إسلام ويب

ثلاثة أحاديث عليها مدار الإسلامللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خص الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم حتى إن الشريعة الواردة جمعتها في ثلاثة أحادث، وذلك أن الله بين لنا الحلال والحرام، فمن تعداهما بزيادة أو نقصان أو بصرفهما لغير الله فعمله مردود عليه، ولأهمية الشهادتين خلق الله الجنة والنار، وجعلهما سبباً في حصول الأمن في الدنيا والآخرة، وقد قيد الأجور على الأعمال بإخلاص النية له، ويتأكد الإخلاص خاصة على طالب العلم، وإلا فإنه أول من تسعر به النار.

    1.   

    ذكر الأحاديث الثلاثة التي عليها مدار الإسلام

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونصلي ونسلم على النبي الكريم، صلى الله عليه وعلى آله، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    وبعد: إخوتي الكرام! لا يخفى عليكم خطر العمل الذي تقلدناه وقمنا به، فنحن بين قسمين لا ثالث لهما:

    إما أن نكون خلفاء لخير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وإما أن نكون خلفاء لشر خلق الله إبليس عليه لعنة الله، فالقرآن حجة لنا أو علينا، والعلم إذا لم ينفعنا فسيضرنا، فإما أن تكون -أخي طالب العلم- عند الله من المقربين، وإما أن تكون في أسفل السافلين.

    وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن أنصح نفسي وأنصحكم في أمر إذا حققناه نكون عند الله جل وعلا من المقربين، وهذا الأمر هو إخلاص النية لله رب العالمين في هذا الأمر العظيم الذي نقوم به في هذا الحين، ولا يخفى عليكم أن الإسلام بأكمله, وأن أحاديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه على كثرتها تدور على ثلاثة أحاديث، كل منها في الصحيحين:

    الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )، أي: إلى ذلك العرض الخفيف الذي لا وزن له ولا اعتبار، فهو في الصورة مهاجر، لكنه عند الله خاطب أو تاجر.

    والحديث الثاني: حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية لـمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ).

    والحديث الثالث: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الحلال بين والحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ).

    إن وجه دوران الإسلام وأحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام على هذه الأحاديث الثلاثة: أن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما يبين لنا أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فما من خير إلا ودلنا عليه وحثنا عليه صلوات الله وسلامه، وما من شر إلا وقد بينه لنا وحذرنا منه عليه صلوات الله وسلامه، فهذا الخير وذلك الشر ينبغي للإنسان أن يقف نحوهما موقف المسلم المتبع فيفعل الخير ويترك الشر، يحل الحلال ويحرم الحرام على الكيفية الواردة عن خير الأنام عليه صلوات الله وسلامه، فإذا أدخل عقله في تحليل أو تحريم فهو مردود عليه؛ لأنه شرع من الدين ما لم يأذن به الله: كما في حديث عائشة : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).

    فإذا فعل الإنسان ما بينه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم على أنه حلال، ويقربنا إلى ذي العزة والجلال، وترك الإنسان ما بينه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه حرام، ويؤدي بنا إلى النيران، فهل اقتصر الأمر على ذلك؟ وهل هذا يكفيه؟ لا، لا بد من شيء آخر، لا بد من فعل الحلال ابتغاء وجهه سبحانه وتعالى، ولا بد من ترك الحرام ابتغاء وجه الرحمن بدلالة: ( إنما الأعمال بالنيات ) فالإسلام كله يدور على هذه الأحاديث الثلاثة، فقد وضح لنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شيء، فينبغي أن نأخذ بذلك كما بينه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن نريد بذلك وجه ربنا سبحانه وتعالى.

    دوران الدين كله على مدلول الشهادتين

    إن الدين بأكمله يدور على هذه الأحاديث الثلاثة التي تتلخص في كلمتين وفي جملتين هما: مدلول الشهادة التي ينطق بها كل مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

    إن الإله المعبود الذي ينبغي أن يفرد بعبادتنا وقصدنا وتعظيمنا هو الله جل وعلا، ينبغي أن يعبد على حسب ما بينه على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فالنية إذاً: تنبعث منك لعبادة هذا الخالق حسبما شرع، وكما قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله، معبراً عن هاتين الجملتين بعبارة من عنده: إياك أريد بما تريد.

    إن شرع الله المجيد يدور على هاتين الدعامتين: إياك أريد بما تريد، فقصدي ونيتي ليس فيها إلا ربي سبحانه وتعالى، وهذا القصد لا يكون على حسب رأيي، إنما يكون على حسب ما بينه نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق على الهوى.

    لا إله إلا الله: إياك أريد، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بما تريد.

    ولأجل هذا الأمر خلق الله السماوات والأرض، وبنى الجنة وأسس النار، وخلق المكلفين، وسينقسمون بهذا الأمر -وهو عبادة الله حسبما شرع- إلى قسمين في نهاية المطاف: إلى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2].

    ثبت عن أبي علي الفضيل بن عياض شيخ المسلمين وسيدهم في زمانه أنه قال في تفسير هذه الآية: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] أي: أخلصه وأصوبه، فقيل: ماذا تعني بذلك يا أبا علي ؟! قال: الإخلاص: هو المراد بالعمل وجه الله، والصواب أن يكون على السنة، فمن عمل عملاً لم يقصد به وجه الله فهو مردود عليه، ومن عمل عملاً لم يشرعه نبينا صلى الله عليه وسلم فهو مردود عليه.

    تحقيق مدلول الشهادتين سبب السعادة والأمن في الدنيا والآخرة

    إذا تحقق الإنسان بهاتين الدعامتين فقد سعد في الدنيا والآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، أي: لم يخلطوا إيمانهم بظلم، والمراد من الظلم هنا: الشرك، أي: إشراك غير الله مع الله في العبادة، أي: قصد غير وجه الله سبحانه وتعالى، فهذه نية، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] أي: بشرك.

    وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم تفسير الظلم هنا بالشرك كما ورد في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ ) وكأنهم رضي الله عنهم فهموا من الظلم مطلق المعاصي، ولا ينفك أحد من معصية، إنما الإنسان إذا عصى ربه جل وعلا وأخطأ فلن يشرك به ولا يتطلب الشرك من مسلم، بل نيته مع ربه جل وعلا، وإذا وقع في غفلة في بعض الأحيان استيقظ عما قريب ورجع إلى ربه الرؤوف الرحيم: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].

    (فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس كالذي تعنون، إنما الظلم الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]).

    فإذا خلصت نيتك لربك، وطهر قلبك لإلهك سبحانه وتعالى، فهنيئاً لك ثم هنيئاً، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام:82] في الآخرة، وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] في الدنيا، فهم في الدنيا على صراط الله المستقيم، وهم في الآخرة في جنة الله العظيمة الواسعة، هم في جنات النعيم.

    وهذا كما قال ربنا سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، لا بد من هذين الشرطين، ولا بد من وجود هذين الركنين في جميع أعمالك أخي المؤمن؛ من عمل صالح مشروع، ونية طيبة تريد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

    1.   

    النية الخالصة وأثرها في قبول العمل

    إخوتي الكرام! وإذا كان الأمر بهذه الأهمية فإننا سنتكلم على إخلاص النية في عملنا، والنية ضرورية لكل مسلم في كل عمل، لكنها لطالب العلم أشد ضرورة، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بالنية الصافية النقية الخالصة التي ليس فيها شائبة من الشوائب, ينبغي أن يريد بعلمه وجه ربه، والنية للأعمال الصالحة كالروح للجسد، فالجسد إذا لم يكن فيه روح فهو ميت، والعمل الصالح إذا لم يكن فيه نية خالصة لله فهذا عمل ميت مردود لم يقبله الله. قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] أي: مائلين عن الشرك ومخلصين نيتهم لربهم سبحانه وتعالى: حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].

    تقييد الأجر على العمل بإخلاص النية

    ومن تأمل الأعمال الصالحة والأعمال الطيبة المباركة وجد أن نبينا صلى الله عليه وسلم يقيد الأجر عليها بإخلاص النية لله، فبناء المساجد من أعظم القربات عند رب الأرض والسماوات، فإذا لم تخلص النية في البناء فالعمل وبال على صاحبه.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بنى بيتاً لله بنى الله له بيتاً في الجنة )، بنى مسجداً، والغرض من ذلك وجه الله سبحانه وتعالى، وهكذا الحج له أجر عظيم إذا خلصت النية لرب العالمين، كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حج لله ) أي: قصده من حجه وجه الله سبحانه وتعالى، ( من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )، فإذا حج لغرض دنيوي فحِجته -بالكسر- وحَجته -بالفتح- لما قصده، وليس له من هذا الأجر شيء.

    وهكذا سائر أعمال البر والطاعة ينبغي أن تلازمها النية الخالصة لله سبحانه وتعالى، ففي معاجم الطبراني الثلاثة بسند لا بأس به، وأصل الحديث في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر، ولا ينالهم الحساب -أي: الشدة والعناء التي تحصل للناس في عرصات الموقف-، وهم على كثبان المسك ) سبحان ربي العظيم! ثلاثة أصناف لا يهولهم ولا يخيفهم الفزع الأكبر، ولا يعتريهم شدة من الحساب والوقوف في ذلك اليوم العصيب الرهيب الذي يجعل الولدان شيباً، وهم على كثبان المسك, اسمعوا إلى هؤلاء الثلاثة, فلعل الله أن يجعلنا منهم فهو أرحم الراحمين.

    قال: ( رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله، وأم به قوماً وهم به راضون ) احرصوا على هذا إخوتي الكرام، ( ورجل ينادي للصلاة ابتغاء وجه الله ) لا يهوله الفزع الأكبر، ولا تناله شدة الحساب وهو على كثيب من مسك، رجل ينادي للصلاة ابتغاء وجه الله، (ورجل أحسن فيما بينه وبين وربه، وفيما بينه وبين مواليه)، عبد مملوك، أحسن معاملته مع الله، وأحسن معاملته مع مالكه.

    إخوتي الكرام! الصنف الأول يتحدث عن حالنا، فإما ألا نخاف في ساحة الموقف، وألا ينالنا شيء من العناء والشدة، وأن نكرم غاية الإكرام، وإما أن تتقطع قلوبنا وأن تسود وجوهنا في يوم تبيض فيه الوجوه وتسود فيه الوجوه ( رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله ) فإذا قرأه لغير ذلك فأف وتف، ومن الدجالين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً.

    وهكذا سائر أعمال البر، لو تأمل الإنسان هدي الشارع فيها لرأى أنه يقيد الأجر عليها بإخلاص النية لله سبحانه وتعالى. ففي معجم الطبراني الأوسط ومعجم الطبراني الكبير بسند حسن لشواهده الكثيرة، عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( المؤذن المحتسب كالمتشحط بدمه في سبيل الله، يتمنى على الله ما يشتهي بين الأذان والإقامة ) سبحان ربي العظيم! ينادي إلى الصلاة وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] ينادي ابتغاء وجه الله وإعلاء لدين الله، له من الأجر ما لا يخطر على بال الإنسان كالمتشحط بدمه في سبيل الله، كأنه قطعت رقبته وكثرت الجراحة في جسمه، وابتلت كل ذرة وكل بقعة من جسمه بدمه، وله من الله هذه المنزلة الكريمة: ( يتمنى على الله ما يشتهي ) فكل ما يريده عليه أن يطلبه ما بين الأذان والإقامة.

    النية الصالحة سبب لحصول الأجر العظيم

    أخي الكريم! إذا أخلصت النية لله رب العالمين فلك من الأجر ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقين، يا عبد الله! أخي الكيس! أخي العاقل! أخي الفطن! أخي المؤمن! أخي طالب العلم! حذاري حذاري أن تبيع هذه الجواهر وهذه الدرجات العالية بعرض زائل، والله إنه كالظل الذي يزول، بل إنه أسرع زوالاً، وما الدنيا بأسرها في ظل الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه.

    ولموضع سوط الواحد منا في الجنة ولا يزيد على ذراع خير من الدنيا وما فيها، فاتق الله في نفسك عندما أعطاك هذه الرتبة، جعلك خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خبثت نيتك في طلب العلم فأنت خليفة لإبليس، فاختر لنفسك، والإنسان على نفسه بصيرة.

    1.   

    دلالة الأحاديث النبوية على سوء عاقبة من فسدت نيته

    ومن تأمل أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، رأى ما يردعه عن غيه وعن فساد نيته، فقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة المتواترة عن أناس كثيرين، عملوا أعمالاً صالحة، لكن النية فسدت، ولكن القلوب خبثت، وما أرادوا بعملهم وجه ربهم، فبدلاً من أن يقربهم العمل إلى الله أدخلهم النار.

    دلالة حديث: (أول ما تسعر النار على ثلاثة...)

    ثبت في صحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله: عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أول ما تسعر النار على ثلاثة من الخلق ) أي: ثلاثة من الخلق أول ما تسعر النار وتحمى عليهم، والبلية أن هؤلاء الثلاثة من هذه الأمة، والبلية الأشنع من هذا أنهم عملوا أعمالاً في منتهى الصلاح والفضيلة، لكن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً، فالعمل هنا صورته صورة صلاح، لكن حقيقته حقيقة فساد عند الله جل وعلا، لا يقبل الله من العمل إلا ما كان صالحاً, ولوجهه خالصاً.

    ثلاثة من الخلق من هذه الأمة وهم في الظاهر من خاصة الخاصة، الثلاثة هم: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق، ( يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة, فيعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول الله له: ماذا عملت؟ -وماذا أديت من شكر لهذه النعمة؟- فيقول: يا رب! قرأت القرآن وعلمته عبادك -وواقع الأمر صدر منه هذا- فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، إنما قرأت وأقرأت ليقال فلان قارئ، وقد قيل )، ومن باب أولى لو أنه قرأ وأقرأ لينال عرضاً آخر من أعراض الدنيا، كما لو كان يقصد وظيفة، أو كان يقصد دريهمات قليلة، فيقال: إنك قرأت وأقرأت لتنال شهادة، ولتنال وظيفة ولتنال دريهمات وقد نلت ذلك، وأخذت أجرك الذي قصدته، ( ثم يأمر الله الملائكة أن تأخذه فتطرحه على وجهه في نار جهنم، ويؤتى بالمجاهد فيعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول الله له: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب قاتلت في سبيلك حتى قتلت ) وهذا أعظم ما يملكه الإنسان.

    الجود بالمال جود فيه مكرمة، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، بذل نفسه، ( فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، إنما قاتلت ليقال: فلان جريء، وقد قيل، ويؤتى بالمتصدق فيعرفه الله نعمه فيعترف بها ويقر، فيقول الله له: ماذا عملت؟ فيقول: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، إنما تصدقت ليقال: فلان جواد، وقد قيل, ثم يأمر الله الملائكة أن تأخذه وتطرحه على وجهه في نار جهنم ).

    كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا روى هذا الحديث أمام معاوية يغشى عليه من كثرة البكاء رضي الله عنهم أجمعين، فإذا انقطع بكاءه وعاد إلى حالته يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، مصداق هذا في كتاب الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] وقصده هذا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، أي: لا ينقصون، وما أرادوه يحصلون عليه على التمام، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16]، أي: أن الأعمال الصالحة التي عملوها حبطت عند الله بالنية الخبيثة.

    أخي طالب العلم! تفقد نفسك، أياماً قليلة وسترحل إلى ربك وهناك تبلى السرائر، فالله لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأشكال، إنما ينظر إلى القلوب والأعمال، هناك تبلى السرائر، وأنت على نفسك بصيرة كما قال ربنا العظيم، ففتش عن نفسك، وأخلص النية لله سبحانه وتعالى.

    دلالة حديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله..)

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) (لم يجد عرف الجنة) أي ريحها، فإذا كنت تقصد الشهادة في الدنيا فاعلم أنك ستصلى النار في الآخرة، وإذا كنت تقصد المنصب في الدنيا فاعلم أنك ستصلى نار جهنم في الآخرة، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:2-3].

    ينبغي أن يكون قصدك من طلب العلم أن تعرف شرع الله المطهر لتزكي به نفسك، ولتقوم نحو هذا الشرع بما أوجبه الله عليك من الدعوة إليه بالتي هي أحسن، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44]، وما عدا هذا فما ينبغي أن يخطر على بالك، فإن جاء بدون قصد وجعلته مطية إلى ربك فلا بأس، وأما إذا جاء وأنت تقصده فهذه بلية عظيمة شنيعة.

    وقد نهانا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نأخذ ما نتطلع إليه، وما نستشرف إليه: (فما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك)، كما ثبت هذا في الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وقد وصل الأمر بالإمام أحمد -عليه رحمة الله ونضر الله وجهه- أنه دخل عليه طالب علم فقير من طلبة الحديث، وكان بين يدي الإمام أحمد أرغفة من خبز خرجت من التنور، فأعطى لهذا الطالب رغيفاً فامتنع، فعلم الإمام أحمد قصده وأنه يراقب ربه، فهو لما اشتهى هذا وتطلع إليه وأعطيه فلا ينبغي أن يأخذه فتركه، فلما خرج قال لولده عبد الله : الحق هذا الطالب وأعطه هذا الرغيف، فلما لحقه وأعطاه إياه أخذه. فقال عبد الله : أمر هذا الطالب عجبٌ، كيف امتنع من أخذه في أول الأمر وأخذه بعد ذلك؟ قال: يا بني! هذا فقيه، إنه عندما دخل تطلعت نفسه إلى هذا، فلما أعطيناه إياه امتنع من أخذه، فنفسه زهدت فيه ولم تتعلق به وانقطع أمله منه، فلما خرج وأعطيته إياه أخذه.

    إذاً: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك.

    فحذاري أن تقصد شيئاً من عرض الدنيا بهذا العلم، واعلم أن الذي يرزق الكلاب سيرزقك يا عبد الله! وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، فإذا تكفل الله برزق الكلاب فهل سيغفل عن رزقك عندما تقبل إليه؟ لا والله، فأخلص النية يا عبد الله! وإذا كنت تعلم عند مبحث الإيمان بالقدر أن ما قدره الله كائن، وأن الرزق لن يزيده الله ولن ينقص بكسلك وفتورك، فعلام النية الخبيثة إذاً؟! والله الذي لا إله إلا هو لن تحصل درهماً لم يقسمه الله لك، ولن يفوتك درهم قسمه الله لك، فاربط قلبك بالله، وكن عبداً لله سبحانه وتعالى، ففي هذه العبودية عز لك في الدنيا وسعادة في الآخرة، ( من تعلم علماً ممن يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ).

    دلالة حديث: (من غزا ولم ينو من غزوته إلا عقالاً...)

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن المجاهد الذي يعرض نفسه وماله للتلف والخطر له ما نوى، كما قرر هذا فيما تقدم معنا في حديث الصحيحين: ( إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى ).

    ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي ومستدرك الحاكم بسند صحيح، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من غزا ولم ينو من غزوته إلا عقالاً فليس له إلا ما نوى ) سبحان ربي العظيم! يعرض بدنه للهلاك وماله للتلف، وما قصد إلا أن يغنم هذا الحبل ليربط به دابته، أو يربط به بعيره، فليس له إلا هذا، ليس له عند الله من خلاق ولا ثواب.

    1.   

    تأييد الله تعالى هذا الدين بمن فسدت نيته

    أخي طالب العلم! إذا فسدت نيتك فأنت ممن يؤيد الله به دينه، لكنه عليك غضبان، نعم يحفظ الله دينه بعلماء السوء، لكنهم يوم القيامة يلقون في نار جهنم، وهذا حاصل في زمننا بكثرة، حفظ القرآن لعرض الدنيا، وحفظ الحديث لعرض الدنيا، وحفظت مباحث من توحيد وفقه وغير ذلك لعرض الدنيا، وما لواحد من هؤلاء خلاص عند الله إلا إذا قصدوا بعلمهم وجه الله.

    ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) والفاجر هو الذي خبثت نيته فهو عند الله فاجر، وهو عند الله خبيث، لكنه أيد به دينه، وحفظ به شرعه، ودعا هذا الرجل إلى الله لكنه يوم القيامة في جهنم.

    وفي رواية الإمام أحمد ومعجم الطبراني عن صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( سيؤيد الله هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم )، وهذه إشارة لغيب تحدث عنه الذي لا ينطق عن الهوى، عليه صلوات الله وسلامه، وقد حدث في زماننا بكثرة، وإذا امتدت الحياة بأهل الإسلام فسيكون هناك فجرة، لا يريدون بعلمهم وجه ربهم سبحانه وتعالى، يحفظ الله بهم دينه، لكنهم لجهنم حطباً.

    وهكذا روى الإمام الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم ). وللحديث روايات متعددة عن عدة من الصحابة، إن شئتم أن تمضوا إليها إلى غير رواية الصحيحين المتقدمة، فانظروا مجمع الزوائد في الجزء الخامس في صفحة ثلاثمائة واثنتين، وبوب الإمام الهيثمي باباً يخلع القلوب، فقال: باب فيمن يؤيد الله بهم الإسلام من الأشرار. أي: هم من الأشرار، لكن الله أيد بهم الإسلام وحفظ بهم دينه.

    أخي طالب العلم! والله الذي لا إله إلا هو، لو أعطينا هذا الحديث من التأمل والتدبر لامتنع النوم عنا إذا جن علينا الليل، فهل نحن من الفجرة الذين غضب عليهم ربنا وأيد بهم دينه، أم نحن من البررة، وكل واحد يعرف نفسه.

    1.   

    علامات فساد النية في طلب العلم

    إخوتي الكرام! وأعظم دليل على فساد النية وخبث الطوية وإرادة الدنيا وعرضها بالعلم أمران، أشار إليهما نبينا عليه الصلاة والسلام:

    طلب العلم لأجل الشهادة والمنصب

    الأمر الأول: أن الإنسان لا يعتني بحفظ العلم ولا بضبطه، وإذا حفظه وانتهى منه أعرض عنه ونسيه، كحال ما أعلم، أقول تسعين، أو تسعاً وتسعين -الله عليم بحقيقة ذلك- كحالنا في هذه الأيام، طالب العلم عندما يتخرج ويجلس على كرسي يرقص نفسه ذات اليمين وذات الشمال، إذا حفظ خمسة أجزاء نسيها، وإذا حفظ شيئاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ذهل عنها؛ لأنه تعلم للشهادة، وليجلس على هذا الكرسي، صام وصلى لأمر كان يقصده، فلما حصله أعرض عن طلب العلم، هنا إنما طلب هذا العلم لهذا المنصب، فلما حصلها قطع عنه.

    فإذا كنت تتساهل في حفظ شريعة الله المطهرة، ولا تبالي بنسيانها بعد أن استقرت في ذهنك، فاعلم يقيناً أنك ممن غضب الله عليه، وأنك ممن يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، وأنك ممن يريد بعلمه عرض الدنيا وحظوظها.

    عدم العمل بالعلم

    والأمر الثاني: العمل بالعلم، فإذا لم تعمل بعلمك فاعلم أنك من الفاجرين المنافقين الذين يخادعون رب العالمين، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9].

    ثبت في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل لأقماع القول, ويل للمصرين, الذين يصرون على ما عملوا وهم يعلمون )

    (ويل لأقماع القول), هو الذي يحفظ وينسى، حاله كحال القِمَع أو القِمْع، وهو ما يصب فيه السوائل، ويقال عنه في لسان أهل البلاد هنا: المحجال، تصب فيه العسل والسمن والزيت، فتصبه من هذه الفتحة الواسعة فينزل من هذه الفتحة الضيقة، وهذا المحجال وهذا القمع لا يستفيد شيئاً ولا يعي ولا يستقر فيه، وهذا حال كثير من طلبة العلم.

    وقد كنت سألت بعض إخواننا في مرحلة الثانوية، عندما وصلنا للسنة الثالثة الثانوية، وكان يقرر علينا في كل سنة جزء واحد من القرآن حفظاً، فلما صرنا في السنة الثالثة، إذاً: نحفظ ستة أجزاء في المرحلة المتوسطة والثانوية، سألت عدداً -إن لم أقل كل من معي- هل تحفظون الأجزاء السابقة؟ قالوا: لا، أدينا بها الاختبار، والامتحان وانتهى الأمر.

    أخي الكريم! أنت أحرزت شريعة رب العالمين، وهي أعظم من الدر والياقوت والجواهر، وأغلى من الذهب والفضة، فكيف فرطت فيها، وكيف ضيعتها؟! إنك لا تعظم الله حق تعظيمه، إنك تستهزئ بالله، لكنك مغرور تستهزئ بنفسك ولا تدري، وسوف ترى إذا انجلى الغبار حقيقة الأمر، وماذا سيكون إليه مصيرك؟

    ( ويل للمصرين ) على الذنوب وعلى مخالفة علام الغيوب، يعملون على خلاف ما يعلمون.

    فيا طالب العلم! إذا وقعت في خطيئة وفي هفوة فأنت بشر، والعصمة لا تثبت إلا للأنبياء، إنما الإصرار ليس من حلية الأبرار، بل هو شعار الفجار، وشعار الكفار، تصر على الذنوب والأوزار! هذا لا يصلح أبداً.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم: أن طالب العلم إذا لم يعمل بعلمه يلق في جهنم على أم رأسه، ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين عن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار ) يلقى كما تلقى الزبالة، وكما يلقى الحذاء البالي امتهاناً له واحتقاراً، ( فتندلق أقتابه -أمعاؤه- فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى ) سبحان ربي العظيم! هذا شأن من كان يحفظ القرآن، وهذا شأن من كان يحفظ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، إي والله؛ لأنه قصد بهما غير وجه الرحمن، (فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: ويلك يا فلان! ما لك؟ ما الذي أصابك؟ وكيف ألقيت في نار جهنم، وأنت كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه )، والحديث في الصحيحين.

    أخي طالب العلم! اتق ربك في نفسك، إذا ملأت بيتك من المزامير ووسائل الإفساد في هذا الوقت الذي عمت البيوت فاعلم أن الله قد سخط عليك، وأنك ستلقى في نار جهنم، وستدور حول أمعائك كما تدور الحمار حول الطاحون، إنها صورة مزرية شبه بها هذا العالم الخبيث، فالجزاء من جنس العمل، مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، هو في هذه الدنيا كمثل الحمار، وهو في النار أيضاً يدور حول أمعائه كما يدور الحمار، هذا حال عالم السوء، وهذا حال طالب العلم إذا لم يعمل بعلمه.

    أخي طالب العلم! والله لن تزول قدمك أمام ربك على رؤوس الأشهاد حتى تسأل عن هذا العلم الذي أمضيت فيه سنوات في تحصيله، هل انتفعت به أم لا؟

    ثبت في سنن الترمذي وغيره بسند صحيح، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه ) ماذا عملت في علمك؟ ستوقف أمام أحكم الحاكمين، ويوجه إليك هذا السؤال على رؤوس العالمين، علمك ماذا عملت فيه؟ هل انتفعت به، أم أردت به ما أردت؟

    1.   

    إسناد العلم إلى رذالة الناس دليل فساد الحياة

    إخوتي الكرام! قد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا اختلت الأمور، وصار العلم في أهل الزيغ والثبور، فستفسد الحياة, وستعطل شريعة رب الأرض والسماوات.

    ففي مسند الإمام أحمد ، وسنن ابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: ( قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ )، إنهم لا يسألون عن الوقت الذي يحل للإنسان أن يترك فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا ثم لا، إنما يسألون عن الحالة التي إذا تلبسوا بها وغضب الله عليهم، تركوا هذه الشعيرة وهذا الأمر، متى وفي أي حالة نترك هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كانت الفاحشة في كباركم ) أي: سناً وقدراً، وأكابر الأمة في هذا الوقت منهمكون في الشهوات والمحرمات، ولعل الأموال التي تنفق على العهر والفجور تكفي معيشة العالم بأسره، الفاحشة في كبارنا، ثم قال: ( والملك في صغاركم ) حساً وقدراً، سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان بدءوا يتولون أمور الأمة، فتراه صغيراً لم يتثقف ولم يتهذب بشرع الله الجليل، وقد يكون كبيراً لكن فيه الصغار المعنوي الحقيقي، ( والملك في صغاركم، والعلم في رذالتكم ) أي: الأراذل حملوا العلم، إذا وجد فيكم هذه الأمور تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    هذا حالنا إخوتي الكرام! وكأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تكلم بهذا كأنه يشاهد واقعنا: ( إذا كانت الفاحشة في كباركم, والملك في صغاركم، والعلم في رذالتكم تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )، قال زيد الخزاعي -أحد رواة الحديث-: يعني: أن يكون العلم في الفساق أي: إذا صار العلم في هؤلاء الرذالة، وهؤلاء الحثالة، وكم ترى في هذا الوقت ما يشيب منه الولدان، استاذاً في الحديث، متخصص في علم السنة، يعكف على لهو الحديث، وأعماله كلها بدعة، يجر ثوبه على الأرض شبراً، أهكذا أمرك نبيك صلى الله عليه وسلم الذي تخصصت في سنته وحديثه؟! يحلق لحيته أو ينكفها أو يقصرها بحيث تبدو البشرة كما يفعله مخنثة الرجال.

    واخيبة الآمال! ويا شقاء الأمة! عندما حمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل كتاب الله جل وعلا أمثال هؤلاء.

    ولعل وجه ترك الأمر بالنسبة للصنف الثالث ما نلمسه في هذا الوقت من كثير من الناس، فإنك إذا نصحت كثيراً من الناس في هذا الوقت وزجرتهم عن مفسدة، فإنهم لا يتعللون بفعل مفسدتهم إلا أن فلاناً ممن يحمل شهادات طويلة عريضة يفعل هذا.

    وعليه فعندما ينصح الناصح فإنه يمل بعد ذلك؛ لأن العلم لما كان في الرذالة، واقتدت الأمة بأعمال هؤلاء الرذالة، وعكفوا على فعل الرذائل، فإنك عندما تنصح لا يقبل نصحك؛ لأنه لو كان هناك رجل رشيد ونصح، يقال: أنأخذ بكلامك ونخالف هذا الجم الغفير؟ لا.

    فبعد ذلك يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الرذالة فقد تركوه، وأما هذا فتعلل بتركه بهذه الآية: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9].

    فتراه يقول: الذكرى لم تعد تنفع، ولم تعد تجدي، وإذا نصحت فإنهم يتعللون بعمل فلان وعمل فلان، فما لي إلا أن أسكت، وأن أنكر بقلبي، وأن أفوض الأمر إلى ربي، إذا كان العلم في الرذالة، أو كان العلم في الفساق، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.