إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. جود النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه

جود النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر في حجرات النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من أثاث وطعام ليستشف منها حياة التواضع التي كان يعيشها صلوات الله وسلامه عليه مع نسائه وأهل بيته، وهو الذي لو طلب إلى ربه أن يصير له الجبال ذهباً لكان له ذلك، إلا أنه اختار الباقية على الفانية، وعلى الرغم من حياة الشظف التي كان يعيشها عليه الصلاة والسلام إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون أجود الناس بما تحت يده، وقد ورث عنه أزواجه أمهات المؤمنين تلك الصفات، وضربن أروع الأمثلة في ذلك.

    1.   

    نماذج من جود النبي صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين ،سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد كنا نتدارس الأمور التي يعرف بها وصف النبي والرسول على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه وهذه الأمور تقدم معنا أنها أربعة أمور:

    أولها: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه: في خلقه وخلقه.

    والثاني: النظر إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته التي أتى بها.

    والثالث: النظر إلى الكرامات والمعجزات وخوارق العادات التي أيده الله بها.

    والرابع: النظر إلى حال أصحابه، فالتلاميذ صورة لشيخهم ومربيهم.

    هذه الأمور الأربعة من تأملها لا يرتاب في صدق الأنبياء والمرسلين على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه، ولا يرتاب -أيضاً- في كذب من يدعي النبوة ممن لم ينبئه الله ولم يرسله؛ لأنه لا تنطبق عليه هذه الأمور.

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمر الأول منها والعلامة الأولى ألا وهي: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، في خَلقه وخُلُقه، وقلت: إن الله أعطى أنبياءه ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه الكمال في الأمرين: في خلقهم، وفي أخلاقهم فقد جمعوا بين البهاء والجمال، واتصفوا بالكمال في الخلق والخلق على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    وقد تدارسنا ما يتعلق بالأمر الأول ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه خَلقاً، وانتقلنا بعد ذلك إلى المدارسة لما يتعلق به خُلقاً، وقلت: إذا أردنا أن نتكلم عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام التي توضح أنه حقاً رسول لربنا الرحمن، فينبغي أن نتكلم عن أخلاقه مع الحق جل وعلا، ومع الخلق، وخُلُقه مع الخلق عليه صلوات الله وسلامه كما تقدم معنا يتمثل في خلقه مع أهله ونسائه وأهل بيته عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ومع أصحابه الطيبين الطاهرين وأمته إلى يوم الدين، ومع الملائكة الكرام المقربين على نبينا وعليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، ومع أعدائه من شياطين الإنس ومن شياطين الجن، وكيف كان خلقه مع هذين الصنفين من أعدائه؟!

    ثم نتكلم عن خلقه مع الجمادات ومع الحيوانات عليه صلوات الله وسلامه، فمن تأمل خلقه مع الخلق من هؤلاء الأصناف السبعة، وتأمل قبل ذلك خلقه مع الحق جل وعلا، فلن يرتاب في أنه رسول الله حقاً وصدقاً.

    وبدأنا بأول هذه الأمور السبعة التي هي خلقه مع الخلق، وسنختم بخُلقه مع الحق الكلام على أخلاقه عليه الصلاة والسلام.

    أما خلقه مع الخلق فبدأنا بخلقه مع نسائه وآل بيته على نبينا وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه، وقلت: خلقه في بيته يتحدد ضمن الكلام على أربعة أمور لابد منها:

    الأول: الثلاثة الأول مقدمة للأمر الرابع منها: بيان داره وبيوته التي كان يسكنها، الأثاث الذي كان في تلك البيوت، الطعام الذي يتناول في تلك الحجر، ثم المعاملة المثالية بينه وبين نسائه في تلك الحجر التي ما عرف لها المتقدمون ولا المتأخرون نظيراً إلا في أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ومع ذلك فهو دون ما أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    تكلمنا عما يتعلق بحجر النبي عليه الصلاة والسلام وصفتها، وكيف كانت تلك الحجر متواضعة، وهي حال من اتخذ هذه الحياة معبراً ولم يتخذها موطناً ومقراً عليه صلوات الله وسلامه، وباختصار كان الإنسان إذا دخل إلى حجر النبي عليه الصلاة والسلام، ورفع يديه ينال السقف، وإذا تمدد في حجره فمد رجليه إلى أي جهة من الجدار لامسه، ثم بعد ذلك هذه الحجر من جريد النخل وطلي الطين على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وهذه الحالة التي كان عليها خير خلق الله عليه الصلاة والسلام هي من باب الاختيار لا من باب الاضطرار، فلو أراد أن تسير معه جبال الدنيا ذهباً ولؤلؤاً وزمرداً وفضة لسارت معه، لكنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن هذه الحياة مهما طالت فهي إلى فناء وزوال، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فاختار تلك الحالة الطيبة الكريمة؛ ليكون هذا برهاناً على صدقه في دعوى نبوته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فقد كان أغنى الخلق، وما عرفت البشرية ولا عرف العالم ولا عرف الوجود نفساً أغنى من نفس نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان أجود الخلق عليه صلوات الله وسلامه، فما عرفت البشرية صاحب جود كنبينا المحمود عليه الصلاة والسلام.

    وتقدم معنا أنه كان يعطي غنماً يملأ ما بين جبلين، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر مع غناه في نفسه وجوده بيمينه، فكانت يمنيه أجود بالخير من الريح المرسلة، رضي بالفقر في معيشته، وآثر غيره بما يملكه عليه صلوات الله وسلامه، فمنذ أن بعثه الله حتى لقي ربه ما شبع يومين -كما سيأتينا- متتاليين من خبر. الشعير عليه صلوات الله وسلامه، وكان يجوع يوماً ويشبع يوماً عليه صلوات الله وسلامه، لا لقلة؛ فقد كان يملك عليه صلوات الله وسلامه، لكنه كان يوزع ويعطي ويؤثر على نفسه، ولا لبخل عليه صلوات الله وسلامه، فهو أجود من عرفته البشرية في هذه الحياة، ولا يمكن أن يأتي ولا -أيضاً- وجد قبله أجود منه عليه صلوات الله وسلامه.

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد (ص22): وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر ويفرح بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، يعني: أنه عندما يعطي فرحته وسروره بالإعطاء أعظم من فرحة وسرور الآخذ بالأخذ، وكان أجود الناس بالخير، وكانت يمينه أجود من الريح المرسلة، وتقدم معنا في الموعظة الماضية شيء من جوده، وكيف أنه لو سألته ملابسه التي يلبسها لأعطاك إياها، وحقيقة هو أولى الناس بما قاله بعض الشعراء يمدح بعض الأجواد، لكنه قصر بمدحه غير نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه الأبيات، هذه الأبيات لا ينبغي أن يمدح بها إلا خير العباد عليه صلوات الله وسلامه، ولا تنطبق إلا عليه، يقول الشاعر:

    تعود بسط الكف حتى لو أنه ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله

    ثناها أي: أراد أن يثني كفه.

    تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله

    ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائلهْ

    هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله

    إخوتي الكرام! ذكرت شيئاً من جود نبينا عليه الصلاة والسلام في شهر الجود والكرم في شهر رمضان الذي نعيش فيه، وهذا الخلق الذي كان في نبينا عليه الصلاة والسلام أحب أن أبين أنه سرى في أهل بيته وفي نسائه، ويحق لهن أن يتصفن بذلك، كيف لا وهن أزواج خير خلق الله على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، ولذلك سأقرر الآن وجود هذه الصفة في نسائه، وأبين بعد ذلك ما عرض الله عليه زيادة على ما تقدم، ثم ننتقل إلى بيان أثاث نبينا عليه الصلاة والسلام في حجره وفي بيته.

    أما جود نسائه فلن أتكلم على جودهن كلهن، إنما سآخذ واحدة منهن، وبقية الحوادث تأتي عند ترجمة أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام -كما وعدت بذلك- إذا انتهينا من هذه الأمور الأربعة.

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام وسيأتينا هذا عند ترجمة نسائه: أن أول نسائه لحاقاً به أطولهن يداً، يعني: أكثرهن جوداً، وهي زينب كما سيأتينا رضي الله عنهن أجمعين، فاستمع الآن لجود واحدة دون زينب رضي الله عنهن أجمعين وعلى نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه.

    جود أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

    أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ثبت في طبقات ابن سعد ، والأثر إسناده صحيح، وانظروه في الجزء الثامن صفحة: (67)، وهو في حلية الأولياء في الجزء الثاني صفحة: (47)، عن أم ذرة -وهي من الصحابيات المباركات، انظروا ترجمتها في الإصابة وفي أسد الغابة- قالت: بعث عبد الله بن الزبير ، وهو ابن أخت أمنا عائشة رضي الله عنها، فهو ابن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، بمال في غرارتين، يعني: في وعائين .. محفظتين .. صندوقين، قد يكون مائة ألف درهم، أرسله من مكة إلى أمنا عائشة رضي الله عنها وهي في المدينة، فدعت بطبق، فجعلت تقسم وتوزع، فلما حان المغرب وأمست قالت للجارية: عليَّ بفطوري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت: يا أم المؤمنين ! أما كنت تركتِ لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه؟ قالت: رحمك الله! لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت، سبحان ربي العظيم! مائة ألف تقسمها عندما تصل إليها ولا تترك لنفسها منها درهماً، وهي صائمة، وكانت تصوم الدهر بعد موت نبينا عليه صلوات الله وسلامه وتواصل، كما سيأتينا في ترجمتها، فلما قالت لها الجارية: هلا تركتِ درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه؟ قالت: رحمك الله! لا تعنفيني لو ذكرتيني لفعلت، لو قلتِ لي: نترك درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه لفعلت.

    وهذا الجود أخذته من نبينا المحمود عليه صلوات الله وسلامه، فقد كان يعطي غنماً يملأ ما بين جبلين، ثم يخرج من الدنيا وما شبع من خبز الشعير، وينام كما سيأتينا على الحصير -الذي هو أثاث بيته- حتى يؤثر في جنبه عليه صلوات الله وسلامه، وهذا حال نسائه الطاهرات المباركات، مائة ألف تقسمها ولا تترك لنفسها درهماً، وإياك أن تظن أن هذه حادثة فردية، فقد جرى مثل هذا لأمنا عائشة مئات الحوادث وما فيها من خيرات تنفقها ذات اليمين وذات الشمال، وهي لا تملأ بطنها من خبز الشعير لا في حياة نبينا الجليل ولا بعد موته على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.

    استمع إلى حادثة أخرى رواها أيضاً أبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: رأيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتصدق بسبعين ألف درهم جاءتها، وكان يرسل إليها من قبل الصحابة ومن قبل أغنياء المسلمين إكراماً لنبينا الأمين، وهي أم المؤمنين بنص القرآن: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، لكنها كانت لا تأخذ لنفسها مما يرسل إليها درهماً واحداً، وقد كانت ترقع جانب درعها وفي رواية: جيب درعها الذي تلبسه، وهي توزع سبعين ألف درهم تتصدق بها، وبعد أن تنتهي من الصدقة تقوم وترقع جانب درعها رضي الله عنها وأرضاها.

    وتكررت هذه الحوادث، ففي الحلية أيضاً ومستدرك الحاكم بسند صحيح، وانظروا الأثر في مستدرك الحاكم في الجزء الرابع صفحة: (13)، عن عروة بن الزبير أيضاً، قال: أرسل معاوية من الشام رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام مائة ألف درهم إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، فقسمتها ولم تترك منها درهماً، فلما حان وقت فطورها أيضاً دعت بفطورها، فقالت لها مولاتها التي أعتقتها بريرة رضي الله عنها: هلا تركتِ لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه -وهذه غير التي بعث بها عبد الله بن الزبير - فقالت: رحمك الله لو ذكرتيني لفعلت، المائة الألف انتهينا منها وما بقي منها درهم واحد، فلنفطر على خبز وزيت.

    وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمنا عائشة عمته رضي الله عنهم أجمعين، قال: أهدي إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سلال من عنب، والسلة معروفة وهي: وعاء من عيدان تنسج فلما أرسلت إليها تلك السلال المملوءة قسمتها، فرفعت الجارية سلة دون علم أمنا عائشة رضي الله عنها، يعني: تقول الجارية التي تعمل عند أمنا عائشة : سلال العنب توزع ونحن لا نأكل منها، وأمنا عائشة صائمة؟ فلما حان وقت الفطور أحضرت الجارية سلة العنب، وأمنا عائشة لا تعلم بها، فقالت: من أين هذا؟ قالت: أبقيته لأجل أن تفطري عليه، فقالت: أمنا عائشة أفلا كان عنقوداً واحداً؟ والله لا آكل منه شيئاً، تبقين سلة كاملة، نحن بيت النبوة ندخر سلة عنب؟! ما يأتينا نرسله للناس، إذاً ما الفائدة من إرسال الناس إليكم؟ قالت: هلا عنقوداً واحداً، يعني: هلا أبقيت عنقوداً واحداً، فالسلال نرسلها للمسلمين.

    جود أمهات المؤمنين هو بعض جود النبي الكريم

    هذا الخلق أخذته أمنا عائشة ، وهكذا صواحباتها أمهاتنا على نبينا وعليهن صلوات الله وسلامه ممن كان يؤثر الخلق على نفسه، فيجود ويرضى بعد ذلك بخبز الشعير، والنوم على الحصير على نبينا صلوات الله وسلامه، فتأمل هذا الخلق، وتأمل هذه المعاملة، تأمل هذا الإيثار في نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه لتتحقق أنه أغنى الناس نفساً، وأنه أكرم الناس يداً، ومع ذلك كان يرضى بالفقر في معيشته في بيته مع نسائه عليه صلوات الله وسلامه، وسيأتينا أن نساءه لما سألنَ زيادة النفقة، أخذن بعد تلك الموعظة درساً، لما سألنَ زيادة نفقة، ما سألن حلياً إلى الكتفين أو إلى المرفقين، فالواحدة تريد أن تأكل فقط كما أن الناس يأكلون، وهذا بيت خير الأسياد بيت نبينا سيد الناس عليه الصلاة والسلام، فلما طلبن هذا هجرهن شهراً كاملاً كما سيأتينا، ونزلت آية التخيير، وهي التي تخلع القلوب، وكان أئمتنا يقولون: هذه أشد آيات القرآن تخويفاً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]، أعطيكن من الدنيا، ولا ألزمكن بالبقاء معي، سبحان الله ماذا يردن من الدنيا؟ تردن الحياة الدنيا وزينتها؟ لا، هي تريد أن تملأ بطنها تمراً فقط، يشبعن يوماً ويجعن يوماً، ومع ذلك تنزل هذه الآية التي تخلع القلب: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].

    والحديث سيأتينا في الصحيحين، ثم بعد هجرهن شهراً كاملاً ما دخل بيت واحدة منهن، يبدأ بأصغرهن بأمنا عائشة فيقول: سأعرض عليك أمراً لا تستعجلي حتى تستشيري أبويك، ويقرأ الآية عليها، وتقول: أفيك أستشير؟ بل أختار الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، آكل خبز الشعير واختار النوم على الحصير، ومع هذه اللذة التي نحصلها في الحياة تكون لنا السعادة بعد الممات، هذا يغنينا عما عداه، فأمنا عائشة ، وهكذا سائر أمهاتنا بعد تلك الحادثة أخذن درساً، فحين يأتيها مائة أو سبعون ألفاً أو سلال عنب فتنفقها، فهي تتذكر الآية التي نزلت وتخلع القلب: تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب:28]؟ أنتن أزواج خير العباد عليه الصلاة والسلام، والركون إلى الدنيا لا يليق ولا ينبغي أن يكون في بيت النبوة على نبينا صلوات الله وسلامه، هذا حال أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد أخذن هذا الخلق الكريم الطاهر من نبينا عليه صلوات الله وسلامه، فقد مات ولم يملأ بطنه من خبز الشعير فضلاً عن غيره عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين الملك والعبودية

    لا تظنوا أن ما تقدم كان من باب القلة، فقد أعطاه الله من الغنى الذي ملكته يداه وجاد به ما لم يعطِ أحداً، بل عرض عليه ما لم يعرض الله على الأولين، ولا يمكن أن يحصله أحد من العالمين، واستمعوا لبعض الحوادث زيادة على ما ذكرت، فقد عرض الله عليه أن يسير معه جبال مكة ذهباً، وانظروا تقريراً لذلك بأحاديث أخرى.

    اختيار النبي للعبودية مع النبوية وتفضيلها على الملك مع النبوة

    روى الإمام أحمد في المسند والبزار وأبو يعلى ، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وإسناده صحيح كالشمس، وقد صححه ابن حبان ، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزائد في الجزء التاسع صفحة: (19): إسناد أحمد والبزار ، رجاله رجال الصحيح، والحديث صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( جلس جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر جبريل إلى السماء، فقال: يا محمد هذا ملك نزل، ما نزل منذ أن خلق الله الخلق قبل هذه الساعة )، هذا أول مرة ينزل من السماء إلى الأرض، وسيأتينا بيانه، وأنه إسرافيل الملك الموكل بالنفخ في الصور، فلما نزل سلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( يا محمد! إن الله يقرأ عليك السلام، وأرسلني إليك وقال لي: أتريد أن تكون ملكاً نبياً، أو تريد أن تكون عبداً نبياً )، أنا مرسل من قبل الحق أسلم عليك، وعندي هذه الأمانة، أتريد أن يجعلك الله ملكاً نبياً، أو عبداً نبياً؟ فإذا كنت تريد الملك مع النبوة فسنعطيك أبهة الملك، ونعطيك ملكاً ما حصل لفرعون ولا لـقارون ولا للنبي سليمان ولا لأحد من عباد الرحمن، وإذا كنت تريد أن تكون عبداً نبياً فالعبد لا يكون عنده مظاهر الملك والأبهة والفخامة والترف، يقول: ( فنظرت إلى جبريل -كالمستشير- فقال جبريل: يا محمد تواضع لربك، فقلت: بل عبداً نبياً ).

    ولو اختار أن يكون ملكاً نبياً انظروا ماذا سيعطيه الله جل وعلا، ثبت في مسند أبي يعلى بإسناد صحيح، كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع: إسناد الأثر حسن، والأثر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( يا عائشة ! لو شئت لسارت معي جبال الذهب )، الجبال تصبح ذهباً ومالاً متنقلاً ولا تبقى مكانها في قرارها، إنما إذا مشيت تمشي معي، قال: ( لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك، وهو إسرافيل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، حجزته لتساوي الكعبة)، والحجزة: هو المكان الذي يعقد الإنسان فيه إزاره، يعني: ظهر في هذه الضخامة وهذا الكبر في شكله الحقيقي على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، قال: ( حجزته لتساوي الكعبة، فقال: يا محمد! إن الله يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت أن تكون نبياً عبداً، وإن شئت أن تكون نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل، فقال جبريل لنبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه: يا محمد! ضع نفسك لربك، فقلت: بل أكون عبداً نبياً، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد )، على نبينا صلوات الله وسلامه، والحديث إسناده صحيح كما قلت.

    وهذان الحديثان يشهدان للحديث الثالث، وهو الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عمر ويوضح اسم ذلك الملك الذي نزل من السماء، وفي رواية الطبراني يحيى بن عبد الله البابلُتِي ، قال ابن سعد : هذا اسم جد أبيه وكان من الملوك، وقال الإمام الحاكم أبو أحمد : بين حوران والرقة في بلاد الشام مكان يقال له: البابلتي.

    على كل حال يحيى بن عبد الله البابلتي في إسناد الأثر قال عنه الحافظ الهيثمي : ضعيف، وهو ابن امرأة الأوزاعي ، وكان يكثر من الرواية عن الأوزاعي ، ويقال: إنه ما سمع هذه الروايات منه، وإنما كان يأخذها بواسطة ما، قال عنه الحافظ في التقريب: حديثه في سنن النسائي ، وروى له البخاري في صحيحه تعليقاً، وما ورد في الميزان من أنه من رجال الترمذي وصحيح البخاري ، فهو خطأ من الذين طبعوا الكتاب، فالتاء هنا ليست تاء، ينبغي أن تكون نوناً، ليست رمزاً للترمذي ، وإنما هي رمز للنسائي ، فإما أن تجعل سيناً أو نوناً، والخاء ينبغي أن يجعل بدلاً عنها علامة البخاري في تعليقه؛ لأنه ما روى له ضمن الإسناد على أنه من رجاله.

    على كل حال كما قال أئمتنا: هو ضعيف من ناحية الرواية، لكن هذه الرواية كما تقدم معنا يشهد لها رواية أبي هريرة المتقدمة، ورواية أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لقد هبط علي ملك من السماء، ما هبط على نبي قبلي، ولن يهبط على أحد بعدي -ليس له إلا هذا الهبوط الواحد فقط- وهو إسرافيل، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فقال: يا محمد! إن الله أمرني أن أخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً أو عبداً نبياً -اختر- فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أشار عليه جبريل أيضاً -كما تقدم معنا- بل أكون عبداً نبياً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: لو كنت ملكاً نبياً -يعني: لو اخترت هذا- لسارت الجبال معي ذهباً )، يعني: لأعطاني الله من الملك ما لم يعطِ أحداً من ملوك الدنيا وحكامها.

    وإسرافيل هذا مع جبريل ومع ميكائيل هم أفضل ملائكة السماء، كما أن أفضل أهل الأرض نبينا الجليل عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يتوسل إلى الله دائماً بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة بأن يحيي قلبه، وفي ذلك تعليم لنا لندعو بهذا الدعاء الذي كان يدعو به نبينا عليه الصلاة والسلام، فجبريل موكل بالوحي وهو حياة الأرواح، وميكائيل موكل بالقطر وهو حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وهو حياة العالم، فمن وهب لهذه الأرواح هذه القدرة على الإحياء؟ فهذا يأتي بالوحي فتحيا به القلوب، وهذا ينزل المطر بإذن علام الغيوب فتحيا الأبدان، وذاك ينفخ في الصور فيحيا العالم بأسره، من أعطى هذه الأرواح الثلاثة هذه القدرة قادر على أن يحيي قلبك إذا توسلت إليه بربوبيته لهؤلاء الملائكة العظام، كأنك تقول: يا رب! أنت عظيم، وأعطيت هؤلاء الملائكة أمراً عظيماً، فبإمكانك أن تحيي قلبي وأن تنوره.

    ثبت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة، والحديث في صحيح مسلم ، فلا داعي للتنصيص على صحته فهو في أعلى درجات الصحة، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي، يفتتح صلاته -بعد تكبيرة الإحرام- فيقول: اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )، وهذا الذكر يستحب للإنسان أن يقوله عندما يناجي ربه في قيام الليل، فليفتتح صلاته بعد تكبيرة الإحرام بهذا الدعاء.

    وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يتوسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في كثير من المناسبات، ففي مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير والبزار ، والأثر رواه الإمام ابن السني في كتابه عمل اليوم والليلة، ورواه الإمام الدارقطني في كتاب الأفراد عن أبي مليح ، وتقدم معنا ذكر أبي المليح في أول دروسنا من سنن الترمذي ، عند أول حديث: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، واسم أبي المليح : أسامة بن عمير ، وهو من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    عن أبي المليح أسامة بن عمير رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتين -يعني السنة- يقول هذا الدعاء قبل صلاة الفريضة: اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي أعوذ بك من النار ثلاثاً )، يعيدها ثلاث مرات، فيتوسل إلى الله بربوبيته لأفضل مخلوقاته، أفضل ملائكة السماء، وأفضل خلق الأرض.

    والأثر رواه الإمام أبو يعلى والطبراني في الأوسط وإسناده حسن عن أمنا عائشة أيضاً رضي الله عنها وأرضاها، والإمام النووي رحمه الله ورضي عنه عزى هذا الحديث في الأذكار إلى ابن السني في عمل اليوم والليلة فقط فيما يقوله الإنسان بعد ركعتي السنة، والعزو إلى المستدرك أقوى من العزو إلى كتاب عمل اليوم والليلة بكثير.

    صفة الملك الذي يؤتاه الأنبياء

    وكان نبينا عليه الصلاة والسلام -أيضاً- يتوسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الكرام على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه في غير هذه الأحوال المتقدمة، أي: في غير قيام الليل وافتتاح الصلاة عند قيام الليل، وفي غير الدعاء الذي يقال بعد ركعتي الفجر، ثبت في سنن النسائي وإسناد الحديث حسن عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر )، فإسرافيل نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام ولم ينزل قط قبل هذا النزول، ولن ينزل على أحد بعد ذلك النزول، ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( أنا رسول من قبل الحق إليك بعد أن أبلغك سلامه، إن شئت أن تكون نبياً ملكاً، وإن شئت أن تكون نبياً عبداً )، النبوة لك ثابتة على الحالتين، لكن تريد مظاهر الدنيا وبهجتها فالله على كل شيء قدير، فجبال تهامة من مكة إلى اليمن كلها ستحول إلى ذهب وفضة ولؤلؤٍ وزمرد، تريد هذا؟ فالأمر لا يكلف شيئاً، إلا أن يقول الله: كن فيكون، والله على كل شيء قدير، ولا يقدر أحدٌ على قلب الأعيان إلا ذو الجلال والإكرام، فهذا الكتاب لو اجتمع أهل الأرض على أن يحولوه إلى ذهب لما استطاعوا، وإذا أراد الله أن يجعله ذهباً قال له: كن فيكون وانتهى الأمر.

    لذلك يقول أئمتنا وهذا نص كلام الإمام ابن كثير عند قول الله الجليل حكاية عن العاتي الخبيث قارون : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79]، يقول الإمام ابن كثير : قال بعض الناس: إن قارون كان يتعاطى صنعة الكيمياء، وهي هوس تخيله بعض المخلوقات، وهي: أنه يمكن قلب حقائق الأشياء، فيمكن أن يقلب الحجر إلى ذهب، يقولون: كان قارون عنده هذه الصنعة فأوتي ملكاً عظيماً بواسطة علم الكيمياء، قال الإمام ابن كثير : هذا هوس، وعلم الكيمياء لا حقيقة له، وليس في وسع أحد من البشر أن يقلب حقائق الأشياء، فالذهب ذهب لا عن طريق الصناعة، وإنما عن طريق خلق الله، والفضة فضة لا عن طريق الصناعة بل عن طريق خلق الله، فليس بإمكان البشر أن يحولوا الحجر إلى ذهب أو فضة، ولا الحديد إلى ذهب أو فضة، والماس ماس، وهكذا سائر الأحجار، هذه خلقها الله فلا يمكن لأحد أن يغيرها: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30].

    ثم يقول الإمام ابن كثير : وأما قلب الأعيان عن طريق الكرامة لعباد الله الصالحين فهذا ثابت؛ لأن ذلك ليس بمشيئة المخلوقات، وإنما هو بمشيئة رب الأرض والسماوات، كما جرى لـحيوة بن شريح عندما سأله سائل وعلم صدقه وما كان عند حيوة ما يعطيه، فأخذ مدرة من الأرض وأجالها في يده، ثم وضعها في يد السائل فقلبها الله ذهباً.

    فتحويل المدر إلى ذهب هذا بمشيئة الله، وليس عن طريق صنعة الكيمياء، هذه كرامة، وما جاز لنبي جاز لولي، لكن يقع للنبي معجزة وللولي كرامة، والله على كل شيء قدير، وسيأتينا هذا عند مبحث خوارق العادات إن شاء الله، وهذه القصة ثابتة صحيحة في تفسير ابن كثير في هذا المكان الذي ذكره، وفي تذكرة الحفاظ، وفي تهذيب التهذيب في ترجمة العبد الصالح حيوة بن شريح ، وهو من أئمة التابعين الكرام.

    إذاً: جبال تهامة بأسرها تحول ذهباً وفضة مع نبينا عليه الصلاة والسلام إذا شاء، طيب، فلم بعد ذلك ينام على الحصير ويأكل خبز الشعير؟ لأن الدنيا لا وزن لها عند الله، ولا تعدل كما تقدم جناح بعوضة: فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، يتنافس الإنسان على عرض دنيوي زائل ليس له عند الله أي اعتبار، ولو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها تعدل جناح بعوضة لما شرب الكافر في هذه الحياة قطرة ماء، ولو منعه الله من ذلك لتركه يموت عطشاً لهوانه على ربه جل وعلا، ويعطي الله المال لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الدنيا والآخرة إلا لمن يحب، فإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يتنافس فيها الكرام.

    فنبينا عليه الصلاة والسلام عرضت عليه فقال: لا، ثم ما من الله به عليه جاد به على غيره، وكان على حالته في معيشته منذ أن بعثه الله إلى أن قبضه، ما تغير عليه صلوات الله وسلامه لا قبل المغانم والفتوح ولا بعد المغانم والفتوح، وسيأتينا أنه عندما توفي عليه صلوات الله وسلامه ما خلف في بيوته إلا نصف صاع من شعير في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها، وهذا الشعير كان -أيضاً- لما يطحن لا ينخل بل ينفخ ليتطاير القشر، ثم بعد ذلك يخبز ويؤكل كما هو على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، وليس هذا كما تقدم لقلة ولا من بخل، فالأمة الإسلامية في أواخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام انتعشت، والحياة حصل فيها رخاء، لكن بيت النبوة ينبغي أن يتميز، وأن يعلم الخلق قاطبة أنه ما أراد بهذه الدعوة دنياً ولا ملكاً عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: فهذا حال النبي عليه الصلاة والسلام، لو اختار أن يكون نبياً ملكاً لسارت الجبال معه ذهباً تمشي معه أينما يريد وعنده هذا الملك العريض عليه صلوات الله وسلامه.

    اختيار النبي صلى الله عليه وسلم الآخرة على الدنيا

    إخوتي الكرام! أتي نبينا عليه الصلاة والسلام بمفاتيح الدنيا بأسرها لتكون ملكاً له، فرفض ذلك واختار الحالة التي كان عليها، وقد ثبت في المسند بإسناد صحيح كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء التاسع صفحة: (20)، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وانظروه في موارد الظمآن صفحة: (525) في زوائد ابن حبان ، والحديث صححه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة: (197)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس )، مقاليد الدنيا: مفاتيحها من أولها إلى آخرها، أتي بها على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس، أي: من حرير، قيل له: إن أردت أن تكون ملكاً نبياً فلك ذلك، فاختار أن يكون عبداً نبياً على نبينا صلوات الله وسلامه.

    والأحاديث في ذلك كثيرة، ففي معجم الطبراني الكبير بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( خير النبي صلى الله عليه وسلم بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة )، مع أنه لو أراد الدنيا فلن ينقص حظه عند الله من الآخرة، لكن لا وزن لها ولا اعتبار، والله جل وعلا عندما خيره في ذلك كأنه يقول له: الدنيا لا وزن لها عندي ولا اعتبار، لكن لئلا يظن أنه لهوانك عندي ما أعطيتك إياها، فماذا تريد؟ قال: يا رب! لا أريدها ما دامت ليس لها عندك قدر ولا اعتبار، خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة عليه صلوات الله وسلامه.

    وأختم بهذا الحديث ثم ننتقل إلى بيان أثاث بيت نبينا وأثاث حجره على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه، روى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في كتاب الزهد صفحة: (196)، والحديث قد حسنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الرابع صفحة: (196)، وهو أيضاً في كتاب الزهد كما قلت صفحة: (196)، لكن من دون أجزاء، كتاب الزهد مجلد واحد، وأما الترغيب والترهيب فهو أربع مجلدات.

    والحديث كما قلت في معجم الطبراني الأوسط ذكره الحافظ الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة: (315)، وقال: رجاله رجال الصحيح غير سعدان بن الوليد فلم أعرفه، وسعدان بن الوليد رجعت إلى كتاب الزهد للإمام البيهقي فهو موجود أيضاً في سنده، والحافظ الهيثمي يقول: لم أعرفه، والمنذري حسن الحديث مع وجود سعدان بن الوليد في الإسناد، وقد رجعت إلى أزيد من عشرة كتب في أسماء الرجال والجرح والتعديل، كالتاريخ الكبير للإمام البخاري ، والجرح والتعديل للإمام ابن أبي حاتم ، وميزان الاعتدال للذهبي ، واللسان والمجروحون لـابن حبان .. وكتب تزيد على عشرة يقيناً في هذا اليوم لأقف على ترجمة لـسعدان بن الوليد فما وجدت، والأمر كما قال الهيثمي : لم أعرفه وما وجدت له ترجمة، فاكتبوا هذا الاسم عندكم فإذا عثر أحدكم على ترجمة لـسعدان بن الوليد في كتب الرجال فليخبرني، ما رأيت رجلاً من المحدثين الذين رووا الحديث، سواء من أهل التوثيق أو من أهل التجريح ذكره، يوجد سعدان كثير، لكن لا يوجد سعدان بن الوليد ، فما وحدت ذكراً لهذا الراوي الذي يقول عنه الهيثمي : لم أعرفه، وبقية الإسناد رجال الصحيح، فإما أن المنذري اطلع على حاله وخفي علينا فحسن الحديث، والمنذري قبل الإمام الهيثمي ؛ لأن الإمام المنذري من علماء القرن السادس للهجرة، والإمام الهيثمي من علماء القرن الثامن، بل في بداية القرن التاسع، فـالمنذري توفي سنة: (656هـ)، وأما الإمام الهيثمي فتوفي سنة: (807هـ) وهذا قبلهم بقرابة مائتي سنة، فإما أن المنذري اطلع على حال سعدان بن الوليد فحسن الحديث بناء على هذا، وإما أنه حسنه لوجود شواهد له، ومن شواهده ما رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وفي إسناده محمد بن أبي ليلى ولا يوجد سعدان بن الوليد ، ومحمد بن أبي ليلى كما قال الإمام الهيثمي : وثقه جماعة، لكنه سيئ الحفظ، وقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ جداً، توفي سنة: (148هـ)، وحديثه في السنن الأربعة، والحديث رواه الطبراني أيضاً في معجمه الكبير من طريق آخر، والبيهقي لكن في دلائل النبوة في الجزء الأول صفحة: (334) من غير طريق سعدان بن الوليد ، ومن غير طريق محمد بن أبي ليلى ، من طريق بقية بن الوليد ، وبقية حديثه مخرج في البخاري تعليقاً، وفي صحيح مسلم وفي السنن الأربعة، قال عنه أئمتنا: صدوق، لكنه كثير التدليس، وتقدم معنا أنه يدلس تدليس التسوية، وقال أئمتنا: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية، على كل حال تقدم معنا أنه صدوق في نفسه، لكنه يدلس تدليس التسوية، وهو: أن يحذف الضعيف بين الثقتين، ويسوي الإسناد ثقات، وهو شر أنواع التدليس، ففي الطريق الثاني بقية ، وفي الطريق الأول محمد بن أبي ليلى ، وفي الطريق الأولى سعدان بن الوليد ، فلعل المنذري حسن الحديث لتعدد طرقه، وتعدد الطرق يرفعه إلى درجة الحسن، وهذا عدا الشواهد المتقدمة التي تشهد لمعنى الحديث، فإما أنه عرف حال سعدان فحسنه بناء على هذا، وإما أنه حسنه لتعدد الطرق وكثرة الشواهد، ولفظ الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا ومعه جبريل على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل: والذي بعثك بالحق! )، يعني: أرسلك إلي، ( والذي بعثك بالحق! ما أمسى لآل محمد عليه الصلاة والسلام سفة دقيق ولا كف سويق )، ما عندنا سفة دقيق: ما يستفه الإنسان ويأكله، ولا كف من سويق.

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما فيما ينقله عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هدة عظيمة، فقال: ما هذا يا جبريل؟ أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا، القيامة لن تقوم الآن، لكن الله جل وعلا لما سمع كلامك أمر إسرافيل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أن ينزل، وهذا إسرافيل قد جاء على نبينا وعليهما جميعاً صلوات الله وسلامه، فجاء إسرافيل فسلم على نبينا الأمين عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقال: يا محمد! إن الله بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة )، وتهامة من مكة إلى اليمن، فجبال تهامة كلها إن أردت أن تسير معك زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة فعل، فإن شئت أن تكون نبياً ملكاً، وإن شئت أن تكون نبياً عبداً.

    كلامك سمعه الله، وهذه الهدة العظيمة هي من نزول هذا الملك الذي لم ينزل قط على أحد ولن ينزل بعد ذلك على أحد، نزل هذا الملك الموكل بالنفخ في الصور، والذي يحصل بعث العالم بأسره بنفخته، نزل إكراماً لك، وسمع الله كلامك بأنه ليس عندك سفة دقيق ولا كفٌ من سويق، ماذا تريد؟ نعطيك ما لم نعطِ أحداً من العالمين، ولا حصل لأحد من المخلوقين، قال: ( فأومأ إلي جبريل أن تواضع يا محمد! فقلت: بل أكون نبياً عبداً، بل أكون نبياً عبداً، بل أكون نبياً عبداً، ثلاث مرات ).

    1.   

    اختيار النبي صلى الله عليه وسلم الفقر لنفسه مع جوده بما تحت يده

    هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام، وما هو عليه اختاره مع الغنى الذي في قلبه، ومع الجود الذي في يده عندما يأتي إليه المال، وكما قلت: ما عرفت الحياة أجود من خير البريات عليه الصلاة والسلام، وما عرف البشر أحداً أغنى نفساً منه، وما عرف البشر أشد قناعة ورضا من نبينا صلى الله عليه وسلم، فما عنده يؤثر به غيره، وغناه في قلبه، ثم يأكل الشعير وينام على الحصير، فقد جمع الله له الغنى مع الفقر، وجمع له الجود مع الاقتصاد، فهو أجود الخلق وأغنى الخلق، لكنه اختار في معيشته حياة الفقر لكرامته على ربه جل وعلا، وإذا أعطى واحداً ممن أعطاه فربما أغناه طول حياته وما احتاج إلى أحد، وأعطيت أمهات المؤمنين مئات الألوف، وما يكفي الواحدة منهن طول حياتها، لكنها ما تغرب الشمس إلا ولم يبق في بيت النبوة شيء على نبينا صلوات الله وسلامه، ثم تقول: هاتِ الفطور: خبزاً وزيتاً.

    إخوتي الكرام! هذه الحال هي أكمل الحالات: أن يكون غنى الإنسان في نفسه، جوده بيده، ثم يقتصر في نفسه على الفقر، وهذا هو حال نبينا الميمون عليه صلوات الله وسلامه، ينقل الإمام البيهقي في الزهد عن العبد الصالح الإمام الجنيد بن محمد القواريري ، وهو من أئمة الهدى والخير والصلاح، ومن العلماء الربانيين، توفي سنة: (298هـ)، ينقل أنه سئل: من أفضل عند الله الغني الشاكر أو الفقير الصابر؟ فقال: أفضلهما أطوعهما لله، فأكثرهما عبادة وأكثرهما طاعة هو الأفضل، فالفقير إذا كانت طاعته أكثر من الغني فهو أفضل، والغني إذا كانت طاعته أكثر من الفقير فهو أفضل، فقيل له: كلاهما جميعاً طائعون في درجة واحدة، غني شاكر مطيع وفقير صابر مطيع، فأيهما أفضل إذا استوت الدرجة؟ فقال: الغنى مع الشكر والفقر مع الصبر، كلاهما فعلان محمودان، غير أن الله اختار لنبيه عليه الصلاة والسلام الفقر فهو أفضل.

    وأنا أقول لا من باب الرد على هذا الإمام، إنما من باب الزيادة على قوله وإيضاح كلامه: اختار له الفقر في معيشته لا في إيثاره لغيره، فهو كما قلت: أغنى الخلق نفساً، وأكرم الخلق يداً عليه صلوات الله وسلامه، لكن ما أراد أن يتوسع، كما يعطى غيره ويتوسع، فقد جمع الله له الغنى والجود والفقر، الفقر لتزداد درجته ورفعته عند الله؛ لأن كل من نال من هذه الدنيا نعمة نقص من درجته عند الله بعد الممات، وإن كان عليه كريماً كما سيأتينا هذا عند غذاء النبي عليه الصلاة والسلام وطعامه، ولا يصيب أحدٌ من الدنيا نعمة إلا نقص من درجته، فأراد الله أن يجعل لنبيه عليه الصلاة والسلام أكمل الدرجات، فما حصل له نعمة في هذه الحياة زائدة يتوسع بها، وهو مغمور بنعمة الله وفضله، وسأل ربه -كما سيأتينا- قوتاً، وهو ما يسد الرمق ويقوم بالأود، وسأل ربه كفافاً، وسيأتينا الحديث في الصحيحين، وهو ما يكفي الحاجة ولا يزيد عليها، ويكف عن السؤال ولا يحتاج إلى الخلق، والزائد نوزعه على الخلق ولا نريد أن نتوسع به، وسيأتينا تقرير هذا بأدلته إن شاء الله، فهو غني كريم، لكنه في معيشته صابر فقير على نبينا صلوات الله وسلامه.

    والله من يتأمل هذا فإنه لن يرتاب في أنه رسول الله حقاً وصدقاً، وسيأتينا بعد ذلك عند هذا الأمر الأول من الأمور السبعة في معاملته مع الخلق، حياته في بيته فقط هذا لو لم تنظر إلى غيرها:

    لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبرِ

    من تأمل حياته في بيته، ومع نسائه بعقل نزيه وفكر صحيح فإنه يقول: هذا رسول الله حقاً وصدقاً، ليس في ذلك شائبة ولا شك ولا أدنى من ذلك، أحياناً يأتيه الضيف فلا يوجد -كما سيأتينا- في بيوته ما يأكله ذو كبد، فلو دخلت الفأرة فإنها لا تحصل طعاماً في حجر النبي عليه الصلاة والسلام التسع، ومع هذا تختاره نساؤه بعد نزول آية التخيير، وقلن: نختار الله ورسوله، والله لو لم يكن نساؤه أفضل من الملائكة، وعيشتهن مع نبينا عليه الصلاة والسلام خيراً من عيشة الملائكة، لما جلسن معه طرفة عين عليه صلوات الله وسلامه، هذا هو بيت النبوة كما سيأتينا تقرير هذا وتوضيحه.

    فهذه حياته وهذا الخلق الأول، فانظر إلى هذه الحياة واستنبط منها بعد ذلك تلك الدلالات المعتبرة.

    وأما ما يتعلق بالأثاث الذي في حجر وبيوت نبينا عليه الصلاة والسلام، وما يوجد في تلك الحجر من طعام، فلعل الله أن يسهل لنا أن نتدارسه في المواعظ الآتية إن شاء الله، وأسأل الله أن أبدأ به دون مقدمات تعيقنا عن مدارسته، بحيث نبدأ في أثاث بيت النبوة وحجر نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم ننتقل إلى ما يقدم في تلك البيوت من طعام، ثم نتدارس ترجمة لأمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فإذا انتهينا من ذلك تدارسنا ما وعدتكم به قبل أن أنتقل إلى شيء آخر، ألا وهو نظام البناء في الإسلام، كيف ينبغي أن يكون اقتداء بحجر نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يبلغ صلاتنا وسلامنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يشفعه فينا يوم القيامة، وأن يجعلنا من أمته وأتباعه وممن يتوفون على سنته وحبه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اجعل لنا هذا الشهر الكريم أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم إنك عفوٌ كريم رحيم جواد تحب العفو فاعفُ عنا يا رب العالمين،

    اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وأدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن له حق علينا، اللهم اغفر لمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسِن إلى من أحسَنَ إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.