إسلام ويب

شرح متن الورقات [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يندرج تحت مباحث علم أصول الفقه: الظن، والفرق بينه وبين غلبة الظن، وهل الظن يقوم مقام اليقين أم لا؟ ثم التعريف بعلم أصول الفقه، وبيان مصادره التي بنيت عليها القواعد، ثم معرفة فائدة علم أصول الفقه وثمراته، والتعرف على ابتداء وضعه وواضعه.

    1.   

    تعريف الظن والشك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    تقدم لنا تعريف العلم، وتعريف الجهل، وذكرنا أن الجهل ينقسم إلى قسمين: جهل مركب وجهل بسيط، وأما العلم فهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، وأن العلم ينقسم إلى قسمين: علم ضروري، وهو: ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، وعلم نظري, وهو: ما يحتاج إلى النظر والاستدلال.

    ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله: [والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر].

    قلنا في تعريف العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، فقولنا: (إدراكاً جازماً) يخرج به الظن.

    والظن هو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً غير جازم.

    والشك هو: تساوي الأمرين مع عدم المرجح، فإن ترجح أحدهما على الآخر فالراجح يسمى ظناً، والمرجوح يسمى وهماً.

    الفرق بين الظن وغلبة الظن

    الفقهاء تارة يعبرون بالظن، وتارة يعبرون بغلبة الظن، فهل هناك فرق بينهما؟

    ظاهر كلام الفقهاء رحمهم الله أنهم لا يفرقون بينهما، فإذا قالوا: إذا ظن المكلف كذا وكذا، يقصدون أن هذا غلب على ظنه، وإذا قالوا: غلبة الظن، فيقصدون به ظن ذلك.

    وذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى التفريق بين الظن وبين غلبة الظن، فقالوا: إن هناك فرقاً، فالظن هو: تساوي الأمرين مع ترجح أحدهما، فالراجح هو الظن، أما غلبة الظن فهو: الاطمئنان إلى هذا الراجح، يعني: إذا اطمأن إلى هذا الظن فهذا هو غلبة الظن.

    فالفرق بينهما: أن الظن ترجح أحد الطرفين، فإن اطمأن إلى هذا الراجح بحيث يطرح معه الجانب الآخر مطلقاً فهذا يسمى غلبة الظن، أما إذا لم تكن هناك طمأنينة لكن ترجح عنده أحد الأمرين فهذا يسمى ظناً، فالفرق بين الظن وغلبة الظن هو في الطمأنينة، فإذا اطمأن إلى هذا الراجح واطمأن إلى هذا الظن فهذا نسميه غلبة الظن، بحيث يطرح معه الجانب الآخر، أما إذا ترجح عنده أحد الطرفين ولم تحصل له هذه الطمأنينة فهذا لا يسمى غلبة الظن، وإنما يسمى ظناً.

    مدى قيام الظن مقام اليقين

    هل الظن يقوم مقام اليقين؟

    الفقهاء تارة يجعلون الظن قائماً مقام اليقين، وتارة لا يجعلونه قائماً مقام اليقين، فليس هذا أمراً مطرداً، فهذا يختلف باختلاف المسائل، فمثلاً: في باب العبادات يلحقون الظن باليقين، ففي باب الغسل قالوا: إذا ظن أنه أروى البشرة كفى ذلك، وفي باب الوضوء يقولون: إذا ظن أنه أسبغ كفى ذلك، أي: سواء تيقن الإسباغ أو ظن الإسباغ فذلك كاف، وبالنسبة لدخول الوقت قالوا: إذا ظن أن الوقت قد دخل فله أن يصلي.

    وتارة لا يلحقون الظن باليقين، مثال ذلك: الطلاق، قالوا: إذا ظن طلاق زوجته لم تطلق عليه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.

    فبالنسبة للظن هل يلحق باليقين أو لا يلحق باليقين؟ نقول: هذا يختلف، ويحتاج إلى تتبع كلام أهل العلم رحمهم الله, والنظر في الأدلة، فتارة يلحقون الظن باليقين، وتارة لا يلحقون الظن باليقين.

    1.   

    تعريف أصول الفقه

    قال رحمه الله: [وعلم أصول الفقه: طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها].

    الضمير في قوله: (طرقه) يعود على الفقه، والمؤلف رحمه الله أراد أن يعرف أصول الفقه.

    قوله: (على سبيل الإجمال) المراد بذلك: أدلة الفقه الإجمالية، وهي: القواعد العامة التي يحتاج إليها الفقيه، مثلاً: الأمر يقتضي الوجوب، والأمر يقتضي الفورية، والنهي يقتضي التحريم، والنهي يقتضي الفساد، والإجماع حجة، والإجماع السكوتي ليس حجة، وإجماع أهل المدينة حجة... إلخ.

    قوله: (وكيفية الاستدلال بها) أي: كيفية الاستدلال بهذه القواعد العامة على الأحكام، وهذا يشمل أمرين:

    الأمر الأول: معرفة دلالات الألفاظ من العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين, والظاهر والمؤول.

    الأمر الثاني: معرفة شروط الاستدلال, يعني: متى نحمل المطلق على المقيد، ومتى لا نحمل المطلق على المقيد، ومتى نخصص العام بالخاص، ومتى لا نخصصه، ومتى نبين المجمل بالمبين هذا كله من معرفة شروط الاستدلال، وكذلك معرفة طرق الترجيح عند تعارض الأدلة.

    عرف المؤلف رحمه الله أصول الفقه, فقال: (طرقه على سبيل الإجمال, وكيفية الاستدلال بها).

    وأوضح من هذا التعريف أن نقول في تعريف أصول الفقه: أدلة الفقه الإجمالية, وكيفية الاستفادة منها, وحال المستفيد.

    وقولنا: (أدلة الفقه الإجمالية) تقدم الكلام على ذلك.

    وقولنا: (وكيفية الاستفادة منها) أيضاً تقدم الكلام على ذلك، وذكرنا أن كيفية الاستفادة ترجع إلى أمرين:

    أولاً: معرفة دلالات الألفاظ من العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، أي: لا بد للإنسان أن يعرف متى يكون هذا عاماً، ومتى يكون هذا خاصاً، وهل هذا اللفظ يدل على العموم أو الخصوص؟ وهذا اللفظ هل يدل على الإطلاق أو التقييد؟ وهل هو مجمل أو مبين؟ فلا بد أن تعرف دلالات الألفاظ؛ من أجل كيفية الاستفادة.

    الأمر الثاني: معرفة شروط الاستدلال؛ متى يحمل المطلق على المقيد، ومتى نخصص العام بالخاص، ومتى نبين المجمل بالمبين... إلخ، فهذه لا بد منها، ومتى نرجح إذا تعارضت الأدلة، ومتى نقوم بالترجيح.

    قولنا: (وحال المستفيد) هذا لم يذكره المؤلف رحمه الله في تعريفه, فهو قال: (وكيفية الاستفادة منها) ولم يذكر حال المستفيد، لكن قال بعض العلماء رحمهم الله: بأن قوله: (وكيفية الاستدلال بها) يدخل في ذلك حال المستفيد؛ لأن كيفية الاستدلال هذا يجر إلى معرفة صفات المستفيد، لكن ما ذكرناه من التعريف هذا أوضح.

    والمراد بالمستفيد هو: المجتهد، وهذا يذكره العلماء رحمهم الله في آخر كتب أصول الفقه عندما يذكرون ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد والفتوى، وما يتعلق بالمجتهد وشروط المجتهد، والمقلد وشروط المقلد، وما يتعلق بالفتوى، وكذلك يتكلمون على ما يتعلق بمباحث التعارض والترجيح.

    هذا بالنسبة لتعريف أصول الفقه.

    1.   

    مصادر أصول الفقه

    ما هي الأصول التي بنيت عليها قواعد أصول الفقه؟

    نقول: استمداده ومصادره والأصول التي بنيت عليها قواعده هي:

    أولاً: الكتاب والسنة الثابتة.

    ثانياً: الآثار المروية عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    ثالثاً: إجماع السلف الصالح.

    رابعاً: قواعد اللغة العربية.

    خامساً: الفطرة السليمة.

    سادساً: اجتهادات العلماء رحمهم الله واستنباطاتهم.

    فأصبح أن مما استمد منه أصول الفقه وبنيت عليه قواعده وأصوله هذه الأمور الستة التي ذكرناها.

    1.   

    فائدة أصول الفقه وثمرته

    لأصول الفقه فوائد:

    الفائدة الأولى: ضبط أصول الاستدلال ببيان الأدلة الصحيحة من غيرها.

    الفائدة الثانية: بيان الوجه الصحيح في الاستدلال؛ لأنك قد يأتيك حديث عام وتستدل به على خاص! ولا يصح هذا عند العلماء, لكن إذا عرفت ودرست أصول الفقه؛ عرفت كيف تستدل بالعام، وكيف تستدل بالخاص، فالفائدة الثانية: بيان الوجه الصحيح للاستدلال، فليس كل دليل صحيح يصح الاستدلال به؛ فقد يكون الأمر عاماً، والحديث ورد خاصاً، وهو صحيح ثابت، فهنا لا يصح أن تستدل به، فليس كل دليل صحيح يكون الاستدلال به صحيحاً, فلا بد من بيان الوجه الصحيح في الاستدلال.

    الفائدة الثالثة: بيان ضوابط الفتوى وشروط المفتي وآدابه.

    الفائدة الرابعة: الدعوة إلى اتباع الدليل حيث كان، وترك التعصب والتقليد الأعمى.

    الفائدة الخامسة: معرفة الأسباب التي أدت إلى اختلاف العلماء رحمهم الله.

    الفائدة السادسة: حفظ الشريعة بحماية أصول الاستدلال.

    الفائدة السابعة: صيانة الفقه من الانفتاح المترتب على وضع أصول لم يرد بها الشرع، أو إيراد أدلة لم يرد بها الشرع، وحماية الفقه من الجمود الذي يترتب عليه إغلاق باب الاجتهاد.

    الفائدة الثامنة: الوقوف على سماحة الشريعة ويسرها ودقتها, وغير ذلك.

    والفائدة الأخيرة: ضبط قواعد الحوار والمناظرة، أي: إذا حاورت شخصاً وناظرته فاستدل بأمر عام على أمر خاص فنقول له: هذا عام، أو بالعكس، أو استدل بأمر مطلق وقد قيد، أو بأمر منسوخ وقد نسخ فتبين له الناسخ، وبهذا تنضبط قواعد الحوار والمناظرة.

    1.   

    واضع علم أصول الفقه

    إن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في أول من وضع علم أصول الفقه كفن مستقل، وأما كفن متناثر فقد تكلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم والنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك, لكن جمعه من الأدلة كفن مستقل فالمشهور عند العلماء رحمهم الله وما عليه أكثر أهل العلم أن أول من قام بوضعه هو الإمام الشافعي رحمه الله، وقال بعض العلماء: محمد بن الحسن من الحنفية.

    المعطيات التي منحت الشافعي القدرة على وضع أصول الفقه

    تقدم أن ذكرنا الأسباب التي أدت بـالشافعي إلى وضع أصول الفقه، وقلنا: بأن هناك معطيات منحت الشافعي القدرة على وضع أصول الفقه، فذكرنا من هذه المعطيات:

    أولاً: أنه أخذ عن الإمام مالك رحمه الله في المدينة النبوية، والإمام مالك رحمه الله صاحب مدرسة أهل الحديث والأثر.

    ثانياً: أن الشافعي رحمه الله أخذ عن الإمام محمد بن الحسن في العراق -تلميذ أبي حنيفة - وهو من أئمة أهل الرأي, فجمع رحمه الله بين المدرستين: مدرسة الحديث، ومدرسة الرأي.

    ثالثاً: أن الإمام الشافعي رحمه الله أخذ عن مدرسة مكة، التي كانت تعنى بالقرآن وتفسيره وبيان أسباب النزول، وفيها تلامذة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    رابعاً: أن الشافعي رحمه الله خرج إلى هذيل, وهي أفصح العرب، وأخذ عنها لغتها وحفظ أشعارها... إلخ، فأتقن اللغة العربية.

    فهذه المعطيات أدت بـالشافعي رحمه الله إلى أن يضع هذا الفن، وأول ما كتب في ذلك كتاب الرسالة، وتقدم لنا أن ذكرنا أن الرسالة لأن كتبها الشافعي مرتين-: الرسالة القديمة والرسالة الجديدة.

    سبب تأليف كتاب الرسالة

    سبب كتابة الشافعي للرسالة أن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله طلب منه أن يكتب له كتاباً يضع فيه أصول الاستدلال وكيفية الاستدلال... إلخ، فكتب الشافعي رحمه الله كتاب الرسالة، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: كان الحديث قفلاً حتى فتحه الله بـالشافعي ! وقال: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث! والإمام أحمد رحمه الله من تلاميذ الشافعي في هذا.

    1.   

    الكلام وأقسامه

    قال المؤلف رحمه الله: [ فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف ].

    بدأ المؤلف رحمه الله بشرح أبواب أصول الفقه، فذكر المؤلف رحمه الله أولاً: المباحث اللغوية، الكلام وأقسام الكلام، وكذلك تقسيمات الكلام باعتبار استعماله، وتقسيمات الكلام باعتبار مدلوله... إلخ.

    مناسبة إدخال مباحث اللغة في أصول الفقه

    مناسبة هذه المباحث اللغوية لأصول الفقه:

    أولاً: أن فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم متوقف على فهم لغة العرب؛ لأن كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، ومن لا يعرف اللغة العربية لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة استخراجاً صحيحاً، ولهذا سيأتينا في شروط المجتهد أنهم يذكرون من شروطه: معرفة اللغة العربية.

    المناسبة الثانية: أن معاني كتاب الله موافقة لمعاني كلام العرب، من العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والإيجاز والاختصار... إلخ.

    تعريف الكلام

    قال رحمه الله: (فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام: اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف).

    الكلام في اللغة هو: اللفظ الموضوع لمعنى، أفاد أو لم يفد, فيدخل في ذلك الاسم والفعل والحرف، والجملة الاسمية والجملة الفعلية والجملة المفيدة والجملة غير المفيدة.

    وأما في الاصطلاح فهو: اللفظ المفيد.

    فقولنا: (اللفظ) يخرج به الإشارة؛ فالإشارة لا تسمى كلاماً، ويخرج الكتابة فهي لا تسمى كلاماً.

    وقولنا: (المفيد) يخرج به غير المفيد، فهذا في الاصطلاح لا يسمى كلاماً، مثل: قام وشرب, فهذا غير مفيد.

    أقسام الكلام وأقل ما يتركب منه

    وقوله: (فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مثل: محمد قائم, (أو اسم وفعل) مثل: جاء محمد, (أو فعل وحرف) مثل: ما قام ولم يقم, (أو اسم وحرف) مثل: يا ألله.

    والكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما اسم، أو فعل، أو حرف.

    فالاسم: ما دل على معنى بنفسه من غير إشعار بزمن, مثل: محمد وصالح.

    والفعل: ما دل على معنى بنفسه مع الإشعار بزمن, مثل: ذهب وخرج.

    والحرف هو: ما لم يدل على معنى بنفسه, مثل: في وإلى.

    فائدة معرفة الأسماء والأفعال والحروف في أصول الفقه

    نقول: إن هذه الألفاظ معرفتها في أصول الفقه مهم؛ لما يلي:

    أولاً: أن من هذه الألفاظ ما يحتاج إليه في دلالات الألفاظ، فمثلاً: العلماء رحمهم الله يتكلمون في العام عن صيغ العموم، فيقولون: من صيغ العموم: الأسماء الموصولة, والنكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق الشرط.

    وأيضاً: منها ما يفيد الإطلاق في دلالات الألفاظ: كالنكرة في سياق الإثبات، فهذه تدل على الإطلاق, مثل قولنا: أعتق رقبة، فهذا مطلق، يشمل كل رقبة.

    وأيضاً: منها ما يفيد الخصوص، مثل: الأعلام، فنقول: مثل هذه الألفاظ -الأسماء والأفعال والحروف- نحتاج إليها في معرفة دلالات الألفاظ، فمنها ما يفيد العموم، ومنها ما يفيد الإطلاق، ومنها ما يفيد الخصوص.

    ثانياً: نحتاج إليها فيما يتعلق بالأحكام الوضعية والأحكام التكليفية، فمثلاً: حرف (على) التي للجر، العلماء رحمهم الله يقولون: بأنها تدل على الوجوب، ويحترز بقولنا: الجارة عن على التي هي للظرفية.

    وكذلك اللام من الحروف، فاللام لها معانٍ, منها التعليل، مثل: أكرمت زيداً لإيمانه، ومن معانيها: التمليك، مثل: هذا المال لك, ومن معانيها الإباحة، مثل: لك أن تصلي جالساً، وأيضاً اللام الجارة وغيرها، فقولك: لك أن تصلي أو هذا لك؛ يترتب عليها أحكام وضعية وأحكام تكليفية.

    ومثل: الواو، تفيد العطف مع اشتراك المتعاطفين في الحكم، مثال ذلك: إذا قال: هذا وقف على زيد وأولاده، أو هذا وقف على أولادي وأولادهم، فهذا يدل على أن الوقف ملك للجميع، ولا نقول: على الترتيب؛ لأن الواو هنا تفيد الجمع، فأنت إذا عرفت معنى الواو مثلاً في قولك: هذا وقف على أولادي وأولادهم، استطعت الحكم على الوقف بأنه على الأولاد وعلى أولاد الأولاد.

    وهل تفيد الواو الترتيب؟ نقول بأنها لا تفيد الترتيب إلا بقرينة ودليل, ومثال ذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، فهنا لا بد من الترتيب بين الصفا والمروة، لكن لوجود الدليل الذي دل على أن الواو هنا للترتيب، وإلا فإن الأصل أن الواو تقتضي الجمع والاشتراك في الحكم.

    وكذلك الفاء، فهي تفيد الاشتراك في الحكم مع الترتيب والتعقيب، والتعقيب لا يقتضي الفورية, فمثلاً: لو قلت: هذا وقف على أولادي فأولادهم، فيشتركان في الحكم أن الوقف كله عليهم لكن مع الترتيب، فإذا عرفت معنى الفاء وأنها تفيد الترتيب والتعقيب لم تجمع, وتقول: الوقف للأولاد, ثم بعد ذلك لأولاد الأولاد.

    وهكذا الفعل بأقسامه الثلاثة: الفعل الماضي، والفعل الأمر، والفعل المضارع, فهو بأقسامه الثلاثة يفيد الإطلاق, ولا يفيد العموم, فمثلاً قولك: صام يوم الإثنين، فهذا لا عموم له, ولا يدل على أن كل يوم إثنين يصام، أو يشرع صيامه، لكن لو قلت: كان يصوم يوم الإثنين، فهذه القرينة دلت على العموم.

    ومثل هذه الأسماء والأفعال والحروف، يتكلم عليها الأصوليون, ويقولون كما ذكرنا: إننا نحتاج إليها أولاً: فيما يتعلق بدلالة الألفاظ من العموم والإطلاق والخصوص، وأيضاً نحتاج إليها فيما يتعلق في الأحكام التكليفية والوضعية.

    والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2993982899

    عدد مرات الحفظ

    717434361