فالأصل في ذلك أن هذه الأوامر المتعلقة بالإرشاد للندب، والنواهي المتعلقة بالإرشاد للكراهة التنزيهية؛ لأن أصل هذه الأشياء وذاتها إنما هي للإرشاد، والإرشاد لا يقتضي الوجوب، ولا يقتضي التحريم.

    1.   

    الأمر بالشيء أمر به وبلوازمه

    قال رحمه الله: [والأمر بإيجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها].

    هذه قاعدة هل الأمر بالشيء أمر به وبلوازمه.

    وأيضاً: الأصوليون يذكرونها على وجه آخر، فيقولون: بأن الأمر بالشيء أمر به وبجميع شروطه الشرعية والعادية والمعنوية والحسية.

    وأيضاً يعبر عنها الأصوليون بقولهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالأمر بالصلاة أمر بها وبما لا يتم الأمر إلا بها، فهو أمر به وأمر بكل ما كان وسيلة إليه، فالوسائل لها أحكام المقاصد، كما قال المؤلف رحمه الله: (كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة) والأمر بشراء الماء للطهارة, وبشراء الثوب لستر العورة، وهكذا، فالوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل الواجبات واجبات، ووسائل المندوبات مندوبات.

    ومن وسائل الواجبات كما قلنا: شراء الثوب لستر العورة، فستر العورة للصلاة واجب، وشراء الثوب لكي يستر الإنسان عورته هذا واجب، وشراء الماء لكي يتوضأ الإنسان هذا واجب, وهكذا.

    ووسائل المندوبات مندوبة، فشراء السواك ليتسوك به الإنسان مندوب. ووسائل المكروهات مكروهة، فشراء البصل لكي يأكله الإنسان مكروه، وشراء الثوم لكي يأكله الإنسان مكروها.

    ووسائل المحرمات نقول: بأنها محرمة، يعني: الطرق التي يتوصل بها إلى هذا الشيء المحرم نقول: بأنها محرمة, فشراء العنب لكي يعصره خمراً، هذا محرم ولا يجوز.

    ووسائل المباحات نقول: بأنها مباحة، فكون الإنسان يشتري الأكل أو الشراب نقول: بأن هذا مباح.

    إذاً: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    قاعدة: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس واجباً

    ما لا يتم الوجوب إلا به فليس واجباً، فمثلاً: وجوب الزكاة، فلا يجب على الإنسان أن يجمع المال لتجب عليه الزكاة، فهذا ليس واجباً, فما لا يتم الوجوب إلا به فليس واجباً.

    كذلك إذا كان الإنسان فقيراً لا يستطيع الحج فلا نقول: إنه يجب عليك أن تجمع المال حتى تستطيع الحج، بل نقول: لا يجب عليك، ففرق بين هذا وبين ما لا يتم الواجب إلا به -الواجب الذي تحقق- فهو واجب. فالإنسان الذي وجبت عليه صلاة الظهر، فنقول: يجب عليك أن تشتري الماء إذا كنت قادراً على ذلك، ويجب عليك أن تشتري الثوب؛ لكي تستر العورة، لكن إذا كان حتى الآن ما ترتب عليك الوجوب فهذا ليس واجباً. فمثلاً: إنسان لا تجب عليه الزكاة لكونه فقيراً، فلا نقول: اجمع المال؛ لكي تجب عليك الزكاة, أو إنسان حتى الآن ما وجب عليه الحج؛ لكونه فقيراً، فلا نقول: اجمع المال؛ حتى يجب عليك الحج, وكذلك إنسان فقير لا يستطيع أن يشتري ماء للطهارة، فلا نقول: اجمع المال؛ لكي تشتري الماء للطهارة, بل نقول: هذا لا يجب عليك, يعني: الشيء - الوجوب- الذي لم يترتب الآن في الذمة فلا نقول: اعمله؛ لكي يجب عليك, لكن الواجب الذي ترتب في الذمة فهذا نقول: يجب عليك أن تفعله، وتجب عليك وسائله، ففرق بين ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس واجباً. فلو أن إنسان وجبت عليه كفارة الظهار - وكفارة الظهار إعتاق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً- وهذا الإنسان لا يجد رقبة فلا نقول: يجب عليك أن تعمل لكي تشتري رقبة؛ لأن هذا الوجوب حتى الآن لم يترتب في الذمة, فهذا مما لا يتم الوجوب إلا به, وما لا يتم الوجوب إلا به فليس واجباً، لكن الأمر الذي انتهى وترتب على الذمة فهذا نقول: الوسائل لها أحكام المقاصد, ووسائل الواجبات واجبات، ونقول هنا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالزكاة ترتبت في الذمة, فكون الإنسان يقوم بإخراج المال وعدِّه؛ لكي يخرج الزكاة فهذا واجب، وهكذا.

    خروج المأمور من عهدة الطلب عند الفعل

    قال رحمه الله: [ وإذا فعل يخرج المأمور به عن العهدة ].

    يعني: عن عهدة الطلب، فإذا فعل الإنسان المأمور بشروطه مع انتفاء موانعه - يعني: وجدت الشروط وانتفت الموانع ووجدت الأركان والواجبات- فإنه يخرج عن العهدة، يعني: يسقط عنه الطلب وتبرأ ذمته، لكن براءة الذمة من العهدة لا يلزم من ذلك أن يثاب على ذلك, وقد يثاب الإنسان ولا تبرأ ذمته من عهدة الطلب.

    فالأقسام في ذلك ثلاثة:

    القسم الأول: ما كان صحيحاً مثاباً، يعني: أن يكون العمل صحيحاً مثاباً عليه, هذا كحكم وضعي، فإذا وجدت الشروط والأركان والواجبات وانتفت الموانع، فهذا صحيح ويثاب على ذلك، يعني: لم يأت بشيء ينقص هذا الثواب، فنقول: هذا صحيح يثاب عليه.

    القسم الثاني: صحيح لا يثاب عليه، صحيح كحكم وضعي, ولا يثاب عليه كحكم تكليفي, فهو صحيح؛ لأنه وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع، لكن لا يثاب على ذلك؛ لأن هذا العمل اقترنت به معصية أخلت بالمقصود, ومثال ذلك: صام الإنسان صياماً صحيحاً - يعني: وجدت الشروط وانتفت الموانع- لكنه قال الزور وعمل الزور, فانتفى عنه الثواب، يعني: جهل في صيامه وعمل المعاصي فيه، فنقول: هنا الصيام مبرئ للذمة ومسقط للطلب بحيث إنه لا يطالب, لكنه لا يثاب على هذا الصيام.

    القسم الثالث: عكس هذا، يثاب عليه ولا يصح, مثال ذلك: أدى العمل وقد اختل شرط من شروطه أو اقترن به مانع من الموانع، فنقول: يثاب عليه، ولكنه غير مبرئ ولا يسقط الطلب, فيجب عليه أن يعيده، مثال ذلك: من صلى وهو محدث، فنقول: تثاب على هذه الصلاة التي عملتها، لكن يجب عليك أن تعيدها؛ لأنه اختل شرط من الشروط.

    1.   

    الداخلون في خطاب الله من المكلفين

    قال رحمه الله: [ يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون ].

    وهذا ظاهر، والله عز وجل كثيراً ما يخاطب المؤمنين في كتابه فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]. ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]... إلخ. فخطاب المؤمنين في القرآن كثير جداً. فقوله: (يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون) الأدلة على ذلك كثيرة جداً.

    وعلى هذا نقول: يدخل في الخطاب المؤمن. فالمؤمن يخرج به الكافر، وسيأتي في كلام المؤلف رحمه الله هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة؟

    دخول الساهي في التكليف

    قال رحمه الله: [والساهي والصبي والمجنون غير داخلين] نقول أيضاً: المؤمن العاقل البالغ، يعني: المكلف. فقولنا: (العاقل) هذا يخرج المجنون، وقولنا: (البالغ) هذا يخرج الصبي. وقد تقدم في تعريف الخطاب التكليفي والخطاب الشرعي أن قلنا: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين.

    وقوله: (والساهي) فالسهو والنسيان والغفلة قال بعض العلماء: أنها ألفاظ مترادفة، ومعناها: ذهول القلب عن المعلوم.

    وقيل: بأن هناك فرقاً بين الساهي والناسي، فالساهي: إذا ذكرته لا يتذكر، والناسي: إذا ذكرته فإنه يتذكر.

    وبالنسبة للساهي هل هو مكلف أو ليس مكلفاً؟ نقول: بالنسبة للساهي هذا فيه تفصيل:

    القسم الأول: السهو فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل، فهذا غير مكلف بالإجماع ويسقط عنه الإثم، يعني: كحكم تكليفي بالإجماع أنه غير مكلف، فلا يأثم فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل، كأن نسي فصلى وهو محدث فبالإجماع أنه لا يأثم، أو صلى وعليه نجاسة فبالإجماع أنه لا يأثم, أو أكل ساهياً وهو صائم فبالإجماع أنه لا يأثم, ففيما يتعلق بالإثم نقول: بالإجماع أنه غير مكلف به، وأنه ليس داخلاً تحت الخطاب.

    والدليل على ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ). وورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه ).

    وأيضاً قول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. فقال الله: ( قد فعلت ).

    فهذا كحكم تكليفي فيما يتعلق بالإثم, لكن فيما يتعلق بالمطالبة بالحكم الوضعي، فنقول: قد يطالب بهذا الحق وقد لا يطالب, فإن كان من قبيل المحظورات لا يطالب، ومثال ذلك: صلى وعليه نجاسة ناسياً فنقول: بأن صلاته صحيحة ولا يطالب بالإعادة. أما إن كان من قبيل الأوامر فإنه يطالب, فما دام أنه يتمكن من إدراك الأمر فإننا نطالبه، ومثال ذلك: أن يسهو عن الصلاة فنقول: يطالب بأن يصلي، ما دام أن الأمر يتمكن من إدراكه، أو سها عن الطهارة وصلى وهو محدث فنقول: بأنه يتمكن, فعليه أن يتوضأ وأن يعيد الصلاة. وقيدنا هذا وقلنا: مادام أنه يتمكن من فعل الأمر، فإن كان لا يتمكن كأن يسهو عن الجهاد حتى انتهى فنقول: لا شيء عليه. هذا القسم الأول وهو ما يتعلق بحقوق الله عز وجل.

    القسم الثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين، فبالنسبة للإثم فكما تقدم نقول: هذا لا يأثم، لكن بالنسبة للمطالبة كحكم وضعي نقول: إنه يطالب بحقوق الآدميين، فإذا سها وأتلف مالاً للآدمي أو جنى على نفس أو ما دون النفس فإنه يلزمه في ذلك، فإذا أتلف مالاً يلزمه؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، أو أتلف ما دون النفس أو جنى على النفس فنقول: يلزمه.

    القسم الثالث: أثر النسيان والسهو على العقود، يعني: هل هو مخاطب أو ليس مخاطباً؟ فنقول: بالنسبة للعقود بأنه غير مخاطب، فإذا سها وعقد عقد نكاح وهو ساه أو عقد بيع وهو ساه وغافل أو قال: هذا البيت وقف لله عز وجل، فالحكم نقول: لا يصح؛ لأنه غير مكلف.

    تكليف الصبي

    وقوله: (والصبي) فالصبي هل هو مكلف، وهل هو داخل تحت الخطاب، أو ليس داخلاً تحت الخطاب؟

    يقول المؤلف رحمه الله: بأنه ليس داخلاً تحت الخطاب.

    والصبي أيضاً ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما يتعلق بحقوق الله عز وجل, فنقول: بأنه ليس مكلفاً، فلا يكلف لا بالعبادات البدنية ولا بالعبادات المركبة من المال والبدن، لكن العبادات المالية فهو مكلف فيها.

    فنقول إذاً: بالنسبة لحقوق الله عز وجل إن كان من قبيل الأوامر -يعني: تكليفه, هل هو مخاطب بالأوامر أو ليس مخاطباً؟- فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: العبادة البدنية، وهذا ليس داخلاً تحت الخطاب، فلا يجب عليه الصيام ولا الصلاة... إلخ.

    القسم الثاني: العبادات المركبة من المال والبدن، وهذا أيضاً ليس داخلاً تحت الخطاب كالحج فلا يجب عليه.

    القسم الثالث: العبادات المالية، فنقول: بأنه داخل تحت الخطاب، فتجب عليه الزكاة، وتحب عليه النفقات، فيجب عليه أن ينفق على أقربائه إذا كان غنياً، ويجب عليه أيضاً أن يخرج الزكاة.

    لكن بالنسبة للكفارات هل تجب عليه أو لا تجب عليه؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والأقرب أنه لا تجب عليه الكفارات؛ لأن سبب الكفارة أصلاً لا يصح منه. هذا ما يتعلق بالأوامر.

    وما يتعلق بالنواهي نقول: هو داخل تحت الخطاب، فالصبي يمنع من النواهي -المحظورات والمحرمات- كما أن الكبير يمنع منها، ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله في باب شروط الصلاة أنه يمنع من لباس الحرير, ويمنع من لباس الذهب, ويمنع من شرب الخمر, وغير ذلك، فالنواهي يمنع منها. هذا فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل.

    القسم الثاني: فيما يتعلق بحقوق الآدميين، نقول: بالنسبة للإثم لا يأثم، -يعني: كحكم تكليفي- فلو أنه أتلف مالاً أو جنى على شخص أو غير ذلك فإنه لا يأثم، لكن فيما يتعلق بقيم المتلفات وأروش الجنايات فهذه تلزمه إن كان له مال، أو متى أيسر فإنها تلزمه هذه الأشياء.

    وبالنسبة للصبي، قلنا: بأن العبادات البدنية لا تجب عليه من ناحية الجملة, لكن في بعض الأحيان قد تجب عليه، مثلاً: لو بلغ في أثناء الوقت فإنه يجب عليه أن يؤدي هذه الصلاة، أو مثلاً: بلغ في أثناء الشهر فإنه يجب عليه أن يمسك في اليوم الذي بلغ فيه، وما سبقه من الأيام لا يجب القضاء، وما بعده من الأيام فإنه يجب عليه أن يقضيه.

    وبالنسبة للصبي فيما يتعلق بالعقود ليس مكلفاً، وليس داخلاً تحت الخطاب، فإذا عقد معاوضة أو عقد تبرعاً فعقده غير صحيح ولا ينفذ، اللهم إلا الأمور اليسيرة التي جرى بها العرف فإنها تصح منه.

    تكليف المجنون

    قوله: (والمجنون) نقول: بالنسبة للمجنون كما قلنا بالنسبة للصبي:

    فأولاً: فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل فالعبادات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: العبادات البدنية، فهذه ليس مكلفاً بها، وليس داخلاً تحت الخطاب.

    والقسم الثاني: العبادات المركبة، فأيضاً ليس مكلفاً, وليس داخلاً تحت الخطاب.

    والقسم الثالث: العبادات المالية، فهذه تجب عليه.

    ثانياً: فيما يتعلق بحقوق المخلوقين: أما بالنسبة للإثم فإنه لا يأثم, وأما بالنسبة للضمان كضمان المتلفات وأروش الجنايات فإنه يضمن.

    وبالنسبة للعقود نقول: لا تصح مطلقاً، سواء كانت مما جرى العرف أو مما لم يجر بها العرف.

    تكليف النائم

    بالنسبة للنائم هل هو داخل تحت الخطاب أو ليس داخلاً تحت الخطاب؟ يعني: هل هو مكلف أو ليس مكلفاً؟

    الأصل أن النائم مكلف، يعني: أن الخطاب يتوجه إليه, فتجب عليه العبادات البدنية والمالية والمركبة، فهو مخاطب بهذه الأشياء، فالنائم مخاطب بالصلاة إذا استيقظ، وكذلك البدنية مخاطب بها، والمركبة من المال والبدن مخاطب بها إذا استيقظ، وكذلك المالية مخاطب بها.

    وبالنسبة للنائم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يتعلق بأقواله, والقسم الثاني: ما يتعلق بأفعاله.

    القسم الأول: ما يتعلق بأقواله فهو غير مكلف بها، لا من حيث الخطاب التكليفي ولا من حيث الخطاب الوضعي، فمثلاً: لو طلق زوجته وهو نائم أو باع أو اشترى أو تبرع أو وقف ونحو ذلك فنقول: بأنه ليس داخلاً، فالنائم إذا باع أو اشترى أو قذف أو غير ذلك لا يأثم، ولا تصح منه هذه العقود أو الفسوخ، هذا فيما يتعلق بأقواله.

    القسم الثاني: ما يتعلق بأفعاله, يعني: لو أتلف مالاً وهو نائم، أو جنى على شخص وهو نائم، أو قتل شخصاً وهو نائم، أو امرأة انقلبت على طفلها وهي نائمة فنقول كحكم تكليفي: لا يأثم، وأما كحكم وضعي: فإنه يضمن ما يتعلق بأروش الجنايات وقيم الأموال.

    تكليف الغضبان

    بقينا في الغضبان هل هو داخل تحت الخطاب أو ليس داخلاً تحت الخطاب؟

    نقول: بأن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون شديداً مستحكماً بحيث يزول معه الشعور، هذا بالنسبة لأقواله غير مكلف بها ولا تصح منه، فإذا طلق زوجته أو فسخ أو وقف أو باع أو اشترى أو قذف أو غير ذلك، فنقول: بأنه غير مكلف بها لا وضعاً ولا تكليفاً، يعني: لا يأثم, وكذلك لا تصح منه، فلو عقد عقد بيع أو عقد عقد وقف ونحو ذلك، فنقول: هذه لا تصح منه، هذا بالنسبة للأقوال.

    وبالنسبة لأفعاله أيضاً لا يأثم.

    وأما ما يتعلق بحقوق الآدميين من قيم المتلفات وأروش الجنايات فإنه يضمن, فيتعلق به خطاب الوضع دون خطاب التكليف.

    القسم الثاني: عكس هذا، أن يكون الغضب في بداياته، بحيث إن الإنسان لا يفقد معه الشعور ويستطيع أن يمسك نفسه، فهذا مكلف كالصاحي تماماً, وكغير الغضبان تماماً، فنقول: بأنه مكلف، فلو باع أو اشترى أو طلق أو قذف أو أتلف أو غير ذلك، نقول: تترتب عليه الأحكام.

    القسم الثالث: أن يكون الغضب متوسطاً، بحيث إنه يتصور ما يقول, لكنه من شدة الغضب لا يستطيع أن يمسك نفسه، فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، هل نقول: بأنه مكلف في أقواله وداخل تحت الخطاب، أو نقول: بأنه ليس مكلفاً؟ ابن القيم رحمه الله يرى أنه غير مكلف؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق )، وهذا مغلق عليه، وهو مكره، فنقول: غير مكلف في أقواله.

    وأما بالنسبة لأفعاله فإنه يضمن، يعني: يكون داخلاً تحت خطاب الوضع, وأما خطاب التكليف فإنه لا يأثم.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.