إسلام ويب

الذكر [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أحوج الإنسان إلى إصلاح قلبه، وذكر الله عز وجل ففيه قوة للقلب ورقة ولين وانشراح له، فإذا حصل ذلك في القلب ظهر أثره على البدن، ويعلم أن القرآن أفضل الذكر على الإطلاق، فحري بالمرء أن يقبل على تلاوته وسماعه وتدبره، كما هو شأن السلف الصالح رضوان الله عليهم، وكما هو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما انشغل به المتأخرون عن القرآن من الأشعار والأناشيد الجهادية التي تؤدى بتكسر وميوعة مع مصاحبتها لآلات اللهو والطرب لا يخفى حرمتها، فينبغي الابتعاد عنها.

    1.   

    أثر الذكر على القلب

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً، وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبدُ الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! كنا نتدارس منزلة ذكر الرحمن في الإسلام، وقلت: إن منزلة الذكر عظيمة جليلة، ومن أجل ذلك أمرنا الله جل وعلا أن نذكره على الدوام، وبينت أن فوائد الذكر كثيرة تزيد على مائة فائدة، وهذه العبادة الجليلة التي نتدارسها وذكرنا شيئاً من فضائلها -فيما مضى- قلت: إن المخرفين غيروها وبدلوها، ووضعوا شيئاً مكانها؛ ألا وهو القصائد والأشعار، وزعموا أنهم يتقربون بها إلى العزيز القهار.

    إخوتي الكرام! إن الذكر له منزلة عظيمة جليلة، وفوائده كثيرة غزيرة، وسنتدارس في هذه الموعظة فائدةً من فوائده فقط، ثم نتدارس بقية خطوات البحث إن شاء الله.

    إن الذكر قوت للقلب وقوة له، وإن الذكر فيه صلابة للقلب وشدة له، وإن الذكر أيضاً فيه لين للقلب ورقة له، وأيضاً فيه صفاء للقلب وبهجة له.

    إن قلب الذاكر يجمع بين هذه الصفات، فيحصل له القوت بذكر الله، ويحصل له القوة بذكر الله، ويحصل فيه الشدة والصلابة بذكر الله، ويحصل فيه البهجة والصفاء بذكر الله، ويحصل له اللين والرقة بذكر الله، ولذلك كان قلب الذاكر أطهر القلوب وأحبها عند علام الغيوب.

    ثبت في معجم الطبراني الكبير من رواية أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه وأرضاه، والحديث حسنه الإمام الهيثمي وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده جيد، والحديث روي من رواية أبي أمامة الباهلي أيضاً في حلية الأولياء، وروي من رواية سهل بن سعد في كتاب الحكيم الترمذي ، فهو من رواية أبي عنبة الخولاني وأبي أمامة وسهل بن سعد رضي الله عنهم أجمعين.

    ولفظ الحديث عن نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( إن لله آنيةً في الأرض، قالوا: وما آنية الله يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام في الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن لله آنيةً في الأرض، وآنية الله في أرضه قلوب عباده الصالحين، وأحب هذه القلوب إلى علام الغيوب أصفاها وأرقها )، وفي بعض الروايات في هذا الحديث وهو حديث صحيح-: ( إن أحب الآنية إلى الله -وهي قلوب عباده الصالحين- ما رق منها وصفا )، وفي بعض الروايات : ( وأحبها إلى الله أصلبها وأصفاها )، فالذي يذكر الله جل وعلا ويتصف بهذه الصفات يصبح لقلبه -كما قلت- القوت والقوة، والشدة والصلابة، والبهجة والصفاء، واللين والرقة، وقلبه أحب القلوب إلى علام الغيوب، ولا غرو في ذلك ولا عجب، فقد تقدم معنا أن من ذكر الله ذكره الله جل وعلا، والله مع العبد ما دام العبد يذكر ربه سبحانه وتعالى، وإذا كان معك فستتخلق بأخلاق صاحبك، وبأخلاق ربك، وبأخلاق حبيبك، فتتصف باللين، وتتصف بالشدة والقوة، والله يسددك عندما يكون معك، فستضع كل أمر موضعه، هذا هو حال الذكر عندما يكثر الإنسان من ذكر الرحمن سبحانه وتعالى.

    1.   

    أثر الذكر على البدن

    إخوتي الكرام! وإذا حصل القلب قوته وقوته -بذكر الله جل وعلا- سينتشر أثرها بعد ذلك إلى هذا البدن، فيكتسب البدن قوةً من قوة القلب، والإنسان عندما يحضر المعركة ينتصر على عدوه بقوة قلبه، وبضعف قلب عدوه، فيصبح له عاملان من عوامل النصر، فهو يرجو أن ينتصر عليه وأن يتمكن منه بتأييد الله له، وذاك ينخذل أمامه وينهار، فيحصل النصر بإذن العزيز القهار.

    إن ذكر الله قوة للقلب، وقوة للبدن، وضياء ونور وبهجة في الوجه.

    أثر التكبير والتسبيح والتحميد قبل النوم على البدن

    يذكر الإمام ابن القيم -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- في كتابه الوابل الصيب في صفحة خمس وخمسين، من حياة شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمات رب العالمين: أنه صلى معه الفجر في بعض الأيام، فجلس شيخ الإسلام يذكر الله بعد صلاة الفجر حتى انتصف النهار، ثم التفت إلى تلميذه البار، فقال له: هذه غدوتي هذا اليوم، هذا هو طعامي وهذا هو غذائي ولولاها لسقطت قوتي.

    فهذه القوة التي حصلت في القلب بذكر الرب انتشرت بعد ذلك إلى هذا البدن، فقوي البدن واشتد بإذن الله جل وعلا.

    وهذا المعنى إخوتي الكرام! الذي أشار إليه هذا الإمام الهمام عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الرحمن هو ما أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديثه الكثيرة الصحيحة الحسان منها ما ثبت في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي من رواية سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كانت فاطمة أحب أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقد تزوجتها -علي رضي الله عنه يقول-: فكانت رضي الله عنها وأرضاها تطحن بالرحى حتى أثرت في يديها، وكانت تستقي بالقربة حتى أثرت في رقبتها، وكانت تكنس البيت رضي الله عنها وأرضاها حتى اغبرت ثيابها، فعلمت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها بمجيء سبي من الغنائم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم من العبيد والإماء أيضاً، فأرادت من علي رضي الله عنه أن يطلب من النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه خادمة أمةً تخدمها وتساعدها في أمور البيت، فقال علي : لا أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، كلميه أنت، بل فهو رسول الله عليه الصلاة والسلام وخير خلق الله، وهو أبوك على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فذهبت هذه البضعة الطاهرة سيدتنا المباركة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها إلى بيت أمنا عائشة تسأل عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فلم تجده، فقالت سيدتنا فاطمة لأمنا عائشة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: إذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام فأخبريه، فتأخر النبي عليه الصلاة والسلام في المجيء إلى بيته، فلما جاء أخبرته أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فذهب مباشرةً بعد العشاء إلى بيت ابنته فاطمة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فاستأذن عليه الصلاة والسلام ودخل وقد أخذ علي وفاطمة مضجعهما في فراش واحد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: مكانكما، ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام بينهما في هذا الفراش ومد رجليه الشريفتين، قال علي رضي الله عنه: فوجدت برد أصابع رجليه في صدري، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ثم سأل فاطمة رضي الله عنها وأرضاها عما جاء بها تسأل عنه في بيت أمنا عائشة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فأخبرته أنها تطلب خادمة أمةً؛ لتساعدها في أمور البيت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ -تريدان من الخادم المساعدة في أمور البيت، في الأمور الدنيوية-، يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: فغمزتها، وقلت لها: قولي: بلى، نريد ما هو خير لنا من خادم، فقلنا: بلى يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، ما هو خير لنا من خادم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إذا أخذتما مضجعكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، وهذا تمام المائة، فهذا خير لكما من خادم ).

    قال الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا -كما نقل عنه هذا تلميذه ابن القيم في الوابل الصيب صفحة اثنتين ومائة- قال: وهذا الذكر مجرب معروف، من حافظ عليه عند نومه في كل ليلة أعطاه الله قوةً في بدنه بحيث يستغني عن مساعدة غيره، من خادم أو أجير، أو عبد، أو أمة.

    والإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في فتح الباري في شرح هذا الحديث في الجزء الحادي عشر صفحة خمس وعشرين ومائة يقول: ولا يلزم من هذا أنه لا يتعب، فإن الإنسان عندما يزاول الأعمال يصاب بشيء من الإرهاق والتعب، لكن الله يعينه فلا يسأم، ويتحمل ولا يصاب بفتور وإعياء عندما يحافظ على هذا الذكر عند النوم.

    فالذكر قوت للقلب وقوة له، وإذا قوي القلب تنشط البدن، فصار قوياً بإذن الله جل وعلا.

    إطاقة الملائكة حمل العرش بالذكر

    إخوتي الكرام! هذه من فوائد الذكر، قال الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في المكان المشار إليه صفحة اثنتين ومائة، يقول: وقد كان شيخ الإسلام يقول -وقوله هذا موجود في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر صفحة ثلاث وثلاثين- يقول: ( إن الله لما خلق حملة العرش قالوا: ربنا! لم خلقتنا؟ قال: لتحملوا عرشي. قالوا: ومن يقوى على حمل عرشك وعليه جلالك وجمالك ووقارك؟ فقال الله جل وعلا لحملة العرش: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله ). قال الإمام ابن تيمية : فبهذه الكلمة المباركة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله أطاقت حملة العرش حمل عرش الرحمن جل وعلا.

    قال الإمام ابن القيم: وهذا الكلام كنت أسمعه منه حتى وقفت على كتاب لـابن أبي الدنيا رواه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح، قال: حدثنا مشيختنا: أن الله عندما خلق حملة العرش.. إلى آخر الأثر.

    وأنا أقول: وهذا الأثر مروي أيضاً في تفسير الإمام الطبري بنحو الرواية المتقدمة في تفسير سورة الحاقة عند قول الله: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17] في الجزء التاسع والعشرين صفحة سبعة وثلاثين، روى الأثر الإمام الطبري في تفسيره عن شيخه يونس عن ابن وهب عن ابن زيد بمعنى الأثر المتقدم: أن حملة العرش أطاقوا حمل عرش الله جل وعلا بكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله.

    إنها كلمة من كنوز الجنة، كما ثبت هذا في المسند والكتب الستة من رواية أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: ( ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله )، لا تحول من حال إلا حال؛ من معصية إلى طاعة، ومن ذل إلى عز، ومن فقر إلى غنى، ولا قوة لنا في هذه الحياة إلا بربنا سبحانه وتعالى، وهذه الوصية التي أوصى بها نبينا صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري أوصى بها عدداً من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقد أوصى بها أبا ذر كما في المسند وسنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان بسند صحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي ذر : ( ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله )، وأوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أبا هريرة رضي الله عنهم أجمعين، كما ثبت ذلك في مسند الإمام أحمد ، والحديث في المستدرك ومسند البزار وإسناده صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي هريرة رضي الله عنه: ( ألا أدلك على كنز من تحت العرش، وهو كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قالها العبد قال الله: أسلم عبدي لي واستسلم ).

    وأوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهم أجمعين، كما ثبت أيضاً في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم والحديث صحيح، يقول قيس بن سعد : ( أرسلني أبي لأخدم النبي عليه الصلاة والسلام ) وسعد بن عبادة هو سيد الخزرج رضي الله عنهم أجمعين، أرسل ولده قيساً ؛ ليخدم النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال قيس : ( فصليت ركعتين، فمر بي النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لي: ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله ).

    وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام بذلك أبا أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة، وانظروا الروايات في ذلك في الترغيب والترهيب للإمام المنذري في الجزء الثاني صفحة أربع وأربعين وأربعمائة.

    فضل الذكر بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وصلاة ركعتين

    إخوتي الكرام! بهذه الجملة المباركة أطاقت الملائكة حمل عرش الرحمن، فالذكر قوت للقلب وقوة له، وبذلك يقوى البدن أيضاً، ولذلك قال الإمام المبارك ابن تيمية عندما جلس يذكر الله من صلاة الغداة إلى منتصف النهار، قال: هذه غدوتي، ولولاها لسقطت قوتي.

    وهذا الأدب العظيم، وهذه العبادة الفاضلة أعرض عنها كثير من المسلمين، فأصيبوا بوهن في قلوبهم، وبضعف في أبدانهم، فالذين يحضرون في صلاة الفجر قلة قليلة، ومن يذكرون الله بعد صلاة الغداة حتى تطلع الشمس في بيوت رب الأرض والسموات أقل بكثير ممن يحضرون صلاة الفجر، وما أعلم ماذا أصاب الأمة في هذه الأيام!

    إن من يجلس في مصلاه بعد أن يؤدي صلاة الفجر في جماعة يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين له أجر عظيم وجليل كبير عند الله الجليل.

    ثبت في سنن الترمذي بسند حسن من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى الفجر في جماعة ثم قعد في مصلاه -يعني في المسجد- يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كتب له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة )، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في سنن الترمذي ، والحديث صحيح ومروي عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقد رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسند جيد كما في المجمع والترغيب والترهيب من رواية أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان بمنزلة حجة وعمرة )، انقلب بأجر حجة وعمرة، والحديث رواه الإمام الطبراني أيضاً في معجمه الأوسط، وإسناده حسن من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين بمعنى الروايتين المتقدمتين: أن ( من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كتب له أجر عمرة وحجة متقبلتين ).

    إخوتي الكرام! هذه بعض فوائد الذكر: قوة للقلب، وإذا قوي القلب قوي البدن واستعان الإنسان بالرب سبحانه وتعالى.

    1.   

    منزلة القرآن بين الأذكار وأحوال الناس معه

    إخوتي الكرام! إن فوائد الذكر تزيد على مائة فائدة، وأفضل الأذكار كلام العزيز القهار، ألا وهو القرآن العظيم الذي أنزله الله علينا ليخرجنا من الظلمات إلى النور.

    حث الله تعالى على الاهتمام بالقرآن

    وقد أمرنا الله جل وعلا بتلاوته، وأمرنا بالاستماع والإصغاء إليه، وحذرنا من إهماله وعدم تلاوته، وعدم سماعه، وجاءت الآيات تقرر هذا بكثرة في كتاب الله عز وجل، وقد اعتبر الله جل وعلا من أعظم مننه علينا أن أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو علينا آيات الله، وليخرجنا من الظلمات إلى النور، قال الله جل وعلا: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164] .

    وأخبرنا الله جل وعلا أنه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام، وأمر المؤمنين بتلاوة كتابه المبين، فقال جل وعلا: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل:91-92] .

    وقال الله جل وعلا: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] .

    وأخبرنا الله جل وعلا عن عظيم الأجر وبركة التجارة التي يحصلها من يتلو كلامه في هذه الحياة، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29] .

    والآيات في ذلك كثيرة.

    وكما أمرنا الله جل وعلا بتلاوة كلامه أمرنا بالإصغاء والاستماع إليه، فقال جل وعلا: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] .

    وأخبرنا الله جل وعلا أن من يستمع إلى كتابه ويعمل بموجبه فهو ممن هداهم الله، وهو من أصحاب العقول النيرة الواعية، فقال جل وعلا: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18].

    وقال ربنا جل وعلا في نفس السورة بعد آيات في بيان منزلة كلامه وكتابه وكيف يؤثر في نفوس المستمعين: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] .

    وأخبرنا الله جل وعلا أن هذه الآثار كما تظهر على الظاهر: من قشعريرة الجلد، ومن انقباض الجلد، ومن انبساطه، تظهر أيضاً على القلوب وتكون في القلوب، وما تأثر الظاهر إلا بعد تأثر الباطن، قال الله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].

    وأخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين عندما يستمعون آيات الذكر الحكيم يبكون ويخرون لله يسجدون، فقال جل وعلا: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109] .

    نعم هذا هو وصف المؤمنين، وهو وصف النبيين، على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    يقول الله جل وعلا بعد أن ذكر أحوال النبيين والصالحين على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58] .

    والآيات في هذا المعنى كثيرة، فقد أمرنا بتلاوة القرآن، وأمرنا بالاستماع إليه والإصغاء إليه.

    تحذير الله تعالى من الإعراض عن القرآن

    وحذرنا الله من الإعراض عنه، وعدم سماعه وعدم تدبره، فقال جل وعلا: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] ، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] .

    وأخبرنا الله جل وعلا أن من غضب الله عليهم يعرضون عن آي الذكر الحكيم، ويقبلون بعد ذلك على اللهو الذميم، فيقول ربنا الرحمن: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:1-5] .

    ثم أخبرنا الله جل وعلا عن الصنف الخبيث الخسيس فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7] .

    ونظير هذه الآية قول الله جل وعلا: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الجاثية:7-10] .

    وقد أخبرنا الله جل وعلا أن الكفار يتواصون بعدم سماع كلام العزيز القهار، فقال جل وعلا: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] .

    وأخبرنا ربنا جل وعلا أن هذه الأمة إذا أعرضت عن تلاوة كلام الله، وعن سماع كلام الله، وعن تدبر كلام الله، فرسولنا صلى الله عليه وسلم سيشكو أمره إلى الله: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30].

    يقول نبينا عليه الصلاة والسلام هذا القول في عرصات الموقف وساحة الحساب يوم القيامة.

    إخوتي الكرام! إن الحجة التي أنزلها الله علينا وأمرنا بتلاوتها، والاستماع والإصغاء إليها، وتدبرها هي كلامه، وسيسألنا عن ذلك ربنا يوم القيامة، كما قال جل وعلا: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:130-131].

    والآيات في هذا المعنى كثيرة وفيرة، وبما أن ذكر الله هو أفضل العبادات، فأفضل الأذكار وأعلاها وأجلها تلاوة كلام الله جل وعلا، واستماع كلام الله جل وعلا، وتدبر كلام الله جل وعلا.

    أحوال السلف مع القرآن

    وهذا السماع هو الذي كان يقبل عليه سلفنا الأتقياء رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، كانوا يستمعون إلى كلام الله، وكانوا يقرءون كلام الله، وكانوا يتدبرون كلام الله، لم يكونوا يعكفون على سماع القصائد والأشعار، إنما يسمعون الآيات المحكمات، وقد قرر أئمتنا هذا، وانظروا كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم صفحة خمس وثمانين وأربعمائة من المجلد الثالث فما بعدها، وانظروا مجموع الفتاوى، فقد بحث في هذه القضية في ثمانين صفحة متتالية في الجزء الحادي عشر من صفحة خمسمائة وثلاثين إلى صفحة عشر وستمائة، فبين -كما بين أئمتنا قاطبةً- أن سماع السلف الكرام كان منحصراً في سماع كلام الرحمن، في تلاوة كلام ذي الجلال والإكرام، ولم يكونوا يعكفون على سماع القصائد والأشعار.

    ثبت في طبقات الإمام ابن سعد والأثر في كتاب الحلية لـأبي نعيم ، ورواه الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن حبان في صحيحه، وإسناده صحيح، أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا إذا اجتمعوا يقول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه للصحابي الجليل أبي موسى الأشعري : يا أبا موسى ! ذكرنا ربنا.

    وفي بعض روايات طبقات الإمام ابن سعد : يا أبا موسى ! شوقنا إلى ربنا، فيقرأ القرآن وينصت له الصحابة الكرام.

    فقد كانوا إذا اجتمعوا يستمعون كلام الله جل وعلا.

    سماع النبي صلى الله عليه وسلم لتلاوات الصحابة

    وهذا المسلك أخذوه من نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فهو الذي سن لنا استماع القرآن، والإصغاء إليه، وهو الذي علمنا تلاوة القرآن، فاستمع لحال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك؛ لنقتدي به، فهو أسوتنا وقدوتنا عليه صلوات الله وسلامه، وفداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ، والحديث في الصحيحين وسنن الترمذي وسنن أبي داود ، وهو في أعلى درجات الصحة من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( لقد مررت بك البارحة يا أبا موسى! وأنت تقرأ القرآن، لو رأيتني وقد مررت بك وأنا أستمع إلى قراءتك، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )؛ أي: صوتاً رطباً ندياً عذباً كما كان الحال في صوت نبي الله داود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فأوتيت هذه العذوبة في صوتك كأنه صوت من حنجرة النبي الصالح نبي الله داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وشبه الصوت هنا بالمزمار بجامع العذوبة في كل، لكن صوت المزمار حرام، وصوت الحنجرة العذبة الرطبة الندية حلال، فانتبه لهذا، فعذوبة هنا مباحة حلال؛ وهناك عذوبة محرمة لما يترتب عليها من آثام وضلال، وسيأتينا أن آلات المزامير والمعازف كلها حرام، والاستماع إليها فسق، والتلذذ بها كفر، واستحلالها ردة وخروج عن شريعة الله جل وعلا.

    وورد في تكملة الحديث في رواية الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه ومعجم الطبراني الكبير قال أبو موسى الأشعري لنبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: ( يا رسول الله! عليه صلوات الله وسلامه، لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً ) أي: لو كنت أعلم أنك تسمع لزدت في تحسين صوتي، وقد أمرنا أن نحسن أصواتنا عند تلاوة كلام ربنا، ( لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً ) أي: لزينته وزدت في عذوبته من أجل أن تطرب يا خير خلق الله! على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وهذا المعنى وهو أن هذا العبد الصالح أعني: أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس كان في صوته هذه العذوبة الشجية، وكان في صوته هذه الرطوبة الندية، فقد كان هذا معروفاً، والإخبار به عن نبينا عليه الصلاة والسلام متواتر؛ وقد ورد فيه أحاديث كثيرة، من هذه الأحاديث: حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب رضي الله عنهم أجمعين، وحديثه ثابت في المسند وصحيح مسلم وطبقات ابن سعد ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والإمام الدارمي في سننه، ولفظ الحديث عن بريدة رضي الله عنه ( أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في الليل فمرا على المسجد، فإذا بـأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه يصلي ويقرأ القرآن، فقام النبي عليه الصلاة والسلام ينصت إلى قراءته ويستعذب صوته ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لـبريدة : أتراه مرائياً؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: بل مؤمن منيب )، أي: هذا ليس من المرائين، بل هذا من الخاشعين المخبتين، ( فقال بريدة : فلما أصبحنا غدوت على أبي موسى الأشعري وأخبرته بقول النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له أبو موسى الأشعري : أنت لي صديق، ولن تزال لي صديقاً؛ فقد أخبرتني بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لـبريدة : يا بريدة! لقد أوتي أبو موسى مزماراً من مزامير آل داود )، والحديث -كما قلت- في المسند وصحيح مسلم وغيرهما.

    وروي هذا الحديث من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي ، والحديث في طبقات ابن سعد أيضاً ومصنف ابن أبي شيبة ، ورواه ابن حبان في صحيحه عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى أبي موسى الأشعري فقال: لقد أوتي عبد الله بن قيس مزماراً من مزامير آل داود ).

    والحديث رواه أبو هريرة أيضاً عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، روى روايته الإمام أحمد في المسند، ورواها الإمام النسائي في السنن، وابن ماجه في السنن أيضاً، وابن أبي شيبة في مصنفه، وابن حبان في صحيحه بمعنى الحديث المتقدم.

    وثبتت هذه الرواية من رواية أنس بن مالك أيضاً، ورواها الإمام أبو يعلى بسند حسن كما قال الإمام الهيثمي في المجمع، ورواها مع الإمام أبي يعلى الإمام أبو نعيم في الحلية، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، ورواها محمد بن نصر في قيام الليل، وروى هذه الرواية أيضاً البراء بن عازب في مسند أبي يعلى ، وكتاب قيام الليل لـمحمد بن نصر ، وقال الإمام الهيثمي : وإسناد الحديث موثقون، ورويت هذه الرواية بسند صحيح مرسل في معجم الطبراني الكبير، وطبقات ابن سعد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنهم أجمعين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى أبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فقال: لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود ).

    فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام يستمع إلى قراءة القرآن، ويثني على التالي.

    وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يطلب من الصحابة الكرام أن يقرءوا عليه القرآن ليسمع وليسن لنا سماع القرآن، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في المسند والحديث في الكتب الستة إلا سنن ابن ماجه ، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى وفي دلائل النبوة، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ، ورواه عبد بن حميد في مسنده، ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اقرأ علي القرآن، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه سورة النساء حتى وصل إلى قول الله جل وعلا: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: حسبك. يقول عبد الله بن مسعود : فنظرت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإذا عيناه تذرفان ) بالدمع والبكاء عليه صلوات الله وسلامه.

    وقراءة عبد الله بن مسعود على نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام ثابتة في غير هذه الرواية عن طريق طلب نبينا عليه الصلاة والسلام منه بأن يقرأ عليه، وقد روى ذلك الحاكم في المستدرك من رواية عمرو بن حريث عن أبيه، وحريث صحابي، وولده عمرو صحابي، كما أن ولده أيضاً سعيد بن حريث صحابي، فكلهم صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والحديث إسناده صحيح من رواية عمرو بن حريث عن أبيه حريث ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعبد الله بن مسعود : اقرأ علي القرآن، فقال: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه صدر سورة النساء، يقول: حتى وصلت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، قال عبد الله بن مسعود : فاستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، -أي: أخذته العبرة والبكاء وبدأت عيناه تذرفان بالدمع عليه صلوات الله وسلامه- ثم قال له: توقف، فتوقف عبد الله بن مسعود ، فقال له نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام: تكلم، فتكلم؛ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي بما هو أهله، ثم قال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وأنا رضيت لكم ما رضيه لكم ابن أم عبد )؛ يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    وقفات مع الأناشيد والأشعار وآلات العزف والموسيقى

    إخوتي الكرام! هذا هو سماع سلفنا الكرام الطيبين، كانوا يستمعون القرآن، ويتلون كلام الرحمن، فإذا سمعوه وجلت قلوبهم، واقشعرت أبدانهم، ودمعت أعينهم، فهذه أوصافهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فما الذي حصل بعد ذلك؟ إن الأمر تغير، وقد ذكرت كثيراً من بدع المتأخرين من الصوفية، كيف عكفوا على القصائد والأشعار، وضموا إليها الرقص، وفعلوا هذا في بيوت الله عز وجل، وزعموا أنهم يذكرون الله ويعبدونه بهذه العبادات المحدثة المبتدعة، خاب سعيهم وضل عملهم، وقد وضحت بدعتهم وقلت: سنتدارس بدعةً وجدت في هذه الأيام، وهي: بدعة الأشعار الجهادية من قبل من يجاهدون بالكلام، فعملوا أيضاً أشعاراً وقصائد، وصاحبتها الدفوف وآلات الطرب، وتكسروا وتخنثوا في إلقاء تلك القصائد، وقالوا: هذه أشعار الجهاد، ينبغي أن يعكف عليها العباد؛ من أجل بعث الحماس في قلوبهم، إن أشعارهم كأشعار المتأخرين المخرفين من الصوفية.

    إن أشعار هاتين الفرقتين، أعني: أشعار المجاهدين في هذا الزمان، وأشعار من خرفوا من الصوفية هي كالأشعار المجونية، كأشعار أهل الغناء، سواءً بسواء، قد تختلف عنها في موضوعها، فلا تتعرض لفحش وخنا وبذاءة، لكنها لا تختلف عنها في صيغة إلقائها، فصيغة الإلقاء تكسر وتخنث وميوعة، فما الذي أباح لك هذا، ومن الذي أباح لك أن تتكسر، وأن تتخنث، وأن تتصف بهذه الميوعة المنكرة، فإذا أردت أن تقول أشعار الجهاد فقلها بكلام فصل جزل يبعث الحماس في القلوب، بحيث لا يحرك بعد ذلك اللذة والطرب والركون إلى الدنيا بهذه الصيغة الماجنة؛ من تكسر وتخنث وميوعة.

    رأي الحسن البصري في إلقاء الأشعار بتكسر وتميع

    قال رجل للإمام أبي سعيد الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: ما تقول في الغناء؟ فقال: نعم الشيء هو، توصل به الأرحام، ويفعل عنده المعروف، ويتسلى به المكروب.

    يريد رضي الله عنه وأرضاه من الغناء الشعر الحسن الطيب الذي يقوله الإنسان فيبعث فيه الحمية والنخوة والمروءة والشهامة؛ ليصل رحمه، وليفعل المعروف، وليتسلى إذا كان حزيناً. فقال السائل: لا أريد هذا إنما أريد الشد، قال: وما الشد؟ أتعرف شيئاً منه؟ قال: نعم، ثم اندفع الرجل يغني، يلوي شدقيه، ويلوي منخريه، ويكسر عينيه، ويتمايل يميناً وشمالاً، فقال الحسن البصري : سبحان الله! ما كنت أظن أن عاقلاً يبلغ من نفسه هذا، وأي عاقل يفعل هذا، ظننت تسأل عن الشعر الذي يقال له عند الناس غناء؛ لأنه -كما قلنا- هو كلام موزون مقفى، لكن لا يشتمل على فحش، ولا يقال بتكسر ولا بتخنث، فهذا يقال له: غناء؛ لأنه نوع من الشعر ولهذا قال الحسن : ظننت أنك تسأل عن الشعر الذي يقوله الإنسان؛ لترويح نفسه، ولصلة رحمه، فظننت أنك تقول هذا، أما هذا الغناء ما أظن أن عاقلاً يفعل هذا، وحال الحسن البصري كحال سيدنا الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا عندما قال له قائل: ما تقول في الغناء يا أبا عبد الله! فقال: مثل ماذا؟ عن أي أنواع الغناء تسأل؟ قال: مثل قول القائل:

    إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني

    فوضع الإمام أحمد يده على لحيته وبدأ يكرر البيتين ويبكي:

    إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني

    إذا سمي هذا عند الناس بغناء فلا يضر، هذا -كما قلت- يفعل عنده المعروف، ويحرك الشهامة والنخوة والمروءة، كأشعار الزهد.

    وكما سيأتينا هذا مجملاً ولعلني أواصل الحديث في أشعار الفسق والأشعار المجونية في الموعظة الآتية إن شاء الله.

    المحظورات التي اشتملت عليها الأناشيد العصرية

    إذاً: هذه هي الأشعار الجهادية التي يزعم من يجاهدون بها في هذه الأيام أنهم سيقيمون دولة إسلامية ويؤدونها بتكسر وتخنث وقلة حياء ورقة وميوعة، ويقولون: هذه أشعار الجهاد، وهناك محظور آخر وهو مصاحبتها لآلات اللهو من دف ومزمار وغير ذلك، فمن الذي أباح لكم آلات اللهو يا عباد الله؟! إن استحلال آلات الملاهي كفر، ومن يستحل شيئاً منها مهدد بأن يمسخ قرداً أو خنزيراً، فمن الذي أباح لك أن تضرب بالدف، وهو الذي رخص فيه للنساء فقط في الأفراح والعرس، فهل جعلت نفسك امرأة؟ وجعلت أيامك كلها عرساً؛ لتضرب بالدف باسم أشعار الجهاد؟

    وهناك محظور ثالث: وهو أن هذه الأشعار عكف عليها الأشرار في هذه الأيام الذين يدعون إقامة دولة الإسلام وتركوا كلام الله جل وعلا، فأشعار الجهاد على زعمهم تكسر وتخنث يصاحبها آلات محرمة يعكفون عليها ويقولون: سنقيم دولة الإسلام بذلك!

    كنت مرةً في مكة المشرفة -صانها الله وشرفها، وزادها تعظيماً وبركةً- مع بعض إخواننا، في سيارة، وهو ممن فتن بهؤلاء وظن أن هذا يعتبر جهاداً، فإذا سمع هذه الأشرطة التي فيها أغاني الجهاد وآلات لهو بتكسر، فوضع الشريط في المسجل وهو في السيارة يقودها وأنا بجواره، وبدأ اللحن، وقبل أن يخرج المغني الماجن المخنث المتكسر في كلامه وقصيدته شيئاً من اللحن في البداية بالصيغ المعروفة ها وما ها من هذا الكلام، قلت: يا عبد الله! هل عندك شريط لفلانة من الراقصات الماجنات المنحوسات المعروفات؟ قال: سبحان الله! تسأل لماذا؟ قلت: أسألك: هل عندك شريط لفلانة؟ قال: أعوذ بالله، أنا أقتني شريطاً لهذه المغنية، قلت: أنا أنصحك نصيحة: إذا كان عندك شريط لها فضعه بدل هذا الشريط؛ لنستمع إليه، قال: أعوذ بالله، أنت تستمع الغناء! قلت: والله ما أستمع، ولكن استماعي لفلانة أخف من استماعي لهذه الأشعار، قال: وكيف؟! قلت: يا عبد الله! إذا استمعنا شريط الغناء نعلم أننا عصينا الله لعلنا نتوب ولو بعد حين، بخلاف جلوسنا نلحد في حرم الله ونحارب الله ونحن نزعم أننا نجاهد في سبيل الله، يا عبد الله! اتق الله في نفسك، من الذي أباح لك هذا الزمر وهذا الضرب في هذه الأشرطة فتسمعه وأنت بجوار بيت الله الحرام؟

    إخوتي الكرام! أشعار الجهاد في هذه الأيام حلت محل أشعار المتأخرين من الصوفية، تقال بتكسر وتخنث وميوعة، ويصاحبها آلات اللهو، ومع عكوف عليها وإعراض عن كلام الله جل وعلا، فأي جهاد هذا؟!

    1.   

    آلات اللهو والمعازف في نظر الشريعة الإسلامية

    إخوتي الكرام! إن جميع آلات العزف وآلات اللهو محرمة، ولا يستثنى من ذلك إلا الدف لصنف واحد وهو النساء في أيام الأفراح والعرس، وما عدا هذا فلا يباح شيء من آلات اللهو، لا للنساء ولا للرجال في وقت من الأوقات، فالنساء يستعملن الدف في مناسبات حددها خير البريات عليه الصلاة والسلام، كما أباح الشارع لهن أن يصفقن في الصلاة إذا سها الإمام من أجل ألا يسمع صوتهن، وهنا أباح لهن أيضاً هذا، ولا يجوز للرجل أن يصفق، ولا يجوز للرجل أن يستعمل شيئاً من آلات اللهو، وإذا استعملها فقد غير رجولته، وهو من المخنثين عند أئمتنا الكرام الطيبين المباركين.

    يقول شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر، صفحة خمس وستين وخمسمائة: (وبالجملة قد عرف بالاضطرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لصالح أمته وعبادهم وزهادهم أن يجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب أو الدف، كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته، واتباع ما جاء به من الكتاب والحكمة، لا في باطن الأمر ولا في ظاهره، ولا لعامي ولا لخاص، ولكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواع من اللهو في العرس ونحوه، كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكف، بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال )، وثبت عنه ( أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء ).

    ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثاً، ويسمون الرجال المغنيين مخانيثاً، وهذا مشهور في كلامهم).

    إخوتي الكرام! وأما الحديثان اللذان أشار إليهما شيخ الإسلام : الحديث الأول: ( التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال )، فهو حديث صحيح ثابت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهو في المسند والصحيحين وسنن أبي داود والنسائي ، وفي السنن الكبرى للإمام البيهقي من رواية سهل بن سعد ، وثبت أيضاً في سنن ابن ماجه بسند صحيح من رواية عبد الله بن عمر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء في التصفيق للصلاة، كما رخص للرجال في التسبيح ).

    وهو ثابت من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين في مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أنساني الشيطان شيئاً من الصلاة فليصفق النساء، وليسبح الرجال )، والحديث إسناده حسن كما في مجمع الزوائد في الجزء الرابع صفحة عشر ومائة.

    وأما الحديث الثاني في لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء فهو حديث صحيح رواه أهل الكتب الستة، إلا الإمام مسلم عليهم جميعاً رحمة الله من رواية سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وانظروا أحاديث كثيرة عن غير عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين فيها هذا المعنى في مجمع الزوائد في الجزء الثاني صفحة ثلاثة ومائة في كتاب الأدب باب في المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، فالمرأة يباح لها أن تصفق إذا سها الإمام؛ لتنبهه؛ لئلا تتكلم؛ لأن صوت المرأة فتنة.

    وإذا كان صوت المرأة فتنة فما بالكم بوجهها؟ وأنا أعجب غاية العجب كيف انعكست وانقلبت الموازين في هذه الأيام، فأمرنا أن نغض طرفنا عن النساء، ونعمل الآن مؤتمرات على زعم المؤتمرين أنهم يبحثون في شئون المسلمين، فيجلس بعد ذلك شيخ على اليمين، وشيخ على اليسار، وبينهما امرأة وتدير الحلقة، تدير المناقشة، سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! امرأة تكشف عن وجهها، وتستقبل الجمهور، والناس يستقبلونها، ثم شيخ شيعي وشيخ سني وهي بينهما في الوسط! كيف ستتوحد الأمة على النساء؟! سبحان ربي العظيم! أعجب من امرأة تجلس لتدير ندوةً، أما يوجد رجل يدير ندوة؟ هل حصل قحط في الأمة؟ علام هذه المرأة تدير هذه الندوة؟

    إذا كانت المرأة تصلي خلف النبي عليه الصلاة والسلام، وسها نبينا عليه الصلاة والسلام بحضور الصحابة الكرام، فلا تقل: سبحان الله؛ لئلا تحرك قلوب الرجال، فلتصفق ولتضرب بظاهر كفها اليمنى على ظاهر كفها اليسرى، ولا داعي للتصفيق بعد ذلك بالراحتين؛ لتنبه أنه حصل خلل في الصلاة، وهي امرأة خلف النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة الكرام، وهذه امرأة شابة جميلة تجلس بين شيخين، وتقبل على الجمهور، فمن الذي يضمن لنا حال الحاضرين؟ لماذا هذا التحلل وهذا التفلت في هذه الأيام؟.

    إذاً: المرأة في الصلاة تصفق؛ لئلا يسمع صوتها الرجال، وأبيح لها ما أبيح في أوقات خاصة، وليس من حق أحد أن يبيح وأن يمنع إلا نبينا عليه الصلاة والسلام حسب ما يبلغ عن ذي الجلال والإكرام، وأما الرجل فلم يبح له دف ولا غيره لا في عرس ولا في غيره.

    وتعجَّب من أشعار تقال وتصاحبها هذه المزامير، وهذه الدفوف، ويقال بعد ذلك: أشعار جهادية.

    1.   

    الرد على القول بجواز الموسيقى غير المثيرة

    وأما القول: بأن الموسيقى إذا لم تكن مثيرة فهي حلال، فغاية ما يمكن أن يقال في التعليق على هذا القول: هذا رأي بشري، والرأي البشري إذ خالف ما ثبت عن رسولنا النبي عليه الصلاة والسلام فهو وراء الظهر، وهو تحت الرجل، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام لا يعارض بكلام أي كان، وسيأتينا -إن شاء الله- أن جميع آلات اللهو من المزامير والمعازف كلها حرام، فالقول بأن الموسيقى إذا لم تكن مثيرة حلال، فما الدليل على هذا؟ وما الدليل على التفريق بين الموسيقى المثيرة وغير المثيرة؟ وما الذي يؤثر في هذا ولا يؤثر في هذا؟ وقد يسمع الإنسان أشنع أنواع الموسيقى على تعبيرك ويقول: لا يتأثر، فهي حلال، فما الضابط لذلك؟ فكل هذا كلام لم يوزن بميزان الشرع فهو مردود.

    إن هذه الفتيا هي كحال من يقول: إن شرب القليل من الخمر إذا لم يؤثر في الإنسان فهو حلال، وقد قال بعض القسيسين -عليهم غضب الله ولعنته- عندما قيل لهم: إن الخمر عندكم في كتابكم حرام، والله يقول في الإنجيل: (لا يدخل الجنة سكير ولا زان)، فقال: المراد من السكير هو الذي يشرب سطلاً من الخمر، وأما إذا شرب زجاجةً أو كأساً فلا حرج.

    صار حالنا أيضاً يشابه أولئك، نقول: إذا جلسنا على الديسكو حرام، وإذا كانت الموسيقى ليست مثيرة فهي حلال، فما الدليل على ذلك؟ وسيأتينا نصوص النبي عليه الصلاة والسلام التي تحرم جميع آلات العزف والموسيقى وجميع آلات اللهو.

    إذاً: إخوتي الكرام! هذه الأناشيد التي فشت في هذه الأيام باسم الجهاد محظورة ممنوعة؛ لهذه الأمور: تقال بتكسر وتخنث، ويصاحبها آلات محرمة صدت الناس عن آيات الله المحكمة، فإن خلت عن هذه المحظورات فهي من المباحات، بل قد تدخل في دائرة المستحبات إذا خلصت النيات؛ لما فيها من شحذ للعزائم، وحث على الفضائل والمكارم.

    1.   

    البديل عن الغناء الماجن

    وأما ما يقوله بعض الناس: إذاً ما البديل عن الغناء الماجن؟ لا بد من بديل، فالجواب عنه: إن البديل لا ينبغي أن يكون بتبديل، لقد بدلتم شرع الله الجليل باسم البديل، فهنا غناء معه عزف وخنوثة وميوعة، وهناك غناء معه عزف وخنوثة وميوعة، ما اختلفا إلا في الموضوع.

    فإذاً: ما ميزة غنائك على غناء أولئك؟ لقد جئت تريد بديلاً فأحضرت لنا شيئاً هزيلاً، والبديل أن نعود إلى ما كان عليه سلفنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

    الأمر الثاني: أقول: البديل ليس متروكاً للرأي، والأمر إذا أردنا أن نحدثه عن طريق عقولنا وآرائنا دون أن يؤخذ من شريعة ربنا لن يكون له أثر نافع في حياتنا، والله لا يمحو الخبيث بالخبيث، ولا يمحو السيئ بالسيئ، إنما يمحو الخبيث بالطيب، ويمحو السيئ بالحسن، فإذا أردت بديلاً اعكف على أشعار تقال بجزل وفصل، وتبعث الحماسة في قلوب الناس، دون أن يصاحبها لهو، ودون أن يصاحبها ميوعة وخنوثة، ومع ذلك إقبال على كلام الله عز وجل، وسرد أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي تبعث في الأمة معاني الشهامة والنخوة والمروءة والنجدة.

    والأمر الثالث: لمن يقولون: لا بد من بديل، أقول: عجب لكم، وعجبي لا ينتهي منكم، ومتى كان أهل اللهو وأهل الطرب يعيشون هم الأمة؟ تريدون أن تحركوا الأمة نحو الجهاد والكفاح ولا تريدون على زعمكم أن يشتغلوا بالتشدق والصياح، فما الذي جرى منكم؟ خنوثة وتكسر وميوعة، فليتكم تشدقتم وصحتم بلا هذه الخنوثة ولا الميوعة، تريدون أن تحثوا الناس على الكفاح، ثم جئتم بعد ذلك بهذه الأشعار وفيها تخنث وميوعة، ومعها المزامير، فمتى كان المغني والرقاص ومن يعكف على اللهو يعيش هم الأمة؟ إن أبا سفيان -كما تقدم معنا- في موقعة بدر، وقد أسلم بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه- عندما انتصر المسلمون وقتل من المشركين سبعون، انظر للهم الذي يعيشه، لقد حلف أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يثأر لأصحابه وحتى ينتقم من محمد وأصحابه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وبقي سنةً كاملة لا يصب على بدنه قطرة ماء، حتى قاد جموع المشركين في موقعة أحد، وكان ما كان، وهذا يريد أن يعيش هموم الأمة ومشاكلها وتراه يجلس بعد ذك يغني، ويتخنث، ويتكسر مع آلات لهو، ثم يقول: هو يعيش هم الأمة، يا طبال! ينبغي أن تبكي دماً لا دمعاً، لقد حولت هذا الشعور إلى غناء والى طرب وإلى لهو وتقول: إنك تعيش هم الأمة ومشاكلها!

    إخوتي الكرام! والله لا يحرك الأمة إلا كلام خالقها، فإذا أردنا للأمة أن تتحرك إلى الكفاح والجهاد فلتسمع قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111] .

    والله إن العاقل إذا تليت عليه هذه الآية يقول: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فإذا أردت أن تحرك الأمة فحركها بكلام الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-175] . أقول هذا القول وأستغفر الله.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج كروبنا، واقض حوائجنا، يا أرحم الراحمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، وإذا أردت فتنةً بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المؤمنين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].