إسلام ويب

فتاوى إسلاميةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم ارتياد المرأة للمسجد من أجل طلب العلم الشرعي

    أبدأ بسؤال وصل من قبل الأخوات الصالحات، ولعل هذا عجيب في المسلك أن يقال: لم بدأ بالإجابة على أسئلة النساء، مع أنه ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه في معجم الطبراني الكبير، ومصنف عبد الرزاق عليهم جميعاً رحمة الله بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح، والهيثمي في المجمع عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: أخروهن حيث أخرهن الله. نعم إذا اجتمع النساء مع الرجال يؤخرن، فإذا حصل الاجتماع بالأبدان كما هو الحال في الصلوات وفي غيرها يؤخرن ويفصلن، وما عدا هذا فمن مروءة الرجال أن يقدموا النساء عليهن في قضاء الحاجات، وفي المعونة، وفي الرفق، وفي المساعدات.

    وقد أخبرني شيخنا المبارك الشيخ محمد المختار الشنقيطي عليه رحمة الله، أنه لما كان في بلاد موريتانيا، يقول لي: يستحيل أن تمشي امرأة في الطريق وتحمل شيئاً، وإذا كانت تحمل متاعاً فيجب على كل رجل صادفها أن يأخذ المتاع منها وأن يحمله وأن يمشي بجوارها دون أن يحصل كلام أو شيء من الأشياء، فإن أوصلها إلى المكان الذي تريده يضع ذلك المتاع في ذلك المكان وينطلق، فالنساء يؤخرن إذا اجتمعن مع الرجال، لكن في موضوع قضاء الحوائج يقدمن على الرجال، وهذا السؤال أرسلنه، فأبدأ بالإجابة عليه.

    السؤال: تقول الأخت السائلة: هل من الأفضل ذهاب المرأة إلى مجالس العلم أم بقاؤها في المنزل للعبادة في شهر رمضان المبارك؟

    الجواب: أن الأخت الكريمة فيما يظهر خفي عليها معنى العبادة، فليس معنى العبادة ما يفهمه كثير من الناس في هذه الأيام، أن يعتكف الإنسان في بيته أو في مصلاه، وأن يقبل على الصلاة وعلى الذكر وعلى قراءة القرآن، لا، إن الأمر أعم من ذلك وأشمل بكثير، فكل مطيع لله جل وعلا فهو عابد ذاكر، أي عمل قام به على حسب شرع ربه يريد به التقرب إلى الله جل وعلا يعتبر ذلك العمل عبادة.

    وعليه فالذهاب إلى مجالس العلم عبادة، والجلوس في البيت لذكر الله جل وعلا، وقراءة القرآن، والتنفل من الصلوات عبادة، وهكذا سائر الطاعات عبادة، لكن إذا تزاحمت العبادات واجتمعت فينبغي على الكيس الفطن أن يقدم أهمها وأقربها إلى الله جل وعلا، وحقيقة إن دروس العلم إذا كانت نافعة ينبغي على المسلم من ذكر وأنثى أن يقدمها على ما سواها من العبادات، فكل العبادات بإمكانه أن يحصلها عندما يجد متسعاً من وقته في ليل أو في نهار، وأما هذه العبادة الجليلة فربما فاتته، ولا يقول الإنسان: إنه يعلم نفسه بمجلس علم يحضره فقط، ربما علق قلبه بربه جل وعلا وأنقذه من ضلالات وبدع وخرافات، ولذلك مجالسة العلماء تحيي القلوب كما تحيا الأرض الميتة بماء المطر.

    نعم إخوتي الكرام! أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا في الحديث الذي رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله ) ، وثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة )، وهذا عام للصنفين الذكور والإناث، وفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.

    فحضور مجالس العلم ضرورية للصنفين، قال مرة الشياطين لرئيسهم اللعين إبليس: نراك تفرح بموت العالم كثيراً، ولا تبالي بموت العابد؟! أي: عندما يموت كأنه لم يمت، فلماذا تبتهج لموت العالم؟ فقال: إن العالم يفسد مخططاتنا، ما نحكمه من حيل لإضلال الناس يفسده علينا بكلمة واحدة، فعندما يبين شريعة الله جل وعلا، والناس يهتدون للتي هي أقوم، ثم قال: تعالوا حتى أريكم كيف نلعب بالعباد، ويلعب بنا العلماء، فذهبوا إلى عابد وسوس له الشيطان قائلاً: هل يستطيع الله جل وعلا أن يدخل هذه الدنيا وأن يوجدها في بيضة، فقال العابد: لا، لا يستطيع هذا، فقال الشيطان: كفر من حيث لا يدري، أرأيتم كيف نفعل بالعباد، ثم ذهب إلى العالم فقال له: هل يستطيع الله أن يدخل هذه الدنيا على سعتها في بيضة؟ قال: ومن يمنعه، قال: وكيف سيدخلها، قال: يكبر البيضة ويصغر الدنيا، ويقول لها: كوني فتكون، فهو على كل شيء قدير، فقال: أرأيتم كيف يفعل بنا هذا العالم، ذاك كفر من حيث لا يدري.

    وسوس الشيطان لعابد خرج إلى الصلاة، فرأى فأرة ميتة، فوسوس له الشيطان أن يرحمها وأن يضعها في جيبه، ولا يدري أنها نجسة، وأنه إذا صلى وهو يحملها لا تقبل صلاته، هذا حال العباد، فلا بد من البصيرة في دين الله جل وعلا، لكن دروس العلم التي ينبغي على الصنفين أن يحضروها مجالس العلم النافعة لا مجالس القصاص الفارغة التي عمت بها المساجد في هذه الأيام إلا ما رحم ربك.

    حضرت البارحة لا أقول من بعيد، وكلما أحضر موعظة في هذه البلاد يفرى كبدي من الهم والغم، حضرت البارحة بعد العصر موعظة في أحد المساجد في المعمورة، الدرس من أوله لآخره تخريف، وكذب على الله اللطيف، من أوله لآخره، يشرح قول الله جل وعلا: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38]، من المعني بهذا الخطاب؟ آدم وحواء على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، وإبليس، والحية، ومن انفعالي قلت: اللهم سلط عليه حية وأرح الأمة منه، حية، آدم، وإبليس، وحواء؛ اهبطوا منها جميعاً، ثم كيف دخل إبليس الجنة وقد طرده الله منها قبل أن يحصل لآدم ما حصل من الأكل في الجنة؟ فيقول: إنه دخل في جوف الحية، جاءت الحية ودخل إبليس فيها فدخل إلى الجنة! هذه حيل على الله؟!

    إذاً بإمكان إبليس أن يدخل في جوف حية ويدخل إلى بيتي ولا أراه، هل سيخفى على من لا تخفى عليه خافية وهو على كل شيء قدير؟!

    فدخل إبليس في جوف الحية إلى الجنة، فوسوس بعد ذلك لآدم فأكل منها، والدرس كله يدور حول هذا، ثم طردهم الله جل وعلا وقال: اهبطوا منها جميعاً، هل نزلوا في بقعة واحدة أو في بقاع مختلفة؟ الدرس ثلث ساعة كله -كما قلت لكم- سخيف وكذب على الله، أورد الأقوال فقال: قيل: نزلوا دفعة واحدة في مكان واحدة، لكن المعتمد أنهم نزلوا متتابعين، أول ما نزل آدم في بلدة سرنديب من بلاد الهند، وعلى تحليله الجغرافي هو يقول: سرنديب كانت تسمى من قريب بسيلان، أي: بلد الشاي، سيلان التي هي سريلانكا الآن، يقول: في سريلانكا، ثم علق على هذا وقال: وإنما غيروا اسمها سرنديب لأمر مقصود؛ لأن الشيطان له مدخل في تغيير الاسم، أي مدخل؟ قال: ليطمس المعالم الإسلامية، كما هو الحال يقول في مصر، لما حصل بينها وبين سوريا وحدة سموها الجمهورية العربية المتحدة ليطمسوا اسم مصر الذي ذكره الله في القرآن، يعلم الله هذا من التخريف في بيوت الله، ثم قال: تغيير الأسماء هذا وراءه الشيطان، فلما كان اسم مصر مباركاً زين لهم الشيطان أن يسموها بالجمهورية العربية المتحدة.

    هذا آدم، ثم علق تعليقاً بعد ذلك يتناسب مع تخريفه؛ لأنه لما نزل معه أربعة أعواد من الجنة، وأنتم تحضرون البخور من الهند وما شاكل هذا، لا إله إلا الله!

    وأما أمنا حواء فمسكينة هضمها حقها ولا تكلم عليها إلا أنه قال: نزلت في جدة فقط، وأما الحية فقال: نزلت.. هذا على حسب ما سمعته البارحة، أقول ما سمعت فقط، وأما الحية فيقول: نزلت في بيسان، يقول: بيسان يوجد في بلاد الشام وبلدة في إيران، المعتمد أنها بلدة في إيران يقول: فيها حيايا كثيرة، وما يمكن العيش فيها، لولا أن سلط الله حيواناً اسمه العرفط يأكل الثعابين والحيايا، وإلا ما استطاع أحد أن يعيش في تلك البلاد.

    وأما إبليس فنزل في البصرة، قال: ولذلك رأيتم الحرب والضرب فيها، لا إله إلا الله! يقول هو: وهذا من قديم الزمان البصرة فيها هذه المشاكل؛ لأن إبليس فيها، فإذا كان الدرس بهذه الصورة فحقيقة يحرم على الإنسان من ذكر أو أنثى أن يستمع لذلك الهذيان، ونعجب حقيقة غاية العجب، افرض أن هذا الكلام صحيحاً فما فائدة تحديث العامة به في هذا الوقت، أليس من الواجب أن ترشدهم إلى أحكام الصيام وبيان شريعة الرحمن، وما هم فيه من تقصير، وأن تحذرهم من ذلك؟ تخريف فيما يتعلق بالهند وفي جدة، وفي بيسان، وفي البصرة، ما لنا ولهذا؟ فإذا كانت دروس العلم كذلك تجب مقاطعتها، ويحرم الجلوس إليها.

    ولذلك كان أئمتنا يقولون: من نعمة الله على الحدث -الشاب في أول عمره- أن يوفقه الله إلى شيخ من أهل السنة والجماعة ليتعلم على يديه عقيدة أهل الحق، وليغرس في قلبه حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام على يدي ذلك الشيخ الصالح، حتى بعد ذلك إذا كبر أسس القلب على تقوى، فلا يضره شيء بإذن الله جل وعلا.

    فالأخت الكريمة عندما تقول: هل الذهاب إلى مجالس العلم أفضل أم بقاؤها في المنزل أفضل للعبادة؟

    أقول: لو علمت معنى العبادة التي يحبها الله جل وعلا لما سألت هذا السؤال، ولعل الجواب ظهر، فمجالس العلم من أفضل العبادات وأقربها لله جل وعلا، وينبغي أن يحضرها الذكور والإناث، نعم إذا كان يترتب على خروج المرأة فتنة أو مشكلة أو تقصير في حق واجب فتمتنع عن هذا وتكلف من ينقل هذا من محارمها، والأشرطة في هذه الأيام لعلها تسد هذا الفراغ عند النساء، ولا أقول: يحرم عليهن المجيء إلى دروس العلم من أجل وجود الأشرطة، لا، فحقيقة المرأة عندما تحضر إلى بيت الله جل وعلا، هذا بيت سيدها وبيت ربها، ولها حق في دخوله، كما للرجل حق، ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) ، كما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا استأذنت المرأة زوجها للذهاب إلى المسجد فما ينبغي أن يمنعها، فكما أنه هو يذهب إلى بيت سيده ومالكه وخالقه ومدبر أمره، هي تذهب أيضاً لتجد الأنوار والبركات في ذلك البيت الذي أسس لذكر الله جل وعلا، ولتعلم شرع الله جل وعلا.

    يضاف إلى هذا أن المرأة عندما تجتمع مع أخواتها الصالحات، وتراهن في بيت رب الأرض والسماوات، يحصل في قلبها من النور والبهجة والحبور، ويحصل عندها من الجد والنشاط في طاعة الله جل وعلا ما لا يحصل لو كانت منفردة، وإذا كان أهل الفساد راعوا هذا في دور فسادهم، فما اقتصروا على إفساد المرأة في بيتها فيما جعلوه في البيوت من غزو عن طريق وسائل الحرام ووسائل الإجرام، ما اقتصروا على هذا، إنما أسسوا لإفساد النساء أندية يصرف عليها أكثر مما يصرف على المساجد، دورات في أندية النساء لتعليم السباحة، ويؤتى بكافرة لتعلمهن هذا، وليس المقصود تنشيطهن على الإطلاق، إنما المقصود القضاء على حيائهن وعفتهن، دورة لتعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية، دورة لتعليم الغناء والموسيقى والرقص، وحقيقة كل واحدة تتشجع بالفاسدة الأخرى، فإذا كان جند الشيطان يطبقون هذا لإفساد بنات المسلمين، فينبغي على جند الرحمن أن يضعوا طريقة لتحصين النساء المسلمات، فعندما يجتمعن ببعضهن يحصل لهن كما قلت من النشاط والالتزام والمعنويات، وكل واحدة تشد أزر أختها ما لا يكون لو جلست منفردة في قعر بيتها.

    فإذاً: لو أمكنها أن تحصل هذه العلوم عن طريق الشريط تفوتها تلك الفائدة التي أشرت إليها، وقد أذن نبينا عليه الصلاة والسلام لها بأن تذهب، وما ينبغي أن يمنعها من ذلك مانع، وينبغي للرجال القيمون على النساء في هذا الأمر أن يتقوا ربهم، وأن يحثوا النساء على الذهاب فضلاً عن الإذن لهن إذا استأذن، فمطلوب أن تحضر المرأة وأن يحضر الرجل مجالس العلم، فهي من أعلى وأفضل العبادات، وأعظم القربات عند رب الأرض والسماوات.

    1.   

    حكم العطور المحتوية على الكحول

    السؤال: ما حكم العطر الذي يحوي بعض الكحول في نهار رمضان، وهو يسمى في هذه الأيام بالكالونية، باللسان الدارج، عطور طيب فيها كحول، ما حكم التطيب بها؟

    الجواب: التطيب بها لا أثر له على الصيام، كما لو تطيب بها أو بغيرها، لكن لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينجس بدنه بالطيب الذي يحوي شيئاً من الكحول، فالكالونية نجسة، وحكمها حكم البول، ومن وضع شيئاً منها على جسمه فقد تنجس عضوه، لا تصح صلاته إلا بعد أن يغسل ذلك المكان، وإذا أصاب الثوب فهو نجس، فكونوا على علم بهذا الأمر الذي فشا في هذه الأيام، ولعل كثيراً من الناس يذهبون لصلاة الجمعة ويتطيبون بالكالونية، وهذا كما قلنا هو أثر الجهل الذي حصل في الأمة، ولذلك لا تقبل العبادة، ولا يحصل خشوع فيها، عبادة لا تقبل كيف سيكون حالها؟! وأحياناً يقف الإنسان بالصف بجوار من ينجس نفسه بالعطور الفرنسية أو البريطانية، فيشم رائحة حقيقة إن رائحة الحمام أطهر وأطيب منها، وهو يرى أنها عطور شرقية أو غربية اشتراها ونجس بدنه بها، هذه الكحول مسكرة، وكل مسكر خمر، والخمر نجسة بنص القرآن.

    يقول شيخنا المبارك عليه رحمة الله في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن في الجزء الثاني صفحة (129) عند آية المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، يقول الشيخ المبارك بعد أن بين أن كلمة رجس تفيد النجاسة المغلظة، وعلى هذا فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به، وهو المعروف في اللسان الدارجي بالكولانيا، نجس لا تجوز الصلاة به، ويؤيده أن قوله تعالى في المسكر: فاجتنبوه، يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المسكر، وما معه في الآية بوجه من الوجوه كما قاله الإمام القرطبي وغيره، قال مقيده عفا الله عنه، يعني: الشيخ محمد الأمين ، جعل الله قبره روضة من جنات النعيم: لا يخفى على منصف أن التضمخ بالطيب المذكور والتلذذ بريحه واستطابته واستحسانه مع أنه مسكر، والله يصرح في كتابه بأن الخمر رجس فيه ما فيه، فليس للمسلم أن يتطيب بما يحرم شربه، يقول فيه: إنه رجس كما هو واضح، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة الخمر، فلو كانت فيها منفعة أخرى لبينها كما بين جواز الانتفاع بجلود الميتة ولما أراقها، واعلم أن ما استدل به سعيد بن الحداد القروي على طهارة عين الخمر بأن الصحابة رضي الله عنهم أراقوها في طرق المدينة، ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك، ولنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما نهاهم عن التخلي في الطرق، لا دليل له فيه، فإنها لا تعم الطرق، بل يمكن التحرز منها؛ لأن المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر كثيرة جداً، بحيث تكون نهراً أو سيلاً في الطرق يعمها كلها، وإنما أريقت في مواضع يسيرة، يمكن التحرز منها، قاله الإمام القرطبي وغيره، وهو ظاهر.

    إخوتي الكرام! وهذه المسألة كنت أجبت عنها في كلية التربية للبنات في أبها، عندما سألني عنها أخواتي الطالبات، وقلت: إن الكالونيا نجسة، ولا يجوز للمسلم أن ينجس بدنه وأن يضمخ جسمه بها، فدخل بعض العميان ممن يدرسون مادة الفقه، والبلاء عندما يأتي من أهله، لو كان يدرس مادة أخرى لربما خفت الوطأة، فذكروا له هذا الحكم، وهو ليس له شيء من الالتزام بأمور الشرع، يلبس البنطلون والقميص نصف الكم مع أنه أعمى ولا لحية ولا شارب، ويدرس الفقه في كلية التربية، فقال له الطالبات هذا، قال: من يكون هذا، هذا جاهل، الكالونيا نجسة؟! ثم في المحاضرة التي بعدها أحضر زجاجة من الكالونيا ورشها على نفسه، أعمى الله بصيرته كما أعمى بصره، رشها على نفسه من رأسه إلى رجليه، قال: الآن أنا تطيبت وسأصلي بكن صلاة الظهر هناك في الكلية، والجامعة تمتنع عن الصلاة ورائي، ثم أخبرت المسئولين، وقلت: إذا وصل الانحطاط إلى هذا الحد هو عما قريب سيطيب البنات، إذا طيب نفسه الآن وأقر وترك سيطيب البنات بعد ذلك، غاية ما فعل به أنه نقل من مكان إلى مكان فقط، من غربية إلى شرقية، ليذهب يفسد في مكان آخر، وأنا والله لأن أخر من السماء إلى الأرض أيسر وأحب عليَّ من أن أكذب في دين الله أو أن أقول في شريعة الله ما لم يقره أئمتنا الكرام.

    والخمر نجسة نجاسة مغلظة عند الفقهاء الأربعة، ولما ذكرت هذا كان بعض طلبة العلم معنا في أبها، قال: لا دليل على التنجيس، قلت: رفقاً بنفسك أيها الإنسان، قال: إن معها الأنصاب والأزلام وليست بنجسة، قلت: كما قال القرطبي والمفسرون: خرجت من فيك بدليل الإجماع على أنها طاهر؛ لأن الحجر إذا نحت صنماً، فالأصل أنه حجر ليس بنجس، فخرج بقاء على الأصل؛ لأنه هو في الأصل طاهر، خرج من دليل التنجيس بدليل الإجماع، وبقي ما عداه -وهو الخمر- نجساً نجاسة مغلظة، فقال: أنا لا أقتنع بهذا، قلت: إذا لم تكن الخمر نجسة نجاسة مغلظة، إذاً: الذي يحرم شربها فقط، فإذا اقتناها الإنسان وأراد أن يدهن بدنه كل يوم منها ليشم ريحها ينبغي أن يكون فعله على مذهبك جائزاً، قال: لو وضعها على بدنه لا يتنجس بدنه، قلت له: الخمر لا تنجس بدنه؟ قال: نعم. قلت له: رحمة الله على الإمام ابن تيمية عندما أدرك مقصود الشارع فقال: الخمر إذا كانت مائعة فهي كالبول، والمسكر إذا كان جامداً فهو كالعذرة، ولذلك يقول: الحشيش والأفيون حكمه حكم العذرة، كما لو حمل الإنسان غائطاً، والخمر وهكذا المسكر من كالونيا وغيره الذي فيه كحول حكمه حكم البول، فهو يستدل بما أجاب عنه أئمتنا، يقول: لو كانت نجسة لما أراقوها في طرق المدينة لتتنجس، قلت: اذهب إلى المدينة وأنا أذهب معك، ونأتي بالخمور ثم تصبها، إذا بقي منها قطرة على وجه الأرض خلال خمس دقائق خذ ما تريد، الأرض رملية، وعندما ينزل فيها أمطار السماء الغزيرة ما يبقى المطر في الأرض الرملية دقائق، ليست أرضاً مزفتة مثل الآن وبلاط إن صببت الخمر يقف عليها، بل هي أرض رملية، والإنسان عنده تنكة خمر أو عكة من خمر، فنزل تحريم الخمر فشقوها وأراقوها في الطرق، يعني: بقيت متجمعة، والناس يمشون عليها يخوضون فيها بأرجلهم، فهذا يدل على أنها طاهرة؟ لن تلبث إلا دقائق وإذا بها قد غارت، وما بقي منها قطرة ظاهرة، فانتبهوا لهذا إخوتي الكرام.

    هذا السؤال الذي يسأل على الكالونيا، إذا تطيب الصيام باق كما هو، وليس هذا شيئاً دخل لجوفه، لكنه عصى الله عندما تطيب بشيء نجس، والطيب الذي عم في هذه الأوقات كونوا على حذر منه، إما طيب لا كحول فيه من الأدهان الطبيعية، وإما لا داعي للتطيب، وإما خذ زيت الزيتون وتطيب به، وهو أحسن أنواع الطيب، زيت الزيتون خذ وامسح به لحيتك، رائحة طيبة، وبعد ذلك يعطيها لمعاناً، ويقوي الشعر، ورخيص وحلال، لا إله إلا الله!

    وإذا أردت أيضاً لا هذا ولا ذاك، كان العرب يقولون: أطيب الطيب الماء، اغتسل كل يوم مرتين أو ثلاث لتذهب عنك الروائح الكريهة، ولا داعي لأن تضع هذا الطيب على رائحة العرق التي تفوح منك، أطيب الطيب الماء.

    1.   

    تسوية الصفوف في الصلاة .. بين الإفراط والتفريط

    السؤال: في الصلاة بعض الناس يضيق ذرعاً بإلصاق القدم بالقدم، وربما اشتد في النكير على من أراد فعل ذلك، فهل الأفضل أن لا يتحرى الإنسان ذلك أم ماذا؟

    الجواب: إخوتي الكرام! يسن للمصلين إذا كانوا في جماعة أن يلصقوا المنكب بالمنكب، والمنكب هو مكان مجتمع العضد العضد والكتف، فكل واحد يلصق منكبه بمنكب الذي بجواره، عن يمينه وعن شماله، ويسن إلصاق الكعب بالكعب، فتلصق كعبك بكعب الذي عن يمينك، وهكذا عن شمالك، وقد بوب الإمام البخاري على هذا باباً في كتاب الأذان في الجزء الثاني صفحة (211) بشرح الحافظ ابن حجر فقال: باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، ثم روى معلقاً عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه.

    وهذا الأثر المعلق رواه الإمام أبو داود وابن خزيمة في صحيحه، وهو صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أقيموا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال النعمان بن بشير : فكان الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكب صاحبه )، هذه السنة، فإذا صلى يلصق ويلزق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، والكعب معروف، هو العظم الناتئ في جنب القدم، هذا إذا ألزق الإنسان منكبه بمنكب من هو عن يمينه وشماله، وفرج رجليه تفريجاً طبيعياً فسيلتصق وسيلتزق الكعب بالكعب، لكن بعض الناس في بعض الوقت يريدون أن يمسكوا الأمر من ذنبه كما يقال، بين المناكب ذراع، ثم يأتي يريد أن يفرج بين رجليه كأنه بعير، في الحقيقة هذا لا يجوز بل ينبغي أن تشد صاحبك إليك في بدء الصلاة ليلتصق المنكب بالمنكب، أما أن تكون المسافة بعيدة بينك ومن بجوارك حتى أنك لو أردت أن تدخل شيئاً كبيراً وصندوقاً يدخل بينك وبين الذي بجوارك، وتريد فقط أن تشد عن طريق رجليك، فهذا خلاف السنة، فالذي يريد أن يحافظ على السنة، تضبط السنة بجميع جهاتها، ما يحصل تفريج في الصف، كل واحد ممتد هكذا، إذا سجدتم بعد ذلك سيبقى بينك وبين صاحبك فرجة رغم أنفك، إذا وسعت رجليك في القيام كيف ستمسك نفسك في حال السجود والقعود.

    فإذاً: السنة تضبط كما شرعها نبينا عليه الصلاة والسلام، يلصق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، فإذا فرط الناس في هذا لا داعي أن تجهد نفسك وتأتي بعد ذلك تفرج رجليك، هذا لا داعي له، نعم من البداية احتط واضبط الكيفية الشرعية، ولذلك كان النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن أفعل هذا مع أحدكم ينفر كأنه بغل شموس، حقيقة إذا جررت إنساناً إليك يبتعد، وعندما تريد أن تقرب رجلك برجله يشدها، لكن كما قلت: إلصاق الكعب بالكعب، وهذا المسلمون كأنهم في غفلة عنه، يظنون أن المراد من تسوية الصلاة أن يجعلوا رؤوس الأقدام متحاذية، وهذا غلط، من الذي قال: تتحاذى رؤوس الأقدام؟ هذا قدمه طويلة وهذا قصيرة، الذي يلتصق فقط هو الكعب بالكعب، قدمك بعد ذلك أصابعك أطول من أصابعه تقدمت، ما لنا ولهذا، ولذلك انظروا في مساجد المسلمين وانحطاطهم يضعون خطاً، لم الخط؟ ليلصق عليه الأصابع، ويضيع سنة إلصاق الكعب بالكعب، ما لنا وللخطوط، فاجعل كعبك مع الكعب الذي عن يمينك وعن شمالك ملتصقان، فإذا التصق الكعب يكون ما بين القدمين فرجة مستطيلة.

    أما الناس الآن من يريد أن يلصق تراه يلصق رؤوس الأقدام، تبقى أيضاً الأرجل مفتوحة كأنها زاوية منفرجة، خلاف السنة، فالصق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، الاعتدال سيكون طبيعياً، والصف كأنه بنيان مرصوص، فإذا فرط الناس في هذا ماذا نفعل؟ أحوالنا كلها بدع وخلاف السنة، في صلاتنا وفي غيرها، ماذا يفعل الإنسان إذا وجد ذلك هل يشترط أن يفرج؟ لا تفرج رجليك، ولا تجهد نفسك، ولا داعي أن تكون بهذه الصورة المبتذلة في الصلاة، فهو يجر نفسه وأنت تفرج رجليك، حتى أحياناً يتحامل على نفسه بحيث يتكلف، حقيقة هذا خلاف السنة، فلا بد من وعي عند تطبيق السنة.

    وبعض الناس ويعلم الله فعلوا هذا معي مراراً، ووالله لو وضع رجله على رأسي لتحملته، وأمكنه من رجلي، وأراه يدوس عليها أضعها تحته بزيادة حتى يضع قدمه على قدمي إن شاء، تراه يضع أصابعه فوق أصابعي، هذه السنة أم هذه بدعة؟ ما دخل الأصابع على الأصابع، تريد أن تجعل رجلك فوق رجلي، وتراه ليته يقف طول الصلاة يحك برجلك، ويريد أن يطبق السنة، يا عبد الله! ليست هذه سنة، فلذلك لا بد من تطبيق السنة كما ثبتت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، من بداية الصلاة يعدل المسلمون هيئتهم يلصقون ويلزقون المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، طبيعي بعد ذلك طول الصلاة ستبقى هذه الحالة سوية، إلا إذا واحد منهم طرأ عليه حدث وخرج فيتقاربون، لكن ما عدا هذا انتهى، هم التصقوا، أما في البداية بين المنكب والمنكب والكتف والكتف -كما قلت- مقدار رمح، كيف إذاً أنت تلصق الكعب بالكعب، والقدم بالقدم، وإذا فرطت في الأعلى فرطت في الأسفل، وانتهى الأمر.

    فالسنة لا بد من أن تطبق -كما قلت- بالصفة الشرعية، فإذا حصل التفريق ماذا نفعل، كما تصلي أحياناً بجوار من يشرب دخاناً، أما يقتلنا في الصلاة؟ والله يقتلنا قتلاً، كأن الإنسان في بيارة في حال وجوده في المسجد عندما يتنفس ذلك التنفس الخبيث من أثر رائحة الدخان، يوجد مثل هذا فماذا نعمل؟ هذه أحوال المسلمين الرديئة، كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام إذا شم من صحابي رائحة بصل -ليس رائحة دخان- يطردونه إلى البقيع، الآن تدخل للمسجد ورائحة الدخان وعلبة الدخان، وبعضهم يريد يسجد يضعها أمامه حتى على السجود، فضلالات وبدع، طيب ابتلينا بهذا العصر الهابط ماذا نعمل؟ نفوض أمرنا إلى الله، فأنت من البداية إذا وجد من بجوارك فيه خير، وأنست منه الرشد، ويصلي صلاة شرعية اسحبه بحيث يلتصق منكبك بمنكبه، وكعبك بكعبه، ما حصل هذا ماذا تعمل؟ التفريط الذي يقع فيه الناس ما أكثره.

    1.   

    حكم لبس الذهب المحلق للنساء

    السؤال: ما حكم لبس الذهب المحلق مع الأدلة والرد على من قال بتحريمه؟

    إخوتي الكرام! الأدلة وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام بالنسبة لذهب النساء على نوعين وعلى صنفين، أدلة تحرم الذهب على النساء، وأدلة تبيح للنساء لبس الذهب، فمن الأدلة التي تمنع، واستنبط منها بعض العلماء تحريم الذهب المحلق، والمحلق معروف المدور الذي يوضع في الرقبة، القلادة في اليد، الخاتم، وما شاكل هذا، هذا ذهب محلق، مدور، إذا لم يكن محلقاً فلا حرج فيه، كما لو وضعت المرأة مثلاً زينة وردة من ذهب، أو شعرها مثلاً حبات مشط من ذهب مثلاً، أو لبست شيئاً على رجليها فوق الحذاء الجورب كذا من ذهب زركشة، على الملابس .. على كتفها .. على يدها.. على كذا من ذهب، ليس بمحلق يدور على شيء من جسمها، الحديث: ( من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار فليطوقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سواراً من نار فليطوقه طوقاً -وفي رواية-: فليسوره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها، العبوا بها، العبوا بها ) .

    يقول المؤلف: أخرجه أبو داود وأحمد، ثم ذكر أن سند الحديث جيد، وصححه جماعة، وأورد عدة أحاديث بمعناه فيها ينهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن لبس الذهب المحلق، ثم بعد ذلك استدل على هذا أيضاً بأن هذا نقل عن بعض السلف، فذكر كلام أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب المحلى ابن حزم وغيره بسند صحيح، أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته: لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب، وفي رواية: ابنة أبي هريرة تقول لـأبي هريرة: إن الجواري يعيرنني ويقلن: إن أباك لا يحليك الذهب، فقال: قولي لهن: إن أبي لا يحليني الذهب يخشى عليّ من اللهب.

    إخوتي الكرام! هذه الأدلة التي وردت هنا، وأراد بعض العلماء أن يفهم منها خصوص الذهب المحلق، وأن هذا هو المحرم على النساء، هذا وهمٌ منه، فالأدلة ما قصرت هذا على الذهب المحلق، هل في جواب أبي هريرة إشارة للذهب المحلق، أم أطلق حين قالت: إن الجواري يعيرهن يقلن: إن أباك لا يحليك بالذهب، فقال: قولي لهن: إن أبي لا يحليني الذهب يخشى عليّ من اللهب، ويقول أبو هريرة لابنته كما يقول المؤلف بسند صحيح: لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب، أي: لا تلبسي سواراً أو قلادة أبداً، وهذا مطلق، فإن قيل: وردت الرواية المقيدة، الرواية المستحبة: من أحب أن يحلق حبيبه، ومن أحب أن يطوق حبيبه، ومن أحب أن يسور حبيبه، هذه تفيد أنه محلق، لأن فيها يطوق.. يسور.. يقلد.

    فالجواب: أن هذه الأدلة على المعتمد هي لتحريم الذهب مطلقاً، لا المحلق منه على وجه الخصوص، لا ثم لا، المراد تحريم الذهب على النساء لما ذكر بلفظ التسوير والتطويق؛ لأن الغالب في المرأة عندما تلبس الذهب تجعله محلقاً سواراً أو قلادة أو ما شاكل هذا، ولذلك ورد النهي، أي: نهي النساء عن لبس الذهب محلقاً وغير محلق، مما يقرر هذا الأمر، وهو أن الذهب على النساء حرام، لكن هل هذا الحكم ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، بمعنى: أنه مستمر محكم لم ينسخ، أم كان في أول الأمر؟

    فالذي يظهر والعلم عند الله أنه كان في أول الأمر، ثم بعد ذلك نسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذا وأباح للنساء لبس الذهب، محلقاً أو غير محلق، فلننظر في الأدلة الشرعية التي تقرر الجواز.

    ثبت في سنن أبي داود بسند حسن في كتاب الخاتم، باب في الذهب للنساء، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حلية أهداها له النجاشي فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي )، الخاتم محلق أم لا؟ محلق، الخواتيم محلقة أم لا؟ محلقة.

    وهذا الأثر الذي أورده البخاري معلقاً وصله الإمام ابن سعد في الطبقات عن القاسم بن محمد رضي الله عنه ورحمه الله، بلفظ: لقد رأيت والله عائشة رضي الله عنها تلبس المعطر، وتلبس خواتيم الذهب، وقال: والحديث أورده الحافظ في الفتح وسكت عليه، وما سكت عنه الحافظ لا ينزل عن الحسن كما أفصح عن ذلك في مقدمة كتابه هدي الساري إلى شرح صحيح البخاري في المقدمة في الصفحة الثالثة أو الرابعة، أن ما يورده من أحاديث ويسكت عنها لا تنزل عن درجة الحسن، هي بين الصحة والحسن.

    إذاً: الأثر ثابت عن أمنا عائشة رضي الله عنها.

    حديث ثالث يقرر أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص للنساء بلبس الذهب بعد تحريم الذهب عليهن، روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، والحديث سنده حسن عن علي رضي الله عنه، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً بيمينه وذهباً بشماله وقال: إن هذين حرام على ذكور أمتي )، وفي رواية ابن ماجه: ( حل لإناثها )، وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي ، وقال الترمذي: حسن صحيح، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها ) ، نعم إن تلك الأحاديث ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما أن هذه الأحاديث ثابتة، فكيف سنجمع بينها؟

    عندنا أمر قرره أئمتنا ولا نزاع بينهم في ذلك، وقد حكاه أئمة الإسلام للخروج من هذا الإشكال، فحديث يحرم الذهب على النساء، وأحاديث تبيح الذهب للنساء المحلق وغيره، وتقدم معنا الخاتم المحلق الذي أعطي لـأمامة بنت زينب رضي الله عنها، وأمنا عائشة تحلت بخواتيم محلقة، وأطلق النبي عليه الصلاة والسلام لفظ الذهب للنساء فيشمل المحلق وغيره، وما تقدم عن أبي هريرة رضي الله عنه بأن ابنته لا ينبغي أن تلبس الذهب يخشى عليها من اللهب، والأحاديث التي في ظاهرها تحريم الذهب المحلق، فكيف سيجمع بين الأمرين؟

    قرر أئمتنا الكرام أن أحاديث الحل والإباحة هذه متأخرة؛ لأنه كان الذهب في أول الأمر يلبسه النساء والرجال، وقد لبس نبينا عليه الصلاة والسلام خاتماً من ذهب هذا ثابت في الصحيحين، فطرحه ثم حرم على الرجال وحرم على النساء، فكان مباحاً بإطلاق ثم منع منه المسلمون بإطلاق، ثم أذن به النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك للنساء، فقوله: (حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)، إذاً هذا تحليل بعد أمر كان مقرراً وهو التحريم، فكان هناك تحريم مقرر على الذكور وعلى النساء، فأقر التحريم على الذكور ثم استثني النساء من هذا.

    وهذا الجمع بين الحديثين على هذه الطريقة نقل عدد من أئمتنا الإجماع عليه، وهو الذي عليه المذاهب الأربعة المتبعة، ومن جملة من نقل الإجماع الإمام البيهقي عليه رحمة الله في كتابه السنن الكبرى، في الجزء الرابع، صفحة أربعين ومائة, باب قياس أخبار تدل على تحريم التحلي بالذهب، أورد الحديث المتقدم: ( من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار فليطوقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سواراً من نار فليسوره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها.. ) إلى آخر الأحاديث الأخرى.

    ثم باب: قياس أخبار تدل على إباحته للنساء، بعد الباب الأول، ذكر فيه الحديث الذي تقدم معنا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم )، ثم أورد أحاديث كثيرة.

    ثم قال الإمام البيهقي: فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا لحصول الإجماع على إباحته لهن، على نفس الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة والله أعلم.

    إخوتي الكرام! ولا يقال: إن الإجماع هنا إجماع بدون دليل كما ادعى بعض العلماء، فقال: هذا الإجماع لا يوجد دليل عليه، فما ثبت في السنة بالتحريم سيطرح الإجماع إذا لم يكن عليه دليل، ماذا تريدون أصرح من الأحاديث المتقدمة؟ وهل يقع إجماع بلا دليل؟ الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ، إنما يكفي عن وجود ناسخ، فالإجماع هنا أجمعوا على إباحة الذهب للنساء، ما هو دليل الإجماع؟ ( الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم )، الدليل: ( تحلي بهذه يا بنية! ) أحاديث ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الإجماع أيضاً أثبته الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الجزء العاشر صفحة ثلاثمائة وسبع عشرة، وفيها يقول الحافظ : النهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء.

    فإذاً يجوز للنساء أن يلبسن الذهب مطلقاً محلقاً أو غير محلق، ثم إنني أريد أن أقول لمن قال: إن الذهب المحلق هو المحرم، أقول: لم؟ قال: هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، نقول: لا بأس، فكلام النبي عليه الصلاة والسلام على العين والرأس، لكن لم؟ ما هي الحكمة في ذلك؟ ما هي العلة من هذا؟ أنت تريد أنها تلبس مقطعاً لئلا تبالغ فيه، انتبه ذهب مقطع شيء قليل من أزرار أو غيرها، أما لو لبست أساور وقلادة تلبس ذهباً كثيراً، تقصد هذا؟ لو لبست ذهباً مقطعاً فوضعت في صدرها كيلو ذهباً، وعلى يدها كيلو ذهباً، وعلى وسطها كيلو ذهباً، وعلى كتفها كيلو، وعلى ساقيها لكل واحدة كيلو ليس بمحلق، أما لو لبست خاتماً من ذهب يحرم لأنه محلق.

    يا عبد الله! نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصنفين في أول الأمر عن لبس الذهب لما يكسبه في النفس من خيلاء ومفاخرة ومباهاة، ويثبت فيها ما يثبت من معاني الرعونة، ثم بعد ذلك أباح النبي صلى الله عليه وسلم هذا للنساء لأجل حصول التزين به، ومع ذلك بقي نبينا عليه الصلاة والسلام يشير إلى أن ترك هذا أولى، فلو تركته المرأة محلقاً أو غير محلق لكان أولى، ولذلك يقول الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء السابع، صفحة ست وسبعين: ترهيب الرجال من لبس الحرير وجلوسهم عليه، والتحلي بالذهب، وترغيب النساء في تركهما.

    نعم، إن النساء يرغبن في أن يتركن الذهب؛ لأنه في الغالب يحصل عند لبسه تباه وتفاخر، وهذا الآن يحصل في المواسم والأفراح عندما يجتمع النساء، التي ليس عندها ذهب كثير ما تذهب، والتي ذهبها كثير كل فترة تذهب خلال السهرة التي هم فيها بغير الذهب، ويقال: لبست نوعاً واحداً طول هذه السهرة، والحفلة من أولها لآخرها، إذاً فقيرة مسكينة، فتراها كل فترة تذهب وتغير هذا الذهب، فإذا لبس للمباهاة فهذا حرام قطعاً وجزماً.

    وحقيقة كثير من النساء يلبسن الذهب فقط من أجل المباهاة، ولعلها إذا ركبت أحياناً في السيارة حتى مع زوجها وهي متحجبة تضع يدها على باب السيارة من النافذة ورأيت هذا بعيني مراراً، وتجلس هكذا والأساور من الرسغ إلى المرفق من أجل أن تري الناس أنها لابسة حلياً، مع أنها ساترة على وجهها، فإذاً لبسته لهذا الأمر فنهيت، ولذلك النساء يشغلهن عن دخول الجنة الأصفران: الذهب والحرير.

    وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يقول كما في الصحيحين ويخطب على المنبر: لا تلبسوا نساءكم الحرير. سبحان الله! والحرير مباح وقد أحله النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لبسهن من أجل الخيلاء حرام، يقول: فإني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول، والحديث في الصحيحين وهذا لفظ مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )، هذا للذكور، فإذا لبسه النساء لأجل الخيلاء يحصل فيهن ذلك البلاء ولا يلبسنه في الآخرة.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام خشي على الأمة المباهاة والخيلاء فمنعها ورغبها في عدم اللبس، كما خشي عليها الانهماك في ذلك النعيم والاستغراق فيه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يرى الخير في ترك هذا، فتلك الأحاديث لا بد من أن نجمع بينها وبين الأحاديث المبيحة، فلو كانت تلك تحمل على من تريد أن تلبسه مباهاة، على من ستستغرق أوقاتها في النعيم وتقصر همتها على هذه الدنيا، أما إذا لبست شيئاً من الذهب محلقاً أو غير محلق دون هذه المعاني، فلا حرج إن شاء الله، وعلى هذا -كما قلت- المذاهب الأربعة، وحكى عدد من أئمتنا الإجماع عليه.

    من ذهب بعد ذلك إلى التحريم لا داعي إخوتي الكرام للشطط في الكلام كما يحصل في هذه الأيام، ولكن نقول: معذور، وله اجتهاده والله يغفر لنا وله، لكن رأيه لا يهمنا لأن الإجماع حجة عليه، ويد الله مع الجماعة، وكانت المذاهب الأربعة ويحكى الإجماع على هذا.. أنه مباح الذهب للنساء مطلقاً محلقاً أو غير محلق، لكن كل إنسان يزل ويخطئ، والكريم من عد سقطه، فيرد هذا الكلام ويقف عند هذا المقدار، فلو قدر أن بعض الناس شط في الكلام فلا داعي أن يقابل الشطط بالشطط، أن يقول: يعترض علينا بعض المتعصبة وبعض الحاقدين لا هذا ولا ذاك، فكما أن هناك حرية لأن تقرر ما ترى أن شريعة الله تدل عليه، والله سيحاسبك، فاترك الأمر لغيرك ليقرر هذا، ولا داعي للمهاترات وللمخاصمات وللمشاتمات، ثم بعد ذلك الناس يطلعون على دليلك وعلى دليله، وسيئول الجميع إلى الله وهو أعلم بمن اتقى، فهل قررت ذلك الحكم تريد شهرة أو مخالفة لغيرك؟ هل قررته حسب ما أداك الدليل؟ والله إذا قررته حسب ما أداك إليه دليلك دون هوى في نفسك، فالله سيقبل منك ورحمته واسعة ويعفو عنك إن أخطأت، وإذا لم يكن هذا عندك، لو أصبت فأنت في جهنم، فلتتسع صدورنا نحو أمة نبينا عليه الصلاة والسلام، من أخطأ نرد خطأه كائناً من كان، كأنه يقول: أنتم مخطئون، لا داعي بأن يشتط في الكلام ولا يشتط علينا.

    هذا الحكم عليه المذاهب الأربعة، وحكم الإجماع عليه، ثم بعد ذلك دلت عليه نصوص شرعية فإذا قيل لنا: هذا مخالف الإجماع، نقول: احفظ لسانك، نحن نتكلم بالإجماع، هو لو قال هذا الأمر مجمع عليه وأنا سأخالفه، فهو حكم على نفسه بالضلال، لكن يقول: أنا لا أسلم بدعوى الإجماع، أنا عندي من خالف في هذا، ودعوى الإجماع غير صحيحة، إذاً هو مجمع عليه عندنا، فنحن حله عندنا قطعي، وهو عنده ظني، فإذاً خالف في هذا الظني فرحمة الله واسعة، ولا داعي للشطط في الكلام، ولا للبذاءة في دروس العلم ومحاضرات العلم، اجتهد فأخطأ، إن أراد وجه الله هو أعلم بمن اتقى، لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

    وأما أنا والله لأن أخر من السماء أيسر عليّ وأحب إليّ من أن أقول: إن الذهب محرم على النساء، لكنني مع ذلك أقول: لو لم تلبسه المرأة لكان أولى، محلق أو غير محلق؛ لئلا تركن إلى الدنيا، هذا لو لم تلبسه لمباهاة، وأما إذا لبسته لمباهاة فهذا حرام .. حرام .. حرام، وبهذا يجتمع شمل الأحاديث التي نهت والتي أباحت، وهي كثيرة في المجالين، لا أريد أن أستعرضها بكاملها، إنما قلت لكم: هذا ما قرره أئمة الإسلام والمذاهب الأربعة على أن الذهب مطلقاً للنساء حلال، والله أعلم.

    1.   

    حكم صبغ الشعر بالسواد

    السؤال: هل صبغ الشعر سواء الرأس أو اللحية أو الشارب بالأسود حرام أم مكروه، نرجو التفصيل؟

    الجواب: لا إله الا الله! ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي عن صبغ الشعر -شعر الرأس واللحية- بالسواد، والحديث في ذلك صحيح رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يكون قوم في آخر الزمان يصبغون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة )، والحديث صحيح كما قلت، والمعتمد أن الكراهة هنا للتحريم كما قرر ذلك شيخ الإسلام النووي عليه رحمة الله، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ويتأكد المنع لمن دلس به، أي: لمن كان شايباً شيخاً فانياً وأراد أن يتزوج، فصبغ لحيته بالسواد، ليدلس، فهذا يتأكد المنع في حقه، والحرمة هنا تزداد، وأما إذا لم يفعله من أجل تدليس فهذا مكروه كراهة تحريم، وفاعل ذلك آثم وعاص لرب العالمين، سواء كان رجلاً أو امرأة.

    وقد ثبت في سنن أبي داود والنسائي وصحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن والد أبي بكر رضي الله عنه وهو أبو قحافة لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأسلم، كان شعر رأسه وشعر لحيته كالثغامة، وهو شجر أبيض إذا يبس يشتد بياضه، وهي بفتح الثاء المثلثة، ومن العجيب أن الحافظ في الفتح يقول: بضم الثاء ثغامة، وما أعلمه أن كتب اللغة تقول: بالفتح، فكان إذاً شعر رأسه ولحيته كالثغامة، كالثلج الأبيض، فقال عليه الصلاة والسلام: ( غيروا هذا واجتنبوا السواد ).

    فلا يخضب الإنسان شعر الرأس ولا اللحية بسواد، سواء كان لتدليس أو لغير تدليس، يخضب بحناء .. بكتم .. ببني قريب إلى الحمرة وما شاكل هذا، أما أن يخضب شعر الرأس واللحية بأسود ليدعي ما ليس فيه زوراً وبهتاناً، فلا، ثم إذا خضبت تخضب الأطراف والأصول تظهر بعد أيام، وسيكشف عيبك.

    وهذا الشيب حقيقة مهيب، فينبغي للإنسان إذا شاب شيء من شعره أن يعتبر، وأن يستعد للرحيل، يقول الإمام ابن حزم عليه رحمة الله: كانت سنة في أهل الأندلس في المغرب أن الرجل منهم إذا شاب أو إذا بلغ الستين -واحدة من الاثنتين إما شاب أو إذا بلغ الستين- يتخلى عن الدنيا، ويتفرغ للعبادة. انتهى.

    شعر اللحية شاب، ماذا ينتظر بعد هذا؟ الموت قد اقترب ودنى.

    1.   

    حكم من يطيلون في صلاة التراويح في رمضان ويقدمون ذلك على حلقات العلم والدرس

    السؤال: بعض الناس يصلي القيام بعد العشاء بتطويل شديد يريدون أن يقرءوا القرآن كله في رمضان، وهذا ليس عليه عتب، ولكن فيهم الكثير من الجهل وعدم العلم بكثير من المسائل، وربما أفتوا فيها بخلاف كلام أهل العلم، وهم لا يريدون أن يحضروا مجالس العلم والدروس، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: هذا ضال، الله لا يقبل عبادته، يجلس ويطيل الصلاة فيفتي على جهل وباطل، ويتكلم في دين الله بغير علم، ثم بعد ذلك عنده نفس خبيثة ما تتواضع لحضور مجالس العلم، هذا يعبد هواه، لا يعبد مولاه، وإذا كان متقياً لله جل وعلا فليجمع بين الأمرين، يطيل الصلاة، فيكثر من القراءة، ثم بعد ذلك يتقي الله في لسانه فلا يتكلم في دين الله إلا عن بينة، ثم إذا لم يكن عالماً فليحضر مجالس العلماء، وإذا كان طالب علم فليكثر من التزود من طلب العلم، أما إطالة الصلاة فقط مع الجهل فحقيقة هذا علامة البلادة، وأنا عندما تنتهي هنا صلاة القيام والتراويح والناس يخرجون أتعجب حقيقة، ولعل أجر حضور مجالس العلم أعظم بكثير من أجر صلاة النافلة، لكن هذا حالنا، وبعض الناس في حاضرنا يفرح أنه ما فاته شيء من القيام، أما مجالس العلم هذه لا داعي لها.

    1.   

    بيان المقصود بأن الصيام من أعمال القلوب التي لا يحصل بها الرياء

    السؤال: يقول: ذكرت أن الصوم له خصلة، وهي أنه من أعمال القلوب ولا يحصل به رياء كغيره من الأعمال، فما جواب من يقول: إن المسلم في نهار رمضان يعلم من حاله أنه صائم فهو ظاهر للعباد؟

    الجواب: يا أخي الكريم! الأمر كما قال الحافظ ابن حجر في الجزء الرابع صفحة مائة وسبعة، وأشرت إلى هذا في الموعظة الماضية، قلت: إن أصل فعل الصوم لا يدخل فيه رياء؛ لأنه أمر غير ظاهر، أما إذا حدثت به أنت، فهذا أمر آخر، أنت من أظهرته للناس، بخلاف تلك العبادات الأخرى، العبادات الأخرى الأصل فيها أنها بالجوارح، وقلت: قلما يخلو عمل من شيء إذا ظهر، أما هذا الأصل فيه أنه مستور، فإذا أنت أظهرته فأنت راءيت به وتتحمل تبعة نفسك، لكن هذا لو أردت أن لا تراءي به هذا بينك وبين ربك، أما الصلاة أحياناً تدخل في الصلاة وعندما تسمع ضجيجاً أو كلاماً أو ملاحظة من الناس يأتيك الشيطان، فإما تحسن وإما تطول وإما .. وإما، فتلك ظاهرة، وأما هنا فالأصل مستور، فإذا أردت أن تكشف هذا الستر فأنت وما تحملت.

    1.   

    بيان عدد الأيام التي صلى النبي فيها صلاة التراويح وعدد الركعات التي صلاها

    السؤال: كم ركعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراويح؟ وكم مرة صلاها النبي عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: أما كم مرة صلى عليه الصلاة والسلام كما ثبت في صحيح البخاري وغيره ثلاث مرات، صلى في اليوم الأول فصلى معه عليه الصلاة والسلام بعض المسلمين، وفي اليوم الثاني كثر العدد، وفي اليوم الثالث امتلأ المسجد، وفي اليوم الرابع ضاق المسجد عنهم، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم أنه رأى صنيعهم ومنعه من الخروج خشية أن تفرض عليهم هذه الصلاة، أي: قيام الليل فلا يطيقون، وأما كم ركعة صلى عليه صلوات الله وسلامه، فما وقفت على حديث يبين عدد الركعات التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه في الليالي الثلاث، نعم ثبت عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره، وثبت في سنن النسائي أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، قيل: ركعتان خفيفتان قبل القيام، غير السنة الراتبة لصلاة العشاء، ثم يصلي بعد ذلك أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم بعد ذلك يوتر بثلاث عليه صلوات الله وسلامه، أما عندما صلى بأصحابه كم ركعة صلى؟ ما وقفت على هذا، لا أقول: لم يرد، العلم عند الله، لكن ما أعلم شيئاً ثابتاً في هذا.

    لفظ الحديث في صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس يتحدثون، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا بصلاته، -أي: الناس- فلما كان ليلة الرابع عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخفى عليّ مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها )، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك.

    وبقي الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، أي: لم يصل المسلمون صلاة التراويح جماعة، وكذلك صدراً من خلافة عمر رضي الله عنه، ثم في منتصف خلافة عمر جمعهم على أبي بن كعب، وجمع النساء على تميم الداري وعلى سليمان بن أبي حثمة كما سيأتينا، وهذا يحتمل التعدد، مرة على تميم الداري ، ومرة على سليمان بن أبي حثمة ، وأما الرجال على أبي بن كعب.

    وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوضاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، قال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

    أول من جمعهم على هذه الصلاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما فعل ذلك اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت كما قلت أنه صلى بالمسلمين ثلاث ليال، ثم امتنع خشية أن تفرض عليهم، وقد زال المحذور، وبعد وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام لا نزول للوحي، فلم تفرض على هذه الأمة وبقيت نافلة، فجمعهم عمر رضي الله عنه لئلا يحصل في المسجد افتراق، وكل واحد يصلي مع أصحابه.

    لكن ما عدد الركعات التي جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليها المسلمين؟ ورد روايات كلها ثابتة صحيحة، ورد أنه جمعهم على إحدى عشرة ركعة، ثمان ويوترون بثلاث، وجمعهم على ثلاث عشرة ركعة، وجمعهم على عشرين ويوترون بثلاث، وروي أنهم كانوا يصلون ستاً وثلاثين ويوترون بثلاث، والذي ذهب إليه الجمهور؛ الحنفية والشافعية والحنابلة أن صلاة التراويح عشرون ركعة وصلاة الوتر، وذهب الإمام مالك إلى أن صلاة التراويح ست وثلاثون ركعة ويوترون بثلاث، فهذه تسع وثلاثون ركعة، أما صلاة الثمان مع الثلاث الوتر هذه ثابتة في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها، إنما التي هي عشرون ويوتر بثلاث جرى حولها لغط لا سيما في هذه الأيام، ويتشدق كثير من الناس في هذه الأيام بأنه أحيا سنة ميتة، وقضى على بدعة وهي صلاة عشرين ركعة هذه بدعة، وأحيا سنة وهي ثمان ركعات والإيتار بثلاث، وأنا أقول: ليت المسلمين في هذه الأيام صلوا عشرين ركعة، وأوتروا بثلاث للقضاء على هذه الخرافة، إذا لم يحصل هذا منهم فلا أقل من أن يصلوا أحياناً عشرين ويوترون بثلاث، وهذا قول الجمهور، وهو ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثبوت الشمس في رابعة النهار.

    وأقرأ لكم الأدلة والآثار، وقبل ذلك انظروا إلى اللغط الذي يجري في هذه الأيام، يقول أحدهم: ذكر في كتابه في صلاة التراويح عن الحسن أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب إذا كان يصلي له عشرين ركعة، رواه أبو داود، يقول: وعزاه في الحاشية إلى كتاب المغني جزء كذا صفحة كذا، يقول: ورجعت إلى المغني لـابن قدامة وإذا به يقول: صلى بهم عشرين ليلة، فبدل ليلة إلى ركعة، ورجعت إلى سنن أبي داود فإذا به يقول: عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي له عشرين ليلة، فبدل ليلة إلى ركعة، لقد بدل كلام المغني، وبدل أيضاً الأثر الوارد عن عمر ليثبت بغير حق أن صلاة التراويح عشرون ركعة، علماً بأن هذه الرواية ضعيفة، وعلتها الانقطاع بين الحسن وعمر.

    كثيراً إخوتي الكرام! ما يضيع الحق بين المهاترات والخصومات الشخصية، صلاة التراويح عشرون ركعة، هذه بغير حق، والمؤلف عندما عزاها إلى المغني ليست في المغني وليست في سنن أبي داود ، وهي عشرون ليلة ليست عشرين ركعة، حقيقة الأمر عجيب.

    وصدر بعد هذا الكتاب كتاب آخر لمؤلف آخر فيه نفس هذه العبارة، وأخذت الكتاب إلى بعض شيوخي الكبار وقلت: يا إخوتي الكرام! يا عباد الله! أشفقوا على الإسلام دين الله يبدع في الليل والنهار ونحن لا زلنا في هذه المهاترات، يا جماعة والله! سار كثير من المسلمين وراء هذه الدعوات المضللة، هذا الآن يثبت بغير حق، وذاك يرد عليه، وذاك يؤلف كتاباً آخر جاء بخمسائة ليرة سورية إلى المسجد وأن صلاة التراويح عشرون ركعة، وكل واحد مهاتراته والله لو نزل عليه جبريل وقال: عشرون ركعة. لا يصدقه!

    يا جماعة لم هذه المهاترات؟ أن ترى أنها ثمان ركعات، صل بدل الثمانية ركعتين، ولا داعي للخلاف حول أمر جائز، الرواية التي في المغني يقول: هي عشرون ليلة وليست عشرين ركعة، لنر من الذي بدل أنت أم هو؟

    في كتاب المغني للإمام ابن قدامة في الجزء الأول صفحة سبعمائة وتسع وتسعين: فصل والمختار عند أبي عبد الله -من هو؟ الإمام أحمد رحمه الله- فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك ست وثلاثون، وزعم أنه الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحاً مولى التوأمة قال: أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس، ولنا أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب، كان يصلي لهم عشرين ركعة، كم كان يصلي؟ عشرين ركعة أو عشرين ليلة؟ لا إله إلا الله، عندما يؤلفون هذا في الكتب، ألا يستحي من الله؟! ثم الكتب بعد ذلك تقرظ، ويقرظ الرد عليها، ولا بصيرة ولا روية ولا وعي، ولا أحد يقول: هاتِ المغني، فذهبت إلى الشيخ قلت: هذا المغني، وهذا الكتاب، يا جماعة! كيف تطبع كتب بلا مراجعة ولا مسئولية؟! ومهاترات وشتائم فقط، هو هذا المقرر، أقول: ليس في المغني (عشرون ركعة) إنما (عشرون ليلة).

    وقد روى الحسن أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي لهم عشرين ليلة، في الرواية الثانية، ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني، فإذا كان العشر الأواخر تخلف أبي فصلى في بيته، أي: لا يصلي بهم إماماً العشر الأخيرة ليتفرغ فيها لنفسه، فكانوا يقولون: أبق أبي ، رواه أبو داود ، ورواه السائب بن يزيد ، وروي عنه من طرق، وروى مالك عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمن عمر بثلاث وعشرين ركعة، وعن علي أنه أمر رجلاً يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة، انتبه لكلام ابن قدامة : وهذا كالإجماع، أي: أن ثبوت عشرين ركعة والإيتار بثلاث، هذا كالإجماع.

    إخوتي الكرام! هذه الراوية، وأنهم يصلون عشرين ركعة ويوترون بثلاث، رواها البيهقي في سننه في الجزء الثاني صفحة أربعمائة وست وتسعين عن السائب بن يزيد ، قال: كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وفي مصنف عبد الرزاق في الجزء الرابع صفحة مائتين وواحد وستين، قال: قلنا عنه، أي: عن السائب بن يزيد ننصرف من القيام على عهد عمر وقد دنا فروع الفجر، وكان القيام على عهد عمر ثلاثاً وعشرين ركعة، والأثر صحيح كما في المجموع في الجزء الرابع صفحة اثنتين وثلاثين، وطرح التثريب للولي ابن العراقي في الجزء الثالث صفحة سبع وتسعين: رجال الإسناد كلهم عدول ثقات.

    وقال الإمام الترمذي في السنن في الجزء الثالث صفحة ثمانية وأربعين ومائة: وأكثر أهل العلم -هذا خرافة، هذا يقيد في القرن الثالث- يقول الإمام الترمذي : وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة، والذي نص عليه كلام الإمام ابن تيمية وأقرأ كلامه: أنه ثبت جمع عمر الناس على عشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، وقام طائفة من السلف بأربعين ركعة، وأوتروا بثلاث، وآخرون بستاً وثلاثين وأوتروا بثلاث، وكل ذلك سائغ، والاختلاف بحسب طول القيام وقصره.

    هذا كلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني والعشرين صفحة مائتين واثنتين وسبعين، يقول: نفس قيام رمضان لم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم فيه عدداً معيناً، بل كان هو صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة -هذا الذي يثبت بحق، وهذه الرواية ثابتة- ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات؛ لأن ذلك أخف على المؤمنين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ، فيكفي ما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنفسه في رمضان وغيره، وهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كـأحمد وغيره.

    ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي عليه الصلاة والسلام لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، فإذا كانت هذه السعة في نفس عدد القيام، فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه، كل ذلك سائغ حسن.. إلى آخره.

    وقد قال الإمام العراقي أعني ولي الدين ولد الإمام زين الدين العراقي في طرح التثريب في الجزء الثالث صفحة سبع وتسعين: عدوا ما وقع في زمن عمر كالإجماع، كما قال الإمام ابن قدامة، أي أن عمر جمع الناس على عشرين ركعة، عدوا هذا كأنه مجمع عليه، ولما ولي والده شيخ الإسلام الإمام عبد الرحيم الأثري إمامة مسجد المدينة على نبينا صلوات الله وسلامه أحيا سنتهم القديمة في ذلك، مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة، هذا في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، شيخ الإسلام في زمنه كان يصلي أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة، فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واحدة بست عشرة ركعة، وواحدة بعشرين، واستمر على ذلك عمل أهل المدينة بعده فهم عليه إلى الآن، قال الإمام الشافعي: وليس في شيء من هذا ضيق، ولا حد ينتهى إليه؛ لأنه نافلة، فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وهو أحب إليّ، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن.

    ويقرر هذا الإمام ابن تيمية أيضاً في مجموع الفتاوى في الجزء الثالث والعشرين صفحة مائة واثنتي عشرة، ويشبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في رمضان ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر، واستحب آخرون تسعاً وثلاثين ركعة، بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم، وقالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة )، واضطرب قوم في هذا الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المؤمنين.

    والصواب: أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل فيها عدداً، فحينئذ سيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام بالليل حتى أنه قد ثبت عنه في حديث حذيفة بأنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران، فكان تطويله القيام يغني عن تكثير الركعات، وأبي بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن يطيل بهم القيام، فكثر الركعات ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام، وبعد ذلك أضاف عدد الركعات، وكان يقوم الليل بإحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك ضعف الناس بالمدينة عن طول القيام، فكثروا الركعات حتى بلغت تسعاً وثلاثين، نحن ماذا نفعل الآن؟ ضعفنا عن طول القراءة، فالواجب أن نجعلها مائة، على حسب ما تقدم، قالوا: إذاً ثمان، لكن يقرءون في الركعة بمائتي آية، وبالسورة التي تزيد آياتها على مائة، وقال ميمون بن مهران : كما ثبت في كتاب قيام الليل لـمحمد بن واسع بسند صحيح: أدركت الناس إذا قرأ الإمام بخمسين آية يرون أنه قد خفف، وما كانوا ينسلخون من صلاة القيام إلا والفجر قد قارب على الطلوع، فكانوا يستعجلون بالسحور خشية أن يؤذن عليهم الفجر من صلاة القيام، فلما ضعفوا وقالوا: ثمان ركعات، وكل ركعة يقرأ فيها سورة الأنعام والمائدة والنساء خفف عنا، كثروا الركعات لأجل أن يحصل حركات بين الركعات لنتنشط، ما نتعب من طول القيام، ثم الذين بعد ذلك في عهد الإمام مالك زادوا إلى ست وثلاثين، والمفروض أننا نزيد بأن نجعلها مائة أو مائتين على حسب هذا الترتيب، وأن نقرأ كما يقرءون الآن في كل ركعة عشر آيات، لكن أخذنا بأخس الأمور وأرذلها في هذه الأوقات، الركعات قليلة والقراءة قليلة بحيث لا تزيد الصلاة على ساعة، والذي يصلي ساعة هذا يشرد منه الناس، إنما كثير من المساجد صلاة القيام ثلث ساعة، ويصلي الإمام.

    وأخبرني بعض الإخوة وهو إمام مسجد يصلي بأناس خاصين لهم وظائف مرموقة، قالوا له: أنت تطيل علينا وتذهب منا المسلسلات؟! أنت تطيل أكثر من نصف ساعة والمسلسلات تذهب وهي مؤقتة بوقت كذا، فقلت له: هلا بصقت عليهم وقلت لهم: أنا ما أصلي بكم، والله الذي لا إله إلا هو! لو صلينا ركعتين على الهيئة الشرعية أحسن من هذه الصلوات، لكن أقول: طلبة العلم لاسيما هذا المسجد هلا يحيون هذه السنن التي اندثرت، ونصلي أحياناً بثمان ونوتر بثلاث، وأحياناً عشرين ونوتر بثلاث، ولا أقل من ليلة هكذا، وليلة هكذا.

    والحمد لله رب العالمين.