إسلام ويب

آداب الزيارة في الله [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يشرع لمن زار أحداً من إخوانه: أن يتخير أنسب الأوقات للزيارة، فلا يزوره في الأوقات التي اعتاد الناس على الانشغال فيها أو النوم أو غيره، كما يشرع له ألا تطول زيارته، فيقتصر فيها على ما يقضي به حاجته، وإذا تكلم اختار موضوعاً محدداً، واجتنب الجدال والغيبة والنميمة.

    1.   

    آداب الزيارة العامة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! الأدب الثاني: ينبغي للإنسان إذا زار أخاه في الله أن يتأدب بأدب عام في زيارته، وهذا الأدب العام يدور على ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: من ناحية وقت الزيارة، ومن ناحية الجلوس في الزيارة، وزمن الزيارة.

    والأمر الثاني: من ناحية الكلام والحديث الذي في الزيارة. أذن لك ودخلت فينبغي أن تتحين وقتاً مناسباً فنتكلم عليه، ثم بعد ذلك تجلس جلوساً مناسباً.

    الأمر الثالث: الحديث يكون أيضاً في أمر مناسب ينفع أن نتكلم عليه إن شاء الله، وبذلك تكون آداب الزيارة عشرة.

    الأدب الأول: اختيار وقت الزيارة

    أما الأمر الأول وهو: وقت الزيارة، فيجب عليك وجوباً أن تزور أخاك في الله في وقت ليس فيه إضجار عليه، ولا فيه ما يزعجه، فلا يجوز أن تزوره بعد العشاء، فهذا وقت نوم، فيه إضجار، ستمنعه من نومه، وستؤذيه في عبادة ربه، فاتق الله في نفسك.

    ولا يجوز أن تزوره بعد صلاة الجمعة، ولا بعد صلاة الظهر، فهو في وقت غداء مع أهله وعياله، فلا تتسبب في إزعاجه، والتفريق بينه وبين أهله وأولاده. لا داعي لهذا، الزيارة مناسبة إن تيسر بعد العصر.. بين المغرب والعشاء كما سنتكلم في وقت الزيارة، لابد من تحديده، ولا يكون فيه إضجار على من تزور.

    وهذا الأدب الرفيع أشار إليه ربنا جل وعلا الذي أدبنا بهذا الشرع المحكم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53].

    لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب:53]، وهذه متى؟ في وقت ليس فيه إضجار إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ [الأحزاب:53]، أي: منتظرين نضجه وتجهيزه، فلا تتحين وقت غدائه في البيت فتزوره فيه، فهذه هي الثقالة بعينها، وإذا دخلت وصار دخولك وقت طعام صاحب البيت فوضع الطعام فلا يجوز أن تأكل إلا إن أذن، فإن أذن أكلت، وإن لم يأذن فيحرم عليك أن تأكل لقمة، وإذا أكلت حكمك حكم السارق المغتصب، وإذا أذن حباً وإكراماً فكل. هذا إذا دخلت من غير قصد لوقت طعامه، وأما أن تقصد فهذا حرام في القرآن.

    فالنبي عليه صلوات الله وسلامه يستحي لكن الله لا يستحيي من الحق، وحسبك من التقى أن الله لم يحقرهم، فأنزل فيهم آية: إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53]. أي: اذهبوا.

    قال الإمام أبو بكر بن العربي : وهذا أدب كبير. وفي أحكام القرآن للإمام القرطبي ، قال: يحرم على الضيف أن يجلس في البيت عدى الغرض الذي دعي من أجله. أي: دعيت لطعام فإذا أكلت تقوم عليك وتنصرف، يقول الإمام القرطبي : وذلك لأنه لا بيت الغير بغير إذنه حرام. فإذا خلت أنه أذن لك؛ فإن قدر هذه فليقدر الأمر بقدر، لتجلس بالإذن لك، دعاك إلى طعام فتجلس لهذا الطعام، إِذَا طَعِمْتُمْ ، انتبه! فَانْتَشِرُوا الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب بصيغة الأمر. أي: لا يحل لك أن تجلس وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب:53]، لا داعي لقيل وقال إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ [الأحزاب:53]. إذاً: كل واحد منا سيستحي أن يقول: اخرج من بيتي فقد آذيتني، ليس في إمكان الإنسان أن يقول هذا، لكن الله يعلم ما في القلوب فهو علام الغيوب: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53].

    وثبت عن إسماعيل بن حكيم وحماد بن زيد رضي الله عنهم أجمعين، أنهم قالوا: هذه الآية أنزلت في السؤال.

    وكذا إذا أكل سواء دعي أو لم يدع لا يجلس ليستأنس كل واحد براحته هذا حرام إلا إذا أذن لك صاحب البيت والوليمة محبته ذلك فلا حرج، أما أن لا يأذن، وكل واحد يترخص لنفسه ويقول: ما بيننا كلفة، وهذه من المصانعة فهو واهم، وما للكلفة وهذا بيت، ليس بيتك، هذا بيت فيه أهل لهم حاجات، ثم قفوا عند حدود الشرع ولم تتجاوزها؟ إِذَا طَعِمْتُمْ هذا كلام الله يقولها لصحابة نبيه صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا بيت خير خلق الله فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي [الأحزاب:53] منْ؟ من هو بنا رءوف رحيم، فكيف نحن لا نتأدب.

    إذاً: وهو بنا رءوف رحيم ولكنه يتأذى منها، فكيف نحن الذين لا نعرف رحمة؟! وما رحمة الواحد منكم بصاحبه وجليسه مقابل رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بأمته، ومع ذلك يتأذى عليه الصلاة والسلام الذي نعته الله بأنه رءوف رحيم، تأذى بهذا الفعل، فلم لا يتأذى منه غيره صلى الله عليه وسلم؟

    هذا كلام الله الذي يعلم من خلق ويعلم خفايا القلوب: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    ثبت في صحيح البخاري في عدة مواضع منها كتاب: هل يزور صاحبه صباح مساء وغدو وعشية؟

    ثم نقل الإمام البخاري الحديث بسنده عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( ما أعقل أبوي وإلا وهما يدينان بهذا الدين ) أي: هما على الإسلام رضي الله عنها وأرضاها؛ لأنها عندما تزوجت رضي الله عنها وأرضاها كان عمرها سبع سنين. إذاً ولدت بعد بعثته عليه الصلاة والسلام بخمس سنين، وأبو بكر كان مسلماً ومن السابقين، لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان.

    نقول: ( وما من يوم كان يمر ليلاً إلا ويزورنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم صباحاً ومساء ).

    في الغداة والعشي، يزور النبي عليه الصلاة والسلام صاحبه أبي بكر في اليوم صباحاً وعشاء، مرتين في الغداة العشي.

    تقول: ( فبينا نحن عند القائلة في نحر الظهيرة -أي: في وقت القائلة وقت الظهر- قال قائل: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يستأذن -أي: على أبي بكر - فقال أبا بكر : والله ما جاء هذا الوقت إلا لأمر ) أي: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما جاء في هذا الوقت إلا لأمر، جاء لأمر طارئ ( فلما دخل النبي عليه الصلاة والسلام قال لـأبي بكر: أخرج من حولك. فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما هم أهلك )، أما هذه فهي معقودتك، معقود عليها العقد وكتبت لك منذ ست سنين، وهي زوجتك أنت، وهذه أختها أسماء وأنت أخي في الله، لا يوجد إلا أهلي، وكان في المجلس عشرة. فقال: ما الذي حصل؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( قد أذن لي بالهجرة -أي: أذن لي أن أهاجر إلى المدينة- فقال أبي بكر رضي الله عنه: أرغب أن أكون معك. فقال: نعم ).

    في رواية لـابن إسحاق : ( فبكى أبو بكر رضي الله عنه فرحاً، قالت أمنا عائشة : فما علمت أحداً يبكي من الفرح إلا تلك ).

    أبو بكر يبكي لأنه وافق له النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون صاحبه في الغار.

    الشاهد إخوتي الكرام أنه كان يزوره صباحاً ومساءاً، في الغداة والعشي، فلما جاء في الظهيرة قال: ما جاء إلا لأمر.

    إخوتي الكرام! زيارة نبينا عليه الصلاة والسلام لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في اليوم مرتين دليل ينبغي أن نقفه: أولاً: أكثر النبي صلى الله عليه وسلم زيارته له، ثم كان يحب أن يزور أبا بكر إجلالاً له. وزيارة النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر لمصلحة شرعية أيضاً، ولو جاء أبي بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقد يترتب على هذا ضرر وإيذاء من قبل المشركين، فكانت زيارة نبينا عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر أيسر الأمر.

    ويضاف إلى هذا أن بيت أبي بكر رضي الله عنه كان بين المسجد وبين بيت النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه، فهو يزوره في الذهاب والإياب إلى المسجد الحرام ليتعبد ويطوف فيمر على صاحبه، عندما يخرج يمر على صاحبه.

    وقد أجاب الحافظ ابن حجر وقال: لا مانع من تكرار الزيارة إذا كانت زيارة للمحب فيزداد الود محبة للزيارة ولا يمل. ومن يمل من زيارة النبي عليه الصلاة والسلام؟ فـأبو بكر يزوره النبي عليه الصلاة والسلام فيحصل بهذا أعظم مفخرة على وجه الأرض. والله الذي لا إله إلا هو لو قيل لواحد منا: يزورك النبي عليه الصلاة والسلام لطار فرحاً، ولو قيل لنا تخرج من مالك، وترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظةً أو مناماً لدفعنا ذلك الثمن وهو قليل عندي، في الرؤيا كيف لو كان في اليقظة، هذا الجواب الذي أجاب عنه الحافظ ابن حجر وقدر لي جواب ثانٍ والعلم عند الله:

    أقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام مع أمته كحال الأب مع ولده، والله جل وعلا ذكر لنا البيوت التي يجوز أن نأكل بدون استئذان أصحابها، فقال: ليس عليكم جناح أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ [النور:61].. الآية ولم يذكر بيوت الأولاد، لأن الولد بيته بيت لوالده، فالوالد يدخل بيت الولد ويأكل مما تأكل وبدون استئذان الولد، والنبي عليه الصلاة والسلام منزلته مع أمته منزلة الوالد مع الأولاد، فعندما يأتي لزيارة أبي بكر وهذا بيته عليه صلوات الله وسلامه، فما حصل هناك زيارة يعد لها ترتيبات خاصة، بين أخ وأخ، وصديق وصديق، لا، إما والد لولده، فلذلك الأمر يصير والوالد الولد في اليوم أكثر من مرة لا يقال: أكثرت الزيارة، بيته، ولذلك ما ذكر الله الأبناء بتلك التي رخص التي له أن يأكل من بعض البيوت، لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [النور:61]، فما ذكر بيوت أبنائكم، لأن بيت الابن هو بيت للأب، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يدخل نبينا عليه صلوات الله وسلامه وهكذا بيوت سائر أفراد أمته إلا في بيته صلوات الله وسلامه، وكلام هذا في منتهى الوضوح في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، في كل شيء، المحبة والنصح وكل ما يحتاج، فلو قدر أنك تحتاج شيئاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يحتاجه فـ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6].

    إخوتي الكرام! هذه أورده الإمام البخاري عليه رحمة الله في رده في تضعيف حديث ( زر غباً )، فـالبخاري عليه رحمة الله ترجم لهذا عندما يقول: ليزور صاحبه صباحاً ومساءً، في الغداة والعشي، يشير إلى تضعيف حديث مشهور بين الناس وهو حديث: ( زر غبّاً تزدد حباً )، والحديث رواه أبو نعيم ورواه الدارقطني في شعب الإيمان عن عدد من الصحابة.

    قال البزار عليه رحمة الله: لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه طريق صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والذي نص عليه كلام الإمام السخاوي في مقاصد الحسنة أن الحديث بمجموع طرقه يرقى إلى درجة الحسن، وقال: والإمام ابن حجر في كتاب أسماه: (الإنارة) جمع طرق الحديث، وبين أن كل حديث منها على انفراده ضعيف، لكن الحديث بمجموع الطرق يتقوى ويصل إلى درجة الحسن.

    ثم إن هذا الحديث الذي يشتهر بين الناس أشار البخاري بهذا الحديث إلى رده، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يزور صاحبه صباحاً ومساءً وغداة وعشياً، أشار إلى رد الحديث والتعارض معه. قال به ابن حجر : فلا تعارض فيه. كما هو الحال في النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر ، وكما هو الحال في الوالد مع أولاده، والنبي عليه الصلاة والسلام مع أمته كالأب مع أولاده، أما من لم يكن بهذه المرتبة ف ( زر غباً تزدد حباً )، والحديث وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام ومجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن.

    عباد الله! فلابد من التأدب بهذا الأدب، مراعاة الوقت، والله جل وعلا أدب الصحابة رضوان الله عليهم في العصر الأول عندما أكثروا من الزيارة، وأنزل آية تتحدث بهذا الأمر، قال جل وعلا في سورة المجادلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة:12-13].

    ثبت عن ابن عباس أن الصحابة الكرام عندما أكثروا زيارة النبي عليه الصلاة والسلام وأثقلوا عليه وشقوا، أنزل الله الآيات يخفف من زيارتهم، قال: إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة:12]، كل من يريد أن يتحدث مع النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الخاص.. الحديث سري يجب عليه أن يدفع صدقة بين ذلك، ليخفف كلٌ من زيارته، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة:12]، وأن هذا فضلاً لهم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة:12].

    والذي حصل أن كثيراً من الصحابة الفقراء ما عندهم أن يتصدقوا، وبعض الأغنياء ممن يملكون علموا أن المراد من هذه الآية التخفيف عن النبي عليه الصلاة والسلام فما تصدقوا من أجل مناجاته ليخففوا عنه؛ فالزيارة فيها مشقة عليه، وبقي بعد ذلك من كان يريد مباهاة أمام الناس. وهناك من لو كلفته الزيارة شيئاً ما زار، وهناك أيضاً في العصر النبوي أناس ممن هذه شاكلته، لما نزلت هذه الآية منعوا الزيارة.

    والمقصود التخفيف على النبي عليه الصلاة والسلام، فأخذوا يمتنعون عن الزيارة، والفقراء ما عندهم هذه الصدقات: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [المجادلة:13] وثبت أن هذا ما عمل بها إلا صحابيان اثنان ثم نسخت قال قتادة : ما بقيت إلا ساعة من نهار. وفي رواية قال: بقيت عشرة أيام ثم نسخها ربنا الرحمن.

    الصحابي الأول الذي عمل بها هو علي رضي الله عنه كما ثبت في المستدرك عن علي رضي الله عنه، قال: آية من كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولم يعمل بها أحد بعدي: إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة:12]، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فصرت كلما ناجيت النبي عليه الصلاة والسلام تصدقت بدرهم.

    وثبت في سنن الترمذي عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية لما نزلت استشار النبي صلى الله عليه وسلم علياً فقال: ( ما ترى أن تكون مقدار الصدقة؟ ديناراً، قال: فقلت: كثير يا رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: نصفها، قلت: كثير يا رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: كم؟ قلت: شعيرة -أي: وزن الشعيرة من الذهب- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إنك لزهدت )، يعني: تبخس الشيء.

    والصحابي الثاني الذي عمل بهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهذا ثابت في سنن الطبراني الكبير، لكن في سند الحديث سلمة بن الفضل الأبرش ، حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه صدوق، وآية لم يخطئ، وهو من رجال الترمذي وأبي داود ، وقد حسن الترمذي حديثه عليه رحمة الله، هذه فيه إشارة درجة القبول.

    فلابد من مراعاة الحال عند الزيارة، قد ذكر الإمام الألوسي في روح المعاني عن القاسم بن سلام عليه رحمة الله أنه قال: ما استدنت من شيخ من شيوخي قط إجلالاً له واحتراماً له. فكما ترون هذه الآية لا يكثر من مناجاة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن لا نلح عليه الزيارات الخاصة، وهذا ما أوصي نفسي به، وكان أبو عبيد القاسم بن سلام رحمة الله عنه يقول: إن الله لا يستحيي من الحق.

    الذي كان يقول سفيان بن عيينة عنه: إن الله لا يستحيي من الحق، أبو عبيد أعلم مني ومن الشافعي ومن أحمد، أبو عبيد ما طرق باب شيخ له قط. هذا هو القاسم بن سلام عليه رحمة الله.

    وهذا الأدب ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح أقره عليه الذهبي في الجزء الثالث صفحة ثمان وثلاثين وخمسمائة، والحديث رواه الطبراني وقال الهيثمي في مجمعه: رجاله رجال الصحيح، ورواه ابن سعد في الطبقات والإمام الفسوي في كتاب المعرفة والتاريخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قلت لرجل: إن هذا العلم يوجد في هذا الحي من الأنصار، فينبغي أن نتلقى عنهم العلم، فقال له صاحبه: ويحك يا ابن عباس أتظن أنه سيأتي يوم يحتاج الناس إليك وفي الصحابة من فيهم من المهاجرين والأنصار، وأنت ستزاحمهم يحتاج الناس إليك، وكان عمر ابن عباس عندما قبض النبي عليه الصلاة والسلام أربع عشرة سنة ناهز الاحتلام، يقول: فتركت صاحبي ثم بدأت أتتبع العلم من الأنصار، فإذا بلغني حديث عن أنصاري ذهبت إلى بيته، فإذا كان قائلة -نائم القيلولة- جلست على بابه فلم أطرق عليه ولم أستأذن، والريح تسفي عليّ التراب وأنا جالس أنتظر خروج هذا الأنصاري، فإذا خرج قال: سبحان الله! غفر الله لك يا ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام ألا دعوتني؟! نحن إجلالاً للنبي عليه الصلاة والسلام نأتي إلى بيتك، فيقول: لا. العلم يؤتى.

    وابن عباس ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام إذا ذهب لبيت شيخ له أنصاري لا يطرق الباب، يجلس على الباب، والريح تسفي التراب عليه حتى يخرج ذاك الرجل، فإذا خرج تلقى الحديث منه، سبحان الله! على هذا الأدب. يقول الإمام الألوسي عليه رحمة الله: وهذه القصة -أي: قصة ابن عباس رضي الله عنهما- بلغتني وأنا صغير، فتأدبت بها مع شيوخي فنفعني الله بها.

    وأنا العبد الفقير أقول لكم وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا جميعاً: ذهبت مرتين يعلم رب الكونين لزيارة شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله في المدينة المنورة، فوقفت أمام بيته ما يزيد على خمس دقائق وأنا أتجول أمام الناس، هل أطرق الباب أم لا؟ ثم قلت: مثلي لا يجوز أن يدخل بيت الشيخ، ووالله الذي لا إله إلا هو ما دخلت بيته، إنما كنت أراه في الحرم، وأقبل يديه، وأراه في الجامعة الإسلامية وأقبل يديه، وكان شيخنا الشيخ محمد المختار الشنقيطي عليه رحمة الله يدرسنا مادة الفقه، والله ما طرقت بيته ولا ذهبت بنفسي، إنما كنت أحضر درسه أيضاً في مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام، كان يدرس بين المغرب والعشاء في موطأ مالك بن أنس عليهم رحمة الله، فكان يدعوني مراراً فكنت أتعلل وأتعذر، ثم بعد أن جئت مدرساً لهذه البلاد عندما أذهب إلى المدينة أحضر درسه، فمن باب ملاطفته لي يسألني أحياناً في الدرس والله أكاد أن أذوب من الحياء كما يذوب الثلج إذا وضع في الشمس، عندما يسألني أمام الناس، ثم يلح عليّ بعد ذلك في الذهاب إلى بيته، فأذهب وما أعرف كيف أمشي عندما أذهب وعندما أدخل بيت الشيخ، ووالله أحياناً كان يطعمني بيده فيضعها في فيّ ملاطفة لي، فإذا انتهى الطعام أقوم وكأنني جالس على جمر، وإنما ذلك إشفاقاً على حال شيخي الذي له مصالح ينبغي أن يقوم بها، ونذر نفسه من أجلها.

    ولما ذهبت إلى حماة حضرت إلى مجلس الشيخ صالح محمد الأمين الحامد عليه رحمات الله، وكان الوقت وقت رمضان، فكان يدرس بعد العصر إلى قبيل المغرب، فلما رأى على وجهي سيما صلاح طلبة العلم قطع الدرس وقال لي: من أين الشيخ؟ وأنا صغير لعلي ناهزت الاحتلام في تلك الأيام. قلت: من حلب. قال: تفطر عندنا إن شاء الله، ثم مضى في درسه، فلما انتهى في الموعد قلت: مثلي يذهب لبيت الشيخ، فذهبت بخفية إلى حجرتي، فأرسل من أخذني من الحجرة وقال: أنا والدك، ولا تستحي مني، وهذا بيتك، وإذا لزمك حاجة وما أخبرتني فلا أجعلك في حلّ، وأسأل الله يرحمه وأن يرحم موتى المسلمين أجمعين.

    وأقول لكم والله على ما أقول شهيد: عندما أذهب لزيارة والدتي الكريمة في المدينة المنورة، إذا وصلت بين الظهر والعصر لا أطرق عليها الباب، إذا وصلت بين الظهر والعصر لا أطرق عليها الباب، هي تغدت ونائمة، في زيارتي أريد أن أزعجها وأنا ولدها، إذا رأتني تطير فرحاً، أذهب إلى المسجد وأجلس فيه حتى إذا صلى الناس العصر تيقنت أنها قامت للصلاة ذهبت إلى البيت فسلمت عليها، الأدب لابد منه، إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة:12].

    الأدب الثاني: المحافظة على الوقت في الزيارة وعدم التطويل

    الأمر الثاني: ينبغي إذا زرت أن تزور بمقدار الحاجة، وأن تراعي الوقت في الزيارة، وأن لا تجلس وقتاً زائداً على الحاجة التي جئت من أجلها، وهذا لابد من مراعاته، وقد كان أئمتنا يحرصون عليه غاية الحرص، فهذا الفضيل بن عياض شيخ المسلمين في زمنه، توفي سنة سبع وثمانين ومائة عليه رحمة الله، يقول: إني لأعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. من يوم الجمعة الآتية إلى الجمعة التي ستأتي بعد، كم كلمة تكلم بها. أتدرون من يقصد؟ يقصد بذلك نفسه عليه رحمة الله، لكنه لا يريد أن يخبر بذلك هضماً للنفس. يقول: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة.

    إذاً: قدر أنك زرت أخاً لك في الله فلا داعي للثرثرة والكلام، ولا مانع أن يجلس كل واحد وينظر إلى صاحبه ويذكر الله، ويفكر ويبكي ويتأوه، وإذا هناك نُصح حصل ثم انصرف، ولا داعي للثرثرة وكثرة الكلام والقيل والقال.

    عباد الله! والوقت هو أشرف ما يملكه الإنسان، وهو رأس مال المسلم في معاملته مع ذي الجلال والإكرام، وإذا كان البخلاء من أغنياء الدنيا يضنون بأموالهم فينبغي أن تضن بوقتك، فبهذا الوقت بإمكانك أن ترقى في عليين أو أن تنزل إلى أسفل السافلين، ولذلك ثبت في البخاري والترمذي وسنن ابن ماجه وسنن البيهقي والدارمي والحديث أورده الحافظ في المستدرك وتعقبه الذهبي وقلت: ذلك في البخاري. أي: فكيف تستدركه على الصحيحين وهو في البخاري ؟!

    والحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ، متسع الوقت ينبغي أن ننتفع به، وأنت في وقتك إما أن تكون مغبوناً، وإما أن تكون مغبوطاً.

    وتضييع الوقت من المقت

    لقاء الناس ليس يفيد شيئاً سوى الهذيان من قيل وقال

    فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ علمٍ أو إصلاح حال

    ولذلك قال عمر بن عبد قيس ومعروف الكرخي وأثر هذا عن عدد من أئمتنا، أنهم كانوا يقولون لمن يريد مجالستهم إذا أطال: يا هذا! إن ملك الشمس لا يفتر في سوقها، أي: الموكل في سوقها من المشرق إلى المغرب هكذا لا يفتر، والأيام تطول والأيام تزول وترحل عنا وأنت جالس.

    وجلس مرّة أناس إلى سفيان الثوري عليه رحمة الله، فلما أطالوا قال: أما تريدون أن تقوموا أما تريدوا أن تقوموا؟ إن ملك الشمس -أي: الموكل بها- لا يفتر عن سوقها.

    فإذا حصلت زيارة لتكن بمقدار، وهذا الوقت ينبغي أن يشغل بما يقربك إلى العزيز الغفار.

    وثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان والمستدرك، والحديث صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة )، إذا كان هذه الكلمة تغرس لك بها نخلة في الجنة فلا داعي لضياع الأوقات فيما يبعدك عن رب الأرض والسماوات.

    الأدب الثالث: اختيار الكلام المناسب وعدم الخوض فيما يزعج ويضجر

    الأمر الثالث: الذي ينبغي أن نحرص عليه في أدب الزيارة: أننا إذا حضرنا نتكلم بما ينفع، ولا داعي لإيذاء المزور وإضجاره بكلام يزعجه به، فإذا وجدنا خيراً تكلمنا فغنمنا وإلا سكتنا فسلمنا، والسكوت هذا من خلق الأبرار.

    إن كان يعجبك السكوت فإنه قد كان يعجب قبلك الأبرار

    ولئن ندمت على سكوتك مرة فلتندمنّ على الكلام مرارا

    إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا

    فإذا دخلت تكلم بعلم أو اسكت بحلم، ولا داعي للهذيان ولا للثرثرة.

    والمجالس التي تقام على المجادلة في هذا الوقت مجالس ضلال، لا ينتج عنها إلا أذىً ووبال، وقد ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل )، ثم قرأ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، الجدال لا داعي له، فأنت حضرت لتؤانس أخيك ولتؤنسه وتؤنس نفسك فلا داعي للوحشة ولا للجدال، وهذا الخلق صار فاشياً في هذا الوقت، بل وفاشياً من أوقات، جدال وقيل وقال، وأخذ ورد في المجالس، فيجتمعون لأجل التحابب على زعمهم، فتمتلئ القلوب من الضغائن.

    يذكر الإمام أبو سليمان الخطابي في كتابه العزلة عن الزجاج قال: كنا مع أستاذنا الإمام المبرد عليهم جميعاً رحمة الله، فجاءه رجل فقال: يا إمام! أسألك عن مسألة في النحو؟ فقال: لا، لا تسأل. يقول: فقال له: أخطأت. فقال: المبرد : وكيف أخطأت وأنا ما أجبتك لا بنعم ولا بلا، ما عرضت عليّ المسألة؟!

    يقول: فتعرض له أصحاب المبرد . أي: الزجاج ومن معه، تعرضوا لهذا الرجل وبدءوا يؤنبونه ويوبخونه ويلومونه كيف تقلل أدبك مع هذا الأستاذ؟ فقال: دعوه، هذا رجل يريد الخلاف، خرج من بيته ليسألني عن مسألة، فبأي شيء أجبته سيخالفني، فلما لم أجبه خرج ما في قلبه على لسانه. وهذا حال كثير من الناس، أي حكم تصدره سيقول لك: أخطأت. أوليس كذلك؟ وقال فلان. إذاً: إذا كان كذلك فلا نريد هذه المجالسات.

    زار مرّة بعض طلبة العلم والله لا يتقنون أحكام الطهارة، فضلاً عن غيرها، فجادل في بعض المسائل ثم قال لهم، وذاك يقنعهم بحكمة وروية وأدلة، قال له: تباً لك ولأمثالك فالطريق قد عرفناه.

    يا عبد الله! إذا عرفت الطريق من الذي دعاك لزيارة هذا ولمجادلته؟ هلا سلكته دون خصومة؟ إذا عرفت الطريق لم هذه الخصومة؟ لما هذه البذاءة؟ لما هذا الجفاء؟

    ولذلك إذا حضرت مجلس علم فيجب عليك أن تحضره بنية الاستفادة والعبادة والتعلم، وهذا الأمر قرره الإمام ابن حزم عليه رحمة الله في كتاب له عظيم سماه: (تهذيب النفوس), والكتاب صغير الحجم في قرابة مائة وعشرين صفحة.

    إذا حضرت مجلس علم ومجلس عالم فليكن غرضك العبادة والاستفادة، لا أنك تريد أن تعثر على زلة لتشنع بها، ولا غريبة لتشيعها، لا، بل عبادة واستفادة، ثم ليكن حالك لا يخرج عن ثلاثة أحوال لا رابع لها، هذا إذا جئت للعبادة والاستفادة، إما أن تسكت سكوت الجاهل فلا تتكلم بكلمة، فتحصل أجر نيتك، وتوصف بالوقار وعدم الفضول، ويكون أدعى للمحبة بينك وبين شيخك، وإما أن تجلس جلوس المتعلم فتسأل عم تجهل، أما السؤال عما تعلم فهذا من الفضول، وهو نقص في العقل وقلة في الدين، وضياع للوقت دون فائدة، ولذلك في هذا الوقت يأتيك طالب علم سأل عن مسألة مائة شيخ، ويأتي بعد ذلك ليسألك لم؟ تعني أنه سأل فلان وفلان ويريد أن يجادل هذا وذاك.

    يا عبد الله! إذا سألت فلم تضيع الوقت بما لا ينفع؟ ما عندك سؤال قل: لا إله إلا الله، وانتهى، تكسب بها حسنات، ولا داعي أن تضيع الوقت فيما لا ينفع، إنما هذه الحال.

    فإذا سألت عما تجهل، أما السؤال عما تعلم، وعندك علم تريد فقط أن تستخدم وتستكشف وتجادل، هذا من الفضول، ونقص في العقل وقلة في الدين، وإما أن تقف موقف العالم فيجوز أن تتكلم، يقول: بشرط أن تنقض دليل من كلمك نقضاً بيناً، بحيث تذكر حجة لا كلاماً تدور حوله، وهذه الحجة يسلم بها الشيخ، أما أن تذكر له دليلاً لا يسلم به فرجع الأمر للمجادلة.

    إذا كنت عالماً وحضرت مجلس علم وزل الشيخ، فلك أن تنصحه إذا كان الدليل هو يسلم به وثابت ومقبول، أما أن تذكر له شيئاً هو لا يعتبره دليلاً، وأما أنت فتراه دليلاً، فهذا الأمر سيجر إلى جدال وينبغي تركه.

    إذاً: إذا حضرت فحذار أن تتكلم فيما يؤذي المزور، وحذاري أن تنقل للمزور ما يقال عنه من غيبة فيه وفي زوجته وفي أهل بيته وأولاده، وتقول: الناس يتكلمون عليك. لأنه لن ينتفع بهذا وبهذا مضرة عليك، وهذا فعل الأراذل، وهذا ليس فعل المحبين، أن تنقل إلى محبوبك كلام الناس عليه لا يفعل هذا إلا الرديء السفيه، فإذا صدر كلام نحو محبوبك تدفع عنه في الغيبة وترد، أما أن تأتي وتقول: قيل عنك كذا وكذا فهذا صنيعة الأنذال وليس صنيعة الرجال؛ لأنك ستوغر قلبه بلا مصلحة تحصل له من ذلك، فحذاري حذاري أن تنقل للمزور ما يقال عنه؛ لأن في ذلك غمٌّ له دون حصول منفعة، وهذا فعل الأراذل فينبغي للإنسان أن يتنزه عن هذا.

    قال رجل للحسن البصري : يا أبا سعيد! يحضر بعض الناس مجلسك لأجل أن يتتبعوا سقطاتك ولأجل أن يعنتوك في السؤال، فتبسم الحسن البصري عليه رحمة الله وقال: يا هذا! والله إني حدثت نفسي بالجنان وبمجاورة الرحمن فطمعت في ذلك، وما حدثتها بالسلامة من ألسنة بني الإنسان.

    أسلم من ألسنة الناس؟ هذه ما حدثت نفسي بها.

    قال: لعلمي أن الله خلقهم ولم يسلم منهم فمن أنا؟!

    أنا أحدث نفسي بالجنان ومجاورة الرحمن، فنفسي تعمل هذا وترجوه وتتعلق به، ولكني ما حدثت نفسي في يوم من الأيام بأن أسلم من كلام الغوغاء والسفهاء، فمن أنا إذا تكلم على رب الأرض والسماء، فالله يخلق ويعبد غيره، يرزق ويشكر غيره سبحانه وتعالى.

    فهذا الأمر ينبغي أن نعيه، إياك أن تحدث المزور بما يتكلم عليه، فإذا حدثته فأنت الذي آذيته وليس ذلك السفيه، فاتركه في راحة قلبية ومراقبة لرب البرية، ولا داعي لإيذائه بما هو فضول لا ينتج منه فضيلة.

    عباد الله! وفي الختام ينبغي أن نحرص على هذه الآداب التي فرطنا فيها في هذه الأيام، وينبغي أن نعلق قلوبنا لربنا جل وعلا، وأشير إلى ما ذكرته في المحاضرة السابقة وأن الإنسان ينبغي أن يمقت الناس في جنب الله، ثم ينبغي أن يمقت نفسه أيضاً أعظم من مقته لغيره، وينبغي أن يعول على ربه جل وعلا، ونسأل الله جل وعلا أن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا، ونسأله أن يحسن ختامنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.