إسلام ويب

وتعاونوا على البر والتقوىللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن التعاون على البر والتقوى من أصول شرعة الإسلام، وهو مما تطمئن إليه نفوس العباد، ومن معان البر حسن صلة المخلوق بخالقه بأداء الطاعات الظاهرة والباطنة، وترك المحرمات واجتناب المنكرات، وإضافة إليه حسن صلة المخلوق بغيره من المخلوقين، بالإحسان إليه والشفقة عليهم، وعدم الإضرار بهم وأذيتهم لا بقول باللسان، ولا بعمل بالجوارح والأركان.

    1.   

    التعاون على البر والتقوى في شريعة الإسلام

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة المؤمنين! تدارسنا في الموعظة السابقة مكانة الأخلاق في الإسلام، واحتياج العباد إليها على الدوام، كيف لا وهي أحد الركنين الركينين اللذين يقوم عليهما دين الإسلام، تعظيماً للرحمن، وشفقة وإحساناً إلى الأنام، وقد أشار ربنا جل وعلا إلى هذين الأمرين في كثير من آيات القرآن، ففي صدر سورة المائدة يقول ربنا الرحمن: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2]، (وتعانوا على البر)، والبر هو الشفقة على المخلوق، والإحسان إليه، (والتقوى) تعظيم الخالق وعبادته وحده لا شريك له، تعاونوا على حسن الصلة فيما بينكم، وعلى عبادة ربكم جل وعلا، (ولا تعاونوا على الإثم)، على المعاصي والمنكرات التي تضيعون بها حق رب الأرض والسماوات، (والعدوان)، وهو ظلم بعضكم بعضاً، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    1.   

    معاني البر في شريعة الله

    المعنى الأول: الإحسان إلى الخلق والشفقة عليهم

    عباد الله! ولفظ (البر) يأتي بمعنيين في شريعة الله المطهرة، يأتي بالمعنى الذي أشرت إليه، وهو الإحسان إلى الخلق، والشفقة عليهم، وعلى هذا يتنزل كلام نبينا عليه الصلاة والسلام الثابت في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم وسنن الترمذي، والحديث رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه، ورواه الإمام الدارمي في مسنده من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )، (البر حسن الخلق)، حسن الصلة مع عباد الله هذا هو البر، وتعاونوا على البر والتقوى، البر حسن الخلق، (والإثم ما حاك في نفسك)، أي: ما تردد واضطرب ولم تطمئن إليه، (ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فالبر والتقوى مما تطمئن إليه نفوس العباد، والإثم والعدوان مما تضطرب نفوس العباد نحوه، فقد فطر الله عباده على معرفة الحق والميل إليه، وعلى معرفة الباطل والنفرة منه، ولا يمكن للإنسان أن يقع في الباطل إلا بعد أن يتجاوز الفطرة التي فطره الله عليها، ويتجاوز حدود الشرع أيضاً.

    ولذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن البر والتقى تطمئن إليه نفوس العباد، كما في مسند الإمام أحمد، ومسند الدارمي بإسناد صحيح عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا لا أريد أن أدع شيئاً من أمر البر والإثم إلا وأسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصلت إليه قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ادن يا وابصة ! فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته عليه صلوات الله وسلامه، فجمع النبي عليه الصلاة والسلام أصابعه الثلاث، وبدأ ينكت في صدري، وقال: يا وابصة ! جئت تسألني يا وابصة ! أخبرك عما جئت تسألني عنه أو تسألني )، أي: تحب أن تسأل لأجيبك أو أن أعلمك بالذي جئت لتسأل عنه؟ والله قد أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما جاء وابصة ليسأل عنه، فقال: أخبرني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول وابصة : فنكت في صدري النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: ( جئت تسأل عن البر والإثم، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك، وإن أفتاك الناس وأفتوك )، استفت نفسك، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

    المعنى الثاني: حسن الصلة بالخالق والمخلوقين

    ذكرنا المعنى الأول للفظ البر وهو حسن الصلة بينك وبين الخلق، ويأتي لفظ البر بما هو أعم من ذلك، وهو حسن الصلة بينك وبين المخلوقات، وعلى هذا يتنزل قول رب الأرض والسماوات في سورة البقرة: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ [البقرة:177]، وهي الشدة والفقر، وَالضَّرَّاءِ [البقرة:177]، وهي المرض والضر، وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة:177]، وهي الشدة التي تكون في القتال والحرب، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177].

    فلفظ البر في الآية الكريمة استعمل لجميع الطاعات الظاهرة والباطنة التي بينك وبين الخالق، وبينك وبين المخلوقات، جميع الطاعات دخلت في لفظ البر، وقد حمل بعض أئمتنا الكرام حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه على هذا المعنى، والمعنى الأول كما قلت أظهر، فقالوا في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البر حسن الخلق ) ، أي: حسن الخلق مع الحق ومع الخلق، والحق تحسن خلقك معه عن طريق عبادته وتعظيمه، والخلق تحسن خلقك معهم عن طريق الشفقة عليهم والإحسان إليهم، البر حسن الخلق مع الخلق ومع الحق.

    وقالوا تأويلاً آخر بناءً على أن البر هو أعم من حسن الصلة بينك وبين المخلوقات، قالوا: إن معظم البر حسن الخلق، فإذا أريد من حديث النواس بن سمعان حسن الصلة بينك وبين الأنام، فالمراد من قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( البر حسن الخلق )، معظم البر حسن الخلق، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام الثابت في صحيح مسلم من حديث أبي رقية تميم الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدين النصيحة -أي: معظم الدين النصيحة- قلنا: لمن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )، وهذا المعنى أيضاً كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحج عرفة )، والحديث رواه الإمام أحمد، وأهل السنن الأربعة، وابن حبان وابن خزيمة والحاكم، وهو صحيح، أي: معظم أركان الحج عرفة، وعليه البر حسن الخلق، إذا قلنا: إن لفظ البر ما هو أعم من الصلة بينك وبين المخلوقات، فهو صلة بينك وبين الخالق، وصلة بينك وبين المخلوقات، فيحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البر حسن الخلق ) على أن معناه: معظم البر حسن الخلق مع الناس، ولك أن تقول: البر هو طاعة الله بجميع أنواع وأشكال الطاعات، البر حسن الخلق إذا كان مع الحق ومع الخلق، والتأويل الأول كما قلت أظهر، البر المراد منه الصلة بينك وبين الناس تكون في حسن الخلق، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    من مقاصد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى حسن الخلق

    إخوتي الكرام! هذا الأمر وهو حسن الخلق هو من المقاصد الأساسية لبعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن الأنبياء قبله بعثوا بالأخلاق الحسنة الفاضلة الكريمة، ودعوا الناس إلى ذلك، لكنه جاء عليه صلوات الله وسلامه ليتمم الأخلاق، وليدعو إلى أعلى ذروة فيها، وأن بعثته تضمنت هذا الأمر عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في مسند الإمام أحمد، والحديث رواه البخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، وهو في كتاب شعب الإيمان للإمام البيهقي وطبقات ابن سعد وإسناد الحديث صحيح، وهو من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ، وفي رواية: ( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) ، الأخلاق موجودة، وما من نبي إلا وقد دعا إليها، لكن مكارم الأخلاق على وجه التمام والكمال لم توجد إلا في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فحسن الصلة بين المخلوقات، وتنظيم أمور المعاملات على وجه التمام والكمال ما تم إلا في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإن أردت أن تتحقق من هذا فانظر إلى مثالين فقط.

    المثال الأول: الجهاد وهو قتال العباد من أجل تعبيدهم لربهم جل وعلا، تنوعت شرائع الأنبياء قبل نبينا عليه الصلاة والسلام إلى موقفين اثنين نحو هذه الشعيرة، فقسم من أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه أمروا بالجهاد وقتال العباد لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وما أحل الله لهم المغانم عندما يقاتلون، وعلى هذا شريعة نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وهكذا غيرهم من الأنبياء.

    وقسم من الأنبياء بعثوا بالعفو والصفح دون قتال في سبيل الله، وعلى هذا شريعة نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وقد بعث الله نبينا عليه الصلاة والسلام بأكمل الأمور وأتمها، بعثه بالجهاد، وأمره بالعفو والصفح، وأحل له المغانم التي لم تحل لأحد قبله عليه صلوات الله وسلامه، وهذا هو من محاسن الأخلاق ومكارمها، وهذا هو أحسن صلة تقع بين المخلوقات في هذه الحياة.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر -عليه صلوات الله وسلامه-، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأعطيت الشفاعة -عليه صلوات الله وسلامه- )، في هذه الشعيرة ما أبيح لأحد قبلنا المغانم إذا قاتلوا عندما أذن لهم بالقتال، والفريق الذين لم يؤذن لهم بالقتال إنما أمروا بالصفح، وجاء نبينا عليه الصلاة والسلام فتمم الله به مكارم الأخلاق ومحاسنها، فجعل أحسن صلة تقع بين الناس في شريعته عليه صلوات الله وسلامه.

    خذ حكماً آخر مما يقع بين الناس وهو القصاص، في حال قتل القاتل إذا قتل عمداً بغير حق، شريعة موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يخير أولياء المقتول بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: بين القصاص وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا [المائدة:45]، أي: التوراة، أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، وبين العفو دون أن يأخذ دية، إما أن يقتل القاتل وإما أن يعفو.

    وفي شريعة نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أولياء الدم يخيرون بين أمرين: بين أخذ الدية أو العفو، ولا يحق لهم أن يطالبوا بالقصاص، فجمع الله لهذه الأمة الكمالات بأسرها، فأولياء الدم بين خيارات، إن شاءوا أن يقتصوا، وإن شاءوا أن يأخذوا دية على حسب ما يرضيهم، وإن شاءوا أن يعفوا، والله غفور رحيم، أمور ثلاثة خيروا بها.

    ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )، ( لأتمم صالح الأخلاق )، وإذا أردت أن تتحقق من مكان نبينا عليه الصلاة والسلام بين الأنبياء السابقين، فاسمع إلى هذا الحديث الذي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً، فأجملها وأحسنها إلا لبنة في زاوية من زواياها -أي: بقيت لبنة لم توضع، والبناء المحكم فيه فجوة وفيه خلل، وفيه شيء من النقص- فجعل الناس يطوفون بهذه الدار، ويقولون: ما أحسنها! وما أجملها! لولا موضع هذه اللبنة، قال عليه الصلاة والسلام: فأنا اللبنة، وأنا خاتم المرسلين ) عليه صلوات الله وسلامه، (أنا اللبنة) به اكتمل البناء وتمت الشريعة على أحسن وجه وأكمله، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

    1.   

    أحوال العبد في تعامله مع الناس

    إخوتي الكرام! وهذه الأخلاق التي هي البر، التي هي حسن الخلق مع الناس، لا بد من تحديد مدلولها؛ لئلا تبقى الكلمة مطاطة عائمة كل واحد يفسرها بما يحلو له، إن معاملة الإنسان لغيره تنحصر في ثلاث معاملات لا رابع لها، المعاملة الأولى: معاملة جور، أي: عندما يظلم ويعتدي، والمعاملة الثانية: معاملة عدل، والمعاملة الثالثة: معاملة فضل، أما المعاملة الأولى وهي الجور فمن اتصف بها ففيه شيء من سوء الخلق بمقدار اتصافه بها، وهو ممن ظلموا أنفسهم، وأما المعاملة عن طريق العدل بحيث يعطيه حقه ولا يعتدي عليه، فمن اتصف بذلك فهو من المقتصدين، وأما المعاملة الثالثة وهي: معاملة الفضل، فمن اتصف بها وأعطاه ما لا يجب عليه أن يعطيه، وأحسن إليه فيما لا يجب عليه أن يحسن إليه، فهو من السابقين المقربين، ففي معاملتك للناس لا تخرج أحوالك عن ثلاث حالات:

    الحالة الأول: حالة جور وأنت ظالم.

    والحالة الثانية: حالة عدل وأن مقتسط.

    والحالة الثالثة: حالة فضل وأنت سابق مقرب.

    أما حالة العدل التي ينبغي أن يقوم بها كل واحد نحو عباد الله ليخرج من الظلم، فلها ثلاث صور، وحالة الفضل لها ست صور، ولا يخرج حسن الخلق عن هذه الصور الواجبة والمندوبة، أما الصور في حالة المعاملة الواجبة، أن تعامل عباد الله بالعدل، فلا تظلم ولا تؤذي ولا تجور، والحالة الثانية: أن تساعدهم فيما تعينت عليك مساعدتهم فيه، فهذه معاملة واجبة، والحالة الثالثة: أن تحب لهم ما تحبه لنفسك، هذه أمور واجبة سأبسط الكلام عليها في مواعظ متعددة.

    وأما المعاملة التي هي من قبيل الفضل: أن تساعدهم فيما تتعين مساعدتهم فيه، لكن ما تعين ذلك عليك ولا وجب، والحالة الثانية: أن تساعدهم فيما لا تتعين مساعدتهم فيه، والحالة الثالثة: أن تؤثرهم على نفسك، وأن تفضلهم على نفسك.

    حسن الخلق يدور حول هذه الأمور الستة، ثلاثة واجبة، وثلاثة مندوبة، فلنتكلم على أول حق من أقسام الخلق الواجب، الذي يجب عليك أن تقوم به نحو عباد الله، لتسلم من الجور والظلم، يجب أن تعامل عباد الله بالعدل، وأن لا تظلمهم، وأن لا تجور عليهم، وهذا أقل ما يجب لعباد الله عليك، أقل ما يجب لعباد الله عليك أن تعطيهم حقوقهم، وأن لا تعتدي عليهم، وأن لا تظلمهم في أنفسهم، وفي أموالهم، وفي أعراضهم، وفي حقوقهم ومستحقاتهم، هذا أقل ما يجب عليك، يقول العبد الصالح يحيى بن معاذ الرازي، وقد توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة، وهو من العلماء الربانيين، ومن أقواله الكريمة يقول: الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، قيل له: وما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في محله، ومن كلامه الحسن ومواعظه الطيبة، أنه مر على رجل في يوم حار وهو يقطع الأحجار، وهذا الرجل يغني، فبكى هذا العبد الصالح وقال: مسكين ابن آدم يقوى على قطع الأحجار في حر النار، ولا يصبر على ترك الأوزار، مسكين ابن آدم.

    يقول هذا العبد الصالح في تقرير الخلق الواجب: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثاً: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تمدحه فلا تذمه، وإن لم تفرحه فلا تغمه، ليكن حظ المؤمن منك ثلاثاً، ما أحسنت إليه وما نفعته وما قدمت معروفاً إليه فلا تضره ولا تؤذه، وإذا لم تمدحه ولم تثن عليه فلا تسبه ولا تذمه، وإذا لم تفرحه فلا تحزنه ولا تسئ إليه، ليكون حظ المؤمن منك ثلاثاً: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تمدحه فلا تذمه، وإن لم تفرحه فلا تغمه.

    وحقيقة هذا واجب، وأقل ما يجب للعباد عليك، وقد بين لنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن من خرج عن هذه الدائرة فقد انحرف عن الإسلام، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ، إذا ما مدحتهم فلا تذمهم، إذا ما أحسنت إليهم فلا تسئ إليهم، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وخص النبي صلى الله عليه وسلم هذين العضوين وهاتين الجارحتين بالذكر لأن معظم الأعمال والأقوال تكون بهما، أكثر الأعمال تباشر باليدين، ولا يخرج قول عن الفم، وإنما قدم نبينا صلى الله عليه وسلم اللسان على اليدين لأنه كما قال أئمتنا الكرام: صغير جرمه كبير جرمه، هو صغير الحجم لكن جرمه ووزره وإثمه وشناعته كبيرة كبيرة، ولذلك دائرته أوسع، أي: دائرة الظلم فيه أوسع، والظلم به يكون أشنع وأشنع، وكما قال أئمتنا: مسه أوجع، وميسمه أفظع، وحده أحد، ووقعه أشد.

    جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان

    قد تضرب إنساناً بسلاح وتقطع يده، ثم تستسمحه فيسمح عنك، لكن قد تتكلم في عرضه ثم لو بذلت له مال الدنيا بأكمله تطلب منه العفو لبقي في نفسه شيء.

    جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان

    ولذلك قدم النبي صلى الله عليه وسلم خطر اللسان على اليدين، ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ، فإذا رتع لسانك في عرض مؤمن، وآذيت بجوارحك مؤمناً فقد خرجت عن العدل، فأنت من الجائرين الظالمين، وقد أغضبت رب العالمين، ومأواك نار الجحيم، (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، اللسان يتناول القريب والبعيد من الحاضرين، ويتناول الحاضرين والغائبين، ويتناول الصغير والكبير، ويتناول المكلفين وغيرهم، ويتناول المخلوق والخالق، لا يسلم من اللسان أحد، وطوبى لمن ملك لسانه، فأكثر خطايا بني آدم في ألسنتهم، وهذا الحديث الثابت في الصحيحين روي برواية أخرى عن أنس بن مالك رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد ومسند البزار وأبي يعلى، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وإسناده صحيح عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأعراضهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفس محمد بيده -عليه الصلاة والسلام- لا يدخل عبد الجنة حتى يأمن جاره بوائقه )، يعني: شره وضره وغوائله وفتنته.

    وتقدم معنا إخوتي الكرام! حديث الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الذي لا يؤمن جاره بوائقه ) ، فقد خرج عن العدل وحده، وصار من الجائرين الظالمين القاسطين، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]، وهم الظالمون المعتدون المتجاوزون العدل.

    1.   

    ما يتوجب على المسلم من العدل وترك الظلم

    إخوتي الكرام! أقل ما يجب للعباد عليك أن تعدل معهم، هذا أقل ما يجب، وإذا سلم الناس من لسانك وعاملتهم هذه المعاملة الواجبة فقد حصلت أصل الخلق الحسن وتمامه وكماله بالمعاملة المندوبة، إنما إذا لم تحصل هذا فقد خرجت عن الخلق الحسن، وصرت من عباد الله الظالمين الجائرين، ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم ينبه دائماً إلى أداء هذا الحق نحو عباد الله، ويقرنه بحق الله، ففي معجم الطبراني الكبير بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: الصلاة على مواقيتها -وهذا أعظم حقوق الله- قلت: ثم ماذا؟ قال: أن يسلم الناس من لسانك )، إذا عظمت الله فأشفق على عباد الله، ولا تعتد عليهم، ( أن يسلم الناس من لسانك )، وهذه رواية الطبراني كما قلت في المعجم الكبير بإسناد صحيح، وصدر الحديث في الصحيحين وتكملته في الصحيحين، أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله؟ قال: ( الصلاة على مواقيتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين ) ، تعظيم للخالق وشفقة على المخلوق، وأعلى أنواع المخلوقين الذين ينبغي أن تحترمهم وأن تحسن خلقك معهم أبواك، ( قال: بر الوالدين، قلت: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني )، الجهاد يجمع تعظيم الله، عندما نقاتل لإعلاء راية لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويجمع أيضاًالشفقة على المخلوق، عندما نخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، لا نقاتل إلا لتعبيد العباد لربهم جل وعلا، وكل قتال لغير هذه الغاية فهو ضلال إلى ضلال؛ لأنه من أجل تحصيل عرض سريع الزوال، لا نقاتل إلا ليكون العباد عبيداً لربهم جل وعلا، وإذا دخلوا في دين الله فهم إخواننا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

    أفضل الأعمال الصلاة على مواقيتها، ثم أي؟ أن يسلم الناس من لسانك.

    إخوتي الكرام! المعاملة عن طريق العدل، هذا واجب لا يسقط عنك في وقت، ولا يستثنى من ذلك معاملة، فريضة الله الدائمة التي فرضها الله علينا في جميع معاملاتنا أن نعدل، وإذا أردنا أن نزداد حسن خلق فلنتفضل، أما العدل لا بد منه، وإذا انحرفت عنه فقد وقعت في الظلم والجور، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذين يحافظون على العدل لهم أجر كبير عند ربنا الجليل سبحانه وتعالى، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم، والحديث رواه الإمام النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ) ، أي: ما ولوا عليه وصاروا ولاة ورعاة ودخل تحت حكمهم، يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا، هؤلاء على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، (إن المقسطين) من أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى ظلم وجار، ومنه قول الله: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ [الجن:15]، من قسط، وإن المقسطين من أقسط، (إن المقسطين)، إن العادلين، وهذا أقل ما يجب -كما قلت- عليك نحو عباد الله، وأعلى من هذا أن تضم إلى العدل الفضل، والجور ينبغي أن تبتعد عنه؛ لئلا تكون ممن ظلموا أنفسهم، (إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) .

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن العباد إذا اتصفوا بالعدل والصدق في هذه الحياة فلهم خيرات وبركات، وإذا انحرفوا عن ذلك فستعجل لهم العقوبات مع ما يدخر لهم بعد الممات، روى الإمام أحمد في المسند، والحديث رواه أهل الكتب الستة باستثناء سنن ابن ماجه من رواية العبد الصالح حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو قال: حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) ، الصدق وبيان ما في السلعة من عيب هذا واجب وهذا عدل، وإذا غششت وكتمت فقد خنت وجرت، هذا ظلم، ( فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما )، لهذا في الثمن ولذاك في المثمن والسلعة، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما.

    وقد أخبرنا الله جل وعلا أنه مع عباده ما لم يخونوا ويجوروا ويظلموا، فإذا خانوا وظلموا وجاروا وانحرفوا عن العدل، وخرجوا عن أقل ما يجب عليهم، إذا اتصفوا بذلك فالله يكلهم إلى أنفسهم، ومن أعظم شقاء العباد أن يوكلوا إلى أنفسهم، نسأل الله أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.

    ثبت في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما ) ، سبحانك ربي! كيف سيكون حالهما بعد ذلك؟ هو ثالث الشريكين معهما بنصره وتأييده وبركته وحفظه ورعايته، هو ثالث الشريكين يبارك لهما في هذه الشركة، وفي هذه الأموال، وهذه المعية معية خاصة، معية تأييد ورعاية وتوفيق وتسديد، ( أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ) ، إذا خان وجار فالله لا يبارك في هذه الشركة، ( فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما )، وفي رواية الدارقطني: ( يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفع الله يده عنهما )، سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! أول ما يجب علينا نحو عباد الله أن نعدل معهم، وأن لا نظلم ولا نجور، نسأل الله أن يسلمنا وأن يسلم الخلق منا، وأن يحسن أخلاقنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    من صور ظلم العبد لغيره

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً، وارض اللهم عن الصحابة الصادقين الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله! إذا لم يتصف الإنسان بالعدل في معاملاته فهو جائر ظالم، وصور الجور والظلم كثيرة وفيرة، سأتناول كثيراً منها في مواعظ متعددة لأبين أن من اتصف بشيء من ذلك فقد خرج عن الخلق الواجب، فلا ينفعه بعد ذلك خلق مستحب مندوب؛ لأن ترك ما حرمه الله علينا واجب، ولأن فعل الواجب واجب، وأما بعد ذلك حسن الخلق عن طريق الفضل والكرم فذاك نافلة إن فعلتها أصبت، وإلا فلا عقاب عليك، أما هذه الأخلاق الواجبة الثلاثة في معاملاتك: عدل، ومساعدة فيما يتعين عليك، وأن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، هذا واجب، إذا فرطت في شيء من ذلك فأنت جائر ظالم.

    والله جل وعلا أخبرنا أن الظالمين لهم عذاب أليم، وأنه يلعنهم ليدخلهم نار الجحيم: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:57-58].

    وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الظلم الذي هو خروج عن دائرة العدل، يحذرنا من الظلم بجميع أنواعه، ففي المسند والصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند ومسلم في صحيحه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة )، وتكملة حديث جابر رضي الله عنهم أجمعين: ( واتقوا الشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) .

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا المخلوق سيده خالقه، فمن اعتدى على مخلوق فليهيئ نفسه لخصومة الخالق ومحاربته، ومن كان الله خصمه خصمه، ثبت في صحيح البخاري وسنن ابن ماجه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر ) ، أعطى عهوداً ومواثيق، وأكدها بالله العظيم، ثم غدر بمن أعطاه العهد ونقض العهد معه، خصمه رب العالمين ( رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه ) ، ادعى العبودية على بعض الأحرار وغصبه وباعه وأخذ ثمنه، ( ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه -يعني: العمل- ولم يعطه أجره ) ، فقد ظلمه عندما لم يعطه حقه، إذا لم تتفضل عليه فلا أقل من العدل، ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) .

    عباد الله! كما قلت: صور الظلم التي تقع في الاعتداء على النفس والعرض والمال وحقوق الناس وكرامتهم، يأتي تفصيلها مع أدلتها في المواعظ الآتية إن شاء الله، اللهم إنا نعوذ بك من أن نضل أو نضل، ونعوذ بك من أن نزل أو نزل، اللهم إنا نعوذ بك من أن نظلم أو نظلم، نعوذ بك اللهم من أن نجهل أو يجهل علينا، اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئ الأخلاق لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا، ولمن علمنا وتعلم منا، ولمن أحسن إلينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سم الله الرحمن الرحيم، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].