إسلام ويب

شرح متن الورقات [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعرف أصول الفقه بحسب اعتبارين: الأول: باعتبار مفرديه، فنعرف كلمة أصول مستقلة، وكلمة فقه مستقلة. الثاني: باعتباره علماً ولقباً لهذا الفن. وغالباً ما يبدأ الحديث في أصول الفقه عن الأحكام الشرعية التي منها التكليفي ومنها الوضعي، ومن الأحكام التكليفية: الواجب

    1.   

    الفرق بين المعرفة والعلم

    قال المؤلف رحمه الله: [ هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزأين مفردين ].

    قوله: (هذه ورقات) جمع ورقة، وورقات جمع مؤنث سالم وهو من جموع القلة، وأشار بقوله رحمه الله: (ورقات) إلى أن هذا المؤلف في أصول الفقه إنما هو مختصر، والمختصر هو: ما قل لفظه وكثر معناه، وعادة العلماء رحمهم الله في مقدمات مؤلفاتهم أن يبينوا هذا المؤلف والمنهج الذي يسلكونه, ويذكروا تعريف العنوان ويترجموا عن العنوان، ويذكروا أيضاً أسباب التأليف.

    قوله: (تشتمل على معرفة) المعرفة هي: إدراك الشيء على ما هو عليه، واختلف العلماء رحمهم الله في المعرفة هل هي مرادفة للعلم أو أن بينها وبين العلم فرقاً؟ على قولين:

    القول الأول: أن هذه المعرفة مرادفة للعلم، وأن هذا من باب الترادف، والمترادف هو: ما اختلف لفظه واتحد معناه.

    والقول الثاني: أن بينهما فرقاً، فالمعرفة مسبوقة بجهل، وأما العلم فإنه ليس مسبوقاً بجهل.

    قوله: (فصول من أصول الفقه) (من) هذه تبعيضية، فأشار المؤلف رحمه الله في هذه اللفظة إلى أن هذه الفصول لا تشمل كل أصول الفقه، وإنما هي فصول من مهمات أصول الفقه.

    1.   

    كيفية تقسيم المؤلفات قديماً وحديثا

    وقوله: (فصول) فصول: جمع فصل، والفصل في اللغة: هو الحاجز بين شيئين.

    وأما في الاصطلاح: فالفصل قطعة من الباب مستقلة بنفسها.

    كان العلماء في الزمن السابق عندما يؤلفون قد يذكرون أبواباً وفصولاً ومسائل، وقد يذكرون كتاباً ثم يجعلون تحت الكتاب باباً، ثم يجعلون تحت الباب فصلاً، ثم يجعلون تحت الفصل مسائل.

    أما الآن: فطريقة الباحثين أنهم لا يجعلون كتباً، وإنما يجعلون أبواباً ثم بعد ذلك يجعلون فصولاً، ثم يجعلون مباحث، ثم بعد المباحث مطالب، ثم بعد المطالب مسائل، ثم بعد المسائل أموراً وفروعاً.

    والكتاب في اللغة: الجمع، يقال: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، ومنه الكتيبة وهي: جماعة مقاتلة، وسمي الكتاب كتاباً لاجتماع الحروف فيه.

    وأما في الاصطلاح فهو: جنس من العلم تحته أبواب، أي: يشتمل على أبواب أو أنواع.

    والباب في اللغة: المدخل إلى الشيء. وأما في الاصطلاح فهو: قطعة من الكتاب مستقلة بنفسها.

    وفائدة تقسيم مواضيع الكتب على هذا النحو:

    أولاً: الاقتداء بكتاب الله عز وجل، فإن كتاب الله عز وجل مقسم إلى سور وأجزاء وأحزاب.

    والفائدة الثانية: أنه أنشط لطالب العلم، فإن طالب العلم كالمسافر، والمسافر كلما قطع مرحلةً وانتقل إلى مرحلة أخرى نشط في سفره، فكذلك أيضاً بالنسبة لطالب العلم، فكون هذا الكتاب مجزأ عنده، فإنه كلما أنهى فصلاً وشرع في فصل آخر، أو أنهى كتاباً وشرع في كتاب آخر، فإنه يكون أنشط له في طلبه.

    1.   

    تعريف أصول الفقه

    قوله: (وذلك مؤلف من جزأين)، يعني: أن أصول الفقه مؤلف من جزأين:

    الجزء الأول: أصول، والجزء الثاني: الفقه، فهو مركب إضافي، ولهذا العلماء رحمهم الله يعرفون أصول الفقه تعريفين:

    التعريف الأول: باعتبار مفرديه، أي: تعرف كلمة (أصول) مستقلة، وتعرف كلمة الفقه مستقلة بنفسها.

    والتعريف الثاني: يعرفونه باعتباره فناً، أو باعتباره علماً على هذا الفن.

    وهذا كله سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى.

    وقوله: (مؤلف من جزأين مفردين) المراد بالإفراد هنا: ما يقابل التركيب لا ما يقابل التثنية والجمع؛ لأننا ذكرنا أن أصول الفقه مركب إضافي، فأصول مضاف والفقه مضاف إليه.

    تعريف الأصل في اللغة والاصطلاح

    قال رحمه الله: [ فالأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره ].

    الأصل في اللغة كما ذكر المؤلف رحمه الله: ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع عنه غيره، ومثل أصول الشجرة فهي أصول يبنى عليها غيرها، مثل الآباء والأجداد فهؤلاء أصول يتفرع عنهم غيرهم.

    وأما في الاصطلاح فالأصل عند الفقهاء رحمهم الله يطلقونه على عدة معان:

    فالإطلاق الأول: يطلق على الدليل، مثلاً تقول: الأصل في البيع قول الله عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار )، أو ( إنما البيع عن تراض ). فيراد بالأصل الدليل، أو تقول مثلاً: الأصل في الإجارة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أي: الذي دل على إثباتها هو: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

    والإطلاق الثاني مما يطلق على الأصل: يطلق على القاعدة المستمرة، مثلاً تقول: الأصل في الآنية الإباحة، فليس المراد بذلك الدليل، لكن المراد بذلك هو القاعدة المستمرة، كذلك تقول: الأصل في النكاح الحل، الأصل في الفروج التحريم، الأصل في الميتة التحريم، الأصل في العبادات الحظر، الأصل في المعاملات الإباحة، وهكذا.

    والإطلاق الثالث من إطلاقات الأصل عند الفقهاء: أنهم يطلقونه في باب القياس على المقيس عليه, فأركان القياس كما سيأتينا إن شاء الله: الأول: مقيس، وهذا يسمى فرعاً، والثاني: مقيس عليه، وهذا يسمى أصلاً، والثالث: العلة الجامعة بينهما. والرابع: الحكم المترتب على ذلك.

    فأصبح عندنا الأصل في الاصطلاح يطلق على هذه الأمور الثلاثة.

    وقوله: (والفرع ما يبنى على غيره)، مثل: فروع الشجرة مبنية على أصلها وهي أصول الشجرة، أو نقول: الفرع ما يتفرع عن غيره، مثل: الأبناء أو الأولاد تفرعوا عن الآباء والأجداد، فالفرع ما تفرع عن غيره، أو ما يبنى على غيره.

    تعريف الفقه في اللغة والاصطلاح

    قال رحمه الله: [ والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ].

    الآن شرع المؤلف في تعريف الفقه في اللغة والاصطلاح؛ لأن أصول الفقه معرف بتعريفين: باعتباره مركباً إضافياً, يعني: أن كلمة أصل تعرف وحدها، وفقه تعرف وحدها، وهذا هو ما أراده هنا.

    الفقه في اللغة: الفهم، وقيل: الفهم الدقيق.

    وأما في الاصطلاح فقد عرفه المؤلف بقوله: (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد). فقوله: (معرفة) لكي يشمل العلم والظن، فإن من الفقه ما هو ظني ومنه ما هو يقيني، فمثلاً: معرفة أن كون الصلوات خمس هذا يقيني.

    ومعرفة أن الزنا محرم هذا يقيني؛ لأنه مما علم من الدين بالضرورة، ومعرفة حل الخبز هذا يقيني. والظن مثلاً: إثبات خيار المجلس فهذا من باب الظن.

    وقوله: (الأحكام) جمع حكم، وهو: إثبات أمر لأمر آخر أو نفيه عنه.

    وقوله: (الشرعية) هذا أحد الأحكام، فالأحكام تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أحكام شرعية.

    والقسم الثاني: أحكام عقلية.

    والقسم الثالث: أحكام عادية.

    والقسم الرابع: أحكام حسية.

    قوله: (الشرعية)، يعني: الصادرة عن الشرع، إما بالقرآن أو بالسنة أو بالقياس، وقوله: (الشرعية) يخرج الأحكام العقلية، ويخرج الأحكام الحسية، ويخرج الأحكام العادية.

    فالحكم العقلي: ما عرفت فيه النسبة عن طريق العقل، مثل الكل أكبر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، فهذا حكم عقلي.

    والحكم الحسي: ما عرفت فيه النسبة عن طريق الحس، مثل: النار حارة، والنجاسة خبيثة الرائحة، والثلج بارد، فهذه الأشياء عرفت عن طريق الحس.

    والحكم العادي: ما عرفت فيه النسبة عن طريق العادة، مثل: كون الماء مُروياً، وكون الخبز مشبعاً، فهذه الأشياء عرفت عن طريق العادة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (معرفة الأحكام)، فالحكم هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. إثبات أمر لأمر، مثل: زيد قائم. أو نفيه عنه، مثل: عمرو ليس قائماً.

    وقوله: (الشرعية) أي: الصادرة عن الشرع وذلك إما بالكتاب أو بالسنة أو بالقياس.

    وقول المؤلف رحمه الله: (التي طريقها الاجتهاد) أي: طريق ثبوتها وظهورها هو الاجتهاد، وهذا في غالب الأحكام الفقهية، وإلا فإن الأحكام الفقهية منها ما هو طريقه العلم، ومنها ما هو طريقه الاجتهاد، لكن الغالب على الأحكام الفقهية هو ما كان طريقه الاجتهاد.

    فقوله: (التي طريقها الاجتهاد)، أي: طريق ثبوتها وظهورها هو اجتهاد المكلف ونظره في الأدلة ودلالات الأدلة، كما سيأتي إن شاء الله بحثه في مباحث الاجتهاد في أصول الفقه.

    والعلماء رحمهم الله يعرفون الفقه بتعريفين:

    فالتعريف الأول: تعريفه في الشرع.

    والتعريف الثاني: تعريفه في الاصطلاح.

    أما تعريف الفقه في الشرع فهو: معرفة أحكام الله عز وجل عقائد وعمليات، فيشمل الفقه الأكبر الذي هو العقيدة، فإن هذا داخل في الفقه، وعمليات وهذا يشمل الفقه الأصغر وهو معرفة الفروع.

    وأما في اصطلاح الفقهاء رحمهم الله، فكما عرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد). وإنما قال المؤلف: (طريقها الاجتهاد) فهذا قيد أغلبي؛ لأن الغالب في هذه الفروع أنها تعرف عن طريق الاجتهاد، وإلا فإننا قلنا: بأن قوله: (معرفة) يشمل ما كان علماً وما كان ظناً.

    وأيضاً من تعاريف الفقه في الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية بالقوة الحاضرة أو القريبة. فمعرفة كما تقدم هذا يشمل العلم والظن، والأحكام تقدم تعريفها، والشرعية هذا يخرج الأحكام سوى الشرعية، وبأدلتها التفصيلية هذا يخرج أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها الإجمالية.

    وبالقوة الحاضرة، يعني: أن الفقيه يذكر الحكم ثم بعد ذلك يذكر دليله مباشرةً، مثلاً: حكم الوتر سنة مؤكدة؛ ودليله قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر ) هذه قوة حاضرة.

    أو بالقوة القريبة، يعني: أن تكون عنده الملكة في أن ينظر في كلام العلماء وفي أدلة الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك يبين الحكم، والله أعلم.

    1.   

    الأحكام الشرعية وأقسامها

    تقدم أن الأحكام تنقسم إلى أقسام: منها الأحكام الشرعية، ومنها الأحكام العادية، والأحكام الحسية، والأحكام العقلية. والمراد هنا إنما هو الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الأحكام التكليفية.

    والقسم الثاني: الأحكام الوضعية.

    فالأحكام التكليفية -كما سيأتي إن شاء الله- هي الشاملة للأحكام الخمسة المعروفة: الواجب، والمستحب أو المندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.

    وأما الأحكام الوضعية: فهي الشاملة للسبب، والعلة، والصحة، والفساد، والشرط، والمانع، كما سيأتي بيانها بإذن الله عز وجل.

    والعلماء رحمهم الله -علماء الفقه- يتكلمون عن الأحكام التكليفية ويتكلمون عن الأحكام الوضعية، فيقولون: يحرم، ويقولون أيضاً: لا يصح، أو يصح.

    فمثلاً: يقال: حكم الظهار محرم، أو يقال: مستحب، أو يقال: مندوب، فهذا حكم تكليفي، ويقال: يصح، فهذا حكم وضعي. إذا توفرت شروطه، فلا منافاة بين قوله: يحرم، وبين قوله: يصح؛ لأن الجهة هنا منفكة، فالتحريم هذا يعود إلى الحكم التكليفي، وأما قوله: (يصح) فهذا يعود إلى الحكم الوضعي.

    تعريف الحكم في اللغة والاصطلاح

    وقوله: (الأحكام) الأحكام: جمع حكم، والأحكام هذه نعرفها بتعريفين:

    التعريف الأول: باعتبار مطلق الحكم.

    والتعريف الثاني: باعتبار كونه مقيداً بالشرع.

    فالحكم في اللغة: المنع.

    وأما تعريف الحكم في الاصطلاح باعتبار كونه مطلقاً: فهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. مثال ذلك: زيد قائم، هذا فيه إثبات القيام لزيد، أما عمرو ليس قائماً، فهذا فيه نفي القيام عن عمرو، هذا باعتبار مطلق الحكم.

    أما تعريفه في الاصطلاح باعتبار كونه مقيداً بالشرع فنقول: الحكم الشرعي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع.

    فقولنا: (خطاب الشارع) هذا يشمل الكتاب والسنة، وقولنا: (المتعلق بأعمال المكلفين) هذا يشمل القول والفعل؛ لأن العمل إذا أطلق فإنه يكون شاملاً للقول، وشاملاً للفعل (والمكلفين) جمع مكلف، والمراد بالمكلف: من لحقته التكاليف الشرعية لتوفر الأهلية فيه، أو لتوفر شرطا الأهلية فيه. وشرطا أهلية التكليف هما: البلوغ والعقل، فإذا قال العلماء رحمهم الله: (مكلف) فالمراد بذلك البالغ العاقل.

    وقول الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي في الاصطلاح: (ما تعلق بأعمال المكلفين) خرجت منه عدة صور، منها: ما تعلق بذوات المكلفين، وليس هذا موضوع بحثنا، ومنها: ما تعلق بالاعتقاد وهذا لا يبحثه الأصوليون.

    وأيضاً: خرج ما تعلق بالله عز وجل من البحث في أسمائه وصفاته، فهذا أيضاً ليس داخلاً هنا، وكذلك أيضاً خرج ما تعلق بالجمادات.

    فقولنا: (ما يتعلق بأعمال المكلفين) خرج منه عدة صور، ومن هذه الصور: ما تعلق في اعتقاداتهم، ما تعلق في ذواتهم، ما تعلق بالله عز وجل، أيضاً ما تعلق بالجمادات.

    وقولنا: (من طلب) فالطلب ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: طلب الفعل، وهذا إن كان على سبيل الإلزام فهو الأمر، وإن لم يكن على سبيل الإلزام فهو المستحب.

    والقسم الثاني: طلب الترك، وهذا إن كان على سبيل الإلزام فهو محرم، وإن لم يكن على سبيل الإلزام فهو المكروه.

    وقولنا: (أو تخيير) المراد بالتخيير هنا: المباح، (أو وضع) والمراد بذلك: الأحكام الوضعية، فأصبح الحكم الشرعي شاملاً للحكم التكليفي وللحكم الوضعي.

    لكن ما هو تعريف الحكم التكليفي؟ نقول: خطاب الشارع المتعلق بأعمال المكلفين من طلب أو تخيير، فنحذف كلمة (أو وضع).

    وفي الحكم الوضعي نحذف كلمة (طلب أو تخيير)، فنقول: خطاب الشارع المتعلق بأعمال المكلفين بوضع الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحةً أو فساداً ... إلى آخر الأحكام الوضعية.

    الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي

    أما الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، فنقول: من ثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: أن الحكم التكليفي أمر وطلب، وأما الحكم الوضعي فهو إخبار، فمثلاً الأمر بالصلاة هذا حكم تكليفي لأنه أمر، لكن بطلان الصلاة أو صحتها هذا إخبار، فإذا توافرت شروط الصلاة فإنها صحيحة، وإذا اختل شرط من شروط الصلاة فإنها باطلة. فالفرق الأول: أن الحكم التكليفي أمر، وأما الحكم الوضعي فهو إخبار عن الصحة أو الشروط... إلى آخره.

    الوجه الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه علم المكلف، فلا نقول: هذا يأثم إلا إذا كان عالماً، أما بالنسبة للحكم الوضعي فلا يشترط فيه علم المكلف، فلو أنه نسي وصلى وهو محدث، فنقول: بأن صلاته باطلة.

    الوجه الثالث: أن الحكم التكليفي تعتبر فيه قدرة المكلف على الفعل بخلاف الوضعي، فانتبه بالنسبة إلى ما يتكلم عليه الأصوليون أو ما يتكلم عليه الفقهاء في القواعد الفقهية والقواعد الأصولية فإنها لا تكون بالجملة لا تكون مشتملة لكل الصور، وإنما هي من حيث الجملة شاملة لأغلب الصور.

    1.   

    النوع الأول من الأحكام التكليفية: الواجب

    قال رحمه الله: [ فالواجب ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه ].

    شرع المؤلف رحمه الله في بيان الأحكام التكليفية، فقال: (الواجب ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه).

    تعريف الواجب في اللغة والاصطلاح

    الواجب في اللغة: الساقط، ومن ذلك قول الله عز وجل: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36]. أي: سقطت.

    وأما في الاصطلاح: فقد عرفه المؤلف رحمه الله ببيان ثمرته، والحكم والأثر المترتب على ذلك، وهذا قدح في الحدود والتعريفات، يعني: كون التعريف يكون ببيان الثمرة والحكم فهذا من قوادح الحد والتعريف، والصحيح أن يكون التعريف أو أن يكون الحد ببيان الحقيقة والماهية.

    فقول المؤلف: (ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه) هذا بيان لثمرة الواجب والحكم والأثر المترتب عليه، فالمؤلف رحمه الله حده ببيان ثمرته وأثره، والصحيح أن الحد يكون ببيان الحقيقة والماهية، وعلى هذا نقول في تعريفه: خطاب الشارع المتعلق بأعمال المكلفين بالطلب على وجه الإلزام.

    فقولنا: (خطاب الشارع المتعلق بأعمال المكلفين) هذا تقدم الكلام عليه.

    وقولنا: (بالطلب) هذا يخرج المحرم والمكروه، فإن المحرم والمكروه طلب ترك وليس طلب فعل، وكذلك أيضاً قولنا: (على وجه الإلزام) هذا يخرج المندوب ويخرج المباح؛ لأن المباح لا يتعلق به أمر ونهي لذاته، فالمباح لذاته ليس فيه طلب، فقولنا: (بالطلب) المقصود بالطلب هنا: طلب الفعل أو طلب العمل، فيشمل القول والفعل، ويخرج ثلاثة أحكام تكليفية: المحرم والمكروه والمباح، فالمحرم والمكروه طلب ترك، والمباح ليس فيه طلب لذاته.

    وقولنا أيضاً: (على سبيل الإلزام) هذا يخرج المندوب، فإن المندوب فيه طلب لكنه ليس على سبيل الإلزام.

    أما ثمرة الواجب وحكمه فيثاب فاعله ويعاقب تاركه، فقوله: (يثاب فاعله) فهذا أمر واقعي، وأما قوله: (ويعاقب تاركه) فهذا اعترضه العلماء رحمهم الله، فقالوا: الأحسن أن يقال: ويستحق تاركه العقاب.

    وقوله: (ما يثاب على فعله) هذا ليس مطلقاً وإنما إذا فعله امتثالاً أثيب على فعله فالأصل أن يقيد.

    وكذلك أيضاً قوله: (ويعاقب على تركه) هذا أيضاً ليس على إطلاقه، وعليه فيقال: يستحق العقاب، ولهذا العلماء رحمهم الله في العقيدة يقولون: لا نقطع لأحد بجنة ولا نار، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، فنقول: تارك الواجب هذا مستحق للعقاب، ولا نجزم بأن الله عز وجل يعاقبه؛ لأن الله عز وجل قد يغفر له: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48]. أي: ما دون الشرك لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    تقسيمات الواجب بحسب اعتباراته

    العلماء رحمهم الله يقسمون الواجب إلى عدة أقسام:

    التقسم الأول: ينقسم الواجب باعتبار ذاته إلى قسمين:

    الأول: واجب معين لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والصيام... إلى آخره.

    والثاني: واجب مبهم في أقسام، وهذا كقوله تعالى في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]. فالواجب هنا مبهم: إما الكسوة، وإما الإطعام، وإما تحرير رقبة.

    التقسم الثاني: يقسم العلماء رحمهم الله الواجب باعتبار وقته إلى قسمين:

    الأول: واجب مضيق.

    والثاني: واجب موسع.

    فالمضيق هو: الذي لا يسع أكثر من وقته، كصيام رمضان، ومثل ذلك أيضاً: الوقوف بعرفة فلا يسع أكثر من وقته، أي: لا يمكن لإنسان أن يقف بعرفة مرتين بحيث يحج مرتين.

    والموسع هو: الذي يسع أكثر من وقته، وهذا مثل أوقات الصلوات، فهذه أوقاتها موسعة.

    التقسيم الثالث للواجب: يقسم العلماء رحمهم الله الواجب باعتبار فاعله إلى قسمين:

    الأول: واجب عيني.

    والثاني: واجب كفائي.

    فالعيني هو: ما وجب على كل أحد بعينه، فالنظر فيه إنما هو إلى الفاعل، يعني: إذا قال لك العلماء: فرض عين، فالنظر إنما يكون للفاعل.

    وأما الواجب الكفائي: فهو الذي لا يجب على كل أحد بعينه فالنظر فيه إلى الفعل، أي أن الشارع أراد حصول الفعل، فإذا قام به طائفة من الناس سقط ذلك عن الباقين، وإذا تركه الكل فإنهم يأثمون، فالواجب الكفائي النظر فيه إلى الفعل، والواجب العيني النظر فيه إلى الفاعل، وهذا الفرق بينهما.

    فنقول: العيني: ما وجب على كل أحد بعينه. والكفائي: ما قصد فيه الشارع نفس الفعل بقطع النظر عن فاعله.

    تفاضل الواجبات عند التزاحم

    الواجبات تتفاضل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى عن الطريق، فإذا عرف ذلك فطلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والتفاضل إنما يكون حسب الأحوال والأشخاص والأوقات.

    وقال ابن القيم رحمه الله: الأفضل في كل حال إيثار مرضات الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الحال ووظيفته، فمثلاً: الجهاد في وقت الجهاد أفضل ولو أدى ذلك إلى ترك الأوراد.

    وهذه المسائل التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية يتعرض لها العلماء رحمهم الله في تزاحم الواجبات في القواعد الفقهية، ويقسمون التزاحم إلى: تزاحم واجبين، وتزاحم مندوبين، وتزاحم واجب مع مندوب، وسيأتينا إن شاء الله أيضاً زيادة كلام حول الواجب عندما نتكلم عن أحكام الأمر.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.