إسلام ويب

هدي الإسلام في نوم الإنسان [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اقتضت حكمة الجليل سبحانه أن يبتلي العباد بالنوم لحكم يعلمها، فمنها: التفريق بين الخالق والمخلوق، ومنها الترويح على القلب والبدن، كما أن النوم دليل على أدلة العبث، وربما اشتمل على الرؤى التي يكون فيها تبشير وتحذير، وفي النوم تلتقي الأرواح فيرى الإنسان النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله.

    1.   

    فوائد النوم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن الحديث الذي سنتدارسه في هذه المحاضرة المباركة إن شاء الله يدور حول هدي الإسلام في النوم، والموضوع جميل وجليل، وكيف لا يكون كذلك وهو نموذج من النماذج الفارقة بين حياة المؤمنين خير البريات، وبين حياة البهائم العجماوات، ومن التحق بدركتهم من المكلفين والمكلفات؟!

    والموضوع مع جماله وجلالة قدره طويل وطويل، ولا أستطيع أن أوفيه حقه في هذه المحاضرة المباركة، إنما سأتكلم على أمرين من أمور النوم:

    الأمر الأول: يدور حول الفوائد والحكم من ابتلاء الله جل وعلا بهذا الأمر وهو النوم وتسليطه عليكم، والأمر الثاني: حول الآداب التي ينبغي أن يأخذ بها المؤمن نفسه عند نومه، وكل من الأمرين سأوجز الكلام عليه قدر الإمكان، وسأتكلم على معاقده وأسسه إن شاء الرحمن، والأمر الأول سأوجزه بخمسة أمور، والأمر الثاني كذلك بإذن العزيز الغفور.

    والموضوع كما قلت في البداية: جميل وجليل، ومع ذلك قد يستغرب كثير من بني الزمان في هذا الوقت محاضرة علمية تكون حول النوم، وأنا أقول: كان سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم يعتذرون من الجهل، وأفضى بنا الحال إلى أننا بحاجة إلى أن نعتذر من العلم، وكان سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم يتوقعون الشكر والأجر على النصيحة والبيان، وصرنا في زمن نرجو منه السلامة على النصيحة من بني الزمان، وليس هذا بغريب في هذه الأيام، فنحن في أيام غربة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الغرباء، الذين يحيون شريعة رب الأرض والسماء، ولا يسيرون على منوال السفهاء.

    والموضوع -دفعاً للغرابة عنه- لي فيه سببان بارزان سأذكرهما إن شاء الرحمن خلال حديثي عن موضوع النوم، وعن هدي الإسلام فيه.

    الأمر الأول الذي سأتكلم فيه حول النوم: الكلام حول الفوائد والحكم من مشروعية النوم، ومن خلق النوم، ومن تسليط النوم على العباد، والذي يدعوني لذكر هذه الحكم هو أحد السببين في اختيار هذا الموضوع، فالنوم مع أنه يعتري المؤمن والكافر، والتقي والفاجر، ولا ينفك عنه كائن من الكائنات الحية، ينبغي للإنسان أن يفعل هذه العادة بما فيها من أمور مشروعة لتتحول العادة إلى عبادة، وليلاحظ ما في هذه العادة من معان وأحكام لينال بذلك عند ربنا الرحمن درجات عظام، فالفارق بين حياة المؤمن وحياة غيره: أن المؤمن لا يتحرك ولا يسكن إلا ويلاحظ أمر الله جل وعلا في حركته وسكونه، فتنقلب العادات في حقه طاعات، وحبذا نوم الأكياس وحفظهم، وغير المؤمن لا يتصرف ولا يتحرك ولا يفتر إلا بحكم العادة، فتنقلب العبادات في حقه عادات فلا يحصل عليها مثوبات عند رب الأرض والسماوات، ولا يكون لها في نفسه أثر من الآثار الصالحات، فالنوم كالطعام والشراب وقضاء الحاجة وما شاكل هذا من الأمور التي لا ينفك عنها كائن حي من المكلفين، أو غيرهم من البهائم العجماوات، ولكن المؤمن يستحضر الحكم والفوائد في هذا الأمر فتنقلب العادة في حقه عبادة.

    ثم يقول بعد ذلك الآداب التي ينبغي أن تفعل عند هذا الأمر، وهو المبحث الثاني في هذه المحاضرة، فيرتقي بالنوم درجات عند الله جل وعلا كما يرتقي الإنسان درجات عند الله بسبب صلاته وصومه حجه وزكاته، فالنوم لا ينقص عن هذه العبادات في حال إذا روعي فيه هدي شرع الكبير المتعال سبحانه وتعالى، فلذلك لا بد من استحضار الحكم والفوائد في النوم، والذي يتأمل فوائد النوم وحكمه التي من أجلها شرعه الله جل وعلا وابتلى العباد به، يرى أنها تدور على خمسة أمور فيما خطر ببالي، وفيما أمكنني جمعه.‏

    التفريق بين عز الربوبية وذل العبودية

    الفائدة الأولى والحكمة الأولى: خلق الله النوم وشرعه وابتلى العباد به ليفرق ربنا جل وعلا بين عزّ الربوبية وذل العبودية، فيكون النوم فارقاً بين الخالق والمخلوق، فمن عدا الله جل وعلا ابتلاه الله بهذا النوم، والذي لا ينام هو الحي القيوم سبحانه وتعالى، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ [البقرة:255]، فلا تأخذه مقدمات النوم ولا النوم، فالنوم نقص.

    ولو تأمل الإنسان في حياته لرأى عجباً، فالمقدار الذي ينامه الإنسان في حياته بمقدار ثلث عمره على أقل تقدير: ثماني ساعات في اليوم والليلة، وهو النوم الطبيعي الذي يأخذ به الإنسان حظه من الراحة، ويستعين به على العبادة، فإذا عاش الإنسان ستين سنة، فربع العمر خمس عشرة سنة يقضى في حال الصبا والقلم مرفوع عنه، بقي خمس وأربعون سنة ثلثها نوم، خمس عشرة سنة، تضاف إلى سنوات الصبا الخمس عشرة أيضا، فمضى من عمرك يا عبد الله ثلاثون سنة ما بين حال الصبا والقلم مرفوع عنك، وما بين حال النوم والقلم مرفوع عنك، فذاك نصف العمر! إذاً: فأنت عبد ذليل فيك هذه النقائص ولا يليق بك التكبر ولا التجبر، فهذه صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، فهو الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فابتلى ربنا جل وعلا الناس بهذا ليعرف الإنسان مقداره، كما ابتلاهم بالطعام والشراب وغير ذلك، فإذا فقد عنهم الطعام ماتوا، وإذا أكلوا الطعام فاحتبس في بطونهم ولم يخرج ماتوا، وإذا منع عنهم النوم أرقوا وضجوا وصارت حياتهم نكداً، ولا يمتنعون عنه إلا في حال الموت، فلابد من النوم مهما أرق الإنسان، فحياة المخلوق حياة ضعف في جميع أحوالها وفي جميع مراحلها، والله جل وعلا منزه عن هذا.

    ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في أصحابه بأربع كلمات فقال: ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام )، لا يليق به، ولا يتناسب هذا مع حاله سبحانه وتعالى، لو غفل ربنا جل وعلا لحظة لفسدت السماوات والأرض ومن فيهما، (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه سبحانه وتعالى).

    وثبت في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي وغير ذلك من كتب الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام مرسلاً ومتصلاً، والحديث صحيح: أن بني إسرائيل سألوا موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه هل ينام ربنا؟ فقال: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:57]، فكرروا عليه السؤال فأوحى الله إليه: يا موسى! خذ قارورتين: زجاجتين واحدة بيمينك والأخرى بشمالك، واحفظهما وامتنع عن النوم بمقدار استطاعتك، فأخذ موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قارورتين وامتنع عن النوم في الليلة الأولى وفي الليلة الثانية، وإذا هجم عليه النوم يصحو، وتكاد أن تضرب إحدى القارورتين الأخرى، فامتنع عن النوم ليلتين، وجسم البشر بعد ذلك سينام شاء أم أبى، وفي الليلة الثالثة نام فضربت إحدى القارورتين الأخرى فانكسرتا، فأوحى الله إلى موسى: يا موسى! قل لبني إسرائيل: لو نام الله لفسدت السماوات والأرض، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41].

    إذاً الحكمة الأولى ليحصل التمييز بين العبد والرب، بين عزة الربوبية وذل العبودية.

    فائدة بأن الله جل وعلا لا ينام

    ومن باب التعليق على هذا الأمر وهو أن الله جل علا لا ينام، قرر علماء التوحيد الكرام أنه ينبغي للمؤمن أن يخلص ويخرج بفائدتين اثنتين من علمه بأن الله جل وعلا لا ينام.

    الفائدة الأولى: أن يبتعد عن الآثام في كل زمان ومكان، فالله جل وعلا ينظر إليك أينما كنت، ولا يغفل عنك لحظةً من اللحظات، ولذلك قال رجل للإمام الجنيد بن محمد القواريري عليه رحمة الله، وهو من أئمة السلف الصالحين في القرن الثالث للهجرة، قال له: بم أستعين على غض البصر إلى المحرمات؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه، فإذا أردت أن تنظر إلى محرم فاعلم أن الله ينظر إليك قبل أن تنظر إلى ذلك المحرم، فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14].

    يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا

    غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا

    هذا الذي غرك من الله أنه يمهلك، ويستر عليك هذه المساوئ الطويلة، فينبغي للإنسان أن يقدر نظر الرحمن، ولذلك ثبت في الكتب السابقة على الأمم قبل هذه الأمة أن العبد إذا أرخى ستره وبارز ربه بالمعصية ناداه الله: عبدي أجعلتني أهون الناظرين إليك؟! سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:108]، فيا عبد الله! استحضر أن الله لا ينام، ولا يغفل عنك طرفة عين، وهو ينظر إليك في جميع أحوالك، فاستحِ منه بأن تبتعد عن الذنوب والآثام في كل مكان.

    الأمر الثاني: أن يشد العزم في طاعة الرحمن، وأن يناجي ربه الذي لا ينام والناس نيام، وهذا ينبغي للإنسان أن يستفيده من علمه بأن الله لا ينام، فإذا كان لا ينام فاغتنم اللقاء معه عندما ينام بني الزمان، ينزل ربنا والحديث متواتر كما قال الإمام الذهبي وغيره نقطع بذلك: ( ينزل ربنا جل وعلا كل ليلة عندما يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ )، يناديك ربك جل وعلا الذي لا ينام، وأنت نائم كالجيفة، لا يصلح هذا، وقد نقل أئمة التفسير عليهم رحمة الله عن بلال رضي الله عنه وأرضاه، وهو أول من أسلم من الموالي في هذه الأمة، وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع قرع نعليه في الجنة، وما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل إلى قصر من الجنة إلا وجد بلالاً يسبقه إلى ذلك والحديث ثابت بذلك، بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه كان يقوم الليل ويذكر هذه الأبيات يسلي بها نفسه، ويشد أيضاً عزم غيره لمناجاة ربه الذي لا ينام، يقول:

    يا ذا الذي استغرق في نومه ما نوم عبد ربه لا ينام

    هل تقول: إنني مذنب مشتغل ليلي بطيب المنام

    وقد نقل الإمام ابن الجوزي رحمة الله في كتابه المورد العذب، والكتاب لا زال مخطوطاً وأنقل عنه بواسطة الإمام السفاريني عليه رحمة الله في شرحه غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، ينقل عن الإمام ابن الجوزي في الكتاب المشار إليه عن الإمام عبد الواحد بن زيد ، وهو من أئمة التابعين الصالحين، يقول: ركبنا البحر فرست بنا السفينة في جزيرة، فنزلنا فيها وإذا برجل يعبد صنماً، فقلنا له: يا عبد الله! ماذا تعبد؟ قال: ما ترون؟ فقلنا: عندنا من يصنع لك مثله، إذا كان هذا إله فعندنا من يصنع آله متعددة على هذه الشاكلة، فقال: أنتم ماذا تعبدون؟ فقال له عبد الواحد بن زيد وأصحابه: نعبد الذي في السماء عرشه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه، وفي الأرض سلطانه، نعبد هذا الرب الجليل سبحانه وتعالى، فقال: ومن أخبركم بذلك؟ فقالوا له: أرسل إلينا رسولاً دلنا عليه، فقال: وماذا فعل الرسول عليه صلوات الله وسلامه؟ فقلنا له: قبض؟ فقال: وهل ترك فيكم شيئاً يدل على ذلك؟ قلنا له: نعم، وأخرجنا له كتاب الله القرآن العظيم، فقال: لا أحسن القراءة فاقرءوا عليّ ما فيه، يقول: فبدأنا نقرأ عليه شيئاً من القرآن، فبدأت الدموع تنحدر من عينيه حتى أخضلت بها لحيته، ثم قال: ما ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يعصى، هذا المتكلم به إله جليل، دلوني على دينكم كيف أدخل فيه؟ يقول: فعلمناه كلمة التوحيد فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا له: ألا تصحبنا؟ فقال: نعم الصحب أنتم، دللتموني على طريق سوي، يقول: فكان معنا، فلما دخل علينا الليل- انتبهوا عباد الله وهذا محل الشاهد -أخذنا مضاجعنا لننام، فقال: يا أيها القوم! الإله الذي دللتموني عليه ينام أم لا؟ قلنا: سبحان الله! إنه حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، قال: بئس العبيد أنتم -سبحان الله العظيم! قبل ساعة يعلمه التوحيد، فلما خالطت حلاوة الإيمان قلبه بدأ يعلم علماء التابعين التوحيد- لا ينام ربكم وأنتم تنامون، ومراده عليه رحمة الله أن الإنسان لا ينبغي أن يتكلف النوم، ولا أن يتعمده، إنما ينبغي أن ينام إذا ستره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ليصلي أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد )، فلينم، إذاً النوم من باب الضرورة، ولا يتعمد العبد النوم وعنده جلد ونشاط لمناجاة الحي القيوم، قال: بئس العبيد أنتم، لا ينام ربكم وأنتم تنامون، يقول: فعجبنا من فقهه ومن طهارة قلبه، وما دخل في الإسلام إلا منذ لحظات، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا حلاوة الإيمان، يقول: فذهبنا بعد ذلك إلى عبدان فنزل المسجد، وقلنا له: ألا تصحبنا إلى البيت؟ فقال: بيت الله خيرٌ من بيوتكم، أريد أن أبقى فيه.

    يقول عبد الواحد بن زيد : فجئته بعد فترة وقلت: هل تحتاج إلى شيء من الدراهم، أو طعام أو ما شاكل هذا؟ فقال: سبحان الله! دللتموني على طريق لم تسلكوه أنتم، كنت في الجزيرة أعبد صنماً ما قطع رزقه عني، فبعد أن أفردته بالعبادة سينساني، لقد قضى حوائجي عندما دللتموني عليه، انصرفوا، يقول عبد الواحد بن زيد عليه رحمة الله: فتركناه، ثم بعد ذلك في يوم من الأيام نمت القائلة فرأيت في النوم أن صاحبنا في المسجد في حالة احتضار، وحوله جارية أضوء من الشمس تقول: أسألك بالله عجل عليّ به، يقول: فذهبت إلى المسجد فرأيته قد قبض، مات عليه رحمة الله.

    الشاهد -عباد الله- أن الأمر الأول: إذا كنت تعلم أن الله جل وعلا لا ينام، فينبغي إذاً أن تبتعد عن الآثام إجلالاً لنظر الرحمن، وهو الأمر الأول.

    والأمر الثاني: ينبغي أن تصفَّ الأقدام لمناجاة الحي القيوم الذي لا ينام، وأن تغتنم اللقاء معه في تلك الساعة والناس نيام، ولذلك كان أول كلام نبينا عليه الصلاة والسلام عندما قدم المدينة، والحديث في الصحيح عن عبد الله بن سلام انجفل الناس إليه، وكان في جملة من انجفل وأقبل، فقال: ( يا أيها الناس! أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ).

    إذاً هذا الأمر الأول من فوائد النوم، ليكون هناك فارق بين العبد والرب، بين عزة الربوبية وبين ذلّ العبودية.

    الترويح على القلب والبدن

    الأمر الثاني من فوائده ومن حكمه التي من أجلها أوجد الله النوم: أنه مع كونه علامة على ذلّ العبد ونقصه وتقصيره، ففي ذلك أيضاً راحة له، وفي ذلك معونة من الله جل وعلا له على أعماله وعلى نشاطه، فالقلوب إذا واصلت النشاط تتعب، والأبدان إذا واصلت العمل تملّ، روحوا القلوب تعي الذكر، فلابد من راحة للقلب، ولابد من راحة للبدن، ولو واصل الإنسان عمله فيما يتعلق بأمر الدنيا والآخرة لاعتراه ملل، فلابد إذاً له من راحة، فابتلاه الله بهذا الأمر ليستريح به، وليكون أيضاً من جملة نعم الله عليه، والله أخبرنا أن النوم راحة في آيتين من سورتين، ففي سورة الفرقان، يقول ربنا الرحمن: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47]، والنوم سباتاً، راحة للأبدان وللقلوب يستريح الإنسان فيه من العناء ومن التعب الذي كان يقوم به في النهار، وفي سورة النبأ يقول ربنا جل وعلا: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [النبأ:9]، راحة للأبدان، من الإسبات وهو الانقطاع عن العمل، فالنوم إذاً يريح البدن، ويحصل للإنسان بذلك فائدة عظيمة ليستكمل بعد ذلك العمل في جدٍّ ونشاط.

    ولذلك أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين وغيرهما عندما دخل المسجد فرأى حبلاً ممدوداً بين الساريتين، فقال: ( ما هذا؟ )، قالوا: حبلٌ لـزينب إذا فترت من العبادة، وإذا ملت تعلقت به لتستعيد نشاطها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( حلوه )، فكّوا هذا الحبل، وأزيحوه، ( ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد )، فإذا تعب فلينم، ولذلك أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال أيضاً: روحوا القلوب، أي: أعطوها شيئاً من الراحة، لتعي الذكر، لتعي ذكر الله جل وعلا ومناجاته، فالقلوب إذا أكرهت عميت، وإذا امتنع الإنسان عن النوم وجاهد نفسه على تركه، فقد يأتي ليستغفر فيسب نفسه وهو لا يدري، إذاً فالنوم راحة يستعين بها العبد على الطاعة، فهو من النعم العظيمة.

    وثبت في الصحيحين في قصة أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين عندما أرسلهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، أرسل أبا موسى ثم أتبعه بـمعاذ ، وكان اليمن مخلافان، أي: مقاطعتان ولبنتان كأبها والخميس ولكل واحدة أمير، فكان اليمن مخلافان أبو موسى على مخلاف، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين على مخلاف، وكان كل واحد يتفقد رعيته في الليل والنهار، ويدور في أطراف البقعة التي يرأسها والإمرة التي ترجع إليه فيها، فبينما كان معاذ بن جبل يدور ويبحث عن أحوال الرعية في البقعة التي هو مسئول عنها، مرّ على صاحبه أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين فرأى رجلاً عنده موثقاً بالحديد، فقال: مَن هذا؟ فقال: يهودي دخل في الإسلام ثم ارتد، ورد في الطبراني أنه ارتد منذ شهرين ويطلبون منه العودة إلى الإسلام فأبى، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله، أي: هذا الذي قضاه الله جل وعلا ونبيه عليه الصلاة والسلام، فضربه أبو موسى فقضى عليه، ثم تذاكرا قيام الليل، وإذا لم يكن الأمراء على هذه الشاكلة فلا خير فيهم، كيف تقوم أنت يا أبا موسى ؟ وكيف تقوم أنت يا معاذ ؟ فقال أبو موسى: إنني أقرأ القرآن قاعداً وقائماً وعلى راحلتي وأتفوقه تفوقاً، أي: أعالج نفسي بقراءته في جميع الأحوال، وأتكلف ذلك آناء الليل وأطراف النهار، في الليل أقرأ قائماً، وإذا مللت أجلس، وإذا خشيت من النوم أقرأ بعد ذلك على الناقة، وأمشي عليها كل هذا في الليل، وأتعهد القرآن وأتكلف القراءة في الليل، والسؤال عن قيام الليل، تفوقاً في جميع ساعاته، فقال: أبو موسى : وماذا تفعل في الليل؟ وكيف تقوم؟ فقال معاذ: أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره أقرأ ما كتبه الله لي وأحتسب- هذا محل الشاهد- في نومتي ما أحتسب في قومتي، وفي رواية أيضاً في الصحيحين: وأرجوا في نومتي ما أرجوه في قومتي، أي: هذا النوم الذي أروض به نفسي كما قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: ليكون أنشط لي على العبادة، أرجو عليه من الأجر كما أرجو في حال قيامي ومناجاتي لربي جل وعلا، أحتسب في نومتي، وأرجو في نومتي من الأجر ما أرجوه في قومتي.

    فإذاً النوم راحة للأبدان يستعين به الإنسان على العمل وعلى طاعة الرحمن بعد ذلك، وهذا من الحكم التي من أجلها شرع الله النوم، وأوجده، وابتلى العباد به.

    النوم دليل من أدلة البعث

    ومن الحكم أيضاً في مشروعية النوم وتسليطه على العباد: ليكون النوم آية من آيات الله البارزة، ودليلاً من أدلته القاهرة على البعث، يقول ربنا جل وعلا في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [الروم:23]، وقد قرر علماء التوحيد أن الأدلة التي أكثر الله من ذكرها في القرآن دلالة على إمكانية البعث وسهولته ثلاثة: قياس الإعادة على البدء، وقياس إحياء الأموات على إحياء الأرض بالنبات، وقياس إحياء المخلوقات بعد موتهم على خلق السماوات والأرض، لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]، فهذه الأدلة الثلاثة ذكرها علماء التوحيد، وليتهم أضافوا الدليل الرابع وهو الذي نحن بصدده، قياس البعث على اليقظة، وقياس النوم على الموت.

    وقد أخبرنا ربنا جل وعلا في آيتين من كتابه أن النوم وفاة، وأن البعث يحصل في كل منهما، وقرن ربنا جل وعلا بينهما، وفي السورة الأولى قدم الوفاة الصغرى وهو النوم، وفي السورة الثانية قدم الوفاة الكبرى، أما السورة الأولى سورة الأنعام، فيقول ربنا جل وعلا: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]، والمراد من الوفاة هنا النوم، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام:60]، بعد أن توفاكم وأماتكم: أنامكم، بعثكم، ليأخذ كل إنسان أجله المطلوب له، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:60-61]، الوفاة الكبرى، وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:61-62]، سبحانه وتعالى، فالنوم وفاة، والموت وفاة، فالوفاة تحدث لك كل يوم في ليلتك أو نهارك، ثم يبعثك من وفاتك فيحدث لك الوفاة الكبرى، ويبعثك بعد ذلك منها، وهو على كل شيء قدير، فقرن ربنا جل وعلا بين الوفاتين، وهكذا في السورة الثانية سورة الزمر، لكنه قدم الوفاة الكبرى على الصغرى، يقول تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، حين موتها ووفاتها الوفاة الكبرى، وهو الموت الأكبر الحقيقي، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، أي: ويتوفى أيضاً الأنفس التي لم يكتب لها الموت الأكبر في منامها، يتوفاها أيضاً، ولكن وفاةً صغرى، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:42].

    فإذاً النوم موت، واليقظة بعث، وليموتنّ الناس كما ينامون، وليبعثنّ كما يستيقظون، ولذلك أثر عن لقمان -والصحيح أنه ليس من الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، ورضي الله عن لقمان وعن سائر الصديقين الكرام- أنه قال لولده: يا بني! إذا كنت تشك في الموت فلا تنم، وإذا كنت تشك في البعث فلا تستيقظ، فإذاً الذي ينيمك يميتك، والذي يوقظك يبعثك بعد موتك الأكبر، وهو على كل شيء قدير.

    فإذاً من جملة الحكم أن النوم دليل على البعث، وأن من قدر على نومك قدر على موتك وعلى بعثك بعد ذلك، ولذلك ثبت في الصحيحين في صحيح البخاري عن حذيفة وأبي ذر ، وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه قال: ( باسمك اللهم أموت وأحيا )، أموت: أنام، فسماه موتاً، وإذا استيقظ قال: ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ).

    فإذاً لو زيد هذا الدليل الرابع على الأدلة الثلاثة لكان الكلام أتم وأسد، فالأدلة على البعث التي كثر ذكرها في القرآن: قياس الإعادة على البدء، قياس إعادة الأموات على إحياء الأرض بالنبات، قياس إعادة الأموات على خلق الأرض والسموات، والدليل الرابع: قياس الإعادة على استيقاظ الناس بعد نومهم آية عظيمة يرونها ويشاهدونها في جميع حالاتهم وفي أيامهم ولياليهم.

    اشتمال النوم على التبشير والتحذير

    والأمر الرابع من جملة حكمه وفوائده: أن فيه تبشير وفيه تحذير، فالإنسان عندما ينام يرى ما يبشره أو ما يحذره فيعتبر بذلك، إن كان عنده قلب، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لم يبق من النبوة إلا المبشرات )، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ( الرؤيا الصالحة يراها المسلم )، يرى رؤيا صالحة تبشره وتدله على خير، مما لا تحتاج إلى تأويل والأمر فيها ظاهر، أو تحتاج إلى تأويل وضرب له مثال في النوم ليعتبر به في اليقظة.

    فإذاً هذا من جملة المبشرات التي يحصلها الإنسان عن طريق النوم، وفي موطأ الإمام مالك بسند صحيح عن عروة بن الزبير ، وهو من أئمة التابعين، قال في تفسير قول الله جل وعلا في سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64] قال: البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له، والرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى الإنسان ما يسره يستبشر، وإذا رأى غير ذلك فيعلم أن في نفسه عكراً وكدراً فينبغي أن يصحح حاله في اليقظة، والإنسان لا يرى في نومه إلا ما يناسب حاله في اليقظة.

    عباد الله! إذا كان الإنسان يفكر في الخير فنام فإنه يرى هذا، وإذا كان يفكر في غير ذلك فنام فإنه يرى ذلك، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال- وانتبهوا لهذا الأمر فهو من الأمور المهمة خاصةً في هذا الوقت- قال عليه صلوات الله وسلامه: ( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب )، سبحان الله العظيم! فلا يمكن إذاً أن يحصل فيها كذب أبداً، وإذا كان صادق الإيمان ورأى شيئاً في نومه فسيحصل هذا في يقظته، وإذا تخلَّفت فليعلم أن إيمانه ليس في المستوى المقبول عند الرب سبحانه وتعالى، ( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، والرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة )، والمراد من اقتراب الزمان ظهور الفساد وانتشار الفتن، وتحصل هذه الرؤيا -كما قال الحافظ ابن حجر ، وهو أقوى الأقوال في ذلك- من باب التأنيس له، ومن باب تجديد العلم الذي كان يجدد عن طريق أنبيائه، فلا نبي بعد نبينا عليه صلوات الله وسلامه، فالإنسان في آخر الزمان ينبغي له أن يثبت، وأن ما عنده من العلم صحيح فيبشر بهذا في الرؤيا، ويثبته الله جل وعلا بذلك فتحصل الرؤيا إيناساً وتثبيتاً له، فهي بمثابة نبي بعث ليقرر له ما كان في الشرع.

    ومن حمل هذا الحديث على عهد عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقد أبعد، إنما هذا خلال ظهور الفتن وانتشار المفاسد، يرى الإنسان في الرؤيا ما يثبته في دينه ليكون إيناساً له بمثابة نبي يشد عزمه في اليقظة، وقد أكثر العلماء الكلام على هذه النقطة، وفي كيفية كون الرؤيا الصالحة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وأبرز ما قيل في ذلك قولان: القول الأول وهو أسلم: عدم الخوض في تحديد أجزاء النبوة، وأن نفوض العلم بحقيقة ذلك إلى القائل، فآمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، فإذاً هذا لا نبحث فيه، وهذا كالأعداد الكثيرة التي حددها الشارع ولا نقف على حقيقتها، ولا على بيان الحكمة منها، وهنا كيفية أجزاء النبوة لا نخوض فيها.

    والأمر الثاني: وإن وجه إليه ما وجه فهو مقبول أيضاً، وحاصله أن النبي عليه الصلاة والسلام أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصالحة من النوم، وفي الصحيح والحديث في صحيح البخاري: (كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)، كما ثبت هذا عن أمنا عائشة رضي الله عنها، واستمرت الرؤيا الصادقة به ستة عشر شهراً، ثم بعد ذلك جاءه جبريل بعد ذلك بالوحي في غار حراء.

    وقد بوب البخاري باباً عظيماً فقال: باب فضل قيام الليل، ثم روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت شاباً أنام في المسجد وكان الصحابة إذا رأوا رؤيا عرضوها على النبي عليه الصلاة والسلام وكنت أحب أن أرى رؤيا، فرأيت في ليلة من الليالي رؤيا- وانتبهوا للتحذير الذي وقع لـعبد الله بن عمر وانتفع رضي الله عنه بهذه الرؤيا- يقول: فجاءني ملكان فأخذاني وطارا بي، في الرؤيا، حتى أشرفنا على جهنم وإذا هي مطوية، أي: مبنية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وهما العمودان اللذان توضع عليهما الخشبة في الوسط، ويركب عليها بعد ذلك البكرة والدلو والحبل وما شاكل هذا، وإذا عليها قرنان وفيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فاستقبلنا ملك آخر، غير الملكين اللذان أخذاني وسارا بي، فقال لي: لم ترع، لم ترع، ليس عليك خوف ولا بأس، فاستيقظت فاستحييت أن أعرض الرؤيا على النبي عليه الصلاة والسلام، وخفت مما فيها، فعرضتها على حفصة أختي أم المؤمنين رضي الله عنها لتعرضها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل )، فيها تحذير، ولو لم يكن صالحاً لكان في النار من جملة من رآهم في النار، ولكن أيضاً حصل له فزع وتخويف وترويع؛ لأنه ما كان يناجي رب العالمين عندما ينام الناس.

    التقاء الأرواح في النوم

    إذا نام الإنسان التقى بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهنيئاً للنائم إذا حصل له ذلك، وفي سنن الدارمي عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، قال: قلّ ليلةٌ تأتي إلا وأنا أرى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ثابت : وأنس يقول ذلك وعيناه تذرفان، يحصل للمؤمن تبشير وتحذير في الرؤيا عن طريق النوم، وإذا لم يحصل للإنسان هذا فليبك على نفسه، وليعلم أن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم فيها ما فيها.

    يوجد في الليل فوائد كثيرة لا توجد في النهار، تشير هذه النعم إلى كذب المانوية بأنه لا يوجد من الليل إلا شرور وبلاء.

    وكم لظلام الليل عندي من يدٍ تخبر أن المانوية تكذب

    هذا كله يحصله الإنسان في الرؤيا، ولا يأتي له في اليقظة، فإذاً يحصل للإنسان في نومه تبشير، ويحصل له تحذير، كالتحذير من بعض الخبائث والمضار، وعندما كنت في السنة الرابعة في الكلية، وكان المطلوب منا تقديم بحث، فكتبت بحثاً في المسكرات والمخدرات، واستعرضت موضوع الدخان وخلصت بعد ذلك إلى أنه محرم، ولا ينبغي أن يرتاب في ذلك إنسان، وأنه مضر ومن باب البلاء، وعليه ننصحك يا أخي بالامتناع عنها؛ لأنها ضارة.

    سبحان الله العظيم! لقد وصلنا إلى حيل ما وصل إليها اليهود، نبيع المحرم ونقول: ننصحك أخي بالامتناع عنه لأنه ضار، فلم تبيعه إذاً يا مجرم؟ ننصحك أنت بالامتناع عن بيعه لأنه ضار.

    وعلى كل حال عندما أردت أن أقدم البحث حددت الكلية عدداً من الأساتذة، وكما هو الحال في أساتذة هذا الزمان إلا ما رحم ربك ونسأل الله العافية، الكل مبتلى بما هو مبتلى به، ومسألة شرب الدخان عند الناس طبيعية، وقد اكتشفت أن كثيراً من المشرفين على مثل هذا البحث مبتلون بشرب الدخان نسأل الله السلامة، والحمد لله رب العالمين.