إسلام ويب

الذكر [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للذكر منزلة عظيمة عند الله عز وجل، فهو أعظم العبادات بعد أداء الفرائض؛ ولذلك رفع الله عز وجل منزلة الذاكرين خصوصاً أهل القرآن، فقد شفع القرآن لهم ولأهليهم، والغناء محرم للأدلة على ذلك، وللمفاسد التي تكون بسببه، وقد أنكر ذلك بعض الناس، وكلامهم باطل وفاسد.

    1.   

    منزلة الذكر والذاكرين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً, وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين, فشرح به الصدور, وأنار به العقول, وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! لا زلنا نتدارس منزلة ذكر الرحمن في الإسلام، وتقدم معنا أن الذكر ضروري للإنسان؛ فهو لقلبه كالماء للسمك؛ ومن أجل ذلك أمرنا الله أن نكثر من ذكره في جميع الأوقات، وتقدم معنا أن فوائد الذكر تزيد على مائة فائدة، وهذه العبادة الجليلة التي لها هذه المنزلة الفاضلة الكريمة قد غيرها المتأخرون, وابتدعوا فيها وانحرفوا عنها.

    ولكي يكون الحديث موصولاً بما سبق سأتكلم عن فائدة من فوائد الذكر, ثم أتابع خطوات البحث.

    فأقول: إن الإنسان عندما يذكر ربه تحصل له فائدة عظيمة جليلة، أنه يتخلى عن الرذائل، ويتحلى بالفضائل، ففي الذكر تخلية وتحلية، إن من يذكر الله جل وعلا يبتعد عن الرذائل ويحصن نفسه من اللهو واللغو والباطل، فالذكر جُنَّة حصينة للإنسان من وساوس الشيطان, ومن هذيان اللسان، ثم هو بعد ذلك يتصف بالصفات الكريمات, ويقوم -عندما يذكر ربه- بأفضل الطاعات.

    تقرير الأئمة كون الذكر أفضل العبادات بعد الفرائض

    وقد قرر أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أن أفضل العبادات في حق المخلوقات -بعد أداء الفرائض- ذكر رب الأرض والسماوات، نص على هذا شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى الجزء العاشر صفحة ستين وستمائة -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- قال شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية : والدلائل القرآنية والإيمانية بصراً وخبراً ونظراً على ذلك كثيرة.

    الأدلة على كون الذكر أفضل العبادات بعد الفرائض

    وهذا الأمر الذي اتفق عليه أئمتنا -أن أفضل العبادات بعد أداء الواجبات ذكر رب الأرض والسماوات أي: أن يشغل الإنسان نفسه بذكر مولاه- دلت عليه سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة, فأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذاكرين هم السابقون، وأخبرنا أن عبادة الذكر هي أجل العبادات عند الحي القيوم.

    فاستمع لتقرير هذين الأمرين من كلام نبينا الميمون عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي ، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، وهو صحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كنا نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق مكة المكرمة والمدينة المنورة، حتى وصلنا إلى جبل يقال له: جمدان -وهو جبل منفرد لا نظير له بين مكة والمدينة-، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا الجبل, وقال: سيروا, هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ).

    فهم الذين أفردوا الله جل وعلا بذكرهم، ولهجوا بذكره في جميع أوقاتهم، وهم المنفردون بهذه الخصلة الجليلة من بين الخلق، كما انفرد هذا الجبل من بين سائر الجبال بتلك الصفة، ( سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون, ومن المفردون؟ الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ).

    وفي رواية المسند ومستدرك الحاكم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المفردون هم الذين يهترون بذكر الله ) أي: يولعون ويتعلقون بذكر الحي القيوم في جميع أوقاتهم وأحوالهم. وفي رواية الترمذي : ( هم المستهترون بذكر الله, يضع الذكر عنهم أوزارهم، فإذا وافوا ربهم يوم القيامة وافوه خفافاً )، أي: ليس عليهم ذنوب ولا أوزار.

    وهذا الحديث إخوتي الكرام! كما روي في صحيح مسلم وغيره من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي الدرداء ومعاذ بن جبل أيضاً رضي الله عنهم أجمعين.

    إذاً: هؤلاء هم السباقون، هم المفردون؛ لأنهم عبدوا الحي القيوم بأعظم العبادات؛ ألا وهي ذكر الله.

    وقد نص على هذا نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير، ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان وإسناده صحيح كالشمس، من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب والورق -وهي الفضة-، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله ).

    ذكر الله هو خير الأعمال عند ذي العزة والجلال، ولذلك من قام به صار من المفردين، وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ موقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، وقد رفعه من تقدم ذكرهم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث صحيح ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورواه الإمام أحمد في المسند بسندٍ صحيح، إلا أنه منقطع من رواية سيدنا معاذ بن جبل عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن سائر الصحابة الكرام.

    إذاً: الذاكر سابق, ويعبد الله بأجل العبادات، ذكر رب الأرض والسماوات.

    1.   

    تأثر المشركين في العصر الجاهلي بالقرآن الكريم

    وإذا كان للذكر هذه المنزلة كما ذكرت، فإن أعلى الأذكار وأفضلها -كما تقدم معنا- كلام الله جل وعلا، الذي به تحصل اللذة للإنسان عندما يقرأه في هذه الحياة، ويتنور قلبه وينشرح صدره وتبتهج نفسه، وبه يحصل عظيم الأجر في الآخرة بعد الممات عند رب الأرض والسماوات، ذكر الله عن طريق كلامه، عن طريق قراءة كتابه الذي أنزله علينا؛ ليخرجنا من الظلمات إلى النور، فهذه عبادة جليلة.

    فكما أننا ينبغي أن نذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك ينبغي علينا أن نذكره بتلاوة كلامه ووحيه الذي أنزله على نبينا -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- وكما قلت: من تلا هذا الكلام حصل فوائد في العاجل وفي الآجل، وما أعلم ما أصابنا في هذه الأيام عندما أعرضنا عن كلام ذي الجلال والإكرام؟!

    المشركون مع شركهم كانوا يستمعون إلى كلام الله جل وعلا ويتلذذون به، فاستمع إلى هذه الحوادث التي وقعت في الصدر الأول عند نزول القرآن، على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    تأثر الوليد بن المغيرة بالقرآن الكريم

    ثبت في مستدرك الحاكم بسندٍ صحيح على شرط البخاري وأقره عليه الذهبي، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، ورواه الإمام ابن جرير وابن مردويه في تفسيره، والحديث صحيح من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه القرآن، فلما عاد إلى قومه قال أبو جهل: إن الوليد قد جاءكم بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به، ذهب وفي وجهه ظلمة، وجاء وفي وجهه شيء من البهجة، وهو معجب مدهوش؛ لما سمع من كلام الله جل وعلا، فسألوه عما حصل له عندما سمع، فقال لهم: والله لقد سمعت كلاماً ما هو بالشعر ولا هو بالسحر ولا هو بالكهانة, فأنا من أخبركم بذلك، والله إن له لحلاوة، وعليه لطلاوة، وهي البهجة والنور والسرور قال: إن له لحلاوة، وعليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه يحطم ما تحته، ويعلو ولا يعلى عليه، وما هو من كلام البشر.

    فقال اللعين أبو جهل -عليه وعلى كل مشرك لعنة رب العالمين- إنك أتيت محمداً -عليه الصلاة والسلام- لتصيب من طعامه، قال: لقد علمت قريش أنني من أغناهم، فقال له أبو جهل : لن يقنع قومك منك حتى تقول في هذا القرآن شيئاً يرضون به عنك، قال: فماذا أقول؟ ثم فكر فقال: هذا سحر يأثره محمد -عليه الصلاة والسلام- عمن سبقه، فأنزل الله فيه صدر سورة المدثر: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:18-30].

    سمع هذا الكافر القرآن، وهذه شهادة كافر بالرحمن، أنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة، وأنه ليس من كلام البشر، وأنه يحطم ما تحته، ويعلو ولا يعلى عليه، وأن له حلاوة، وعليه طلاوة، وأسفله مغدق، وأعلاه مثمر.

    نعم كان القرآن يؤثر حتى في نفوس المشركين في الصدر الأول، فما الذي أصاب المؤمنين في هذا الحين عندما أعرضوا عن كلام رب العالمين؟!

    تأثر عتبة بن ربيعة بالقرآن الكريم

    ثبت في مصنف ابن أبي شيبة ومستدرك الحاكم ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، وأبو نعيم في دلائل النبوة أيضاً، ورواه أبو يعلى في مسنده، وعبد بن حميد في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، وإسناد الأثر حسن من رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، والأثر روي مرسلاً من رواية محمد بن كعب القرظي في مغازي محمد بن إسحاق، ورواه الإمام ابن المنذر وابن عساكر ، كما رواه البيهقي في دلائل النبوة أيضاً، فهو من رواية جابر بن عبد الله، ومن رواية محمد بن كعب القرظي رضي الله عنهم أجمعين.

    وخلاصة الأثر: أن المشركين اجتمعوا في دار الندوة في مكة المكرمة، فبحثوا في أمر نبينا محمد عليه صلوات الله وسلامه، ثم استقر رأيهم على أن يرسلوا إليه من يفاوضه لعله يترك دعوته، فذهب عتبة بن ربيعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسلم عليه وقال له: يا محمد! عبت آلهتنا, وسفهت أحلامنا, وكفرت من مضى من آبائنا، فرقت جماعتنا، فسأعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها، قال: قل ما عندك؟ قال: إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا، وإذا كنت تريد زواجاً زوجناك أجمل بناتنا، وإذا كنت تريد ملكاً وشرفاً ملكناك وسودناك علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن جمعنا لك الأطباء وبذلنا له الأموال حتى نعالجك منه لتبرأ، ماذا طرأ عليك؟ ماذا تريد؟ ما حالك في هذه الدعوة؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: انتهى ما عندك؟ استمع، فتلا نبينا صلى الله عليه وسلم على عتبة صدر سورة حم، فصلت: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:1-4] إلى آخر الآيات حتى وصل خير البريات عليه الصلاة والسلام إلى قوله الله عز وجل: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13]. فقام عتبة بن ربيعة إلى نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام ووضع يده على فمه، وقال: يا محمد! أنشدك الله والرحم، والله ما عندنا شك في صدقك، ولو دعوت علينا لاستأصلنا الله وأهلكنا فاتق الله فينا, فبيننا وبينك قرابة، قال: قد سمعت؟ قال: نعم، قال: أنت وذاك، فذهب إلى قومه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال لهم ما قاله الوليد بن المغيرة : هذا ليس من كلام البشر، يعلو ولا يعلى عليه، يحطم ما تحته، ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة، هذا كلام الله جل وعلا، ثم قال لهم: أرى أن تتركوا محمداً -عليه الصلاة والسلام- وشأنه، فإن أصابه العرب كفيتموه بغيركم، وإن ظهر فملكه ملككم, وعزه عزكم, وشرفه شرفكم، فقال أبو جهل : لقد سحرك محمد -عليه الصلاة والسلام-. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.

    انظر كيف يؤثر كلام الله جل وعلا في قلوب العتاة المشركين في الزمن الأول.

    موقف الأخنس بن شريق من القرآن الكريم

    وقد كان المشركون يتوافدون على نبينا عليه الصلاة والسلام في ظلام الليل، عندما كان في مكة المكرمة في أول دعوته، ويأتي في وسط الليل إلى فناء الكعبة ويتلو كلام الله، كانوا يتوافدون إليه سراً؛ يسمعون حلاوة هذا الكلام الذي هو كلام ذي الجلال والإكرام.

    ثبت في مغازي محمد بن إسحاق أنه: اجتمع ثلاثة من المشركين في وسط الليل أبو جهل وأبو سفيان والأخنس بن شريق ولقب بـالأخنس بعد موقعة بدر حيث قال لقومه: إن الله قد نجى عيركم فلا داعي أن تذهبوا إلى فقال محمد -عليه الصلاة والسلام- فانخنس مع من انخنس معه فقيل له: الأخنس بن شريق واسمه أبي بن شريق ، وقد آمن منهم اثنان أبو سفيان ، وأبي بن شريق ، وبقي أبو جهل على كفره، كانوا يجتمعون إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن، ولا يعلم أحد باجتماع صاحبه حتى يطلع الفجر، فإذا عادوا جمعهم الطريق، فسأل كل واحد صاحبه: أين كنت؟ فأخبروا بالحقيقة, وقال كل واحد: كنت أستمع إلى محمد -عليه الصلاة والسلام- وهو يقرأ كلاماً عذباً، ليس بكلام البشر، نذهب نستمع هذا الكلام الحلو، فقال بعضهم لبعض: ويحكم إذا سمع الناس بكم وأنت وجهاء قومكم سيفتنون بمحمد، فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يأتي أحد منهم في الليلة الثانية، وكل واحد ظن أن صاحبه سيفي بالوعد ولن يحضر، وقال: إنني أذهب ولا يعلم بي أحد.

    فاجتمع الثلاثة في الليلة الثانية مرة أخرى، فلما أسفر الفجر جمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: أين كنتم؟ فقالوا: كنا نستمع إلى محمد -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فذكر بعضهم بعضاً بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم في الليلة الماضية، وتعاهدوا على ألا يعودوا في الليلة التالية ولا ما بعدها، فعادوا أيضاً واجتمعوا في الليلة الثالثة، ثم بعد أن تفرقوا وتعاهدوا على ألا يعودوا ذهب أبي بن شريق وهو الأخنس إلى أبي سفيان، وقال: أخبرني ماذا سمعت من محمد؟ ما هذا القرآن؟ ما هذا الكلام الذي تسمعه؟ قال: سمعت كلاماً عرفته وعرفت ما يراد به، وسمعت كلاماً لا أعرف ما يراد به، ثم ذهب إلى أبي جهل قال: أخبرني بالذي سمعت من محمد؟ فأخبره، ثم قال له: أنشدك بالله هل تعلم أن محمداً صادق أو كذاب؟

    قال: والله إنه لصادق! وهو رسول الله حقاً، لكننا تسابقنا نحن وبنو هاشم حتى كنا كفرسي رهانٍ، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وحملوا فحملنا، ثم قالوا: منا نبي يأتيه خبر السماء، والله لا نتبعه أبداً، فأنزل الله عز وجل آية يشير بها إلى ما حصل من هؤلاء, ويسلي بها رسوله خاتم الأنبياء -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فقال عز وجل: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

    وحال أبي جهل وغيره من العتاة كحال عتاة نجد في العصر الأول عندما كانوا يقولون: كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، وكذاب ربيعة هو مسيلمة الكذاب، وصادق مضر هو نبينا عليه صلوات الله وسلامه-، يقول: هذا المتنبئ مع علمنا بأنه كذاب، لكن هو من قومنا ومن وطننا -على حسب مفاهيم الجاهلية- فهو أحب إلينا من النبي المضري القرشي الهاشمي، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    الأجور المتحصلة لحامل القرآن في الآخرة

    إخوتي الكرام! هذا أثر القرآن، وهذه عذوبته في هذه الحياة، وأما بعد الممات فتحصل به الأجور العظيمة عند رب الأرض والسماوات، وكنت قد بينت أن درجة قارئ القرآن إذا حفظه وفهمه وعمل بما فيه في أعلى الدرجات؛ لأن عدد درج الجنة كعدد آي القرآن، كما تقدم معنا إيضاح أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وهنا أقول: إن قارئ القرآن كما أنه في أعلى غرف الجنان؛ لأنه القرآن يشفع له، هو أيضاً يشفعه الله جل وعلا في أسرته وفي أصحابه وفي أحبابه، فهو له هذه المنزلة حيث شفع له القرآن، ثم هو يتقدم ويشفع لعباد الرحمن كما وضح لنا ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وليس بعد هذا المقام مقام.

    شفاعة البقرة وآل عمران لقارئ القرآن

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ورواه الطبري في تفسيره والطبراني في معجمه الكبير، وابن الضريس في فضائل القرآن، والحديث في صحيح مسلم ، فهو صحيح من رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين )، السورتين المنيرتين المباركتين، ( اقرءوا الزهراوين: البقرة، وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -وهي تثنية الغمامة؛ السحابة- أو غيايتان -والغياية: ما أظلك من فوقك سحاب أو غيره- أو فرقان -جماعتان- من طير صواف -أي: تصف أجنحتها وتنشرها- تحاجان عن صاحبهما ).

    وتحاجان أي: تدافعان وتشفعان عند ذي الجلال والإكرام، هذا الإنسان حفظ البقرة وآل عمران فكيف يدخل النيران وفي قلبه وفي جوفه كلام الرحمن؟

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة, وتركها حسرة, ولا تستطيعها البطلة ) والحديث في صحيح مسلم . قال معاوية بن سلام -وهو من رجال الكتب الستة توفي سنة سبعين ومائة للهجرة ثقة عدل رضا-: البطلة: هم السحرة.

    قال الإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الأول صفحة أربع وثلاثين، في أوائل تفسير سورة البقرة: وقوله: (لا تستطيعها البطلة) يعني: لا تستطيع السحرة حفظ سورة البقرة، وأيضاً: لا تستطيع السحرة النفوذ والوصول إلى قلب فيه سورة البقرة، فمن حفظ سورة البقرة صار في حصن حصين، ولا يصل إليه هذا الساحر المهين.

    ما يكون لوالدي حامل القرآن من الأجر والكرامة

    إذاً: القرآن يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، وإذا شفع القرآن لقارئه فتأهل هذا القارئ بعد ذلك للشفاعة إلى غيره، فانظر لفضل القرآن على غيره يوم القيامة كما أخبرنا عن ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، ورواه الإمام ابن عساكر وابن الأنباري في المصاحف، ورواه ابن نصر في كتاب قيام الليل، والإمام الآجري في كتاب (أخلاق حملة القرآن)، ولفظ الحديث من رواية معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه يوم القيامة حلة ضوءها أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل ذلك؟) هذا جزاء وفضل والدي قارئ القرآن، يكسيان حلة ضوءها أجمل من أجمل من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت الشمس في بيوتنا، فما ظنكم بمنزلة القارئ عند الله؟ إذا كان بفضله وصلت إلى والديه هذه المكانة، فكم سينال هو عند الله جل وعلا؟

    والحديث فيه زبان بن فائت المصري ، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة إلا سنن النسائي ، وهو صالح عبد قانت أواه لكن في حفظه ضعف، وهذا الحديث الذي روي من طريقه يصل إلى درجة الحسن؛ لوجود شواهد له، فمن ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط مسلم من رواية بريدة بن الحصيب رضي الله عنه بمعنى الحديث المتقدم, وهو يشهد لحديث معاذ بن أنس .

    وأيضاً روي له شاهد من رواية معاذ بن جبل في مسند إسحاق بن راهويه ومعجم الطبراني الكبير، ووجد له شاهد ثالث من رواية أبي أمامة الباهلي في معجم الطبراني الكبير، ووجد له شاهد رابع من رواية أبي هريرة رضي الله عنه في معجم الطبراني الأوسط، فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن؛ لشواهده إن شاء الله.

    شفاعة حامل القرآن لأهله

    وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن قارئ القرآن يشفع لأهل بيته؛ كما ثبت هذا في سنن الترمذي، ومسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه ومسند الإمام الدارمي، والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان أيضاً، وهو في تفسير ابن مردويه، ورواه الإمام أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة، وقال: إسناده حسن غريب.

    والحديث رواه عدد من أئمتنا من رواية سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ القرآن فاستظهره ) أي: حفظه عن ظهر قلب ( فأحل حلاله وحرم حرامه شفعه الله في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار ).

    أي: استحقوا دخول النار لما عندهم من ذنوب وأوزار، لكن يشفع لهم من قرأ كلام العزيز الغفار.

    وهذا الحديث رواه الإمام الترمذي وحكم عليه بأنه غريب، وإسناده ضعيف، لكن له شواهد في معجم الطبراني الأوسط من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفي الإسناد جعفر بن الحارث وقد حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه صدوق ولكنه كثير الخطأ, ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة.

    نعم حكم عليه الإمام الهيثمي في المجمع وهكذا الإمام الذهبي في المغني بأنه ضعيف؛ جعفر بن الحارث ، ووجد له شاهد من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها، رواه الخطيب البغدادي كما نص عليه السيوطي في الجامع الكبير.

    إذاً: هذه منزلة قارئ القرآن في الآخرة، والإنسان يحصل تلك الفائدة الأولى أيضاً في الدنيا بالتلذذ بمناجاة الله، وينال عظيم الأجر عند الله.

    ذكر الشاطبي لفضل القرآن على قارئه في منظومته

    وقد أشار الإمام الشاطبي وهو الإمام التقي الرباني الذي توفي سنة تسعين وخمسمائة للهجرة، أشار إلى فضل القرآن على تاليه وعلى والديه في منظومته حرز الأماني فقال عليه رحمة الله:

    وإن كتاب الله أوثق شافعٍ وأغنى غناء واهباً متفضلا

    وخير جليس لا يمل حديثه وترداده يزداد فيه تجملا

    وحيث الفتى يرتاع في ظلماته من القبر يلقاه سناً متهللا

    هنالك يهنيه مقيلاً وروضة ومن أجله في ذروة العز يجتلا

    يناشد في إرضائه لحبيبه وأجدر به سؤلاً إليه موصلا

    فيا أيها القاري به متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا

    هنيئاً مريئاً والدك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا

    فما ظنكم بالنجل عند جزائه أولئك أهل الله والصفوة الملا

    أولو البر والإحسان والصبر والتقى حلاهم بها جاء القرآن مفصلا

    عليك بها ما عشت فيها منافساً وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا

    1.   

    حرمة الغناء والرد على من أنكروا ذلك

    ما الذي حصل بعد ذلك إخوتي الكرام؟!

    واقع الأمر تغير وتكدر عما كان عليه، كان سلفنا يذكرون الرحمن ويتلون القرآن، ثم حصل في هذه الأمة ما حصل، تقدم معنا أن المتأخرين من الصوفية عكفوا على الغناء والرقص، وزعموا أنهم يتقربون بذلك إلى الله جل وعلا، وحقيقة: أمرهم عجيب عجيب، متى كان العباد مغنيين راقصين؟!

    وحصل في هذه الأمة كما في هذه الأيام أناس يدعون الجهاد، وأنهم لا يريدون التشدق ولا الصياح، إنما يريدون الكفاح، ثم بعد ذلك تخنثوا وتكسروا، وقالوا الأشعار بمنتهى الميوعة مع آلات اللهو والطرب، وقالوا: إننا نجاهد بذلك، أمرهم عجيب! متى كان المجاهدون مطربين مخنثين؟! أمرٌ عظيم فظيع، والله إن هذا لهو الضلال المبين، إعراض عن ذكر الله، وإعراض عن تلاوة كلام الله؛ إما بقصائد وأناشيد ورقص عن المخرفين من الصوفية، وإما بأناشيد الجهاد مع تكسر وخنوثة وميوعة عند من يدعون أنهم في جهاد، وهؤلاء وأولئك على ضلالة.

    وهناك نوع ثالث من أنواع الأشعار التي تقال وهي في الحقيقة خارجة عن موضوع البحث -لأننا نبحث أصالة في شناعة البدعة ووضاعتها وشنيع حال صاحبها- لكن من باب استكمال جوانب البحث سأتكلم بصورة موجزة عن نوع ثالث من الأشعار وجد في هذه الأيام، وعكف عليه الناس، لا باسم العبادة، إنما باسم المجون، باسم الفسق، باسم الشهوة، وهو الأغاني الماجنة الفاسدة، فهي لا تفعل على أنها عبادة، وإنما هي أشعار لهو وفسق، أشعار مجون يقولها المنحرفون في هذه الأيام ويعكفون عليها أيضاً، وحال ذلك بينهم وبين ذكر الرحمن وتلاوة القرآن، هذه الأشعار المجونية -الأغاني الخليعة- لا يرتاب أحد في تحريمها.

    ضابط الغناء كما ذكرت سابقاً: كلام موزون مقفى، يقال بتكسر وتخنث، يشتمل على فحش وخنع وبذاءة.

    ولذلك ما يقوله المجاهدون -على زعمهم- في هذه الأيام قلت: إنهم وافقوا الغناء في الصيغة وإن خالفوه في الموضوع والمحتوى، ولا يجوز أن نتكسر ونتخنث عندما نقول الكلام، كما لا يجوز أن نقول الكلام الفاحش والحرام.

    نعم، إن الغناء المجوني جمع بين قبح الموضوع وفساد الصيغة والإلقاء، فهذه الصورة لا خلاف في تحريمها، وإذا صاحبتها آلات اللهو فالأمة مجمعة على تحريمها كما تقدم معنا، وخلاف من خالف في العصور المتأخرة من القرن الخامس إلى هذه الإيام من شذّاذ الناس فلا عبرة بخلافهم، ومن كان منهم من أهل الصلاح فيلتمس له العذر، ونستغفر الله لنا وله، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! هذا الغناء بهذا الوصف لا خلاف في تحريمه، ووجد حوله شبهٌ من قبل بعض الناس كما قلت: هذه الشبه تريد أن تبرر هذا الغناء المجوني، هذا الغناء الذي هو حرام، فانتبهوا لهذا الأمر، وكونوا على بينة من ذلك.

    الغناء الذي فيه هذان الضابطان: رداءة في الموضوع، ورداءة في الصيغة، ثم إن صاحبه شيء من آلات اللهو فلا خلاف في تحريمه.

    الأدلة على تحريم الغناء

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيطرأ حال على الأمة تستحل هذا النوع من الغناء بنوع تأويل وشبهة، وإذا استحلته سيعاقبون بأشنع عقوبة، ونسأل الله أن يلطف بنا، فاستمع إلى تقرير هذا من كلام نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في صحيح البخاري ومعجم الطبراني الكبير، والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، والحديث رواه ابن عساكر ، ورواه الإمام أبو داود في السنن من رواية أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليكوننَّ من أمتي أقوام يستحلون الحر ) -جمع حر: وهي الفروج والزنا- ( يستحلون الحر والحرير ) والحرير معروف، من دودة القز وهو نوع من الحرير، ( يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم - أي: جبل،- يروح عليهم بسارحة -وهي: الماشية، يعني: يأتيهم الراعي بماشية لأخذ حظهم من اللبن- يأتيهم الفقير لحاجة ومساعدة فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله -يدخل عليهم الليل ويدخلون في وقت البيات وهو الليل والظلمة- ويضع العلم -أي: يدكه ويقلبه عليهم- ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ).

    والمعازف فسرت بأمرين كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث, وهو كما قلت في صحيح البخاري في كتاب الأشربة: باب فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، في الجزء العاشر صفحة خمس وخمسين، يقول هذا الإمام المبارك: المعازف هي: جميع آلات اللهو بلا خلاف بين أهل اللغة.

    ونقل عن الجوهري : أن المعازف تشمل الغناء أيضاً، وعليه: فالمعازف يدخل تحتها نوعان: غناء: وهو كلام يشمل على فحش وخنا يقال بتكسر وتخنث، ومعازف: وهي آلات اللهو التي فشت في هذه الأيام.

    وقال شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، في الجزء الحادي عشر صفحة ست وسبعين وخمسمائة: المعازف: هي آلات اللهو بلا خلاف بين العلماء، وهذا ما قرره الإمام ابن القيم أيضاً في كتابه إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة ستين ومائتين، والإمام الذهبي تعرض إلى تفسير المعازف في عدد من كتبه، انظروا مثلاً: سير أعلام النبلاء في الجزء الواحد والعشرين صفحة ثمان وخمسين ومائة، وانظروا في تذكرة الحفاظ في أواخر الجزء الرابع صفحة سبع وثلاثين وثلاثمائة بعد الألف.

    يقول هذا الإمام المبارك: المعازف: هي جميع آلات اللهو من الدف والصنوج والشبابة واليراع وغير ذلك، هذه كلها آلات لهو.

    والحديث كما ترون صحيح ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ودلالته واضحة صريحة في تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب، وهاتان الدلالتان نازع فيهما كثير من بني الإنسان في هذه الأيام؛ فنازعوا في الدلالة الأولى وقالوا: إن الحديث لا يصح، كما نازعوا في الدلالة الثانية وقالوا: لا يدل على تحريم الغناء ولا آلات اللهو من المعازف والمزامير.

    ولا بد من مناقشة هاتين الشبهتين، فكونوا على بينة من ذلك إخوتي الكرام!

    الرد على من اعترض على أسانيد أحاديث تحريم الغناء

    الأمر الأول: الحديث صحيح، وغاية من تكلم فيه ابن حزم الذي توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة للهجرة ثم من بعده, قالوا: إن الحديث منقطع؛ لأنه معلق، والإمام البخاري يقول في صحيحه: وقال هشام بن عمار -وهو من شيوخ الإمام البخاري ، وقد روى عنه أهل الكتب الستة إلا مسلماً عليهم جميعاً رحمة الله، وقد توفي هشام بن عمار سنة خمس وأربعين ومائتين للهجرة, وهو من الأئمة القراء المحدثين الكبار، كان أحمد بن أبي الحواري الذي توفي بعده بسنة وهو ريحانة الشام، وهو ثقة عابد صالح زاهد، حديثه في سنن أبي داود وابن ماجه ، يقول: إذا حدثت في بلد فيها هشام بن عمار فينبغي للحيتي أن تحلق.

    يقول: نحن نتحدث بوجود هذا العبد الصالح ألا وهو: هشام بن عمار! ويكفيه جلالة أن البخاري من تلاميذه، وهكذا كما قلت أهل السنن الأربعة عليهم جميعاً رحمة الله،- فقالوا هنا: لم يصرح البخاري بالتحديث والسماع، نقول: هذا كلام مردود لا وزن له ولا اعتبار. فـهشام بن عمار من شيوخ البخاري ، والتلميذ إذا روى عن شيخه بصيغة السماع أو التحديث أو الإخبار أو العنعنة أو القول، فقال: قال أو عن أو سمعت أو حدثني أو أخبرني، كلها حكمها واحد، إذا لم يكن التلميذ مدلساً، وما وصف أحد من خلق الله إمام المحدثين وشيخ المسلمين -أعني الإمام البخاري - بالتدليس, فروايته عن هشام بن عمار بأي طريق كان، عن أو قال أو أخبرني أو حدثني هي محمولة على الاتصال قطعاً وجزماً، وهذا ما أشار إليه أئمتنا الكرام في كتب المصطلح، فاستمع لقول شيخ الإسلام الشيخ زين الدين عبد الرحمن الأثري عليه رحمة الله عندما يقول:

    وإن يكن أول الإسناد حذف مع صيغة الجزم فتعليقاً عرف

    أي: هو حديث معلق إذا حذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر.

    ولو إلى آخره أما الذي لشيخه عزا بقال فكذي

    عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حزم المخالف

    قوله: (أما الذي لشيخه عزا بقال)، أي: قال هشام بن عمار ، التلميذ روى عن شيخه بصيغة قال، (أما الذي لشيخه عزا بقال) أي فهذه الرواية لا تكون معلقة، بل حكمها حكم عن.

    نعم كان أئمتنا يوردون هذا في كتب المصطلح وفي كتب الفقه, ويبينون أن شذوذ ابن حزم لا ينبغي أن يؤخذ به، ولذلك قال أئمتنا في تحريم الغناء والمعازف والمزامير:

    واجزم على التحريم أي جزم والحزم ألا تتبع ابن حزم

    الأمر الثاني: هشام بن عمار -كما قلت- من شيوخ البخاري، وقد أورد الإمام البخاري هذا الأثر في صحيحه، وقد اشترط ألا يورد فيه إلا حديثاً صحيحاً، فهو حديث صحيح على حسب شرطه.

    الأمر الثالث: لو سلمنا لكم أن الحديث معلقٌ وحذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر وبين البخاري وبين هشام بن عمار واسطة، فـالبخاري قد رواه عن شيخه معلقاً بصيغة الجزم، وقد اتفق أئمتنا على أن معلقات الصحيحين بصيغة الجزم محكوم بصحتها إلى من أضيفت إليه.

    وعليه: فهذا الأثر ثابت، ومن هشام بن عمار السند متصل إلى نبينا المختار -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فإذاً: هذا الإسناد صحيح، والقول بأن حوله كلام هذا لغو ينبغي أن يطرح.

    أيضاً نقول: إن هذه الرواية التي رواها البخاري من طريق شيخه هشام بن عمار قد وصلت، فإذا كنتم ترون أنها معلقة فقد ساقها الإمام البيهقي، والإمام ابن عساكر والطبراني بأسانيد متصلة إلى هشام بن عمار إلى نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، ووجد متابع في سنن أبي داود بإسناد صحيح لـهشام بن عمار .

    إذاً: زال ما نخشى منه أنه يحتمل انقطاعاً في السند.

    الأمر الرابع: هذه الرواية لها شواهد كثيرة، روى أكثر من عشرة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فيها هذا المعنى، وانظروا هذه الروايات في إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة ستين ومائتين، فقد روى ما يشهد لهذه الرواية، من رواية أمنا عائشة ، ومن رواية علي رضي الله عنه، ومن رواية عمران بن حصين ، ومن رواية عبد الله بن عباس ، ومن رواية عبد الله بن عمرو ، ومن رواية عبد الرحمن بن سابط ، ومن رواية أنس بن مالك ، ومن رواية أبي أمامة ، ومن رواية أبي هريرة ، ومن رواية سهل بن سعد ، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، فوجد ما يشهد لهذه الرواية، ولو كانت ضعيفة لتقوت، فكيف وهي في صحيح البخاري ؟!

    وقد ثبت في سنن ابن ماجه بسندٍ صحيح في كتاب الفتن في باب العقوبات، والحديث في صحيح ابن حبان من رواية أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض، ويمسخ منهم قردة وخنازير )، والحديث -كما قلت- بإسناد صحيح، فهذا له شواهد كثيرة.

    فالقول بعد ذلك بأن الحديث فيه ضعف دندنة مردودة باطلة، نعم أول من فتح الباب ابن حزم، والكلام مردود عليه، وتبعه الغزالي -كما تقدم معنا- وهذا مردود عليه, وقد توفي سنة خمس وخمسمائة للهجرة، وتبعه محمد بن طاهر أبو الفضل المقدسي المتوفى سنة سبع وخمسمائة للهجرة، ويقارب هؤلاء الإمام أبو بكر بن العربي الذي توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكلهم أئمة أعلام، لكن لا يجوز للإنسان أن يأخذ بزلل العلماء الكرام، وتقدم معنا مراراً أن من أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله، ومن تتبع زلل العلماء تزندق أو كاد.

    وعليه فما يثار في هذه الأيام من أن الأحاديث التي تحرم الغناء المجوني الذي ذكرته، والأحاديث التي تحرم المعازف والمزامير كلها مثخنة بالجراح، هذا كلام باطل، لا وزن له ولا اعتبار، حديث في صحيح البخاري قالوا عنه: إنه مثخن بالجراح، سبحان ربي العظيم! وإذا شذ من شذ من بعض العلماء رد عليهم شذوذهم، أو أخطأ من أخطأ من العلماء رد عليهم خطؤهم، فلا نأتي ونجعل ذلك القول حجة لنا في ترك كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، والله إن هذا هو الباطل بعينه.

    إننا نشهد في هذه الأيام حملات منكرة على سنة نبينا إمام البررة عليه صلوات الله وسلامه، فالأحاديث التي ثبتت في تحريم الغناء والمزامير والمعازف مثخنة بالجراح! وواحد آخر يوصف في هذه الأيام بأنه إمام الوسطية، يقول في كتابه قذائف الحق صفحة ثلاث ومائة -انظر إلى معاملة الناس مع سنة النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأيام- وأنا شخصياً متوقف في هذا الحديث، ولم أنته فيه إلى حل حاسم - يقصد حديث الذباب إذا وقع في الشراب- وهب أن شخصاً قال: أنا لا أصدق حديث الذباب، هل يكون من الكافرين؟ كلا. فما قال أحد أن من أركان الإيمان أن نؤمن بالله واليوم الآخر, وأن نغمس الذباب في الشراب.

    كلام في ظاهره معسول، لكنه في الحقيقة مستهجن مرذول.

    وأنا أقول لهذا ولأمثاله: أليس من أركان الإيمان أن نؤمن بأن نبينا محمداً رسول الله حقاً وصدقاً؟ وإذا آمنا بأنه رسول الله فينبغي أن نعلم بأنه صادق فيما أخبر، وينبغي أن يطاع فيما أمر، وينبغي أن ننتهي عما عنه زجر وحذر عليه صلوات الله وسلامه، قد أخبرنا أن في أحد جناحي الذباب داءً وفي الآخر شفاءً فإذا كنا نؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام فينبغي أن نصدقه فيما أخبر وألا نرد كلامه بأوهامنا وعقولنا.

    وهذا الحديث ثابت من رواية ثلاثة من الصحابة ثبوت الشمس في رابعة النهار؛ ثابت من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في مسند الإمام أحمد ، وصحيح البخاري ، وسنن ابن ماجه ، وسنن أبي داود ، وصحيح ابن حبان ، والحديث في مسند الدارمي عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينقله، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً ) الحديث في صحيح البخاري ثم يقول هذا العبد إنه متوقف فيه ولم ينته فيه إلى حد حاسم، يا عبد الله! أنت وأمثالك ضعوا عقولكم تحت أرجلكم، فوالله ثم والله لا يتحقق الإيمان فيكم وفي غيركم إلا إذا جعلتم هواكم تبعاً لشرع نبيكم عليه الصلاة والسلام.

    والحديث -أيضاً- من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، وإسناده كالشمس وضوحاً، وهو ثابت في المسند وسنن ابن ماجه ، ورواه الإمام الطيالسي في مسنده، وهو أيضاً في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، ومسند أبي يعلى ، وروي أيضاً من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه في مسند البزار، ومعجم الطبراني الأوسط بسند رجاله رجال الصحيح، كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد الجزء الخامس صفحة سبع وثلاثين من كتاب الأطعمة: باب الذباب إذا وقع في الإناء، يغمس ثم بعد ذلك يلقى، كلام ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام من رواية ثلاثة من الصحابة الكرام ينقل في دواوين الإسلام، ثم يأتي بعد ذلك إنسان في هذه الأيام ويقول: أنا شخصياً متوقف في هذا الحديث، بتوقفك لا تضر إلا نفسك، فهل سنترك سنة نبينا عليه الصلاة والسلام لتوقفك أو تقدمك؟ لا ثم لا.

    وفي قوله: وأنا شخصياً متوقف في هذا الحديث, لم أنته فيه إلى حل حاسم. لعله ينتظر آراء الغرب ليقولوا هل هذا الكلام مقبول أو مردود؟

    ثم قال: هب أن إنساناً رد هذا الحديث هل يطعن هذا في دينه؟ لا ثم لا؛ لأن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام صارت عند الأمة في هذه الأيام كأنها كرة تضرب بالأرجل.

    وهكذا إخوتي الكرام! يشبه هذا المسلك مسلكاً آخر لإنسان يقال عنه في هذه الأيام: إنه بخاري هذا العصر، لكن بخاري هذا العصر ما سلم منه البخاري الأصل، حتى صحيح البخاري ما سلم من هذا الذي يقال عنه: إنه بخاري العصر، حديث في صحيح البخاري يتجرأ بكل شدة وغلظة وعنف على رده وتضعيفه مع أنه في أصح الكتب بعد كتاب الله.

    والحديث في المسند وصحيح البخاري وسنن ابن ماجه ، والمنتقى للإمام ابن الجارود ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى والإمام الطحاوي في مشكل الآثار، وهو في صحيح البخاري من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه فلم يعطه أجره ).

    يقول في تعليقه على ضعيف الجامع: هذا أول حديث ضعيف أورده وهو في صحيح البخاري وأنا مضطر لإيراده، من الذي اضطرك؟!

    ما اضطرك إلى إيراد هذا الحديث الذي هو في صحيح البخاري والحكم عيه بالضعف إلا شذوذك، وأي آفة فيه؟ ثم بعد ذلك تأتي بكلام الحافظ ابن حجر لتبرر به كلامك، ألا أخذت بكلام الحافظ في توثيق رواية هذا الإسناد والدفاع عنه وتصحيحه في الفتح، وفي هدي الساري في مقدمة فتح الباري؟!

    إن سنة النبي عليه الصلاة والسلام يحصل حولها في هذه الأيام ما يحصل, وليس للسنة إلا ربنا الرحمن، لك الله يا سنة خير خلق الله عليه الصلاة والسلام!

    هذا يقول عنها: مثخنة بالجراح، وذاك يقول عنها: إنه متوقف فيها لم ينته إلى حد حاسم، وهذا يقول عنها: إنها ضعيفة، رفقاً بأنفسكم واتقوا ربكم.

    وإذا تركت أيضاً من يتكلم عن الحديث، وذهبت إلى جانب من يفتي لقلت: إن كثيراً من المفتين في هذا الحين أحق بالسجن من السراق، كما قال شيخ الإسلام الإمام ربيعة الرأي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا -وقد توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة، وهو إمام ثقة عدل فقيه, شيخ الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله- ينقل عنه الإمام ابن عبد البر في آخر جامع بيان العلم وفضله: الجزء الثاني صفحة واحد ومائتين، قبل نهاية الكتاب بثلاث صفحات، يقول: إن كثيراً ممن يفتي في هذه الأيام -وهذا في القرن الثاني- أحق بالسجن من السراق.

    فماذا تقول أيها الإمام! لو أدركت زماننا؟ ورأيت من يفتي ويبرر لبس الصليب؛ لأنه جرت به الأعراف الدولية، فلا حرج على لابسه ولا ضير، كيف لو أدركت حالنا أيها الإمام؟! إذا كان في العصر الثاني بعض من يفتي أحق بالسجن من السارق، فماذا يقول ربيعة لو أدرك الأمة في هذه الأيام؟

    إخوتي الكرام! ينبغي أن نجعل هوانا تبعاً لشرع نبينا صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث حديث صحيح، ودندنة من دندن حوله مردودة عليه، ولا عبرة بكلامه ولا باعتراضه.

    الرد على شبهة عدم دلالة الأحاديث على حرمة الغناء

    وأما الشبهة الثانية الذي أثاروها حول الحديث فقالوا: على التسليم أن المراد بالمعازف: الغناء وآلات اللهو، فهذا الحديث لا يفيد تحريمها؛ لأن هذه الدلالة دلالة اقتران، فالمحرم هو مجموع هذه الأمور، فهؤلاء يكونون عند العلم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، فالوعيد لمن قرن بين هذه الأمور الأربعة، أما إذا غنَّى أو استعمل آلات اللهو والطرب فلا حرج عليه ولا عار؛ لأن العزف لم يقترن بخمر، ولم يقترن باستحلال الزنا واستحلال الحرير، أما إذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة واقترنت فهذا حرام.

    وأنا أقول: إنكم قلتم قولاً يضحك البهائم، فهل إذا استحل الإنسان الزنا فقط ليس بحرام؟ أي: لو لم يقترن معه شرب خمر ولا استحلال لحرير، وهل إذا استحل الخمر فقط دون معازف يكون حلالاً؟ وهل إذا استحل الحرير فقط فهو حلال؟ من قال هذا؟! إن هذه الأمور الأربعة إذا اجتمعت يزداد التحريم والتأثيم، وإذا وجد واحد منها فهو أيضاً حرام.

    وعندما قال الله في كتابه في سورة الحاقة فيمن يؤتى كتابه ويأخذه بشماله، يقول الله جل وعلا في عقوبته: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] في بيان سبب عقوبته وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة:34]، فإذاً فيه صفتان؛ ما عظم الرحمن ولا أشفق على عباد الرحمن، فإذا وجدت فيه صفة لا يناله الوعيد؟ أي: إذا لم يؤمن بالله العظيم لكنه كان يساعد المساكين هل هذا سيدخل جنات النعيم لنقول: إن دلالة الاقتران لابد أن توجد فيه الصفتان؟ من قال هذا؟!

    إذاً: هنا قول النبي عليه الصلاة والسلام ( يستحلون الحر ) حرام بمفرده وإن لم يجتمع مع محرم غيره، كما الحرير والخمر والمعازف.

    المقاصد من تحريم الغناء

    إن الغناء محرم بلا خلاف عند أئمة الإسلام، وكما قلت كلامنا مختصر حول هذا الأمر، وسأختم بالمقاصد التي من أجلها حرم الله علينا الغناء والمعازف والمزامير.

    حرم الله علينا ذلك لأمور كثيرة أبرزها أمران:

    المقصد الأول: إن الغناء يحرك الشهوات، ويثير الغرائز إلى فعل المحرمات، فهو كما قال سيد المسلمين الفضيل بن عياض عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: رقية الزنا، ووالله هو أنجع الرقى في الوصول إلى هذه الجريمة المحرمة، ومن تغنى زنى أو تمنى.

    المقصد الثاني الذي من أجله حرم علينا الغناء: أنه يصدنا عن ذكر الله، يصدنا عن تلاوة كلام الله حيث يجعل في قلب الإنسان نفاقاً، فالغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، ولذلك من عكف على الغناء تبرم من سماع القرآن وأعرض عن ذكر الرحمن.

    ورضي الله عن الإمام الضحاك عندما قال: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب، ولذلك قال الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا لمؤدب أولاده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بُغْضُ الغناء الذي مبدؤه من الشيطان ونهايته سخط الرحمن.

    إخوتي الكرام! لا يسلم لهؤلاء منازعتهم حول صحة الحديث ولا حول دلالته، فالحديث صحيح ودلالته واضحة صريحة في أن من عكف على الغناء والمعازف والمزامير واستحلها فهو مهدد بعقوبة من الله الجليل؛ بأن يمسخ قرداً وخنزيراً، وبأن يخسف الله به الأرض.

    الرد على توجيه بعض المعاصرين لحديث مسخ المستمعين للأغاني والمعازف

    وأما ما قاله بعض المعاصرين في توجيه حديث سنن ابن ماجه الذي ذكرته وصحيح ابن حبان: ( ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها، ويعزف على رءوسهم بالمغنيات والمعازف يخسف الله بهم الأرض، ويمسخ منهم قردة وخنازير )، قال: إن هذا المسخ ليس بلازم أن يكون في الصورة والحقيقة، وإنما تمسخ القلوب والأرواح فيصبح الواحد إنساناً في صورة إنسان، ولكنه في الحقيقة في نفس خنزير وروح قرد.

    سبحان ربي العظيم! ما هذا التكلف ولم هذا التنطع في تأويل الحديث؟ هلا أولت إذاً الصفة الأولى، وهي يخسف الله بهم الأرض، هل هذه أيضاً مؤولة أم على ظاهرها؟ هلا قلت فيها: يخسف الله بهم الأرض أي: ألا يجعل لهم مكانة عليها، كما أولت الصفة الثانية؟ وهلا تلاعبت في شقي الحديث بدلاً من تلاعبك بشقه الأخير فقط؟

    وأنا أقول: يمسخهم الله قردة وخنازير على وجه الحقيقة، ويخسف الله بهم الأرض على وجه الحقيقة، وهذه عقوبة مهدد بها من فعل هذا، وفعل هذا العقوبة موكول إلى مشيئة الله، وقد وقع المسخ في الأمم السابقة وهو واقع في هذه الأمة، نسأل الله أن يلطف بنا, وأن يرحمنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    قاعدة ابن القيم فيما أشكل من الحلال والحرام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! كما قلت: الغناء وجميع آلات المعازف واللهو لا خلاف في تحريمها عند أئمتنا، والإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا له كلام كثير حلو جميل في تقرير هذا، سأقتطع منه أمراً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أبداً ألا وهو: إن الأمر إذا أشكل علينا هل هو مباح أو حرام فلننظر إلى ثمرته والأثر الذي يترتب عليه، فإن ترتب عليه ثمرة حسنة وثمار طيبة فهو مباح حلال، وإن ترتب عليه آثار ضارة سيئة فهو حرام قطعاً وجزماً.

    يقول في مدارج السالكين، الجزء الأول صفحة ست وتسعين وأربعمائة: القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو على السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي لا سيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم موصلاً إليه عن قرب، وهو رقية له ورائد له وبريد له، فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر، فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنه يسوق النفس إلى السكر التي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقاً للنفوس إلى الحرام بكثير؟!

    لا يمكن في حكمة ربنا أن يحرم قليل الخمر؛ لأنه يسوق إلى السكر الذي يترتب عليه فعل المحرمات ثم يبيح الله سماع الغناء والمعازف التي هي أعظم سوقاً للنفس إلى المحرمات من الخمر بكثير، فإن الغناء هو رقية الزنا، وقد شاهد الناس أنه ما عاناه صبي إلا فسد, ولا امرأة إلا وبغت, ولا شاب إلا.. وإلا، ولا شيخ إلا.. وإلا، والعيان من ذلك يغني عن البرهان، ولا سيما إذا جمع -يعني: الغناء- هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور؛ يعني: كان المغني بصورة حسنة بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله؛ من المكان والإمكان، والعشراء والإخوان، وآلات المعازف من اليراع والدف والأوتار والعيدان، وكان القوال شادناً شجي الصوت، لطيف الشمائل من المردان أو النسوان، وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران.

    وقال في الإغاثة صفحة سبع وأربعين ومائتين: كم من حرة صارت بالغناء من البغايا! وكم من حر أصبح به عبداً للصبيات وللصبايا! وإذا اجتمع إلى هذه الرقية -وهي الغناء- الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غير جماع لحبلت من هذا الغناء؛ لما يؤثر فيها من رقص، وغناء، وتكسر، وتخنث، وبعد ذلك آلات لهو وطرب.

    هذا -كما قلت- إخوتي الكرام! متفق على تحريمه بين أئمتنا، وما نقل عن بعض أئمتنا الكرام من الترخص في الغناء، فقلت: إنه غناء من حيث التسمية لا من حيث الحقيقة، فهي أشعار -كما تقدم معنا- جزلة فصلة ترقق القلوب وتذكر بالآخرة، وتزهد في الدنيا، هذا ما كان يقوله أئمتنا من تقرير، هذا من كلام الإمام أحمد وغيره عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه، اللهم اجعل هوانا تبعاً لشرعك بفضلك ورحمتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.

    اللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبدك فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين..

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].