إسلام ويب

آداب الزيارة في الله [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من النعم التي امتن الله بها على الإنسان نعمة السكن، والذي إليه يأوي وفيه يستريح، وإذا فقد الإنسان هذه النعمة نغصت عليه حياته وأصيب بالشقاء والاضطراب، وقد جعل الله لهذه البيوت منزلة عظيمة وشرع لها آداباً لا ينبغي مجاوزتها، فينبغي أن يأمن أهل هذه البيوت؛ فلا يدخل عليهم فيها إلا بإذنهم، ولا يتجسس عليهم فيها، ولا يعتدى عليهم.

    1.   

    من الأسباب الداعية إلى الكلام عن آداب الزيارة في الله أن سكنى البيوت نعمة تستحق الشكر

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه في هذه الليلة المباركة بإذن ربنا الرحمن يدور حول آداب الزيارة في الله، وهذا الموضوع الجليل دعاني إلى الحديث عنه أمران أذكرهما، ثم أمهد للكلام على آداب الزيارة بلمحة موجزة من سرد بعض الآثار التي تحرضنا وتحثنا على الزيارة في الله، ثم أستعرض آداب الزيارة في الله وأجملها في أدبين:

    الأدب الأول: في كيفية الاستئذان، ويدخل تحته سبعة أمور.

    والأدب الثاني: في أدب عام ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في الزيارة عندما يزور أخاه في الله، وتحته ثلاثة أمور، وبذلك تكون آداب الزيارة عشرةٌ كاملة، نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة.

    إخوتي الكرام! أما الأسباب التي دعتني للكلام على هذا الموضوع فأبرزها سببان:

    السبب الأول: لنشكر الله جل وعلا على ما كرمنا به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، فهذه البيوت التي منّ الله بها علينا هي مما خص الله به بني آدم، يسكنون البيوت ويتملكونها، ولا يجوز لأحد أن يطلع عليهم فيها إلا بإذنهم، وهذا لا يكون لمخلوق من المخلوقات.

    قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، والحمد لله الذي كرمنا بالإسلام وهدانا للإيمان، ومنّ علينا بنبينا محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

    مكانة البيوت في الإسلام

    وسأتحدث عن مكانة البيوت في الإسلام لنرى البون الشاسع الواسع بين شريعة رب البرية وبين الأنظمة العفنة الوضعية، أما شريعة الله جل وعلا فحوت ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه في هذه الحياة ليسعد به، فحافظت على الضروريات وهي المسماة بدرء المفاسد؛ حافظت على أديان الناس، وعلى عقولهم، وعلى أعراضهم، وعلى أبدانهم، وعلى أموالهم وعلى نسائهم، كما حافظت على الحاجيات وهي المسماة بجلب المصالح، ففتحت أمامهم كل طريق يحصلون من ورائه منفعة ويتقربون به إلى ربهم جل وعلا، وفتحت أمامهم وشرعت لهم باب التحسينات، وهي الجري على مكارم الأخلاق، والمحافظة على البيوت وصيانة البيوت، وهذا مما يدخل في الأمر الأول في الضروريات.

    نعم لابد من المحافظة على البيوت وعلى من فيها، ولذلك ذكر ربنا جل وعلا هذا الأمر في سورة النور، وموضوع هذه السورة من أولها إلى آخرها يدور حول التربية الشرعية الربانية التي تشتد أحياناً لإصلاح العباد فتصل إلى درجة الجلد والضرب، وترق وتلطف أحياناً وتصل إلى درجة ربط شعور الإنسان بربه جل وعلا، وقد ذكر الله جل وعلا في هذه السورة منزلة البيوت، وأدبنا نحو هذه البيوت بأدب رفيع، وهو الحكم السادس في سورة النور، فذكر الله في أول السورة عقوبة الزناة، ونفرنا من الزنا، فقال جل وعلا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].. إلى آخر الآية الكريمة.

    وذكر بعد هذا حكماً ثانياً وهو التنفير من زواج الزانية، فقال جل وعلا: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، ثم ذكر حكماً ثالثاً في السورة الكريمة وهو حكم الرمي وحكم القذف بالزنا، فقال جل وعلا: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4].. إلى آخر الآيات الكريمات.

    ثم ذكر الله حكماً رابعاً وهو حكم رمي الزوجة وما يترتب على هذا من ملاعنة بينهما، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [النور:6].. إلى آخر الآيات الكريمات، ثم ذكر الله حكماً خامساً وهو حادثة الإفك المريرة التي تفطر قلوب طاهري السريرة في رمي أمنا عائشة رضي الله عنها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11].

    بعد سرد هذه الأحكام الخمسة بيّن الله لنا أحكام البيوت ومنزلتها، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [النور:27-29].

    وقد امتنّ الله جل وعلا على بني آدم بأن جعل لهم بيوتاً في هذه الأرض، فقال في سورة النعم وهي المسماة بسورة النحل، وثبت تسميتها بالاسم الأول في تفسير ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه: تسمى سورة النعم؛ لأن الله عدد في سورة النحل أصول النعم ومكملاتها. أي: ذكر في تلك السورة جميع النعم، ومما أنعم به على بني آدم وعلى بني الإنسان: البيوت، يقول ربنا جل وعلا في آية ثمانين فما بعدها: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:80-81]، أسلمنا لك يا رب العالمين، واعترفنا بنعمك علينا يا أرحم الراحمين.

    وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا [النحل:80]، هذه من النعم التي امتن الله بها علينا، نسكن في داخلها ونستريح، وهذه من النعم الضرورية، كما أن الزوجة من النعم الضرورية، وكما استراحة الإنسان ونومه في الليل من النعم الضرورية، يقول ربنا جل وعلا في سورة القصص: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص:73]، أي: في الليل، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:73]، أي: في النهار، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:73].

    وهكذا الزوجة أيضا كما قال الله جل وعلا في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]، يحصل لبني آدم سكن في البيوت، يحصل له سكن واستراحة وراحة في الليل، يحصل لبني آدم سكن في زوجاتهم ومع أزواجهم، كل هذا سكن، مما امتن الله به علينا، وهو من أعظم النعم الضرورية على بني آدم، وإذا لم يحصل بنو آدم نعمة السكن والبيوت فقد تنغصت حياتهم، وأصيبوا بالشقاء والقلق واضطراب النفس، ولذلك من الحاجات الضرورية للإنسان في هذه الحياة: أن يكون له سكن يسكن فيه ويستقر ويستريح.

    ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، فجاء رجل يسأله فقال له: يا أبا محمد ! ألسنا من فقراء المهاجرين؟ أي: الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم.. بخمسمائة سنة؟ فقال أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص : ألك مسكن تسكنه؟ فقال له: نعم. فقال له: ألك زوجة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. تمت نعمة الله عليك، السكن حصل لك من جميع الجهات، بيت تسكنه، وزوجة تأوي إليها، فحصلت لك الراحة النفسية، وهذا الليل يجنك بظلامه ويسترك فتحصل الراحة فيه.

    فقال له: أنت من الأغنياء، فقال الرجل: وعندي خادم يخدمني أيضاً -عبد مملوك- قال: سبحان الله! فأنت من الملوك. الآن لست من الأغنياء فقط بل أنت من الملوك، وتريد بهذه الأمور الثلاثة أن تكون من فقراء المهاجرين، وكان الرجل من بني إسرائيل يعتبر ملكاً إذا حصل هذه الأمور الثلاثة: سكن، وزوجة، وخادم، لذلك يقول الله لبني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا [المائدة:20]، أي: كل واحد عنده هذه الأمور الثلاثة، عنده زوجة يأوي إليها، وعنده مسكن يسكنه، وعنده خادمٌ يخدمه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20]، فانصرف الرجل.

    يقول أبو عبد الرحمن الحبلي : ثم جاء أناس إلى أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، فقالوا: يا أبا محمد! والله إنا لا نقدر على شيء، لا زاد ولا نفقة ولا متاع، وما عندنا شيء من متاع الدنيا، فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: ما شئتم؟ ماذا تريدون؟ سأخيركم بأمور ثلاثة: إن شئتم أتيتمونا بعد ذلك -أي: بعد هذا الوقت- فأعطيناكم مما أنعم الله به علينا، وإن شئتم رفعنا أمركم إلى السلطان ليعطكم ما تستحقون من النفقة، وإن شئتم صبرتم، وأحدثكم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل أغنيائها بأربعين خريفاً )، ولا تعارض في هذا مع دخولهم قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، فهذا على حسب شدة الفقر التي تكون في الإنسان، وعلى حسب تمسكه بشريعة الرحمن، فمن تم فقره وكمل تمسكه والتزامه يدخل قبل الأغنياء المتمسكين الملتزمين بخمسمائة عام، ومن كان دون ذلك فيدخل قبلهم بما هو أقل من ذلك كما في هذا الحديث: أربعين خريفاً، فقالوا: بل نصبر ولا نسأل أحداً شيئاً، أي: ما دام الأمر كذلك فالصبر أفضل وأحسن.

    إذاً: من الحاجات الضرورية لبني آدم أن يحصلوا سكناً يسكنون فيه، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذه الحقيقة في أحاديثه الكثيرة، ففي سنن الترمذي بسند حسن عن ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء )، جلف الخبز، أي: الخبز اليابس الذي ليس معه إدامٌ مطلقاً، يأكله مع الماء، ليس لابن آدم حق في سوى هذه الأمور الثلاثة، هذه أمور ضرورية لابد منها لبني آدم، إذا عنده بيت يسكنه حصل له سكن واطمئنان، وثوب ستر به عورته وحصل ما يسد به جوعته من جلف الخبز والماء، إذا حصل هذا فهو في نعمة عظيمة: ( ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء ).

    وهذه البيوت التي هي حاجةٌ ضرورية لبني آدم تتنوع، والناس يختلفون فيها، فقد تكون من البيوت العظيمة الفخيمة كما قال الله جل وعلا فيما امتن به على آهل اليمن في ذلك الزمن: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ [سبأ:15]، آية عظيمة، مساكن في منتهى الجمال، جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15]، وكثير من المترفين في هذا الحين لبيوتهم شأن تتميز به بيوتهم عن بيوت غيرهم من العالمين، ومن باب أولى عن بيوت المساكين، وقد أشار ربنا العظيم إلى هذا في سورة الأنبياء فقال جل وعلا: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [الأنبياء:11-13] سبحان الله! كما خص المساكن بالذكر، وترفهم ما كان يحصل إلا في المساكن، وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [الأنبياء:13]، هم الذين أترفوا في المساكن، وكانوا يعظمون فيها ويلهون، فلم خصت بالذكر؟ لأن أبرز ما يتميز به الغني عن الفقير المسكن، ولذلك قال الله في حق قارون : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [القصص:81]، هذه الدار العظيمة الفخيمة التي يتميز بها عن عباد الله خسف الله بها الأرض.

    إخوتي الكرام! وموضوع البيوت وما ينبغي أن تكون عليه في شريعة الإسلام من طراز وإحكام، أسأل الله أن يوسع لي وقتاً للكلام عليه في محاضرة تامة؛ لأن موضوع البيوت التي حصلت في هذه الأوقات بيوت غربية، ولو دخل الإنسان لبلاد المسلمين لما وجد بين بيوتهم وبيوت الكفار الملعونين أي فارق، لكن هذا البيت الذي يسكنه فيهم فيه محمد فقط، الاسم مختلف، لكن البيت هو هو، وقد قرر أئمتنا أن الإنسان إذا بنا بيتاً وجعل له طاقة نافذة إلى الشارع فهو ساقط المروءة ناقص العدالة ترد شهادته ولا تقبل روايته، لم؟ لأنه يمكن نساءه من النظر إلى الرجال في الشوارع، فماذا يقول أئمتنا في هذا الوقت من البيوت التي جعلت فيها البلكونات، ويجلس الديوث مع زوجته وبناته لينظروا للمارين والمارات، ماذا يقول أئمتنا؟ هذا لابد من الكلام عليه في محاضرة تامة، إنما أقول: البيت بوصفه بيتاً حاجة ٌضرورية للإنسان، فهذا من نعم الله عليك، ومما كرم الله به بني آدم على غيرهم من المخلوقات، وهذا من الحاجات الضرورية التي لا يحصل سكن الإنسان بدونها: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا [النحل:80]، تسكنون وتستريحون، وإذا لم يحصل هذا فلن يحصل السكن ولا الاستقرار.

    عباد الله! وهذه البيوت التي فيها سكن واستقرار لها في شريعة الله المطهرة منزلة عظيمة، فينبغي أن يأمن أهلها، ولذلك لا يجوز التجسس على من فيها، وما شاع في هذا الحين من وسائل التجسس التي أحدثها أعداء الله في هذا الحين بحيث يضع بجوار البيت أو قريباً منه أو في بعض الجدران شيئاً صغيراً قد لا يزيد على حبة العدسة، ثم يبتعد عن هذا البيت إلى مسافة عشرة كيلو أو أكثر فيسمع ما يجري في هذا البيت! لم؟ ليراقبوا أولياء الله لا ليراقبوا أعداء الله، فمحاربة الله يعلن بها في كل شارع وفي كل سوق وفي كل بقعة، إنما ماذا يفعل العالم العابد الزاهد الورع؟ طالب العلم ماذا يفعل؟ لعله يتكلم أحياناً يخالف في بيته شيئاً من الأنظمة الوضعية والمراسيم السلطانية، فيوضع جهاز صغير ثم يراقب على مسافة بعيدة، وهذا لا يجوز في شريعة الله المطهرة، ونحن نحكم على الظاهر والله يتولى السرائر، ولا يجوز لولي الأمر أن يبحث عما في البيوت فلها حصانة ومكانة.

    نعم إذا ظهر منها شيء نضرب الرأس إذا استوجب الرأس الضرب، ولذلك إذا سمع الغناء من بيت فلولي الأمر أن يدخل بغير استئذان؛ لأن إزالة المنكر واجب، أما أن ندخل على عباد الله بغير استئذان، وأن نتجسس عليهم، فهذا حرام حرام، هذه البيوت لها منزلة معتبرة في شريعة الله المطهرة، فلا يجوز لأحد أن يصغي بأذنيه إلى بيتك، ولا يجوز لأحد أن يمد عينيه إلى بيتك، وأنت في بيتك أميرٌ لا يجوز لأحد من خلق الله أن يدخل عليك إلا بإذنك، ولا يجوز أن يسمع صوتك في بيتك إلا بإذنك، ولذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة هذا الأمر وأشاد به ونبه الناس عليه، ولفت أنظارهم إليه، فناد بأعلى صوته: ( من دخل بيته فهو آمن )، والحديث ثابت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن )، والحديث رواه أبو داود والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن )، وفي رواية مسلم : ( ومن ألقى السلاح ) بدل ( ومن دخل المسجد )، والجمع بين الحديثين أن من حصل منه واحد من هذه الأمور الأربعة فهو آمن: إذا ألقى سلاحه، إذا دخل بيته، إذا دخل دار أبي سفيان ، إذا دخل بيت الله الحرام فهو آمن.

    عباد الله! وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الأمن في البيوت من النعم العظيمة، وإذا حصلها الناس فهم في خير عظيم، ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد وسنده صحيح، عن عبيد الله بن محصن ، ورواه ابن حبان عن أبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين، قال عبيد الله بن محصن ، وقال أبو الدرداء : سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أصبح منكم آمناً في سربه )، في سربه، أي: في نفسه وفي بيته، وضبط سَرَبه، أي: في ذهابه وطريقه، ولابد من الأمرين، فإذا حصل الأمن فالإنسان في بيته آمن، ثم إذا خرج فهو آمن لا يخرج إلى فزع ( من أصبح منكم آمناً في سربه )، في بدنه ونفسه، فهو في بيته ما يعتدي عليه أحد، في سربه، في طريقه وذهابه، ( من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ). الدنيا بأسرها عنده، بدنه ليس فيه علة، يأمن على نفسه في بيته وفي طريقه، وعنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا، الدنيا بأسرها اجتمعت عنده فليحمد الله على هذه النعمة العظيمة.

    الأمن نعمة عظيمة لا بد من توفرها وتحققها في البيوت.

    منع النبي صلى الله عليه وسلم الغائب من الدخول على أهله ليلاً بدون استئذان

    عباد الله! وليأمن من في البيت على حالهم وأنفسهم ووضعهم، حرم الله جل وعلا على صاحب البيت أن يدخل بيته إذا كان في سفر وطال سفره، حرم الله عليه أن يدخل بيته بعد العشاء إلا إذا أعلم أهله أنه سيأتي في ليلة كذا.

    سبحان الله! زوج غاب في سفر، وأهله لا يعلمون متى سيحضر لا يجوز له أن يطرق أهله بعد العشاء.. أي على زوجته وأولاده لم؟ أهل البيت لهم حصانة، وإن كنت صاحب البيت فلا تدخل هذا البيت بعد العشاء إلا إذا أخبرتهم وكان بينك وبينهم موعداً وإلا فلا يجوز لك الدخول لثلاثة أمور:

    الأمر الأول: ثابت في الصحيحين وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: ( كنا في غزاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قفلنا راجعين تعجلت على بعير لي قبوس -أي: بطيء المشي- فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني حديث عهد بعرس، والغزاة قد انتهت، فأريد أن أتعجل إلى أهلي وزوجي، فقال: ماذا تزوجت بكراً أم ثيباً؟ فقلت: ثيباً، فقال: بارك الله لك وعليك، هلاّ تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك؟ ثم يقول: نخس النبي صلى الله عليه وسلم بعيري فانطلق كأجود ما أنت راءٍ -بدأ يسرع- وقال: يا جابر! إذا قدمت المدينة فالكيس الكيس )، يقول أئمتنا: أي: اتصل بأهلك على حسب ما يقتضيه العقل النظيف طلباً للولد الذي يعبد الله ويوحده، ولذلك عندما دخل جابر على زوجه قال لها: ( أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أعمل كيت )، أي: عملاً يقره العقل ويحثنا الشرع عليه، ( فقالت: سمعاً وطاعة دونك، يقول: فبت معها حتى أصبحت، يقول جابر : ثم نادى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه: أمهلوا، أمهلوا! لا تطرقوا النساء طروقاً، حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة، لندخل عشاء ) أي: بين المغرب والعشاء، قوله: (أمهلوا! لا تطرقوا النساء طروقاً) الطروق هو الدخول على النساء بعد العشاء، وسمي بذلك لأن الإنسان إذا جاء في الليل يحتاج إلى طرق شديد للباب، ومنه الطريق سمي طريقاً لأنه يطرق بالأرجل مرةً بعد مرة، وقيل سمي الإتيان بعد العشاء طروقاً مأخوذاً من السكون، ومنه أطرق رأسه إذا سكن واعترته غفلة، فهو سيأتيهم في حال سكون وغفلة سيؤذيهم ويزعجهم، ويطرق عليهم الباب وينغص راحتهم. (لا تطرقوا النساء طروقاً ندخل عليهم في عشاء)، عشية بين المغرب والعشاء، نرسل منادياً ينادي في المدينة: أننا وصلنا (فتستحد المغيبة)، أي: تزيل شعر عانتها (وتمتشط الشعثة)، يعني: تسرح شعرها وتجمل هيئتها، فإذا طرقت على أهلك بعد العشاء لربما دخلت عليها ورأيت منها ما تكرهه نفسك مما هو حلال، من شعث الشعر، ولم تستحد لأن زوجها بعيد، وقد تنفر نفسك عنها فيحصل الطلاق بسبب ذلك، فإذا وصلت بعد العشاء فنم في مسجد في جوار البيت في مكان من الأمكنة ولا تطرق على أهلك؛ لئلا يحصل ما يؤدي إلى انفصام الحياة الزوجية وزوالها: (لا تطرقوا النساء طروقاً)، سبحان الله! زوجته لا يدخل عليها بعد العشاء؟ نعم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم علة ذلك كما تقدم.

    الأمر الثاني: لعل أهل البيت في أمر لا يحبه الله، والله أمرنا بالستر وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة:189]، و كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، وكل نفس بأعمالها مدينة، فقدر فرضاً أن زوجك في عمل حرام، لا يجوز أن تبحث عن ذلك، فإذا خفي هذا عنك فالله سيحاسبها، أما أن تأتي في وسط الليل لتتخونهم وتطلب عثرتهم فهذا لا يجوز.

    سبحان الله! زوجته إذا كان معها أحد في وسط الليل، وجاء من سفر لا يجوز أن يطرق الباب؟! نعم، هذا حكم الله، ولذلك إذا جاء الإنسان بعد العشاء إلى بيته من سفر دون إعلام، ووجد في بيته رجلاً يعاشر زوجته بالحرام فليعلم أن هذا بسبب مخالفته لشريعة ذي الجلال والإكرام، فلا يجوز أن تدخل البيت طروقاً، ولا أن تتخون الأهل، وهذا ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم وسند الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أيضاً، والحديث روي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يطرق أهله طروقاً؛ لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم )، وقد خالف هذا الحديث صحابيان كما في سنن النسائي وسنن الدارمي فطرق كل واحد منهما على أهله طروقاً فوجد كل واحد منهما مع زوجته ما يكرهون، وبوب عليهم الإمام الدارمي باباً في المقدمة فقال: (باب تعجيل عقوبة من بلغه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعظمه ولم يوقره).

    من بلغه حديث فما عظمه وما وقره فيصاب بهذه الآفة في أهل بيته، بيتك لا يجوز أن تطرقه طروقاً بعد العشاء، فهذا البيت له حصانة، ومن فيه لهم مكانة، إن أخبرتهم أنك ستأتي في ليلة كذا فبها ونعمت، أما أن تأتي في وسط الليل تطرق عليهم الباب فتزعجهم وتنغص راحتهم، ثم لعلهم في هفوة وزلة فلا تبحث عما خفي عنك.

    إخوتي الكرام! انتبهوا لهذا الأمر! تزوج بعض إخواننا الصالحين زوجة من قريب في هذه البلاد، ونفسه بعد ذلك نفرت من زوجته، لماذا يا عبد الله؟ قال: لما جلست أحقق معها ماذا كانت تعمل قبل زواجي تبين لي أنها كانت تصافح أولاد عمها، قلت: من المجرم أنت أم هي؟ أما تستحيي من الله؟ زوجة ارتبطت معها برباط شرعي عفا الله عما سلف، ثم تأتي وتقول: كانت تصافح أولاد عمها، ما دخلك في هذا؟! وهل أجاز لك الشرع أن تبحث عن هذه الأمور؟! فلما علمت بذلك نفر قلبك، وستقع الفرقة وما أعلم إن وقعت، ما أعلم، إنما كانت قائمة كما يقال: الحرب على قدم وساق، يقول: نفسي نفرت منها ولا أستطيع أن أنظر إليها، وقال لي: يعلم الله أتمنى أن أفتح البيت وأراها ميتة، مما حصل في قلبه من النفور.

    يا عبد الله! من الذي أذن لك أن تبحث عما خفي عنك؟ من الذي أذن لك؟ امرأة في ستر الله وأنت في ستر الله، كما أنه لا يجوز للمرأة أن تقول لزوجها: هل كنت وكنت وتعاشر وتفعل؟ كذلك لا يجوز للزوج أن يقول لزوجه ذلك، وكل واحد في ستر الله، ولا أقول: أننا نقر على دياثة وخيانة فمعاذ الله! إنما إن ظهر شيء أمام عينيك فتصرف بما يلزمك به ربك وتطلبه الشريعة منك، وإن لم يظهر فلا تبحث عما خفي، فالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور هو العزيز الغفور، ورحمته واسعة، والعباد يخطئون في الليل والنهار وهو يغفر الذنوب جميعاً، فنسأله أن يدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه إنه واسع الفضل والمغفرة.

    هذا الأمر الثاني: لا يجوز أن تدخل إلى بيتك لئلا تتخون أهلك، ولئلا تلتمس عثراتهم.

    أمر ثالث: لا يجوز أن تدخل إلى بيتك طروقاً بعد العشاء إذا لم تعلمهم؛ خشية أن تقع في محظور والأهل ليسوا في أمر فيه مخالفة للشريعة المطهرة، وقد ثبت هذا مع عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ففي كتاب مستخرج أبي عوانة والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه: أنه جاء من سفر فطرق على أهله طروقاً، فوجد مع امرأته من يمشطها ويسرح شعرها في وسط الليل، فهوى بالرمح إليها ليضربها فقالت: إليك عني إنها جارتي، وظن عبد الله بن رواحة أنها رجل غريب مع زوجه، فأراد أن يضرب زوجته، قالت: إليك عني إنها جارتي، هي معي في هذه الليلة تؤانسني وتمشط شعري، ثم تضع لي الحناء وأنا أفعل معها هذا، ما الذي حصل؟ فذهب وذكر هذا للنبي صلى الله عليه وسلم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله طروقاً لهذه الأمور الثلاثة، ولذلك ثبت في المسند وصحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله طروقاً )، لا يدخل إلا غدوة في أول النهار، أو عشية بين المغرب والعشاء بعد إعلان، أما بعد العشاء فلا.

    منزلة البيت في القوانين الوضعية

    هذه منزلة البيوت في الإسلام، وانظروا لمنزلة البيوت في القوانين الوضعية في هذه الأيام، اقتحمت رجالات الخيانة والغدر في بعض البلاد التي أبت أن تنتسب إلى الإسلام، إنما سمت نفسها بالدول الغوية الدول العربية، اقتحمت رجالات الخيانة والغدر بيت عبدٍ من عباد الله الصالحين قبيل الفجر، وهذه عادة المجرمين في البلاد الغوية لا يأتون لطلب الصالحين إلا قبيل الفجر، قبيل الفجر بساعة، لأنهم يعلمون أنهم يتهجدون في ذلك البيت، ويعلمون أن السلطات النائمة، فلذلك هم في مأمن، ولذلك تباغتهم في هذا الوقت، في الوقت الذي يناجون فيه علام الغيوب، ما طرقوا الباب ولا استأذنوا، بل بمعاول قوية كسروا الباب ودخلوا، أما الرجل فكان يصلي ركعتين، فأخذوه إلى السيارة التي تنتظره تحت، وكان قد اغتسل قبل زوجته، وأما الزوجة فيعلم علام الغيوب أنها كانت في الحمام تستحم، فكسروا عليها باب الحمام وأخرجوها عارية إلى السيارة، لمَ؟ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8].

    سبحان الله! في شريعتنا الإسلامية لا يجوز لصاحب البيت أن يدخل على زوجته بعد العشاء إذا كان في سفر إلا بإعلان، وأبيح لرجال الإجرام في هذه الأيام أن يدخلوا البيوت على عباد الرحمن قبيل الفجر بلا استئذان ولا طرق للباب، ثم تقاد المرأة عارية للسيارة، فلما حصل الضجيج خرج بعض الجيران فألقى ثوبه على المرأة لتستر عورتها، وأخذت إلى مكان الاعتقال بتلك الصورة.

    تعمير البيوت بذكر الله

    البيت سكن واستقرار، وبعض الناس لا يريد أن يجلس فيه لحظة، لم يا عبد الله؟ هذا بيت له شأن عظيم لا يفضله إلا بيت رب العالمين، تجلس فيه، ماذا تريد من المتنزهات التي يقول لي بعض الإخوة: يا شيخ والله من رآها قال: لعل من فيها لا يؤمنون بأنه يوجد هناك شيء اسمه الموت، أو شيء اسمه يوم القيامة. من ذهب للمتنزهات يقول: لا يوجد لا موت ولا يوم القيامة، والخيمة مربوطة بالخيمة، وكأنهم في مناسك الحج في منىً وعرفات، هذا حال المسلمين فليسعك بيتك، فهو جنة.

    وقد نقل الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في عدد من الصفحات في كتابه في الجزء العاشر في صفحة أربعمائة وخمسة وستين وأربعمائة وستةٍ وستين، عن إمام التابعين طاوس رضي الله عنه أنه قال: نعم صومعة الرجل بيته، هذه صومعة مباركة يكف فيه سمعه وبصره، لا يرى ما حرم الله، فلا يسمع ما حرم الله.

    إذاً النجاة أن تمسك لسانك، وأن يسعك بيتك، وأن تبكي على خطيئتك.

    وثبت في معجم الطبراني الأوسط ومعجم الطبراني الصغير بسند حسن عن ثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته )، وطوبى أي: هنيئاً له وسعادة ومستقره الجنة ( لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته ).

    وقد حرضنا نبينا صلى الله عليه وسلم على ملازمة البيوت وعلى عدم الخروج منها إلا لمصلحةٍ شرعية، ففي معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليسعه بيته، وليبك على خطيئته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً ليغنم، وليسكت عن شرٍ ليسلم )، إذا كنت تؤمن بالله فليسعك بيتك، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    عباد الله! وهذا البيت إذا حصل فيه ذكر للرحمن فهو جنة معدة للإنسان في هذه الحياة، ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله كمثل الحي والميت )، بيتٌ يذكر فيه رب العالمين هذا كالحي، بيت لا يذكر فيه رب العالمين فهذا ميت، ولذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم من سعادة الإنسان أن يكون عنده بيت، وهذا البيت يقيم فيه شريعة الله، ومن شقاوة الإنسان ومن الشؤم في هذه الحياة: أن يحصل عنده بيت يتأذى في هذا البيت بمعصية تجري حول هذا البيت، والحديث ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين وغيرهما والحديث رواه مالك في موطئه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن كان الشؤم ففي ثلاث: في المرأة، والفرس، والدار )، شؤم المرأة: أن تكون خبيثةً لا تحفظ لسانها ولا عفافها، وشؤم المركب.. الفرس: أن لا تكون مسرعةً، وأن لا تنقاد لرغباته، السيارة يركبها الإنسان في الذهاب تخرب معه، في الإياب تخرب معه، لو مشى على رجليه لكان أحسن، ويركب دابة فتطرحه وتضربه برجليها ولو مشى على رجليه لكان أحسن، وهكذا الدار دار من فوقه يعصى الله.. يزمر ويغني، ومن بجواره يعصي الله، ومن تحته يعصي الله، فهذه جهنم، أنت تعيش في وسط جهنم: ( إن كان الشؤم ففي ثلاث: في المرأة، والفرس، والدار )، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن يكن الشؤم ففي الربع -وهي الأرض- والخادم والفرس ).

    إخوتي الكرام! والحديث صحيح، وتوجيهه كما ذكرت، وقد أثر عن أمنا عائشة رضي الله عنها اعتراض على هذا الحديث، فالحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً، مع من تقدم من سهل وجابر ، والحديث مروي عن أبي هريرة كما عند أبي داود الطيالسي ، فلما ذكر لأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين قالت: وهم أبو هريرة إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اليهود يقولون: الشؤم في ثلاث: في المرأة والفرس والدار )، فما سمع أبو هريرة أول الكلام ونسب الكلام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وثبت عنها مثل هذا الاعتراف في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن خزيمة ، وروي عنها الرجوع عن ذلك، وعلى كل حال فالحديث في الصحيحين وغيرهما، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تقدم توجيه الحديث، فإذا كان البيت سكناً للإنسان ويحصل فيه الأمن ويعمر بذكر الله وجيرانه من الصالحين فهنيئاً له.

    ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والحديث ذكره الحافظ في الفتح مستشهداً به وسكت عليه فلا ينزل عن درجة الحسن، لكن قال الشيخ: أحمد شاكر عليه رحمة الله في التعليق على المسند: إسناده ضعيف، ولعل الحافظ سكت عليه لشواهده فهو حسن عنده.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سعادة ابن آدم: المركب الهنيء، والمرأة الهنيئة الطيبة المطيعة، والمسكن الهنيء، ومن شقاوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء ).

    إخوتي الكرام! هذا الأمر الأول والسبب الأول: البيوت لها منزلة ولها حصانة.

    1.   

    من الأسباب الداعية إلى الكلام عن آداب الزيارة في الله خروج كثير من الزيارات عن القواعد الشرعية

    الأمر الثاني والسبب الثاني: نحن في وقت كثرت فيه الزيارات -كما يقال: جنونية- وخرج الناس في زياراتهم عن القواعد الشرعية، فلذلك لابد من تذكير نفسي وإخواني بهذا الأمر لنسير فيه على حسب شريعة الله المطهرة.

    إخوتي الكرام! أذكر لكم حادثة جرت معي من قريب وما أكثر تكررها ويقع قريب منها عليّ وعلى المسلمين في أيام كثيرة وفي أوقات متصلة، وحقيقة يتأذى منها الإنسان، ويعلم الله عندما أريد أن أذكر بعض هذه الحوادث كأنني أقطع شيئاً من كبدي، ولكن كما قال الله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53]، فلابد من بيان الحكم الشرعي دون أن أذكر واحداً من خلق الله على وجه الخصوص:

    صليت مرّة الفجر فجاءني بعض الإخوة فجلسوا إلى قبيل الساعة التاسعة بل زيادة عليها، وكان يوم جمعة، فخرجت وتهيأت لصلاة الجمعة وذهبت وصليت، فجاء أناس وجلسوا يعلم الله ما خرجوا إلا عند أذان العصر، فصليت العصر فجاء فوجٌ جديد وجلسوا إلى المغرب، وصليت المغرب وأنت تعلم يا رب أن هذا الذي وقع، فجاء فوجٌ رابع جلسوا إلى العشاء، وصليت العشاء ودخلت البيت، فطرق الباب مرات فما رددت على أحد، وقلت: يا رب! أنت أعلم بعذري، وأنت أولى بقبول العذر، الزيارات إذا حصلت إلى هذا الحد فسنتكلم على حكمها، وعلى وضعها، في مضيعة للإنسان، ومهلكة له، لذلك لابد من ضبط هذه الزيارات، ولنعلم كيف تقع وعلى أي شاكلة تقع.

    أصناف الزوار

    إخوتي الكرام! قبل أن أتكلم على وضع الزيارات أريد أن أخبر أن الذين يزورون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: محبون ويزورون في الله، ووالله الذي لا إله إلا هو من يزور في هذا الوقت من باب المحبة في الله قليلٌ قليل، وأقول على وجه الخصوص: من زارني في الله فقد حسن ظنه بي وهو مغرور بي قطعاً، وأسأل الله أن يسترني في الآخرة، وأن يستركم وأن يستر المسلمين والمسلمات كما سترنا في الدنيا، إنما هو مغرور فلا يعلم حقيقة الأمر فأحسن الظن وزار.

    وفريق ثانيٍ: معجب برأيه جاء ليجادل وليماري، وسأذكر شيئاً من أحواله إن شاء الله.

    وفريق ثالث: جاء ليتجسس ولينقل الأخبار، وليفتري على عباد الله الأخيار، ورحمة الله على الإمام ابن تيمية عندما يقرر في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني والعشرين في صفحة ثمانٍ وخمسين: أنه عندما اعتقل يقول: ما ثبت عليّ شيء- يقول لإخوانه في رسالة- أخالف فيه الشريعة ولا يمكن للإنسان أن يخالف الشريعة، ولا أن يأتي ببدعة إلا إذا اتصف بأحد أمرين: إما إذا كان جاهلاً، وإما إذا كان صاحب هوى، والأمران منتفيان عنه إن شاء الله، إنما يقول: غاية ما أخذوا عليّ -على الإمام ابن تيمية - أنه يخالف المراسيم السلطانية، قالوا: أنت أحياناً ما تتقيد بهذه الأنظمة، أي أنظمة؟! أنظمة وضعها البشر.

    قد أفسدوا في الأرض باسم صلاحها إذ بدلوا أحكامه بنظام

    قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: واعلموا إخواني -يقول لإخوانه عندما يرسل لهم هذه الرسالة من السجن- أنه لا يجب على أحد أن يطيع أحداً في معصية الله، ثم تدارك فقال: بل لا يجوز؛ لأن طاعة غير الله في معصية الله شرك، فيأتي بعض الناس ليتجسس ولينظر ماذا عندك من مخالفة لمراسيم سلطانية وقوانين وضعية ليتقرب إلى الشيطان، وليحصل الحطام.

    هذه أحوال الزائرين في هذا الوقت: محب حسن ظنه، مجادل صاحب قيل وقال وهذيان، متجسس خبيث يريد أن يأخذ كلمة لينسج حولها من الهلاك والافتراءات ما سيسود وجهه أمام رب الأرض والسماوات.

    الأمور الداعية إلى الإقلال من الزيارات

    إخوتي الكرام! وإذا كان الأمر كذلك فحقيقة مثل هذا الموضوع ينبغي أن يبحث في محاضرة طويلة لنقف عند آداب الزيارة الشرعية، لئلا نعصي الله ونحن نظن أننا نطيع الله، وأنا أقول: الزيارة ينبغي أن توقف عند حد، وخاصة بالنسبة لي، والله لا احتقار لأحد ولا تكبراً على أحد ولا بغضاً لأحد، إنما لاعتباراتٍ سأذكرها لتقف عند حد:

    الأمر الأول: اختيار زيارة من يستحق الزيارة

    أولها: من الذي يستحق أن يزار في هذا الوقت؟ فمن أنا ومن غيري، من الذي يستحق أن يزار؟ إن كنت أخي المسلم تزور من تحسن الظن فيه في هذه الأيام؛ لأنه عالم، فاعلم أن العلم ذهب من أيام، بل ذهب من أعوام، يقول مسروق عليه رحمات ربنا الرحمن، وهو من أئمة التابعين الكرام: ذهب العلم وبقيت بقية في أوعية سوء -هذا في زمن التابعين- أنت تحسن الظن بهم، وهذا الذي حصل، فإذا كنت تزور لأنك تحسن الظن فلا داعي أن يلبس عليك الأمر إلى هذا الحد شيء من العلم في هذا الوقت وهذيان اللسان، ونسأل الله أن يتوب علينا، وأن يغفر لنا ما يعلمه وخفي عن خلقه؛ إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.

    وكان الإمام داود بن نصير أبو سليمان الطائي من أئمة الكوفة العظام، وهو من تلاميذ أبي حنيفة عليهم جميعاً رحمات ربنا الرحمن، وحديثه مروي في سنن النسائي ، ولو اشتغل بالرواية والعلم لوجد حديثه في الكتب الستة، توفي سنة ستين ومائة، وقيل: سنة خمسٍ وستين ومائة كما في تقريب التهذيب لـابن حجر ، وتوسط الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال: توفي سنة اثنتين وستين ومائة عليه رحمة الله، يقول عنه الإمام الذهبي : إمام فقيه قدوة زاهد كان رأساً في العلم والعمل، لم يسمع بمثل جنازته، لما مرض امتنع الناس عن النوم ثلاثة ليالٍ خشية أن يموت هذا العبد الزاهد في الليل فيدفن دون علمهم، أيقاظ ينتظرون خشية أن يموت فيدفن دون علمهم؛ لأنه لا يريد الشهرة ولا يريد أن يعلم بأمره أحد، هذا كلام الذهبي في القرن الثامن للهجرة: لم يسمع بمثل جنازته. هذا العبد الصالح جاء مرةً رجل ليزوره، فقال: علام جئت؟ قال: أحبك في الله، قال: أما أنت فقد ثبت أجرك على الله، وأما أنا فكيف سيكون حالي عند ربي إذا قال الله لي يوم القيامة: يا داود ! هل أنت من الزهاد لتزار؟ والله لست من الزهاد، وإذا قال لي: هل أنت من العباد لتزار؟ والله لست من العباد، وإذا قال لي: هل أنت من الصالحين لتزار؟ والله لست من الصالحين، ثم بدأ يبكي، أنت حسنت نيتك فلك أجرك، وأما أنا لست من الزهاد ولا العباد ولا الصالحين.

    هذا الذي يقول عنه عبد الله بن المبارك سيد المسلمين في زمنه: وهل المراد من العلم إلا ما عليه داود . لا يطلب من العلم إلا ما عليه داود ، أي: خشية الله التي في قلب هذا العبد الصالح هي المقصودة من العلم.

    وهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله يقول في حق معروف الكرخي : وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف .

    وجاء الفضيل بن عياض إمام الحرم المكي وسيد المسلمين في زمانه ليزور داود بن نصر أبا سليمان الطائي، فقال: يا أبا علي ! أقلل من زيارتك فإني قد قليت الناس. وجاء مرةً أبو محمد سفيان بن عيينة ليزوره فقال: يا أبا محمد ! لا تعد إليّ مرّةً أخرى.

    كان هذا العبد الصالح في مجلس أبي حنيفة فوصل الأمر به أنه خذف إنساناً مرّةً بحصاة، فقال له أبو حنيفة: يا داود طال لسانك، وطالت يدك، يقول داود : والله ما تكلمت بعد كلام أبي حنيفة سنةً كذا، لا كلمة ولا حركة، أجلس في المسجد وكأنني جذع شجرة، ثم لزم هذا الطريق.

    عباد الله! من الذي يستحق أن يزار في هذه الأيام؟

    إن كنت تزور لأجل صلاح الإنسان فدع عنك هذا ولا داعي للغرور الزائف، ولا داعي أن يلبس عليك حال الناس، فالعلم ذهب والصلاح ذهب، وبقي شيء من العلم ولكنه في أوعية سوء، وحالنا كما قال أئمتنا وهو من الأمثال العربية : أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، إذا سمعت بالمعيدي فالسماع شيء، لكن إذا عاملته وبحثت عنه وعلمت حاله، فهذا شيء آخر.

    وأنا أقول: والله ما زيارة من يزورون من يظنون فيه الصلاح في هذه الأيام لصلاحه إلا كما قال القائل: افتضحوا فاصطلحوا، أنا صالح وأنت صالح، داهن لي لأداهن لك.

    ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر

    وبقيت في خلْف يزكي بعضهم ليدفع معور عن معورٍ

    أنا سلفي وأنت سلفي، ما شاء الله، أنا من أهل الحديث وأنت من أهل الحديث، نحن من أهل لهو الحديث، والله لو رآنا أهل الحديث لرجمونا بالحجارة، إنما هذا حالنا، افتضحوا فاصطلحوا، أزورك في الله وتزورني في الله! بقية علم في أوعية سوء، من أنت ومن أنا؟ ( ليسعك بيتك، وابك على خطيئتك )، كل واحد يجعل صومعته بيته وليحاسب نفسه ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ).

    أعرف بعض طلبة العلم في هذه البلدة تقول له زوجته: اجلس ساعة لنقرأ القرآن، يقول: ما عندي وقت، ما عندك وقت إلا أن تشغل الناس إذاً بزيارتك، زوجتك أولى برعايتك، تجلس معها وتعلمها كتاب الله وتعلمها أحكام الله، ما عنده وقت! زوجته المسئول عنها ما عنده وقت يجلس معها!!

    وقال لي بعض الإخوة: تقول له زوجته هي العشر الدقائق تفيدك؟ يعني عندما تتصل معها فقط، وبعد ذلك مالي حق آخر.

    وأحضر لي هو سؤالاً عنها تقول: ليس للمرأة حق على زوجها إلا في عشرة الفراش فقط؟

    أحسن من كثرة الزيارات تدارس كتاب الله مع أهلك.. مع أولادك، اجعل بيتك نوراً ولا يتقدمه إلا بيت الله جل وعلا، هذا لابد منه إخوتي الكرام، بيوتنا ما عادت تسعنا والشيطان لبس علينا وترى كل واحد منا ذاهب آيب، أين؟ زيارة فلان وعلان، ( ليسعك بيتك وابك على خطيئتك )، وتب إلى ربك جل وعلا: اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، وأما إذا كنت تحسن الظن فلا داعي كما قلنا لأن يتلبس الأمر عليك أكثر من المطلوب.

    الأمر الثاني: أننا صرنا في زمن لا يأمن فيه الرجل جليسه

    الأمر الثاني إخوتي الكرام! الذي يدعونا إلى الإقلال من الزيارة والاعتذار عنها: أننا في زمن لا يأمن الجليس فيه جليسه، وهذا من أشراط الساعة، وأشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح، ففي مستدرك الحاكم في الجزء الرابع صفحة سبعٍ وعشرين وأربعمائة في كتاب الفتن عن وابصة الأسدي -من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سكن الكوفة ثم انتقل إلى الرقة وتوفي فيها- يقول: بينما أنا في الكوفة إذا بصوت عند الباب يقول: السلام عليكم أألج؟ فقلت: وعليك السلام فلج. يقول: ففتح ودخل، فإذا بـعبد الله بن مسعود صاحب النبي صلى الله عليه وسلم -في عهد خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه- وكان عبد الله بن مسعود أميراً ومعلماً لأهل الكوفة من قبل عمر رضي الله عنهم أجمعين مع أبي موسى الأشعري ، فقلت له: ما جاء بك في هذه الساعة؟ هذا وقت للزيارة ونحن في نحر الظهيرة، أي: بداية الظهيرة كالنحر الذي ذاب مقدمها، وهو أول شيء فيها، نحن في نحر الظهيرة، أي: وقت القيلولة، فما الذي جاء بك؟

    فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنه قد طال عليّ النهار فأردت من يحدثني وأحدثه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت إليك، أنت صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وأنا صاحبه، لنتحدث بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، يقول وابصة الأسدي : فشرع عبد الله بن مسعود يحدثني فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( تكون فتن النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري -أي: الذي يسوق دابته بسرعة- قلت: متى ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: عند حصول الهرج، قلت: ومتى حصول الهرج؟ قال: عندما لا يأمن الرجل جليسه )، هذه فتن، حصلت اختلاف وهرج وإراقة دماء وفوضى، الرجل لا يأمن جليسه، نعم إي والله هذا وقتنا، هذا وقتنا يجلس الإنسان عنده تفكر فيه لم جاء؟ جاء لمهمة رسمية يكتب فيك تقريراً عما قريب، يأخذ عليه متاعاً من الدنيا الزائلة، وقد وصل الحال في بعض البلدان أن الوالد لا يأمن ولده، الوالد جالس مع ولده على الطعام وهو محترس خشية أن يتلفظ بكلمة فتذهب رقبته: ( لا يأمن الجليس جليسه )، هذا أيامنا، فإذا كان الأمر كذلك فالإقلال من الزيارات مطلوب، هؤلاء الذين لا يُؤمنون بعضهم يعرفون ويظهرون: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30]، وبعضهم لشدة تكتمهم لا يعلمهم إلا الذي لا تخفى عليه خافية: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة:101]، إنما يأتيك بحالة الذي يراه يقول: هذا هو بشر الحافي ، ثم بعد ذلك يتبين أنه خبيث شيطان رجيم.

    ( لا يأمن الرجل جليسة )، إي والله أعرف بعض المفسدين ممن كانوا يزورون بعض طلبة العلم أنهم بذلوا ما في وسعهم للكيد له، والمكر به حتى في الاعتداء على زوجته، سبحان الله! سبحان الله! لو أن الإنسان جلس مع كلب، وهو أخس حيوان لراعى ذلك الجلوس، واعتبر له حرمة ومنزلة، لكن هذا بعد ذلك بدأ يسعى بالكيد والمكر، والاعتداء على الزوجة، هذه حالة المسلمين؟! نعم، وليتهم اجتمعوا على مصلحة دنيوية، الاجتماع في الظاهر من أجل التناصح ومن أجل نصرة الإسلام، ثم لما حصل اختلاف في التناظر بدأ يكيد له في زوجته، سبحان الله العظيم! ( لا يأمن الرجل جليسه )، فإذا كان الحال في هذه الصورة وهذه الدركة فأقلل أخي من الزيارات، واعتذر عن الزيارات، لا تزر إلا بمقدار، لا أقول: في الأسبوع مرة ولا في الشهر مرة، في السنة مرة زرّ مَن ترى فيه خيراً، وأما أنت فأغلق بابك، وإذا طرق عليك الإنسان فقل له: يا عبد الله! اشتغل بأمور نفسك، لابد من ضبط هذا، فالرجل لا يأمن جليسه في هذه الأيام.

    الأمر الثالث: المحافظة على الوقت

    عباد الله! الأمر الثالث الذي يدعونا للإقلال من الزيارة والاعتذار عنها: محافظة على الوقت، فالزيارات ملهاة ومضيعة للوقت، والإمام ابن الجوزي الذي عاش في القرن السادس وتوفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة ابتلي بصحبة البطالين على حد تعبيره، ومن البطالين؟ الذين هم أحسن منا وليس نحن، نحن لا يعتبرنا لو كنا في ذلك العصر من الآدميين، وبطالين العصر السادس هم أعلم من الدعاة في هذا الوقت، يقول ابن الجوزي عن البطالين يأتون ويجلسون في قيل وقال وسمر وهذيان، فإن أنكرت حصلت وحشة، وكأنهم يقولون: نحن جئنا محبةً في الله، فتعرض عنا ولا تريد مجالستنا، ثم يقذفونه بعرضه وعرض أبيه وأمه.

    قال: إن أنكرت حصلت وحشة، وإن سكت ضاع الوقت في ما لا ينفع.

    يقول: فبدأت أعتذر عن المقابلة، وبدأت أتعجل الجواب وأختصره ليتعجل الفراق، ثم أحضرت أعمالاً أعملها في حضور مجالسة هؤلاء البطالين لا تحتاج إلى فكر ولا إلى تأمل، من بري الأقلام وإعداد الحبر وترتيب الأوراق والدفاتر.

    إذا جاءه يشتغل بهذه الأمور، هذا حاله وهو في القرن السادس، فماذا يقول عنا في هذه الأيام؟! سمرات، تذهب إلى الناس في هذه الليالي للساعة الثانية عشرة يقول: بدري اجلس، أجلس لأي شيء؟ في غيبة ونميمة وقذف وقال وقيل، لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، هذه الزيارات ينبغي أن يحافظ فيها على الزيارة الشرعية فلا ينبغي أن تكون مضيعة للوقت.

    الأمر الرابع: الرفق بمن يزار

    الأمر الرابع أخوتي الكرام: ينبغي أن نرفق بغيرنا كما نرفق بأنفسنا، فإن كثرة الزيارات لمن نزوره في الله يكسبه غروراً وكبراً وإعجاباً، وبذلك نقصم ظهره، فلابد من أن نشفق على غيرنا كما نشفق على أنفسنا، وقد كان أئمتنا يحرصون على هذا غاية الحرص، ففي كتاب الصمت لـابن أبي الدنيا في صفحة تسعٍ وسبعين ومائتين: أقبل الجارود وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد خلافة عمر بن الخطاب وعمر بن الخطاب جالس مع أصحابه، فقال بعض الحاضرين: هذا سيد ربيعة، هذا سيد ربيعة -وهو سيدهم ومن الصحابة الطيبين- فلما دنا من الحلقة قام عمر رضي الله عنه وأخذ الدرة وخفق بها رأسه، قال: وعلام يا أمير المؤمنين؟ قال: أما سمعتها؟ يقولون: هذا سيد ربيعة! قال: نعم، قال: خشيت أن يدخل في نفسك منها شيء، فأردت أن أطأطئ رأسك.

    سبحان الله! وحقيقة الناس في هذه الأيام يجعلون الإنسان شيطاناً مريداً إذا كان فيه شيء من الصلاح، وفي بداية الطريق لما يرى هذه الهالة وهذه العجب، سيارات تذهب وسيارات تأتي لزيارته، يقول: سبحان الله! إذاً أنا زادت مرتبتي على مرتبة أبي بكر رضي الله عنه ولا أدري، فيصير الإنسان شيطان من حيث لا يشعر، فرفقاً عباد الله بطلبة العلم، دعوهم في أعمالهم، وإذا رأيتموهم ففي لقاء عادي لئلا يعتريهم الغرور والكبر والإعجاب فتقصمون ظهورهم.

    رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبد الله بن مسعود يمشي وخلفه طلبة العلم فتقدم وضربه بالدرة، فقال: علام يا أمير المؤمنين؟ قال: امش مع أصحابك، إنها ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. أي: هذا فتنة، من أنت حتى يمشى الناس وراءك، هذا سينفخك حتى تملأ ما بين السماء والأرض وقد تزيد، ومن الذي فرعن فرعون؟ من؟ رعيته، ما وجد فيهم رجل رشيد يقول له: اتق ربك، واعرف نفسك، ما وجد، إنما تعظيم وزيارات وتبجيل، فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم مع الخلق كافة، وزنوا الأمور بميزان الشرع، فكما لا يجوز المدح والإطراء فأقلوا فترة الزيارات، حتى لا نهلك هذا الإنسان، حتى لا نشقيه فيظن أنه على شيء وهو ليس على شيء.

    الأمر الخامس: تفرغ الإنسان للأنس بالله

    الأمر الخامس الذي يدعونا لقلة الزيارات عدا عما تقدم: أن في ذلك سلامة للإنسان، وينبغي أن يحرص عليه الإنسان أن يأنس بالله، إذا كانت جميع أيامك مع فلان وفلان متى ستأنس بربك الرحمن؟ ووالله أعرف بعض طلبة العلم كثرة الزيارات ألهته عن حزبه في القرآن، حزبه من كتاب الله لا يقرأه وما عاد يستطيع، ولذلك يقول الإمام ابن الجوزي في لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، يقول: جاء بعض الناس إلى بعض الصالحين فزاروه، فقالوا: لعلنا أشغلناك؟ قال: نعم، كنت أقرأ كتاب الله فأشغلتموني عنه، هذه هي الصراحة، لا داعي بعد ذلك للمواربة وللمداهنة كما هي في هذه الأيام، فلابد إذاً لكل واحد منا أن يروض نفسه على الأُنس بربه سبحانه وتعالى.

    هذا مالك بن مغول من رجال الكتب الستة ثقة فقيه عابد، يقول عنه الذهبي : كان من سادة العلماء، قيل له: ألا تستوحش؟ وكان يلازم بيته، فقال: وهل يستوحش من كان مع الله هو جليس من ذكره؟ إذا ذكرت الله فجليسك رب العالمين، فاصرف نظرك عن المخلوقين، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، معية رعاية وتوفيق وتأييد ونصر، معية خاصة بهؤلاء العباد الأتقياء، وهل يستوحش من كان الله معه؟!

    وكان سميه مالك بن دينار ، ومالك بن مغول توفي سنة مائة وتسع وخمسين، ومالك بن دينار توفي سنة مائة وثلاثين، الأول يكنى: بـأبي عبد الله ، والثاني: بـأبي يحيى مالك بن دينار ، والثاني أخرج له البخاري في الصحيح تعليقاً، وهو من رجال السنن الأربعة، يقول مالك بن دينار عليه رحمة العزيز الغفار: من لم يأنس بمحادثة الله عن عباده فقد قلّ علمه، وضعف رأيه، وعمي قلبه، وضاع زمانه.

    الأُنس بالله لا يحويه بطال وليس يدركه بالحول محتال

    والعارفون أناس كلهم نجب وكلهم صفوة لله عمال

    الأُنس بالله لا بد منه.. أن تأنس بالله عن محادثة المخلوقين، أن تأنس برب العالمين سبحانه وتعالى، فمن لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين عمي قلبه، قلّ علمه، ضعف رأيه.

    وهكذا كان أئمتنا عليهم رحمة الله يسيرون على هذا المسلك، جاء رجل لـسهل بن عبد الله التستري فقال: أريد أن أزورك وأن أصاحبك، فقال: إذا مات أحدنا فمن سيصحب؟ أي: الآخر من سيصحب؟ قال: الله، قال: فليصحبه الآن، اصحب ربك وأنا مع ربي وانتهى الجدال، فلا داعي لكثرة الزيارات وضياع الأوقات.

    1.   

    أصناف الناس

    يا عباد الله! هذا الأمر لابد من وعيه في هذه الأيام، الإقلال من الزيارات والاعتذار عنها لهذه الأمور الخمسة، ولنعلم إخوتي الكرام أن الناس ينقسمون لأربعة أقسام لا رابع لها، فلنكن على بصيرة، منها: أعداء، معارف، أصدقاء، إخوة أوفياء، أما المرتبة الرابعة والصنف الرابع فلا تبحث عنه، ولا تحلم فيه، ولا تطمع به، يقول الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله في صيد الخاطر: هذا الصنف قد نسخ من زمن فلا نطمع فيه. أخ هذا لا يوجد، أخ هذا قد انتهى، هذا نسخ كالحكم المنسوخ لا يجوز العمل به، وأما الصديق يقول: قلّ أن تجد في الناس صديقاً، وأكثر الناس معارف بل أكثرهم أعداء.

    إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك

    ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيه شمله ليجمعك

    أين هذا؟ هذا مضى من زمن، نسخت من زمن، أقول: لا يوجد -وليس في هذا الوقت بل من القرن السادس للهجرة- صديق. نحن نقول: المعارف في هذا الوقت، المعارف يندر وجودهم وأكثرهم أعداء، إذا دخلوا عليك مدحوك وتملقوك، وإذا غابوا عنك بألسنة حداد سلقوك، إذا دخل عليك كان رقيباً، وإذا خرج صار عليك خطيباً، سبحان الله! هذا ليس من المعارف، المعارف بينك وبينه معرفة تسلم عليه ويسلم عليك، وكل واحد يدعو للآخر في حال الغيب، أما يسلم عليك وإذا قفيت عنه شتمك ووقع في عرضك، وتكلم على زوجتك، وعاب أولادك، فهذا عدو. هؤلاء أعداء، ولذلك أكثر الناس الآن أعداء ليسوا في صورة معارف ولا أصدقاء، بل في صورة إخوة أوفياء، أخ وهو أخبث في عداوته من فرعون ومن الشيطان الرجيم، والأخوة نسخت، ومرتبة الصداقة من القرن السادس يندر وجودها، والمعارف في زمننا يندرون، وما بقيت إلا الأعداء الذين يداهنون لأوليائهم، يداهنون لأنفسهم، ليدفع معور عن معور، أعداء، هذا حال الناس في هذه الأيام، ولذلك جاء رجل لـسفيان الثوري -والأثر عنه ثابت في كتاب العزلة صفحة سبع وخمسين- فقال: يا أبا عبد الله ! أريد أن ترشدني إلى أخ أجالسه وأصحبه؟ قال: ضالة لا توجد، هذا انتهى.

    نعم، يوجد في زمننا وفي الأزمنة المتقدمة إخوان في العلانية أعداء في السر، قد ثبت عن أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه قال: كنا نتحدث أنه سيأتي على الناس زمان يكونون فيه إخوان في العلانية أعداء في السر.

    في العلانية إخوان، لكن إذا خلا واحد مع غيره تكلم على صاحبه الذي كان يدعي أخوته.

    يقول الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد وقد نعته الذهبي : بشيخ الإسلام، وتوفي سنة خمسٍ وستمائة، وحضر مجلسه في مصر صلاح الدين الأيوبي وأخوه الملك العابد ، فلما جرى من صلاح الدين مع أخيه الملك العابد مكالمة في مسألة في مجلس أبي طاهر صاح بأعلى صوته في السلطان صلاح الدين وقال: اسكتا أنتما في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم، تسمعان الحديث وتتكلمان؟ فكست صلاح الدين وأخوه الملك العابد ، يقول هذا العبد الصالح كما نقل عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:

    كم جلت طولاً وعرضاً وجلت أرضاً فأرضا

    فما ظفرت بخلٍّ من غير غلٍّ فأرضى

    خل: خليل، من غير غلّ: حقد ومكر، هذا لا يوجد.

    كم جلت طولاً وعرضاً وجبت -أي: سافرت- أرضاً فأرضا

    فما ظفرت بخلٍّ من غير غلٍّ فأرضى

    ولذلك كان أئمتنا يخبرون عن هذه الحقيقة فيقولون: سمعنا بالصدوق ولا نراه، وهذه مرتبة الصداقة الثالثة:

    سمعنا بالصديق ولا نراه على التحقيق يوجد في الأنام

    وأحسبه محالاً نمقوه على وجه المجاز من الكلام

    لذلك لا يوجد من الصديق إلا الاسم، اسم على غير مسمى، وإذا سمعت بصدوق صدق فلا تصدق.

    إياك أن تغتر أو تخدعك بارقة من ذي خداع يري بشراً وألفاظا

    فلو قلبت جميع الأرض قاطبة وسرت في الأرض أوساطاً وأطرافا

    لما رأيت فيها أخاً صالحاً أبداً ولا صديقاً يمنع الصدق إنصافا

    هذا ذهب من أزمنة طويلة، فإذا كان الأمر كذلك أخي الكريم فانتبه لزيارتك، وانتبه لمن تزور، وحافظ على وقتك، واتق الله ربك.

    1.   

    فضل الزيارة وبيان أنواعها

    أما فضل الزيارة إخوتي الكرام! فإن ما تقدم من تحذير عن الزيارات التي لا تكون على الوجه الشرعي، ولا يدعونا إلى أن نزهد في الزيارة الشرعية، لا ثم لا، وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على الزيارة في الله، والزيارة في الله لها شأن عظيم، ولها درجات ومراتب، وتتعدد أحوالها، فإما أن تكون هذه الزيارة لزيارة أخٍ في الله ليس بينك وبينه قرابة، لما بينك وبينه من الأخوة وهي رابطة الإيمان، وإما لأنه صاحب فضل من الدين أو قريب، فتزوره لهذا، تقصد بذلك إرضاء الله والثواب عنده، وإما لأنه مسلم ترى عليه مرض.

    هناك أمورٌ خاصة تستدعي الزيارة، وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على هذه الزيارات بأنواعها.

    النوع الأول: الزيارة في الله

    أما زيارة المسلم الذي لا تربطه به رابطة النسب والقرابة، فإذا كانت من أجل الله فهي عظيمة، ثبت في المسند وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( زار رجل أخاً له في الله فأرصد الله على مدرجته ملك )، مدرجته، أي: طريقه أو الطريق الذي يدرج الناس عليه ويسيرون ( فقال: أين تريد؟ أين تقصد؟ قال: أخاً لي في هذه القرية أزوره في الله، قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ )، بينك وبينه نعمة مصلحة تتعهدها وتريد أن تنظر في شأنها؟ ( قال: لا، غير أنني آخيته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته )، نعم، إذا زار في الله له هذا الأجر العظيم عند ربه الكبير.

    وثبت في موطأ مالك ومستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن أبي إدريس الخولاني وهو من أئمة التابعين، أخرج حديثه أهل الكتب الستة، وهو عالم الشام وقاضيها وفقيهها في زمنه، يقول: دخلت مسجد دمشق وإذا بشاب براق الثنايا، أسنانه تلمع كأنها فضة، والناس حوله إذا اختلفوا في شيء عرضوه عليه وصدروا عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه. يقول: فجلست معه حتى انصرف الناس عنه، ثم جئت في اليوم الثاني إلى المسجد وهجرت -أي: بكرت في المجيء- فرأيته قد سبقني في التبكير -أي: معاذ بن جبل - فكان يصلي، فانتظرت حتى سلم من صلاته فجئته من تلقاء وجهه ثم قلت له: والله إني لأحبك في الله، فقال له معاذ بن جبل : آلله؟! فقال أبو إدريس: آللهِ، فقال معاذ مرةً ثانية: آلله؟! أنشدك بالله وأسألك وأستحلفك بالله تحبني في الله؟ قال: آلله، فأعاد الثالثة: آلله؟! قال: آلله، قال: أبشر، وقبض معاذ بن جبل في مجمع رداء وثوب أبي إدريس الخولاني وجذبه جذباً وقال: أبشر؛ فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيّ، حقت محبتي للمتجالسين فيّ، حقت محبتي للمتزاورين فيّ، حقت محبتي للمتباذلين فيّ )، فإذا كنت تحبني لله، تجلس معي لله، تزورني لله، نتهادى لله، فحقت لك محبة الله جل وعلا، فإذا زرت في الله فأبشر بمحبة الله لك، هذا النوع الأول من أنواع الزيارة.

    النوع الثاني: زيارة الأقارب والأرحام

    النوع الثاني: أن تزور القريب لك، وخاصةً الوالدان ثم من يليهما من الأرحام، فالزيارة مطلوبة ومتأكدة، ولك عليها أجورٌ عظيمة عند الله جل وعلا، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك ).

    ومن حسن الصحبة: أن تزور والديك، فإذا كانوا في البلدة التي أنت فيها واستطعت أن تزرهما صباحاً ومساء، وأن تقبل رجليهما فلابد من ذلك، وإذا كانا في مكان بعيد فينبغي أن تتفقدهما ما بين الحين والحين، فهذه أعظم زيارة تجب عليك لمخلوق في هذه الحياة، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك.

    وثبت في سنن ابن ماجه وسنن النسائي والحديث رواه الحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير، وهو حديث صحيح عن جاهمة رضي الله عنه قال: ( جئت النبي صلى الله عليه وسلم من جنبه الأيمن فقلت: يا رسول الله! أريد الجهاد أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، فقال: ألك أم؟ قلت: نعم، قال: اذهب فبرها، يقول: فجئته من جنبه الأيسر فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أريد الجهاد أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، فقال: ألك أم؟ قلت: نعم، قال: اذهب فبرها، يقول: ثم جئته من تلقاء وجهه فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أريد الجهاد أبتغي وجه الله والدار الآخرة، فقال: ويحك ألك أم؟ قلت: نعم، قال: الزمها فإن الجنة عند رجلها ).

    وفي رواية للنسائي: ( الزمها فإن الجنة تحت رجليها )، وفي رواية للطبراني قال: ( ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما )، الزم أبويك فالجنة تحت أرجلهما.

    وما يشاع إخوتي الكرام! من كلام يرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام: الجنة تحت أقدام الأمهات، فهو بهذا اللفظ لم يثبت عن خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، لكن هذا الحديث الصحيح يغني عنه: ( الزمها فإن الجنة عند رجلها )، ( عند رجليها )، ( تحت رجليها )، هذا بمعنى الحديث الذي يرفع وينسب للنبي عليه الصلاة والسلام ولم يثبت عنه: ( الجنة تحت أقدام الأمهات ).

    وحذار من قطع زيارة الأرحام، فهذا من العقوق والكبائر عند ذي الجلال والإكرام، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لما خلق الله الخلق وفرغ من خلق الخلق قامت الرحم فقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: أما ترين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعتك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك )، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه الله.

    وثبت في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الرحم موصولة بالرحمن، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله ).

    إخوتي الكرام! وينبغي أن نصل أرحامنا وأقاربنا وإن قطعونا، فليس الواصل بالمكافئ، كما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في صحيح البخاري وسنن الترمذي وأبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها )، أخوك لا يزورك تزوره إكراماً لله جل وعلا، وتعظيماً لأمر الله، وهو لا يزورك، إنما تزوره طلباً للأجر، ( ليس الواصل بالمكافئ، لكن الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها ).

    النوع الثالث: زيارة المريض

    وهناك زيارة أيضاً يؤمر بها، ولها أجر عظيم: زيارة المريض من المسلمين، ثبت في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة -في خرفة بالخاء- حتى يرجع، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها )، أي: ثمارها ونعيمها، أي: لم يزل في نعيم الجنة، وهذا يكتب له، وسيؤدي به إلى نعيمها حتى يرجع، ثواب متصل يتنعم به عند الله: ( إن المسلم إذا زار أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ).

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه وصحيح ابن حبان عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من عاد مريضاً )، والحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد: -أي: ملك من السماء- طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً )، وفي رواية ابن حبان : ( ناداه الله: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً ).

    وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من التفريط بزيارة مرضى المسلمين، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يقول الله تعالى يوم القيامة لابن آدم: يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني، يقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! يقول: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي! استطعمتك فلم تطعمني! يقول: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ يقول: أما علمت أن عبدي فلان استطعمك فلم تطعمه، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي استسقيتك فلم تسقني! يقول: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! يقول: أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك فلم تسقه، فلو سقيته لوجدت ذلك عندي )، وهذا هو الحب الحقيقي الذي يحب الله به عباده، يحبنا لا من أجل غرض، فلا ينتفع بطاعاتنا، ولا يتضرر بمعاصينا، ثم يخلص لنا الحب غاية الإخلاص، فما يؤذينا يؤذيه، وما يرضينا يرضيه إذا كنا مؤمنين، ومن عادانا يعاديه ربنا، ومن عاد ولياً لله فقد آذنه الله بالحرب، وبارز الله بالمحاربة، هذه هي المحبة الحقيقة، وهذا هو الحب الحقيقي، يحبنا لا لغرض على وجه الإخلاص والتمام، ولذلك ما يحبه المؤمن يحبه الله، وما يكرهه المؤمن يكرهه الله، ولما كان المؤمن يكره الموت كره الله له الموت، ولما كان الموت فيه فوائد للمؤمن في العاجل والآجل أحب الله الموت للمؤمن بما يترتب للمؤمن من فوائد وخيرات لحصول الموت، فاجتمع الأمران في ربنا نحو الموت، يحب الموت لما فيه من مصلحة للمؤمن، ويكره الموت تبعاً لمحبة المحبوب، فإذا كان الله يحبنا ينزل نفسه منزلتنا، ما نحب يحب، وما نكره يكره، وهذا أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وغيره الذي يقول في أوله عليه الصلاة والسلام ( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولأن سألني لأعطينه، ولأن استعاذتي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ) هذا التردد في ربنا جل وعلا، والتردد تقابل الإرادتين، وتقابلتا في رب الكونين نحو صفة الموت ( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته )، إذا كان الله يكره مساءة المؤمن إذاً يكره الموت، ثم قال الله: ( ولابد له منه )، لابد من الموت ليتخلص من عناء الدنيا وليحظى بلقاء رب العالمين في جنات النعيم، فالموت محبوب لله من وجه بما فيه من مصلحة للمؤمن، ومكروه لله من وجه بما فيه؛ فيكرهه تبعاً لكراهية المؤمن له، فغلب الله ما فيه نفع للمؤمن، وهو لابد له منه ليخلص من عناء الدنيا وشقائها، ولينعم برضوان الله، والتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم، ولابد منه، فإذا صدق ربنا في محبتك واتصف بهذه الصفة نحوك، فاستحيي من الله أيها المؤمن، فوال من والاه، وعاد من عاداه على وجه التمام.

    إذا كان الله يكره من تكرهه أنت، فاكره من يكرهه ربك، إذا كره الله شيئاً اكرهه تبعاً له، كما أنه يكره ما تكرهه أنت تبعاً لك، هذا هو ما تقتضيه المحبة، ولا توجد محبة في التمام إلا في ربنا جل جلاله، وأما محبة من عداه ففيها شوائب، وفيها خلط، وفيها مصلحة، لكن محبة الله لعباده المؤمنين لا لمصلحة تعود عليه، فهي محبة تامة لا يشوبها نقص بوجه من الوجوه، وهنا كذلك إذا مرض العبد المؤمن وما زرته يعاتبك رب العالمين، يقول: ( مرضت فلم تعدني! فيقول العبد: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله: مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده )؛ لأن الله مع عباده المؤمنين، ومع عباده الطيبين، وهذا إذا مرض يكثر من اللجوء إلى الله جل وعلا في كل نفس، فلتكن إذاً عيادتك للمريض مشروعة، وحاصلة تريد بذلك وجه الله جل وعلا.

    هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بالتمهيد في فضل الزيارة في الله، في أخوة المؤمنين، في الأرحام والأقارب، في من يصاب بأمر خاص من المؤمنين كما لو حصل له مرض أو غير ذلك، وأنواع الزيارات في الله كثيرة أقتصر على هذا المقدار منها، وأما آداب الاستئذان وهي التي سنجملها في أمرين، ونفصلها في عشرة أمور، نتكلم عليها في الموعظة التالية إن شاء الله.

    نسأل الله أن يتقبل منا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والحمد لله رب العالمين.