إسلام ويب

شرح متن الورقات [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينقسم الكلام من حيث مدلوله إلى قسمين، أولها: الإنشاء وهو ما لا يحتمل الصدق ولا الكذب، ثانيها: الخبر: وهو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، وينقسم الكلام أيضاً باعتبار استعماله إلى حقيقة وإلى مجاز، وكل منهما له عدة أقسام.

    1.   

    أقسام الكلام من حيث مدلوله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والكلام ينقسم إلى: أمر ونهي وخبر واستخبار، وينقسم أيضاً إلى: تمن وعرض وقسم ].

    يذكر المؤلف رحمه الله أقسام الكلام باعتبار مدلوله، يعني: ما يدل عليه الكلام.

    فقوله: (الكلام ينقسم إلى أمر ونهي) هذا هو الإنشاء.

    وقوله: (وخبر واستخبار) هذا هو الخبر.

    فتبين بذلك أن الكلام ينقسم باعتبار مدلوله -يعني: ما يدل عليه- إما إلى إنشاء, وأشار إليه بقوله: (إلى أمر ونهي)، أو إلى خبر, وأشار إليه بقوله: (وخبر واستخبار).

    وقوله: (وينقسم أيضاً إلى تمن وعرض وقسم)، فهذه الأشياء التي ذكرها المؤلف رحمه الله من تمن وعرض وقسم من الإنشاء.

    فأصبح الكلام باعتبار مدلوله ينقسم إلى خبر وإنشاء.

    وتعريف كل من الخبر والإنشاء نقول:

    أما الخبر فهو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.

    والإنشاء: ما لا يحتمل الصدق والكذب.

    القسم الأول: الخبر

    بالنسبة للخبر قلنا في تعريفه: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. فقولنا: (بذاته) يخرج الخبر الذي لا يحتمل الصدق والكذب باعتبار المخبر به, ويدخل تحت ذلك أقسام:

    القسم الأول: ما لا يمكن وصفه بالصدق والكذب, وهذا كخبر الله عز وجل، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم الثابت, فالقرآن فيه كثير من الأخبار عن الرسل السابقين وعن أممهم وعن القيامة والجنة والنار... إلخ، وهذه الأخبار لا نقول: بأنها تحتمل الصدق والكذب, بل هي صدق حقاً.

    ومثل ذلك أيضاً: أخبار النبي عليه الصلاة والسلام الثابتة، فلا نقول: بأنها تحتمل الصدق والكذب، بل هي صدق حقاً، ولا يمكن أن نصفها بالكذب.

    القسم الثاني: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق كخبر المستحيل شرعاً؛ وهذا كمدعي الرسالة إذا أخبر أنه نبي, فلا يمكن أن يحتمل الصدق.

    وكذلك أيضاً: ما لا يمكن أن يحتمل الصدق كالمستحيل عقلاً؛ وهذا كالجمع بين النقيضين كالحركة والسكون، فهذا لا يحتمل الصدق.

    القسم الثالث: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب على حد سواء أو مع رجحان, فإن كان معروفاً بالصدق ترجح، وإن كان معروفاً بالكذب ترجح، وإلا فهما على حد سواء، كما لو أخبر شخص عن قدوم غائب أو عن حادثة معينة.

    فأصبحت الأخبار تنقسم إلى ثلاثة:

    القسم الأول: ما لا يمكن أن يوصف باحتمال الصدق والكذب، وهو كخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم الثابت، فهذا صدق حقاً، يعني: لا يحتمل الكذب أبداً.

    والقسم الثاني: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق، كالمستحيل شرعاً أو عقلاً، فالمستحيل شرعاً كمدعي الرسالة، والمستحيل عقلاً كالجمع بين النقيضين.

    والقسم الثالث: ما يحتمل الصدق والكذب, وهو بقية الأخبار، فهو يحتمل الصدق والكذب إما على حد سواء أو مع رجحان، فإن كان معروفاً بالصدق ترجح في جانبه الصدق، وإن كان معروفاً بالكذب ترجح في جانبه الكذب. وإلا فهما على حد سواء، وهذا كما لو أخبر شخص بقدوم غائب أو وقوع حادثة معينة.

    والأحسن في القسم الأول أن نقول: ما لا يمكن وصفه بالكذب.

    فأصبحت الأقسام:

    القسم الأول: ما لا يمكن وصفه بالكذب، وهو كخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم الثابت.

    والقسم الثاني: ما لا يمكن وصفه بالصدق, وهو مقابل الأول, كخبر المستحيل شرعاً أو عقلاً.

    والقسم الثالث: ما يحتمل الأمرين الصدق والكذب، وهذا كبقية الأخبار، فإن كان معروفاً بالصدق ترجح الصدق، وإن كان معروفاً بالكذب ترجح الكذب, وإلا فهما على حد سواء.

    القسم الثاني: الإنشاء

    الإنشاء هو: ما لا يحتمل الصدق والكذب؛ لأن مدلوله لا يحصل إلا بالتلفظ به، فلا يمكن أن يقال: بأنه صدق أو بأنه كذب، وفي القرآن الكريم قد يأتي الكلام بصيغة الخبر ويراد به الإنشاء، وقد يكون العكس, ومثل الذي يأتي بصيغة الخبر ويراد به الإنشاء قول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فهذا الكلام أتى بصيغة الخبر، والمراد به الإنشاء، الذي هو الأمر، أي: ليتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، والفائدة من هذا: تأكيد الفعل المأمور به, كأنه أمر واقع يتحدث عنه.

    والعكس أيضاً: فقد يأتي الكلام بصيغة الإنشاء ويراد به الخبر، مثال ذلك: قول الله عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ [العنكبوت:12]، فقوله: (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) هذا أمر, والمراد به الخبر، أنهم يريدون أن يحملوا خطاياهم، والفائدة من ذلك هي: تنزيل المخبر عنه منزلة المفروض الملزم به.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ينقسم الكلام إلى أمر ونهي) هذا سيأتينا إن شاء الله في تعريف الأمر، وتعريف النهي، وما يترتب على الأمر والنهي من المسائل.

    ثم قال: (خبر) تقدم تعريفه.

    وقال: (واستخبار) وهو: طلب الخبر.

    قال رحمه الله: (وينقسم أيضاً إلى تمن وعرض وقسم).

    التمني هو: الرغبة في حصول الشيء.

    والعرض هو: الطلب برفق، ومن ذلك قول الله عز وجل عن إبراهيم أنه قال للملائكة: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27].

    والقسم هو: الحلف، وهو: تأكيد المحلوف عليه بذكر المعظم.

    وأيضاً الالتماس, وهو: الطلب من المساوي.

    1.   

    أقسام الكلام من حيث استعماله وآراء العلماء في المجاز

    قال رحمه الله: [ ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز، فالحقيقة: ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، والمجاز: ما تجوز به عن موضوعه. والحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية ].

    هذا تقسيم آخر للكلام باعتبار استعماله، التقسيم الأول باعتبار مدلوله, أي: ما يدل عليه، وهذا باعتبار استعماله.

    فالكلام باعتبار استعماله ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: إلى حقيقة, والقسم الثاني: إلى مجاز.

    وهذا التقسيم -تقسيم الكلام إلى حقيقة وإلى مجاز- هو ما عليه أكثر الأصوليين، فقالوا: الأغلب هو الحقيقة, ولكن المجاز واقع، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية وأيضاً قول لبعض المالكية، قالوا: بأنه لا مجاز في القرآن، وإنما المجاز هو في لغة العرب.

    والرأي الثالث: إنكار المجاز بالكلية، وهذا قول أبي إسحاق الإسفراييني وكذلك اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم والشيخ محمد الشنقيطي وله رسالة في هذا مطبوعة مع تفسيره أضواء البيان، وهو أنه لا مجاز.

    وعلى هذا، ما يتكلم عليه المؤلف رحمه الله أو ما يتكلم عليه الأصوليون لا وجود له. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بأنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن جميعاً، وأن هذا التقسيم - تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز- أمر حادث بعد القرون المفضلة، ولم يتكلم به أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة، وإنما جاء هذا التقسيم جاء به أهل البدعة كالمعتزلة والجهمية وأضرابهم؛ لكي يكون ذلك سلماً لنفي الصفات, فيدعون بأن هذا من باب المجاز، وكان هذا من أعظم وسائل التعطيل.

    وعلى هذا كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً يكون أسلوباً من أساليب اللغة العربية، فإن اللغة العربية لها أساليب، ومن هذه الأساليب ما يتضح المراد من الشيء بلا قيد، ومنها ما يتضح المراد منه بقيد، فمثلاً: قول الله عز وجل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82]، الذين يقولون بالمجاز يقولون: المراد بذلك واسأل أهل القرية؛ لأن البيوت والمساكن هذه لا يمكن أن تسأل، فقالوا: هذا مجاز. والذين قالوا: بأنه ليس مجازاً قالوا: بأن هذا أسلوب من أساليب اللغة العربية المتنوعة, ونحتاج هنا إلى قيد؛ لأن الشيء إما أن يكون واضحاً بنفسه، وإما أن يكون واضحاً بغيره -التي هي قرائن الأحوال- فهذا قطعاً أن المراد من ذلك هو أهل القرية، وقطعاً أن هذا من أساليب اللغة العربية المتنوعة، وقرينة الحال تدل على أنه لا يمكن أن تسأل المساكن, وإنما يسأل أهلها, وحينئذ لا مجاز، فالشيء إما يتضح بنفسه وإما أن يتضح بغيره، فإما أن يحتاج إلى قيد, وإما ألا يحتاج إلى قيد، وقرائن الأحوال -كالسياقات- هي التي تدل على ذلك، وهذا من الأساليب المتنوعة في اللغة العربية، وحينئذ لا يحتاج إلى أن نقول: مجاز أو حقيقة. لكن المؤلف رحمه الله ذكر هذه الأشياء, فنتعرض لها كما ذكرها.

    1.   

    الحقيقة

    تعريف الحقيقة

    الحقيقة في اللغة هي: الشيء الثابت المؤكد.

    وأما في الاصطلاح فذكر المؤلف رحمه الله تعريفين، ونضيف تعريفاً ثالثاً.

    فالتعريف الأول قال: (ما بقي في الاستعمال على موضوعه).

    فقوله: (في الاستعمال) يخرج ما إذا كان مهملاً، فإنه لا عبرة به.

    وقوله: (على موضوعه) خرج به المجاز.

    ولهذا المجاز هو: ما تعدي أو ما تجوز به عن موضوعه.

    ومثال الحقيقة: أن تقول: رأيت أسداً، فقولنا: (أسد) لفظ مستعمل في موضوعه، فالأسد وضع لحيوان مفترس، وأنت استعملته فيما وضع له.

    وهذا التعريف قالوا: بأنه خاص بتعريف الحقيقة عند أهل اللغة فقط.

    ثم قال في التعريف الثاني: (وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة).

    فقوله: (ما استعمل) يخرج المهمل، مثل: ديز، فهذا لا عبرة به.

    وقوله: (فيما اصطلح عليه من المخاطبة) (الاصطلاح): اتفاق قوم على استعمال شيء في شيء معلوم عندهم، فلكل فن أهل من فنون العلم مصطلح، فأهل اللغة لهم مصطلحات، وأهل الشريعة لهم مصطلحات، وأهل البلاغة لهم مصطلحات، وأهل العقيدة لهم مصطلحات.

    فمثلاً: الصيام في مصطلح أهل اللغة المراد به: الإمساك، وأما في اصطلاح أهل الشرع فالمراد به: التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    وأيضاً: الفاعل له اصطلاح عند أهل اللغة, وله اصطلاح عند أهل النحو، فاصطلاحه عند أهل اللغة هو: الذي وقع منه الفعل، وأما في اصطلاح أهل النحو فالمراد به هو: الاسم المرفوع الذي تقدمه فعل.

    وقوله في التعريف: (من المخاطبة) هذا اسم فاعل, وليس اسم مفعول، يعني: من الجماعة المخاطبة غيرها.

    وقوله: (فيما اصطلح عليه) هذا التعريف عام يشمل الحقيقة اللغوية، وكذلك يشمل غيرها مثل: الحقيقة الشرعية, والحقيقة العرفية.

    وهناك تعريف ثالث للحقيقة، وهي: اللفظ المستعمل فيما وضع له.

    فقولنا: (اللفظ) هذا يخرج الإشارة.

    وقولنا: (المستعمل) يخرج المهمل.

    وقولنا: (فيما وضع له) هذا يخرج المجاز.

    أقسام الحقيقة

    ذكر المؤلف رحمه الله أن الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: حقيقة لغوية, والقسم الثاني: حقيقة عرفية, والقسم الثالث: حقيقة شرعية.

    فالقسم الأول: الحقيقة اللغوية, وهي: اللفظ المستعمل فيما وضع له عند أهل اللغة، مثلاً الصلاة في اللغة: الدعاء، والصيام في اللغة: الإمساك، والحج في اللغة: القصد، وغير ذلك.

    القسم الثاني: الحقيقة الشرعية, هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له عند أهل الشرع, مثلاً الحج في الاصطلاح هو: التعبد لله عز وجل بقصد مكة لأداء المناسك.

    والحقيقة العرفية، وهي: اللفظ المستعمل فيما وضع له عند أهل العرف، مثلاً: الغائط لغة هو: المكان المنخفض، لكن عرفاً المراد به: الخارج من الإنسان المستقذر، ومثل: الدابة في اللغة يراد بها: كل ما يدب على الأرض، لكن في العرف يراد بها: ذوات الأربع كالفرس والحمار والبغل.

    والكلام هذا مجرد تعريفات، لكن المهم جداً معرفة الحقيقة اللغوية والعرفية, لذلك يتعرض لها العلماء رحمهم الله في أحكام الأيمان والوصايا والأوقاف، فمهم جداً أن الإنسان يعرف الحقائق اللغوية ويعرف الحقائق العرفية، فمثلاً: إذا أوصى فقال: يصرف هذا المال للأطفال، أو قال: هذا وقف على الأبكار، أو قال: هذا وقف على الثيب، فلمن نصرف هذا المال؟ فلا بد لنا في هذه الحالة أن نعرف الحقيقة اللغوية.

    وبالنسبة لهذه الحقائق هل نقدم الحقيقة العرفية أو اللغوية أو الشرعية؟

    نقول: هذا ينقسم إلى قسمين، وسنتعرض له إن شاء الله. لكن في هذا المثال لو قال: هذا وقف على الأطفال أو على المميزين أو على المراهقين أو على الشباب، فإن كان عندنا عرف فإنه يرجع إلى العرف, يعني: في غير لسان الشارع نقدم الحقيقة العرفية.

    فنقول: الأمر ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما كان في لسان الشارع -يعني: فيما يتعلق في العبادات- فهذا نقدم الحقيقة الشرعية.

    القسم الثاني: ما لا يتعلق بالعبادات كالأعمال والأعيان والأزمنة والأمكنة وهنا نقدم الحقيقة العرفية، فإن لم يكن هناك عرف فنرجع للغوية, كما لو قال: هذا وقف على الأطفال، فإن كان هناك عرف عند الناس جار فنرجع إلى العرف، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وإن لم يكن هناك عرف نرجع إلى اللغة، فمن هو الطفل في اللغة؟ فإذا قالوا: بأن الطفل في اللغة: ما كان دون التمييز، فعلى هذا نصرفه لمن كان دون التمييز، وهكذا.

    مثال آخر: أوصى لزيد بشاة، فإن كان هناك عرف نرجع إلى العرف، وإن لم يكن هناك عرف نرجع إلى اللغة، فالشاة في اللغة: تطلق على الضأن والمعز جميعاً على الذكر والأنثى، فإذا أعطوه الورثة تيساً يجب أن يقبله، وإذا أعطوه خروفاً يجب أن يقبله، وإذا أعطوه عنزاً يجب أن يقبله؛ لأن الشاة في اللغة العربية تطلق على هذه الأشياء كلها. لكن في العرف: يراد بها الأنثى من الضأن, فما دام تعارف الناس على هذا فنرجع إلى العرف. فشروط الواقفين والموصين نرجع فيها إلى أعراف الناس وعاداتهم، فإن لم يكن هناك عرف وعادة فنرجع إلى اللغة. وسنتعرض له إن شاء الله.

    أقسام الحقيقة العرفية

    الحقيقة العرفية هذه يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين:

    القسم الأول: عرفية عامة, وهي ما تعارف عليها عامة أهل العرف، مثل: لفظ الدابة، فإنه تعارف عامة أهل العرف أن المراد بها ذوات الأربع، وإن كانت في اللغة يراد بها: كل ما يدب على الأرض.

    القسم الثاني: عرفية خاصة, وهي ما تعارف عليه أهل طائفة بخصوصهم، كما سبق أن مثلنا بالفاعل، فعند أهل اللغة: من وقع منه الفعل، وعند أهل النحو: اسم مرفوع تقدمه فعل.

    فالعرفية الخاصة هي: ما تعارف عليه بعض الطوائف من الألفاظ.

    1.   

    المجاز

    تعريف المجاز

    بالنسبة للمجاز فعرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (ما تجوز به عن موضوعه).

    قوله: (تجوز به) أي: تعدي به.

    قوله: (عن موضوعه) يعني: عما وضع له.

    وقوله: (عن موضوعه) يخرج الحقيقة، فإن الحقيقة هي: اللفظ المستعمل في موضوعه.

    أو نقول في تعريفه: ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة.

    أو نقول: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.

    يعني: عكس التعاريف الثلاثة السابقة للحقيقة.

    أقسام المجاز

    قال رحمه الله: [ والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة ].. إلى آخره.

    المجاز ينقسم من حيث الإجمال إلى قسمين:

    القسم الأول: مجاز في الكلمة، وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له, كما لو قلت: رأيت أسداً يرمي.

    القسم الثاني: المجاز في الإسناد, وهذا يسمى بالمجاز العقلي، وهو: أن يسند الفعل إلى غير ما هو له في الحقيقة, مثاله: بنى الأمير قصراً، فالأمير في الحقيقة لم يباشر ذلك.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (والمجاز إما أن يكون بزيادة) وهذا القسم الأول من تقسيمات المجاز في الكلمة.

    قال رحمه الله: [فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]]. فالكاف في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ زائدة لتأكيد نفي المثل، ولو لم تكن زائدة لكانت بمعنى مثل، وهذا معنى باطل؛ لأنه يؤدي إلى إثبات المثل لله عز وجل, فيكون المعنى: ليس مثل مثله شيء.

    القسم الثاني: قال رحمه الله: الزيادة بالنقص، ومثل: [والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82] ], أي: المراد أهل القرية، ففيه حذف؛ لأنه يفهم بأن السؤال هنا ليس للمباني والمساكن؛ لأنها لا تتكلم.

    القسم الثالث: قال المؤلف رحمه الله: [والمجاز بالنقل، كالغائط فيما يخرج من الإنسان]؛ لأن الغائط في الأصل للمكان المنخفض، ثم بعد ذلك نقل إلى الخارج المستقذر من الإنسان. فهذا يسمى المجاز بالنقل.

    القسم الرابع: قال رحمه الله: [والمجاز بالاستعارة، كقوله تعالى: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ [الكهف:77] ]. حيث شبه ميل الجدار إلى السقوط بإرادة السقوط التي هي من صفات الحي، وهذه يسمونها استعارة تصريحية تبعية.

    والله أعلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.