إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. اعتناء الحنفاء بمعرفة الأصدقاء من الأعداء [2]

اعتناء الحنفاء بمعرفة الأصدقاء من الأعداء [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكافر هو العدو الظاهري للمؤمن، وقد قدر الله تعالى هذه العداوة في كتابه، ويتعارض مع هذه العداوة استقدام الشغالين والشغالات الكفار، وفكرة التعايش السلمي التي تروج لها الدول الغربية الكافرة، وكذلك مادة الفلسفة والاجتماع وعلم النفس التي قررت على غير أسس شرعية، فهذه الأمور تعمل على تمييع هذه العداوة وعلى فصل الدين عن واقع الحياة.

    1.   

    علاقة المؤمن بالعدو الظاهري (الكافرين)

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

    إخواني الكرام! قد استعرضنا فيما سبق أقسام الأصدقاء والأعداء، وقد تكلمنا عن الأصدقاء وذكرنا أنهم على قسمين: صديق ظاهري، وصديق باطني، فالظاهري يرى بالعين، والباطني تدركه القلوب وتشعر بأثره، وقلنا: إن لكل قسم من هذين القسمين حقوقاً وواجبات يجب العمل بها، وأما الآن فسنتكلم عن الأعداء، وكما قلت أيضاً: العدو ينقسم إلى قسمين: عدو ظاهري، وعدو باطني، فالعدو الأول وهو العدو الظاهري وهو عكس الولي الظاهري، فأولياؤنا المؤمنون من كانوا وأين كانوا، وأعداؤنا الكافرون من كانوا وأين كانوا، وقد قرر ربنا جل وعلا هذا في محكم كتابه في آيات كثيرة، فانتبهوا لهذا الأمر يا عباد الله! لأننا في هذا الوقت والينا أعداء الله ولا ندري.

    ذكر الأدلة على إثبات وتقرير العداوة بين المؤمنين والكافرين

    يقرر ربنا جل وعلا أن الكافرين أعداء لنا، فلا يجوز أن نواليهم في حين من الأحايين، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].

    هناك ضجة تقوم في البلاد في هذا الوقت في شن الحملات على اليهود، ولا أقول: إننا نعارضها، إنما لم تسكتون عن النصارى الذين قضي على الدولة الإسلامية على أيديهم؟ لم تحاربون اليهود وتوالون النصارى؟ ألم يقل الله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51]؟ إذاً ليس هذا من المؤمنين.

    وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:144-145].

    وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ [المائدة:57] أي: لا تتخذوهم أولياء، فإن هؤلاء أعداء، ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:57-58].

    التحذير من موالاة الكافرين واتخاذ بطانة منهم

    وقد حذرنا ربنا جل وعلا من موالاة الكافرين واتخاذ بطانة منهم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران:118] أي: من غير أصدقائكم وهم المؤمنون، فلا تتخذوا بطانة من غيرهم.

    قال: لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118].

    وفي صحيح البخاري في كتاب الأحكام باب بهذا الخصوص، فقال: باب بطانة الإمام وأهل مشورته، ثم فسر الإمام البخاري البطانة فقال: البطانة هم الدخلاء، أي: الذين يدخلون على المسئول ويختلطون به سراً، فحالهم كحال البطانة التي تكون للثوب، يقول: لا تتخذوهم مستشارين، ولا تطلعوهم على أمور المسلمين، فقوله: لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران:118]، أي: لا يقصرون في وقوعكم في العنت والمشقة والحرج والضيق، وقوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118] أي: يتمنون ويحبون وقوعكم في العنت والكرب والبلاء، ووصفهم عكس وصف نبينا صلى الله عليه وسلم الذي يقول الله فيه: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة:128]، وكل مؤمن يعز عليه أن يقع المؤمنون في العنت، وأما هؤلاء فيودون وقوعنا في العنت، فشتان ما بين الفريقين شتان. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118].

    ثم روى البخاري بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من نبي بعثه الله ولا من خليفة استخلفه الله إلا كان له بطانتان: بطانة تحضه على الخير وتأمره به، وبطانة تحضه على الشر وتأمره به، والمعصوم من عصم الله ).

    وقال الإمام ابن كثير عليه رحمة ربنا الكبير في تفسيره عند الآية السابقة: وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن نتخذ من اليهود والنصارى كتاباً عملاء عندنا إذا كانت وظيفتهم ستطلعهم على أحوال المسلمين؛ لأنهم غير مؤتمنين، وقرر هذا أئمة التفسير قاطبة.

    وقد قال الإمام القرطبي في زمنه وهو القرن السادس الذي اختلت فيه الأحوال فكيف لو رآنا، يقول: وقد شاع في هذا الزمن اتخاذ الكتبة من أهل الكتاب وتسودوا بذلك عند الولاة والأمراء. ومعنى تسودوا بذلك أي: سادوا وصار لهم منزلة. وهذا منكر فظيع وقاصمة لظهور المسلمين.

    وثبت في سنن البيهقي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ولى أبا موسى الأشعري على البصرة رضي الله عنهم أجمعين، فلما اتصل به قال عمر لـأبي موسى : قل لكاتبك ليقرأ لنا هذا الكتاب، فقال: إنه نصراني ولا يدخل المسجد، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، ثم قال له: لا تدنوهم بعد إذ أقصاهم الله، ولا تأمنوهم بعد إذ خونهم الله، ولا تكرموهم بعد إذ أهانهم الله. ثم قال له: اتخذت بطانة من دون المؤمنين؟ فقال: ما واليته، إنما اتخذته كاتباً، فقال: أما وجدت في المسلمين كاتباً غيره؟

    فكيف بأصحاب المؤسسات والشركات الذين يحضرون عمالاً من هنا وهناك، فليتقوا رب الأرض والسماء، أتظنون أن العمال الكفرة يأتون للبلاد الإسلامية بحجة عمل فقط؟ لا والله ثم لا والله، فإن لهم من وراء ذلك غايات نحن لا ندركها، أما وجدتم عمالاً غيرهم؟ أما وجدتم؟ إذاً لم تواله؟ أما وجدت كاتباً غيره من الرعية الإسلامية؟

    قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران:118].

    علاقة استقدام الشغالين والشغالات الكفار بالموالاة والمعاداة في الدين

    وقد توسع الناس في هذا الوقت في استقدام الشغالين والشغالات من البوذيين والبوذيات والكافرين والكافرات.

    وقد أخبرني بعض المسئولين الصالحين الكبار أن بعض أهل العقول الرديئة في هذه البلاد بدأ يقول: إن هذه الشغالة إذا شرط على أهلها أن يطأها -أي: من استأجرها- وهي عنده فهذا جائز لأنها بمثابة الأمة.

    سبحان الله العظيم! إن قدوم النساء بلاء، سيحصل الزنا قطعاً لا شك في ذلك، وإنما البلية أننا بدأنا نبرر للزنا، وصدق نبينا عليه الصلاة والسلام إذ يقول: والحديث في صحيح البخاري : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر ) أي: الفروج. كيف سيستحلونها؟

    الجواب: كما قلت: بعض المسئولين الكبار هنا يقول -وهذا شائع الآن بين الناس-: إن هذه الكافرة إذا استقدمها وشرط على أهلها أنه سيطؤها فلا حرج عليه في ذلك.

    وقوله: (يستحلون الحر) أي: الزنا، أي: الفروج، كيف سيستحلونها؟ المؤمن لا يمكن أن يستحل الزنا هكذا صراحة، ولو استحله لارتد، إنما بتأويل، وهو أن حكمها كحكم ملك اليمين.

    وأنا أقول: كل بيت فيه شغالة فهو مملوء بلعنة الله وسخطه وغضبه ولا يدخله ملك من الملائكة.

    والذي يوالي ذلك البيت هو الشيطان، والمرأة المسلمة إن كانت تخاف الرحمن فعليها أن تقول لزوجها إن أحضر الشغالة: أنت بين ثلاثة أمور ليس لهن رابع: إما أن تتزوجها إذا كان ذلك يحل ونصير أنا وهي على شريعة الإسلام، وإما أن تصرفها إلى أهلها، وإما أن أتركك وشيطانتك في البيت. اختر واحدة من هذه الثلاثة ليس لهن رابع، قال تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62].

    فقد بدأ الناس يتهافتون على هذا، وإذا قلت لكم: إن مكاتب الاستقدام في الأسبوع يسألون عدة مرات من قبل الصالحين -بل ومن قبل الدعاة- يريد أحدهم أن يستقدم شغالة؛ لأن زوجته مدرسة أو موظفة أو مديرة أو.. أو.. سبحان الله العظيم!

    قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران:118]، وأما استقدامها وهي مسلمة فالأمر أطم وأطم، وأنا لا أتكلم الآن عن كافرة فقط، بل أقول: بأي شرع خرجت من غير محرم؟ ومن محرمها؟

    والذين في بيوتهم شغالات إن كانوا أتقياء فإنهم يعاملونهن معاملة المحارم، وإن كانوا فجرة فيعاملونهن معاملة الأزواج، لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118].

    سبب العداوة بين الكافرين والمؤمنين

    وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أن من كان متصفاً بخلاف عقيدتنا وفكرنا ومشاعرنا فالعداء بيننا وبينه قائم ولو كان أقرب الناس إلينا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23].

    وقد بين ربنا لنا السبب في ذلك فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، يقول: هؤلاء يعادونني ويعادونكم، فلا تجوز ولايتهم ولا صداقتهم.

    وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه غضب على كل كافر فكيف نتولاه، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13].

    وأنت أيها المؤمن غايتك الآخرة، قال الله: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19]، والدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فكيف اتفقت مع هذا الذي لا يؤمل بالآخرة ولا يرجوها ولا يرغب فيها؟ قال الله: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13].

    وأخبرنا ربنا جل وعلا أن من والى الكافرين فهو منافق في الدرك الأسفل من الجحيم قال الله: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:138-140]، فمن والى الكافرين فهو منافق، ومصيره مصيرهم، وعلى هذا فالكافرون أعداء لنا وهكذا المنافقون، كما نص ربنا جل وعلا على هذا في سورة المنافقين: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون:1-4] أي: ليس هؤلاء أصدقاء، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4]، والكلام على هذا طويل، سأقف عند هذا المقدار.

    1.   

    فكرة التعايش السلمي ومخالفتها للدين

    إخوتي الكرام! لا بد أن أنبه على أمرين عظيمين يتعلقان بالعدو الإنسي الظاهري:

    الأمر الأول وهو مهم جداً: ما يتطاير في هذا الوقت من دعايات مضللة لتحريف الناس عن دينهم بما يتعلق بفكرة التعايش السلمي الذي تتولاه الدول الكافرة الغربية، ومعنى التعايش السلمي، أنه ينبغي أن يصاحب المؤمن الكافر وأن يهادن أهل الأرض بعضهم بعضاً، ويكون هنا على تعبير بعض الناس: أن نأكل العيش ونملأ الكرش.

    هذا التعايش السلمي الذي تنادي به الدول الكافرة في هذا الوقت، وقد انطبع به العملاء وبدءوا يسيرون هذا السير وعطلوا فريضة محكمة باقية إلى قيام الساعة وهي الجهاد في سبيل الله.

    من وراء التعايش السلمي؟ لا أريد أن أناقش هذه الفكرة ومدى بطلانها في شريعة الله، إنما أريد أن أقول: هذه فكرة مزورة للضحك على لحانا ولخداعنا، وليتصرف أولئك بزمامنا كما يريدون، ونحن نقول: إنكم أصدقاء لنا كما هو الواقع المر الذي نعيشه، فما دام هناك على ظهر الأرض مؤمن وكافر، فالكافر سيكيد لهذا المؤمن حتى يقتله أو يجعله كافراً مثله.

    يقول ربنا في هذا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، أين التعايش السلمي؟ يقول الله جل وعلا: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217].

    إن التعايش السلمي أخذ به السذج من المسلمين في هذا الوقت عندما انحرفوا عن شرع الله ورصاص الدول الكافرة يتطاير في جميع الجهات، أين التعايش السلمي؟ والله يقول: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] هذا كلام رب العالمين سبحانه وتعالى.

    ويقول الله جل وعلا: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    وقال جل وعلا: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، فما دام على الأرض خبيث أو كافر فإنه يتمنى أن يكون أهل الأرض كلهم على شاكلته.

    روى الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتاب الحسبة عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عند هذه الآية: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] فقال: تتمنى الزانية لو أن جميع النساء زنين حتى لا تعير، ويعيشون سواء كما هو الحال في الكفار، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89].

    1.   

    تدريس الفلسفة وعلم النفس والاجتماع وضرره على الدين

    الأمر الثاني الذي أريد أن أنبه عليه وهو في منتهى الخطورة، وينبغي تداركه في هذا الوقت، وقد انتشر في أرجاء المعمورة انتشار النار في الهشيم، وهي خطة ماكرة خبيثة محكمة في هذا الحين لفصل المسلمين عن دين رب العالمين، هذه الخطة ينبغي أن نقف عندها بعض الوقت وهي: ما يخطط لنا في معاقلنا في أرقى مؤسسات البلاد في جميع أرجاء الدنيا في هذا الوقت، في المدارس والكليات، ما يخطط في معاقلنا لتدمير ديننا من حيث لا ندري، حول مادة خبيثة تفصل المسلمين عن دينهم وهم لا يدرون، وهذه المادة هي مادة التربية، مادة علم النفس، مادة الفلسفة، مادة علم الاجتماع، هذه المادة التي تقرر الآن وتفرض على أولاد المسلمين؛ لإخراج أجيال شياطين لا يحتكمون إلى وحي رب العالمين أبداً.

    موضوعات علم النفس والفلسفة والاجتماع

    هذه المادة التي تبحث موضوعاتها الآن عن طريق العقل لا عن طريق الوحي، فليس لله جل وعلا شأن ولا دخل في شئون الحياة، في الاجتماع، ولا في الدراسات النفسية، ولا في أمور التربية، إنما المرجع في هذا قرود البشرية: فرويد وأرسطو وأفلاطون ، وقد قرأت كتباً في التربية بعضها يزيد على خمسمائة صفحة، والله الذي لا إله إلا هو ما في الكتاب من أوله لآخره آية ولا حديث ولا قول لعالم من علماء المسلمين، بل قال أرسطو ، قال أفلاطون ، قال فرويد ... سبحان الله العظيم! هذا الأمر ينبغي أن نعيه في هذا الوقت.

    إن الأفكار والأحكام وأمور السلوك والخير والشر المرجع إليها والحكم فيها هو وحي الله وكتابه، ومن حكم العقل في ذلك فهو مرتد خارج عن دين الله جل وعلا، ما بالنا نغضب إذا غيرت القوانين في الأحكام العملية، غير شرع رب العالمين وأتي بقوانين وضعية، ثم بعد ذلك عندما يؤتى بأفكار تهدم العقائد وتهدم الأصل الأصيل عندنا وهو مرجعنا في حياتنا إلى كتاب ربنا فلا نغار ولا نغضب.

    مادة التربية، مادة علم النفس، مادة الفلسفة، مادة الاجتماع التي بحثت بحثاً غير شرعي عن طريق تنحية الوحي السماوي وإحلال العقل البشري ليحل في هذه الأمور، هذه النقطة هي ردة وكفر.

    وأما من بحث بعد ذلك في محتوى الكتب.. وأقول بعد نظر ومشاهدة وكتابة للمسئولين، كتب الشقي الدكتور عبد العزيز القوصي ، وكتب الخسيس التعيس الدكتور فرنسيس عبد النور، الأول في كتاب أسس الصحة النفسية، والثاني في كتاب التربية والمناهج. سبحان الله! كتب ملحدين وصليبيين تقرر على أبناء المسلمين؟!

    يوجد في هذه الكتب ما يندى له الجبين، فيها بالحرف الواحد: قليل الخمر نافع ومنشط للجسم. وفيها بالحرف الواحد: يجب الخلط بين الذكور والإناث ليؤتي التعليم ثماره، وإزالة كل الحواجز الاصطناعية لئلا يحصل كبت وعقد نفسية. وفيها بالحرف الواحد: الاشتراكية هي الحل الحتمي للحياة البشرية. وفيها بالحرف الواحد تقرير نظريات فرويد وغيره: أن كل تصرفات الإنسان شعور جنسي، فالولد الذي يرضع من أمه يتلذذ بها شعوراً جنسياً، والذي يتغوط هو شعور جنسي.

    التنبيه على خطورة علم الفلسفة والنفس والإجتماع وضررها على العقيدة

    سبحان الله العظيم! هؤلاء الأعداء الماكرون بدءوا يطعنوننا بحربات مسمومة تحت اسم التربية، ولذلك عندما نقول لهم: لا تفسدوا في الأرض يقولون: إنما نحن مصلحون مربون.

    هذه المادة مؤسسة على الكفر وعلى تنحية شرع الله جل وعلا عن الحياة.

    ثم الذي يبحث في محتواها يرى ما يشيب منه الولدان، هذه المادة لا تخرج طالباً مسلماً، إنما تخرج طالباً شيطاناً.

    هذا الأمر ينبغي أن نتنبه له عند هذا العدو الظاهري، الأصل في هذه المادة تنحية وحي الله عن الحياة، وهذا كفر، وقد ثبت في سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجه بسند صحيح عن بريدة بن الحصيب والحديث في معجم الطبراني الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، أما القاضي الذي في الجنة فمن عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، والقاضيان اللذان في النار الأول منهما عرف الحق ولم يقض به فهو في النار -جائر- والثاني رجل قضى على جهل فهو في النار أصاب أو أخطأ )، فمادة علم التربية التي لم تؤخذ من أصول إسلامية هي ضلال وكفر سواء كان فيها صواب أو خطأ، مع أنه ليس فيها صواب، كل ما فيها خطأ وسموم قاتلة، فينبغي أن نغار، وعهدي بالمسلمين أنهم يغارون عندما تؤول آيات الصفات، ولا أقول: إن تأويلها جائز، لا والله، وتأويل آيات الصفات ضلال، إنما كيف يحلمون عندما تنقض أصول الشريعة من أساسها؟

    وإذا قال بعض أئمتنا من مثبتة الصفات للإمام العادل الملك في زمانه محمود بن سبكتكين -المتوفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة للهجرة عليه رحمة الله، وهو من الملوك العادلين الصالحين، كان يكره الغناء والبطالة ويحكم في رعيته بالعدل- عندما تناقش بعض مثبتة الصفات أمام هذا الملك العادل مع أبي بكر بن فورك ، تناقشا أمامه، وأبو بكر بن فورك ممن يؤول، فهو ممن ينتسب إلى مذهب متأخري الأشعرية، عندما ناقشه في مسألة علو الله، وكما هو عند المتكلمين أن الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا وراء، قال بعض المناظرين لهذا الرجل المؤول أمام الملك! أيها الملك، هؤلاء ضيعوا إلهك فالتمس إلهاً غيره.

    إذا لم يكن الله فوقنا ولا تحتنا ولا عن يميننا ولا عن شمالنا ولا أمامنا ولا وراءنا، فأين الله؟ فالتمس إلهاً غيره، وأنا أقول: إن مادة التربية عندما تأسست على غير الشريعة ضيعت الشريعة والنبي صلى الله عليه وسلم، وكأنهم يقولون: التمسوا شريعة أخرى ونبياً آخر، هؤلاء أخبث الأعداء في هذا الوقت من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ويستأصلون ديننا من جذوره، فهذه المادة تقوم على تحكيم العقل في شئون الحياة فلا دخل للوحي في أمور المخلوقات، وقد انتشرت في البلاد انتشار النار في الهشيم فغيروا على دين رب العالمين، ولذا قال محمود بن سبكتكين بعد ذلك لهذا الرجل: قم ونكل به، وهو إمام عادل.

    ولعلي أعطر هذا المجلس بذكر قصة من حياته الشريفة كما ذكر هذا الإمام ابن كثير في البداية والنهاية، وانظروا في ترجمته في حوادث سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.

    يقول الإمام ابن كثير بعد أن أثنى عليه وذكر أنه كان من العادلين: جاءه رجل في يوم من الأيام وقال: أيها الملك محمود بن سبكتكين ، وكان حكام الباطنية الفاطميون في مصر يراسلونه ليكون معهم في الخروج على الدولة العباسية، فكان يحرق الكتاب ويحرق الرسول الذي يأتي بالكتاب أي: الباطني الذي يأتي بالكتاب وهذا الرجل من الأئمة الصالحين.

    جاءه رجل من الرعية وقال: أيها الملك! يأتيني غلام من رعيتك دائماً ويخرجني من بيتي ويخلو بأهلي، وإذا رفعت الأمر إلى الشرطة نهروني وطردوني وزعموا أنه قريب لك. فقال: أوقع ذلك؟ قال: نعم، فخرج معه إلى حجابه وإلى شرطته وقال: هذا إن جاءني في ليل أو نهار فأدخلوه علي، وقال له: هذه بطاقة بالدخول ثم قال له: لا أجعلك في حل ولا أسامحك أمام الله إن جاءك هذا الرجل وما جئتني بنفسك ولا تخبر أحداً عن هذا، فذهب الرجل فمرّ يوم واثنان، وفي اليوم الثالث جاء ذلك الغلام وقال: اخرج، فخرج، وكان هذا في منتصف الليل، فجاء ليدخل على الملك العادل فمنعه الحجاب وقالوا: إنه قد نام، فقال: قد أنذركم وأخبركم بأنني في أي ساعة جئت فاسمحوا لي بالدخول، فخشوا عقوبة الملك فأدخلوه، يقول: فدخلت فرأيته ساجداً يبكي، ثم قلت: أيها الملك، الرجل جاء وهو الآن مع أهلي، فأخذ السيف وقال: هلم معي، يقول: فلما دخلنا إلى البيت كانت هناك شمعة تضيء وهو مع زوجتي في الفراش، يقول: فتقدم نحو الفراش ونفخ على الشمعة فأطفأها ثم ضرب هذا الرجل فقطع رقبته، وقال: ائتني بماء، فقلت: سبحان الله! رأيت من أمرك عجباً، لم أطفأت الشمعة عندما قتلت هذا الرجل؟ ولم طلبت الماء بعد ذلك؟ قال: والله ما أكلت طعاماً ولا شربت شراباً منذ أن أخبرتني حتى هذه الساعة، وقلت: لله علي أن لا يدخل جوفي شيء حتى أنتقم من هذا المجرم، ثم لما دخلت البيت وجدته ابن أختي، فخشيت أن تأخذني رقة عليه فأطفأت النور لأقتله ولا أرى وجهه، ولا تخبر بذلك أحداً، فقد كفاك الله شره.

    غيروا على دينكم كما غار محمود بن سبكتكين في هذه المادة التي أفسدت عقول المسلمين: مادة التربية، كيف انتشرت في هذه المعاقل؟ ما أعلم.

    أول من أدخل كتب الفلسفة على هذه الأمة

    يروي الإمام السيوطي في كتاب صون المنطق في صفحة تسعة عن الصلاح الصفدي عليهم جميعاً رحمة الله: أن المأمون لما هادن ملوك الروم أرسل إلى ملك منهم يقول: بلغني أنه عندك في كنيسة من الكنائس كتب قديمة في الفلسفة وعلم النفس، فائتنا بها وأعرنا إياها لنترجمها ونعربها ونعيدها إليك، فجمع الملك القسس والبطارقة ليعرض عليهم الأمر، فكلهم قالوا: لا ترسلها لئلا ينتفع المسلمون منها، إلا قسيس ملعون جالس في زاوية من الزوايا، نخر برأسه وهز بلحيته الضالة وقال: أيها الملك! أرسلها، فعارضه البقية، فقال: اسمعوا، والله إن هذه الكتب ما دخلت على أمة عندهم شريعة سماوية إلا أفسدت شريعتهم وأوقعت الخصومة فيما بينهم، أرسلوها.

    قال الصلاح الصفدي : وبلغني أن الإمام ابن تيمية كان يقول: ما أظن أن الله سيغفل عن المأمون؛ لأنه هو أول من أدخل كتب الفلسفة إلى هذه الأمة. ما دخلت هذه الكتب إلى أمة إلا أفسدت شريعتهم وأوقعت فيما بينهم.

    وهؤلاء الأعداء الذين يتكلمون بألسنتنا وهم من جلدتنا ينبغي أن نحذر منهم غاية الحذر، وأن نعاملهم بما كان سلفنا يعاملون به من هو على شاكلتهم.

    خطر كتب الفلسفة على الدين وأقوال العلماء فيها

    روى الآجري عليه رحمة الله في كتابه الشريعة: أن غيلان الدمشقي الذي كان يقول ببدعة القدر -ووالله إن بدعة القدر بجانب بدعة الفلسفة والتربية في هذا الوقت كقطرة في بحر- لما كان يقول ببدعة القدر وناظره إمام المسلمين وشيخهم في ذلك الحين بلا نزاع: الإمام الأوزاعي ، فأفتى بقتله وقال: يا سليمان - سليمان بن عبد الملك - اقتله ودمه في رقبتي؛ لأنه يقول ببدعة القدر، وأن الله لم يقدر شيئاً، ولا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فقتله. ثم كأن سليمان وجد في قتله شيئاً، فكتب إليه رجاء بن حيوة وهو شيخ الشام أيضاً في زمنه، وكان مسلمة بن عبد الملك يقول: بـرجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ننصر على الأعداء وينزل الله الغيث من السماء. بهؤلاء الثلاثة، فكتب رجاء بن حيوة إلى سليمان : أيها الخليفة، والله إن قتل غيلان أفضل من قتل ألفين من الروم. إن قتل غيلان الذي هو من جلدتنا ويفسد ديننا باسم ديننا أفضل من قتل ألفين من الروم.

    وذكر الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتاب نقض المنطق: أن الإمام الآمدي لما دخل في علم الكلام أفتى الإمام ابن الصلاح شيخ المسلمين في زمانه بلا نزاع بانتزاع المدرسة منه، وقال: والله إن أخذ المدرسة منه أفضل عند الله من فتح عكا.

    وأنا أقول: والله إن إلغاء هذه المادة وطرد مدرسيها أفضل عند الله من فتح بيت المقدس، ولا خير فينا ولا في فتحنا لبيت المقدس إذا كنا سنفتحه وننشر فيه الفلسفة وعلم النفس والتربية الفرويدية لا خير فينا على الإطلاق، سبحان الله! كيف استخف علماء التربية وعلم النفس عقول البشرية؟ لا أعلم، يقولون: أصل الإنسان قرد ثم تطور إلى بشر، هذا يقرر في كتب التربية بالحرف الواحد، ويقول: ولا يستبعد أن يأتي على الإنسان يوم يتطور أيضاً فيكبر رأسه وتتلاشى بقية الأعضاء التي لا حاجة له إليها. يعني: لا خالق ولا بداية ولا نهاية ولا جنة ولا نار، هذا مذهب الشيوعية ولكن باسم التربية.

    سبحان الله العظيم! ما الدليل على هذا؟ كيف امتهنوا عقولنا؟ ما أعلم.

    رحمة الله على سلفنا ذُكر في كتاب شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ، نقل عن الأعمش أنه قال: إذا لم يقرأ الرجل القرآن ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر. يا سليمان بن مهران ! ما شيوخ القمر؟ شيوخ القمر أناس مهوسون كـفرويد وأرسطو وأفلاطون ، كانوا يجلسون في الليالي المقمرة في الصحراء وبيد كل واحد منهم قلم وورقة، ثم ينظر إلى القمر ويتخيل ما سيقع في المستقبل ويكتبه ثم ينشره للناس.

    هؤلاء هم شيوخ القمر، وهكذا علماء التربية والفلسفة والاجتماع وعلم النفس في هذا الوقت من شيوخ القمر.

    إن علماء التربية والفلسفة والنفس وعلم الاجتماع قوضوا كل ما جاء به الرسل عليهم صلوات الله وسلامه من فضيلة، ثم اختلفوا بينهم اختلافاً لا نهاية له، فما استطاع واحد منهم أن يجمع البشرية على قوله الباطل، فالملعون الأول يقول: إن الأصل في تصرفات الإنسان الشعور الجنسي واللذة الجنسية، والملعون الثاني يقول: إن الأصل هو حب الذات، وكتب التربية كلها في هذا الهوس تدور.

    ما الدليل على هذا؟ بغض النظر عن كونه حقاً أو باطلاً، إيماناً أو كفراً، والله إن البشرية عار أن يكون فيهم مثل هذه المادة ومثل مدرسيها سواء كانوا مسلمين أو كافرين، عار على العقل البشري أن يأتي بهذا الهراء الذي لا يدل عليه دليل وليس إلا هو محض تخرص وافتراء، هذا الذي يقرر في هذا الوقت من قبل أعداء ظاهريين لتحريفنا عن ديننا بكلمات معسولة، بالتربية، كأسس الصحة النفسية للشقي عبد العزيز القوصي ، المناهج والتربية للتعيس فرنسيس عبد النور .

    سبحان الله! كتب النصارى بدأت تقرر في المعاقل، جعلنا المعاقل مهازل، وصارت دور التعليم دوراً للجحيم، وصارت دور التربية دور تردية في هذا الوقت إلا ما رحم ربك.

    فتداركوا ما يتعلق بهذا الأمر يا عباد الله!

    كان سلفنا يغارون غاية الغيرة عندما يخرج الإنسان عن شرع الله فيما يتعلق بالأفكار والمشاعر، فما بالنا؟ وماذا أصابنا في هذا الوقت؟

    قصة محمد بن زكريا الرازي وكتابة صناعة الكيمياء

    ذكر الأئمة في ترجمة محمد بن زكريا الطبيب الرازي المشهور الذي ألف كتاباً خاصاً في صناعة الكيمياء، وكان مهوساً يخطر بباله أن الأعيان يمكن أن تقلب إلى ذهب أو فضة، أي: أن الخشب والحديد يمكن أن نقلبهما وهكذا سائر الأشياء والحجارة إلى ذهب أو فضة بواسطة محاليل وعقاقير وما شاكل هذا، وألف كتاباً كاملاً اسمه: صناعة الكيمياء، أي: تحويل هذه الأشياء إلى ذهب أو فضة، ولا يمكن لأحد أن يقلب حقائق الأشياء إلا رب الأرض والسماء، والذهب ذهب منذ أن خلقه الله، والحديد حديد، وإذا أراد الله أن يقلب الحديد إلى ذهب فهو على كل شيء قدير، ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما أنت فلا يمكنك كما أنك لا تستطيع أن تقلب هذا الذكر إلى أنثى ولو اجتمع معك أهل الأرض قاطبة.

    فأعطاه ملك زمانه جائزة ألف دينار، ثم بعد ذلك قال له: أريد أن تخرج ما قررت من الدراسة النظرية إلى الحيز العملي، اقلب لنا الحجارة والخشب والحديد إلى ذهب، فقال: أيها الملك! إن هذا يحتاج إلى عقاقير ومعادن وعمال، فقال: بيت المال تحت تصرفك بلا سؤال ولا شرط، خذ ما تريد واجلب من العمال ما شئت وافتح من المعامل ما استطعت لتحول لنا هذه الأشياء، فقام في هذه المهمة سنة كاملة يضرب كما يقال أخماساً في أسداس ثم صارت النتيجة صفراً إلى الشمال، فامتنع عن الاستمرار، فقال الملك: أما الجائزة فلن أعود فيها، ولكن لله عليّ أن أضربك بكل صفحة من صفحات كتابك ضربة بعصي على رأسك؛ لأن حكيماً يخلد الكذب في كتبه ويمتهن البشرية إلى هذا الحد يضلها هذا لا يمكن، ثم قال لغلمانه: افتحوا، يفتح الصفحة الأولى فيضربه بالعصي والثانية حتى عمي قبل أن تنتهي صفحات الكتاب فرفع الضرب عنه.

    أقول: والله الذي لا إله إلا هو، لو أنصفنا وعظمنا الله حق تعظيمه لضربنا من يقرر هذه المادة ومن يدرسها كل صفحة برصاصة لا بعصا، هؤلاء يريدون أن ننفصل عن ديننا جملة وتفصيلاً، وأن العقل هو الذي يتحكم في هذه الحياة ولا دخل لوحي رب الأرض والسماوات، إلى هذا الحد.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من أشراط الساعة وعلاماتها وجود هذا الهوس في الأمة الذي انتشر في هذا الوقت.

    ففي معجم الطبراني ومستدرك الحاكم بسند صحيح كالشمس، صححه الهيثمي والحاكم وأقر ذلك الإمام الذهبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار وأن توضع الأخيار، وأن يفتح القول، وأن يخزن العمل، وأن يقرأ في القوم بالمثناة ليس فيهم من ينكرها أو يغيرها، قالوا: وما المثناة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كتب سوى كتاب الله )، فكأن القرآن هو الكتاب الأول والمثناة جاءت الثانية، فإذاً: سيكون هناك كتب سوى كتاب الله تقرأ في القوم ولا يوجد من ينكر ولا من يغير، اللهم اشهد أنا قد أنكرنا، اللهم اشهد أنا قد برئنا، وإن هذه المادة هي التي ستقود الأمة في هذا الوقت إلى الجحيم وإلى إخراج جيل شياطين يحكمون عقولهم في شئون الحياة دون الاهتداء بشرع رب العالمين. فهذا الأمر ينبغي أن نراعيه حق المراعاة، وأن نتفطن له، فأخبث الأعداء في هذا الوقت هم الأعداء الظاهرون.

    حكم دراسة علم الاجتماع والتربية بنية إصلاحها وتقويمها

    إخوتي الكرام! بالمناسبة يسأل بعض الإخوة ويقول: لو دخلنا في هذا القسم لنصلحه. إننا لا نمنع من دراسة علم الاجتماع والتربية على أسس شرعية؟ فأقول: وهذا الذي نطالب به، وإذا لم يكن في ديننا دراسة للنفس البشرية فلا خير في ديننا، إن الذي يريد أن يبحث في النفس البشرية فليبحث في كتاب الروح للإمام ابن القيم بحثاً على حسب الشريعة، فليبحث في كتاب التحفة العراقية في الأعمال القلبية للإمام ابن تيمية ، فليبحث في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، من الذي يمنع؟ بل هذا مطلوب، إنما نقول: فصل الوحي في هذه الأمور هو أول الكفر وهو نهايته، هذا الذي نحاربه، ونحن الذين نطالب به في هذا الوقت أن تقرر كتب إسلامية، وحالنا الآن كما قال سلفنا:

    كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول

    هل نحن أمة فقيرة في التربية؟ إذا لم يكن في ديننا تربية فلا خير فينا ولا في ديننا، إذا لم يكن في ديننا دراسة سيكولوجية نفسية على حسب النصوص الشرعية فلا خير فينا، لكنا نبحث في هذه الأمور على ضوء الوحي، لأنه كلام حق لا يزل، ولا نبحث عن طريق الهوس ولا عن طريق التخرص ولا عن طريق المتاهة، فالدخول في هذه الأمور لأجل تقرير مواد شرعية مطلوب، ولكن الذي أمنع منه الدخول في هذه الحالة؛ لأن الطالب قد يغرق، بل سيغرق قطعاً في حال دراسته عندما يدنس قلبه وتخبث نفسه، ثم بعد ذلك يقول: أريد أن أفلح كلا.

    إذا كانت المناهج تسير على حسب هدي ربنا جل وعلا فأنعم بذلك وأكرم وهي دراسة من جملة الدراسات، وعندنا في كتب التربية ما يكفي الناس ويشفيهم في كل وقت.

    ذكر بعض المربين وأولاهم اتباعاً

    فيما يتعلق بهذه المادة التي لا زال العراك والصراع حولها، هناك مادة مقررة وهي أشهر المربين للمسلمين، ولكن ما الذي فيها؟ فيها ابن سينا والفارابي والمعري ، ألم يجدوا من المربين المسلمين إلا هذه الحثالة؟

    ابن سينا والفارابي باطنيان ملعونان، ليسا من أهل الملل الثلاث: لا من المسلمين ولا من اليهود ولا من النصارى، وتقمصوا الإسلام وتظاهروا به ليكيدوا الإسلام، وعلى شاكلتهم أبو العلاء المعري ، ما عندهم من المربين المسلمين إلا زنادقة؟ يريدون أن يشوهوا الإسلام باسم مربين مسلمين أيضاً؟

    لدينا المربي الأول نبينا صلى الله عليه وسلم، وابحثوا في منهج الأنبياء في التربية والإصلاح، في كتاب الرجل الصالح الإمام أبي الحسن الندوي : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، فيه فصل كامل بعنوان منهج الأنبياء في التربية والإصلاح، ثم ائت بعد ذلك إلى سلفنا، فخذ جهود الحسن البصري ، والفضيل بن عياض ، والإمام الشافعي ، كل هذا تربية، كما قال الله: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]، وإذا لم يكن أئمتنا بهذا الوصف فلا خير فينا.

    هل التربية لا تؤخذ إلا من أرسطو وأفلاطون ومن ابن سينا والفارابي ؟ وهل صارت التربية وقفاً على هؤلاء؟ ولكن كما قلت: المقصود شيء آخر، بمادة رنانة العنوان، المقصود من قبل مقترحي هذه المادة تعطيل الشريعة وفصل الناس عن دينهم، بعد ذلك يأتون بشخصيات خبيثة تسيء للإسلام أكثر مما تحسن إليه، بأناس انتموا إلى الإسلام ظاهراً وكادوا له سراً وعلناً بعد ذلك.

    فالدخول في هذه الأقسام لإصلاحها عن طريق شرعي لا بأس به، ولكن لا على أن يسير الإنسان في الفساد ويقول: أصلحه في المستقبل، وهذا الأمر لابد من حله ولابد من تداركه؛ لأنه يقرر في هذا الموضوع بالحرف الواحد: قليل الخمر نافع ومنشط للجسم. سبحانك ربي هذا بهتان عظيم! وعلى هذا ينبغي أن نفتح خمارات وأن نقول للناس: اتقوا الله، لا تشربوا سطلاً، اشربوا كأساً. هذا موجود في التربية، كتاب كبير للشقي عبد العزيز القوصي اسمه أسس الصحة النفسية.

    كان بعض إخواننا يدرس في إحدى الثانويات في حلب والمدرسة فيها بعض أولاد النصارى، فكان يدرس مادة التثليث النصراني ومادة التوحيد المسلم، فتجاور مرة مع قسيس، فقال هذا الشيخ لهذا القسيس: لا زال عندكم في الإنجيل المحرف عبارة: لا يدخل الجنة سكير ولا زاني، فكيف أنتم تشربون الخمور؟ فقال هذا القسيس الملعون ما يريد أن يقوله الآن عبد العزيز القوصي المسلم المأفون، تشابهت قلوبهم فتتشابه أقوالهم تماماً، فقال: أنت ما تدرس اللغة العربية؟ القسيس يقول هذا للشيخ الصالح أحد إخواننا، قال: وكيف؟ قال: سكير من أسماء المبالغة، من أبنية المبالغة، أي: إذا شرب سطلاً لا يدخل الجنة، وأما أنا فأشرب كل يوم في الصباح وفي المساء كأساً فقط، فهذا ينشط وينعش ولا يشمله النهي.

    الآن سلك مدرسو التربية وعلم النفس هذا المسلك، لما نأتي للربا يقولون: أجور موظفين ومعاملة، ولما نأتي للمكوس والضرائب يقولون: قوانين، كما سيأتينا في كلام الإمام ابن القيم ورسوم سلطانية لا يعترض عليها، ولما نأتي بعد ذلك للخمر يقولون: أم الأفراح.

    وكان الإنسان إذا ذهب إلى مصر يعطونه ورقة في المطار يسمح علناً بإدخال لترين من المشروبات الروحية الخمر، وكان كثير من الناس يسافرون من بلاد الشام إلى مصر للمتاجرة في الخمر، والخمر عندنا رخيص لأن البلاد تصدره وتنتجه بسبب كثرة العنب، فالإنسان يسمح له أن يحمل زجاجتين، فإذا أخذ واحدة زيادة وسمح له بذلك موظف الجمارك كان يخرج أجرة سفره بالطائرة ذهاباً وإياباً؛ لأن أجرة الطائرة كانت في ذاك الوقت في الذهاب تسعين ريالاً فقط، وفي الإياب كذلك، فثلاث زجاجات من الخمر يخرج أجرة الطريق.

    إنه إذاً تنحية شرع الله ووحي الله عن الحياة البشرية وإجلال العقل البشري ليعالج تصرفات الإنسان، وتصرفات الإنسان وسلوكه لا تعالج إلا عن طريق الوحي، والخير والشر المطلق لا يدركهما إلا رب العالمين، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] سبحانه وتعالى.

    فعند العدو الظاهري ينبغي أن نحذر هذين الأمرين.

    إذاً هناك عدوان: عدو ظاهري وعدو باطني، فالظاهري هم الكافرون، وأما الباطني فسنتكلم عليه فيما سيأتي إن شاء الله.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.