إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. اعتناء الحنفاء بمعرفة الأصدقاء من الأعداء [1]

اعتناء الحنفاء بمعرفة الأصدقاء من الأعداء [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرص الحنفاء على معرفة الأصدقاء والأعداء؛ لأن لهم تأثيراً على المرء في عاجل أمره وآجله، والصديق ينقسم إلى قسمين فيما يتعلق بأمر الآخرة، فإما أن يكون صديقاً ظاهرياً أو صديقاً باطنياً، والعدو كذلك إما أن يكون عدواً ظاهرياً أو عدوا باطنياً، فأما الأصدقاء فنواليهم ونحفظ مودة وصداقة كل واحد منهم، وأما الأعداء فنحذر منهم ونعاديهم أشد العداوة.

    1.   

    الحامل على الكلام في معرفة الأصدقاء والأعداء

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:63-77].

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فمعشر الإخوة المسلمين! إن الموضوع الذي سنتدارسه في هذه المحاضرة المباركة يدور حول حرص الحنفاء على معرفة الأصدقاء والأعداء.

    والذي دعاني للكلام على هذا الموضوع أمران أحب أن أشير إليهما في بدء هذه المحاضرة.

    الأمر الأول: من المسلم عند البشر قاطبة أن الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً ما في هذه الحياة الدنيا يبحث عمن ينفعه وينصحه ويساعده في هذا العمل فيقترب منه، ويحذر ممن يضره ويفسد عليه هذا العمل فيبتعد عنه، هذه قضية مسلمة، إذا أراد الإنسان أن يعمل عملاً يبحث عن الناصحين له في هذا العمل ليأخذ بنصحهم ويقترب منهم، ويحذر بعد ذلك المفسدين المثبطين، وإذا كان هذا الأمر مسلماً في أمور الدنيا فهو كذلك في أمر الآخرة عند العقلاء، فينبغي للعاقل أن يبحث عن أصدقائه الذين يقربونه إلى ربه جل وعلا، وأن يحذر أعداءه الذين يبعدونه عن الله جل وعلا.

    والأمر الثاني: أن هذه القضية المسلمة في أمر الدنيا كل بني آدم أخذوا بها، فمن ينفعهم في دنياهم اقتربوا منه، ومن يضرهم ابتعدوا عنه، لكن الحقيقة المرة التي تفري الأكباد أنهم لم يأخذوا بهذا الأمر في أمر الآخرة، فمن يضرهم اقتربوا منه، ومن ينفعهم ابتعدوا عنه، وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79]، وصدق ربنا الكريم عندما يقول: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6-7].

    روى الإمام ابن المنذر في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره أيضاً، وابن مردويه في التفسير أيضاً بالسند المتصل إلى الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله أنه قال في تفسير هذه الآية: بلغ من حذقهم -أي: من فطنتهم ودقة نظرهم- في أمر الدنيا أن أحدهم يأخذ الدرهم فيضعه على ظفره فيعرف وزنه، وإذا سألته عن صلاته قال: لا أدري، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6-7].

    فمن عجيب أمر البشر في هذا الوقت أنهم والوا ما ينفعهم في الدنيا وعادوا ما يضرهم في أمور الدنيا لكنهم لم يسلكوا هذا المسلك فيما يتعلق بأمر الآخرة، فأكثرنا والى الشيطان إلا ما رحم الرحمن، ولذلك قال ربنا جل وعلا في سورة الأعراف: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:29-30]، وأصبح الناس في هذا الوقت -إلا ما رحم ربك- لا يحركهم ولا يسكنهم إلا أمور ثلاثة: إما شهوة، وإما لذة، وإما أرقام. هذه الأمور الثلاثة التي دارت عليها حياة الناس في هذا الوقت إلا ما رحم ربك، شهوة أو لذة أو أرقام وحسابات وريالات يضعها في جيبه، إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:30].

    وإذا كان الأمر بهذه الدرجة من الخطورة فيجب البحث عن أصدقاء الآخرة وعن الأعداء الذين يقطعوننا عن الآخرة وعن ربنا جل وعلا، ليوالي العاقل منا الأصدقاء ويعادي الأعداء، ولذلك سيدور بحثنا حول معرفة أصدقاء الآخرة الذين ينصحوننا في الوصول إليها، وحول الأعداء الذين يقطعوننا عنها، وسأتكلم على أقسام الأصدقاء والأعداء على سبيل العموم والإجمال، ثم سأقص الكلام على نوع من هذه الأنواع بما يتناسب مع هذا الوقت إن يسر ربنا وأعان.

    1.   

    أقسام الأصدقاء والأعداء فيما يتعلق بأمر الآخرة

    إخوتي الكرام! إن الأصدقاء والأعداء مهما كثروا لا يخرجون عن قسمين فيما يتعلق بأمر الآخرة: إما صديق ظاهري يرى بالعين الباصرة، وإما صديق باطني يرى بالعين القلبية.

    إذاً الأصدقاء على قسمين: صديق ظاهري وصديق باطني مخفي مستور. وهكذا الأعداء على قسمين: عدو يرى بالعين، وعدو لا يرى إلا بالقلب.

    فالصديق الظاهري يرى بالعين المبصرة، والباطني لا يرى إلا بالعين القلبية، وهكذا العدو على قسمين: عدو نراه بأعيننا وعدو ندركه بقلوبنا.

    والقلب له أعين يبصر بها كبصر الأعين التي في الوجه بل أعظم، قال خالد بن معدان عليه رحمة ربنا الرحمن وهو من أصحاب الكتب الستة وكان من الشيوخ الصالحين كان شيخ حمص في زمنه كما قال الإمام الذهبي ، وقد أثنى عليه أئمتنا ووصفوه بالعدالة والثقة والإمامة والهداية، وكان عليه رحمة الله يسبح الله في كل يوم أربعين ألف تسبيحة، وفي رواية في تذكرة الحفاظ: يسبح سبعين ألف تسبيحة لله جل وعلا. وكان عليه رحمة الله يصلي التراويح بأهل حمص فكان يقرأ كل ليلة ثلث القرآن.

    يقول هذا الرجل الصالح في بيان الأعين الظاهرة والأعين الباطنة: ما من عبد إلا وله أربع أعين: عينان ظاهرتان يدرك بهما الأمور الظاهرة في هذه الحياة الدنيا، وعينان باطنتان في قلبه، فإذا أراد الله جل وعلا بالعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر ما وعده الله جل وعلا بالغيب، وهما غيب، أي: عينا القلب، فآمن الغيب بالغيب، وإذا أراد الله جل وعلا خذلان العبد تركه وشأنه ثم قرأ: أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، والأمر كما قال الله جل وعلا: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، فبصر العين من أمر الدنيا، وبصر القلب من أمر الآخرة، والعمى الحقيقي هو عمى القلب، وهو عمى البصيرة، ولذلك إذا أصيب الإنسان بعمى البصر الظاهري فليس له جزاء عند الله جل وعلا إلا الجنة، وإذا أصيب بعمى البصيرة وبعمى القلب فليس له عند الله جزاء إلا النار.

    إذاً هناك عينان ظاهرتان يدرك بهما الإنسان أصدقاءه الظاهرين وأعداءه الظاهرين، وعينان باطنتان يدرك بهما أصدقاءه الباطنين المخفيين المستورين وأعداءه الباطنين المخفيين المستورين، فللإنسان عدوان: ظاهري وباطني، وللإنسان صديقان: ظاهري وباطني، وللإنسان عينان ظاهرتان وعينان باطنتان، وللإنسان حياتان: حياة ظاهرة وحياة قلبية باطنة هي الحياة الحقيقية، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، ولذلك قال أئمتنا الكرام: الرجل هو الذي يخاف من موت قلبه لا من موت بدنه.

    إخوتي الكرام! وهؤلاء الأصناف الأربعة من أصدقاء وأعداء سأوجز الكلام عليهم وعلى كل صنف منهم، ثم -كما قلت- سأقص واحداً من هذه الأصناف بكلام موسع مركز إن يسر الله تعالى.

    1.   

    علاقة المؤمن بالصديق الظاهري (المؤمنين)

    أما الصديق الأول وهو الصديق الظاهري الذي تراه بعينك الباصرة التي في وجهك فهو كل من توحد فكره مع فكرك، وتوحدت مشاعره مع مشاعرك فهذا صديق ظاهري، والمؤمن ليس له على الأرض أحد تتحد أفكاره مع أفكاره ومشاعره مع مشاعره إلا المؤمنين، فهم أولياؤه، وما عداهم فهم أعداء، وقد قرر رب الأرض والسماء هذا في محكم كتابه فقال جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وقال جل وعلا: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71].

    ذكر منة الله على المؤمنين بالأخوة وما يترتب على هذه الأخوة

    وقد أخبر الله جل وعلا عن عظيم منته على المؤمنين بهذه الأخوة فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:102-103].

    وإذا كان المؤمن يصادق المؤمنين فمن حق المؤمنين على هذا المؤمن أن يدعو لهم في كل حين سواء سبقوه أو سيأتون بعده، كما قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10]، أي: بعد المهاجرين والأنصار، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10]، فهؤلاء أصدقاء لهم حق الصداقة علينا فندعو لهم وهم في قبورهم، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    وأخبرنا الله جل وعلا عن خليله إبراهيم -على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- أنه قال في السورة التي سماها الله باسمه: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41]، ودعاء إبراهيم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- لأبيه كان قبل أن يتبين له أنه عدو لله، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114].

    وقد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أحاديث متواترة في ذلك في حديث الشفاعة: أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض في عرصات الموقف ويشفع الله بعضهم لبعض، وعند ذلك يقول الكافرون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101].

    التحذير من الاعتداء على الصداقة والأخوة

    وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتداء على هذه الصداقة غاية التحذير، ففي مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني ومسند البزار والحديث بسند حسن، ففيه ليث بن أبي سليم هو صدوق من رجال مسلم ، وأخرج له أهل السنن الأربع وعلق البخاري أحاديثه في صحيحه، لكن اختلط أخيراً فترك حديثه، ولذلك قال الهيثمي في المجمع: ضعيف وقد يحسن حديثه، والحديث له شواهد كثيرة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: ( إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة )، إذاً حق الصداقة كبير وجليل، فمن قذف مؤمناً أو مؤمنة فهذه الجناية على الأخوة وعلى الصداقة تهدم عمل مائة سنة من الطاعات.

    وقوله: ( إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة )، الذي يلوح لي في كون هذا الجزاء بهذا المقدار أن غاية ما يعيشه الإنسان في هذه الحياة الدنيا مائة سنة، وأعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك، فإذا جاوز الإنسان هذا المقدار فلم يقطع المائة إلا في أحوال نادرة، فمن قذف مؤمناً فقد شوه سمعته طول حياته، فالله جل وعلا -ما دام هذا المقذوف حياً وبالمدة التي يمكن أن يعيشها- لا يقبل من القاذف عملاً، والجزاء من جنس العمل هتكت ستر هذا العبد الذي يمكن أن يعيش سنة وسينكس رأسه بين الناس في هذه الحياة سينكس الله رأسك بعد الممات وسيحبط لك أجر مائة سنة، ( إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة ).

    وباختصار: فهذه الأخوة وهذه الصداقة جليلة المقدار، فينبغي إعطاؤها حقها، ثبت في الصحيحين عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ).

    هذا الصديق الأول صديق ظاهري نراه بأعيننا وهو من اتحد فكره مع فكرنا، وشعوره مع شعورنا، فأفكارنا ومشاعرنا واحدة، فنحن كالجسد الواحد وإن تعددت ذواتنا وأشخاصنا.

    1.   

    علاقة المؤمن بالصديق الباطني (الملائكة)

    وأما الصديق الباطني الذي لا يرى بالعين الباصرة التي في الوجه إنما يرى بعيني القلوب فهو الملائكة الكرام عليهم صلوات الله وسلامه. فالملائكة أصدقاء باطنيون مخفيون مستترون يثبتوننا ويوالوننا في كل حين، ووالله لو عرفنا مقدارهم وجلالتهم وإحسانهم إلينا لاستحيينا منهم أن يرونا على شائبة أو على معصية.

    تدبير الملائكة للكون

    الملائكة الكرام هي التي تدبر أمر هذا الكون من عرشه إلى فرشه بإذن ربنا جل وعلا، يقول الله جل وعلا في سورة النازعات: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات:1]، فالملائكة هي التي تنزع أرواح الكافرين بشدة وقسوة فتضربهم في تلك الساعة، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات:2]، أي: تسل أرواح المؤمنين برفق، فلا عنف ولا قسوة، فهؤلاء أصدقاء وأحباب.

    ثم قال: وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا [النازعات:3]، فملائكة الرحمن تسبح في هذا الملكوت وهم أكثر العوالم عدداً، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    قال: فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا [النازعات:4]، أي: التي تتسابق إلى أمر الله وإلى تناول أرواح المؤمنين لإدخالها جنة النعيم.

    قال: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات:5]، أي: تدبر أمر هذا الكون بإذن مدبره وخالقه وهو الله جل وعلا، والجواب محذوف تقديره: (لتبعثن) لينال كل واحد منكم جزاءه: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    فقوله: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات:5]، أي: التي تدبر أمر هذا العالم.

    تدبير الملائكة للإنسان وحفظها له

    والملائكة تدبرك أيها الإنسان كما أخبرنا ربنا الرحمن في سورة الرعد: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، فيعلم الله جل وعلا كل هذه الأحوال له، أي: لهذا الذي يسر القول ويجهر به، ويستخفي بالليل ويكون سارباً في النهار، ثم قال: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، له، أي: لهذا الإنسان في جميع أحواله في حال ظهوره وفي حال استتاره في ليله وفي نهاره، وقوله: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) أي: تتعاقب وتتناوب على حفظه وعلى كلاءته ورعايته، وتعقب ما يصدر عنه بالتقييد والكتابة.

    وقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، أي: بأمر الله أو عن أمر الله أو لأمر الله، فحروف الجر تتناوب، يحفظونه لأمر الله لهم بحفظه، بأمر الله لهم بحفظه، عن أمر الله لهم بحفظه. وقال كعب: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11] الكلام على ظاهره، أي: أن هذه المعقبات هي من أمر الله، كما قال الله جل وعلا: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، والملائكة على هذه الشاكلة، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فليست هي أجسام كثيفة إنما هي مخلوقات لطيفة، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فهم من أمر الله الذي لا يعلمه إلا هو.

    إذاً: الملائكة تتعاقب على حفظك يا عبد الله! وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الغداة -وهي صلاة الفجر- وعند صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم جل وعلا فيسألهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: يا رب! تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون )، فقوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة) أي: يتعاقبون على حفظكم وعلى كلاءتكم وعلى رعايتكم، فهذه الملائكة تدبر أمرك في جميع أحوالك بإذن ربك.

    وثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك ) أي: ليدبره في ظلمات ثلاث، ( فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد )، وهذا كما قال: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].

    حضور الملائكة المجالس الطيبة وصحبتها للمؤمن

    وملائكة الرحمن جل وعلا لها شأن كبير معك يا عبد الله! فإذا كنت على طاعة صاحبتك الملائكة بعنايتها ورعايتها.

    ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة )، وهي الوقار والطمأنينة، وليس المراد منها الرحمة ولا الملائكة في هذا الحديث لذكر الرحمة والملائكة بعد ذلك.

    ثم قال: ( وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه )، فملائكة الرحمن جل وعلا تحف وتصاحب هذه المجالس التي فيها خير وفيها طيب وفيها بركة وهي خيرة طيبة مباركة.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن منزلة الملائكة وعما لهم علينا من الفضل، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام )، صلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    وهذه الملائكة كما تدبر أمرك -يا عبد الله!- تدبر أمر هذا الكون كله بإذن موجده وفاطره، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي ذر رضي الله عنه في حديث الإسراء الطويل عندما استأذن جبريل من خازن السماء قال: افتح.

    فللسماء خزان من الملائكة موكلون بها.

    وفي الصحيحين من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عندما لقي النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى الطائف ما لقي أرسل الله إليه ملك الجبال فقال: ( إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -الجبلين- لفعلت )، فهذه ملائكة الله الأطهار موكلة بالجبال، بالسماوات، بالقطر، بالأرض، بك، تدبر أمر هذا الكون بإذن مدبره وخالقه وموجده سبحانه وتعالى.

    موالاة الملائكة للمؤمنين والأدلة على ذلك

    هؤلاء الملائكة الأصدقاء الباطنيون يوالون المؤمنين بنص القرآن، فوالهم يا عبد الرحمن! يقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]، أي: لا تخاف ولا تحزن نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ [فصلت:31]، أي: أصدقاؤكم وأصحابكم في الدنيا وفي الآخرة، فصادقهم يا عبد الله! ولذلك عندما يبعث المؤمن تتلقاه الملائكة فرحة مسرورة، كما قال الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101]، أي: عن النار، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنبياء:102-103]، فهم أصدقاؤهم، أحبابهم، والصديق وقت الضيق، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103]. ثم بعد دخولهم جنة النعيم تدخل الملائكة: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    وعندما تقاد نجائبهم إلى الجنة ويصلون إلى بابها، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]، فهذه ملائكة الرحمن تواليك يا عبد الله! وهي صديق لك باطني، فراع حق الصداقة.

    دعاء الملائكة واستغفارهم للمؤمنين

    وقد أخبرنا الله جل وعلا عن قيام ملائكة الله الأطهار بحق هذه الصداقة على أتم وجه، فحملة عرش الرحمن -وهم أعظم الملائكة على الإطلاق- ومن يجاورهم من الملائكة الأبرار يستغفرون لنا آناء الليل وأطراف النهار، يقول ربنا في سورة غافر: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [غافر:7]، وهم أعظم الملائكة وهم ثمانية، وثبت في كتاب العظمة لـأبي الشيخ بإسناد صحيح عن حسان بن عطية مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حزين رخيم، فأربعة منهم يقولون: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41]، والله لولا حلمه ومغفرته لدك كل من في الأرض ولتشققت السماوات، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41]، فما يمسك السماوات ولا يثبت الأرض إلا حلم الله ومغفرته، ( سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قرتك ).

    إذاً: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، سبحان الله العظيم! حملة العرش يستغفرون للمؤمنين وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:7-9].

    الملائكة تستغفر للمؤمنين، وعلى هذا فالإطلاق الذي جاء في سورة الشورى المراد منه التقييد الذي في سورة غافر، يقول الله جل وعلا في سورة الشورى: حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:1-5] أي: من كان مؤمناً فقط، فاستغفارهم للمؤمنين فقط، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:5]، فالإطلاق هنا يُحمل على التقييد الوارد في سورة غافر: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7] أي: للذين آمنوا الذين هم في الأرض، وأما من عداهم فلا استغفار لهم، إنما لهم اللعنة كما سيأتينا.

    وقد أخبرنا الله جل وعلا أن ملائكة الله الأطهار تصلي علينا كثيراً، وصلاتها الاستغفار لنا، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:41-43].

    فقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [الأحزاب:43] يذكركم في الملأ الأعلى، فهذه صلاة الله جل وعلا على عبده، وصلاته على عبده أن يرحمه أيضاً، والملائكة صلاتها على العبد دعاؤها له بالمغفرة والرحمة.

    تثبيت الملائكة للمؤمن عند وقوع الكرب

    ومن حق الصداقة بين المؤمنين والملائكة -والملائكة تقوم بحق الصداقة على أتم وجه- أن الإنسان إذا وقع في كرب تثبته الملائكة، والله جل وعلا يقرر هذا في محكم كتابه، ففي موقعة بدر الكبرى يقول الله جل وعلا: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12]، هؤلاء أصدقاؤكم وهؤلاء أولياؤكم فثبتوهم، وما انتصر المؤمنون في يوم من الأيام بكثرة عددهم ولا بقوة عددهم، إنما انتصروا بتأييد الله لهم عن طريق الملائكة، فلتعلم الجيوش هذا في هذا الوقت: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126].

    إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12]، عندنا أصدقاء لا يوجدون عند أمريكا ولا عند روسيا.

    فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12] وأولئك عندهم ما سيأتينا، فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ [الأنفال:48]، إن الشيطان يتولى عن صديقه ووليه في حال لقائه لعدوه المؤمن، أما ملائكة الرحمن فوقتها وقت الشدة، فإذا أصبت بشدة نزلت لتثبتك؛ قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا [الأنفال:12] يا معشر الملائكة! فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12].

    وقد قال بعض الوزراء لبعض الطواغيت في هذا الوقت قال له: إن الإنسان إذا دخل في ذهنه عقيدة التوحيد لا يخاف من هذه الدبابات ولا من الصواريخ.

    فيا معشر المسلمين! حققوا الإيمان لتثبتكم ملائكة الرحمن: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12].

    مفارقة الملائكة للإنسان في حالاته المبتذلة الممتهنة

    وهؤلاء الملائكة الذين معنا -وهم أصدقاء باطنيون مستترون مخفيون لا تراهم أعيننا الظاهرة- يسلكون معنا أفضل المسالك وأشرفها وأحسنها، ويسيرون معنا على أفضل طريقة، فإذا كنا في حالة مبتذلة فارقونا، فهم كرام، كما قال الله جل وعلا: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]، وقد أخبر الله جل وعلا عن كرامتهم ومكانتهم بقوله: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26]، أعظم كرامة لهم أنهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، ثم بعد ذلك لا يصاحبون الإنسان في الحالات المبتذلة الممتهنة، فإذا دخل الخلاء فارقوه، وهؤلاء الكرام لا يطلعون على عورات، وإذا باشر أهله فارقوه، وهكذا إذا كان في حالات يكشف فيها عورته، كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:11]، يفارقون ويعلمهم الله ما يفعل الإنسان في تلك الساعة بكيفية لا يعلمها إلا ربنا الرحمن، أما هم فيتنزهون عن مصاحبته في هذه الساعة: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11].

    استحياء الملائكة من المؤمنين والعكس من ذلك

    فإذا كان هذا حال الملائكة معنا فلنستحي من هذا الصديق الذي لا يفارقنا، ولذلك كان سلفنا عليهم رحمة الله يقومون بهذا الأمر أتم قيام، وكانوا يستحون من الملائكة، فكانت الملائكة تستحيي منهم على أتم وجه. ثبت في صحيح مسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها: ( أن أبا بكر رضي الله عنه استأذن على النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام متكئاً وماداً رجله وكاشفاً عن فخذه فبقي مكانه وأذن له، ثم استأذن عمر فبقي على حالته وأذن له، ثم استأذن عثمان فجمع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ونزل ثوبه وجلس جلسة معتدلة، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل أبو بكر وعمر فما هششت لواحد منهما وما باليت ) بقيت على طبيعتك، ( ودخل عثمان رضي الله عنه )، ما نظر إلى عورته منذ أن أسلم، وما مس ذكره بيمينه منذ أن وضع يده بيد النبي عليه الصلاة والسلام.

    فقالت: ( فدخل عثمان فهششت له وعدلت حالتك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عائشة ! ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟ )، فالملائكة تقدرك يا عبد الله فقدرها واستحي منها في كل حالة.

    تأذي الملائكة مما يتأذى منه بنو آدم

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كنت في السر فراقب هذا الصديق الذي معك كما تراقب الصديق الظاهري في حال العلن.

    ثبت في صحيح مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل بصلاً أو ثوماً )، وفي رواية: ( من أكل من هذه الشجرة المنتنة -وهي البصل- فلا يقربن مصلانا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )، وفي رواية: ( فإن الملائكة تتأذى من ما يتأذى منه الإنسان )، وملائكة الرحمن في بيوت الله جل وعلا، لأنها تأتي لتحفهم بأجنحتها، فاتق الله في نفسك وفي ملائكة الله الذين هم في المسجد، ولا تؤذهم بنتن ريحك، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.

    انتصار الملائكة للمؤمنين

    وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أن ملائكة الله الأطهار يغضبون من أجل الله وينتصرون لنا أتم انتصار، فالمؤمن إذا نافق وركن إلى الكفر بعض الشيء وانفصل عن الأخوة الإيمانية لعنته الملائكة وتبرأت منه؛ لأنه عادى المؤمنين، فإذا عادى الأولياء الظاهرين يعاديه الأولياء المخفيون المستورون وهم الملائكة، يقول ربنا جل وعلا في سورة محمد عليه صلوات الله وسلامه: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25]، فوليهم الشيطان ليست الملائكة الآن، ما سبب ردتهم؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:26]، انفصلوا عن الأخوة الإيمانية ووالوا من حاد الله ورسوله ومن كره ما نزل الله، فانفصلوا عن الأخوة الإيمانية فكان موقف الملائكة فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:27-28]، أي: بموالاة الكافرين في قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ [محمد:26]، وبالانفصال عن المؤمنين تضربهم الملائكة عند الموت على وجوههم وأدبارهم، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28].

    غيرة الملائكة على المؤمن

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ملائكة الله جل وعلا تغار غاية الغيرة على هذا المؤمن، فمن أشار إليه بسلاح أو بحديدة ليروعه لعنته الملائكة، ثبت في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة وإن كان أخاه لأبيه وأمه )، أشار إلى أخيه بحديدة، بسكين، بموس، بمسدس، بكذا؛ ليروعه ولا يريد أن يضربه حقيقة إنما إشارة فقط تلعنه الملائكة، هذا هو القيام بالصداقة على أتم وجه وإن كان المشار إليه أخاً للمشير من أبيه وأمه، فكيف لو قتله؟ فكيف لو ضربه؟ لم يقبل الله منه صرفاً ولا عداً، وفي الحديث: ( فمن قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    هؤلاء الملائكة الأطهار أصدقاء لا يرون بالأعين المبصرة التي في رأسك، وهم على عكس الشياطين تماماً فالشياطين تخذلك، وهؤلاء تثبتك وتدعو لك.

    مقابلة الملك للشيطان في نفس الإنسان

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن مقابلة الملك للشيطان في نفس الإنسان، ففي سنن الترمذي بسند حسن والحديث في سنن النسائي الكبرى ورواه ابن حبان وغيرهما بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن للشيطان لمة بابن آدم، وإن للملك لمة بابن آدم ) كل واحد يلم به، واللم: هو القرب منه، والمراد منه هنا: الهم والخطرات التي تقع في نفوس البشر في جميع الأوقات فإما أن تكون من الشيطان وإما أن تكون من الملك.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أما لمة الشيطان ) الذي يلم بالقلب ويوسوس في القلب تدور حول هذين الأمرين، ( إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق )، هناك تكذيب وهنا تصديق، وهناك إيعاد بالشر، وهنا إيعاد بالخير، ( فمن وجد ذلك من قلبه إيعاد بالخير وتصديق بالحق فإنه من الله فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فليستعذ بالله من الشيطان ) وقد أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [البقرة:268]، هذه لمة الملك وهذه لمة الشيطان.

    ومن باب التنبيه على أمر طريف يتعلق بالحديث وبالآية: أن الإيعاد مأخوذ من أوعد، وهو في الغالب يستعمل في الوعيد وفي الشر، وجاء في الحديث استعماله في الخير وفي الشر، وأن وعد التي جاء منها يعد، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [البقرة:268] فالوعد يكون في الخير وفي الحسن، وجاءت الآية في الخير وفي الشر، فما قاله علماء اللغة من أن الوعد في الخير والوعيد في الشر -لأن هذا من وعد وذاك من أوعد- هذا باعتبار استعمال الغالب، وقد جاء في الحديث استعمال أوعد في الخير وفي الشر، وفي القرآن استعمال وعد في الخير وفي الشر، وعلى هذا فقول الشاعر:

    وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

    يستعمل في الأمر الغالب، وأما أن الوعد يستعمل في الخير وفي الشر فنعم وهذه آية قرآنية، وهكذا الإيعاد فالشيطان لمته إيعاد بالشر وتكذيب بالحق والملك لمته إيعاد بالخير وتصديق بالحق. إذاً هؤلاء يقابلون الشياطين تماماً، وعددهم كثير لا يعلمهم إلا ربنا الجليل.

    وقد روي عن نبينا عليه الصلاة والسلام في معجم الطبراني وكتاب مكائد الشيطان لـابن أبي الدنيا بسند فيه ضعف كما قال الشيخ العراقي عليه رحمة الله، فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله وكل بالمؤمن مائة وستين ملكاً )، ( يذبون عنه ما لم يقدر عليه، سبعة منهم للبصر ) سبعة ملائكة موكلون على بصرك يحفظونك من أمر الله، أي: بأمر الله سبحانه وتعالى، ( ولو تخلت الملائكة عن العبد طرفة عين لتخطفته الشياطين )، مائة وستون ملكاً اتق الله فيهم يا عبد الله! وقم بحقوق الصداقة، وحذاري حذاري أن يطلعوا منك على ما يغضب ربك فإنك ستقطع الصداقة بينك وبينهم عند ذلك.

    إذاً: هناك صديقان: ظاهر وباطن، ظاهر يرى بالعين، وباطن تدركه القلوب وتشعر بأثره، نوالي هذا، ونوالي هذا ونحفظ مودة وصداقة كل منهما.