إسلام ويب

هل للقاتل من توبة؟للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد توعد الله عز وجل أهل العصيان بالنيران، جزاء تعديهم لحدوده، واستخفافهم بقدرته سبحانه وجبروته، ولكن ليس كل من عصى متوعداً بذلك، فإن الله برحمته التي وسعت كل شيء أمهل العصاة والمذنبين ليتوبوا مما اقترفوا ويئوبوا إلى رحاب مولاهم عز وجل، وجعل غاية إمهال العاصي أن يكون ذلك قبل حلول أجله، وقبل قيام الساعة، فالبدار إلى التوبة إلى الرب الرحيم الغفار.

    1.   

    التحذير من قتل النفس المعصومة وما فيه من الوعيد

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جرى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه أجمعين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! كنا نتدارس الأخلاق الواجبة التي ينبغي أن يقوم الإنسان بها ليتصف بحسن الخلق، وهذه الأخلاق الواجبة تكون في ثلاثة أحوال، ولها ثلاثة أنواع، لا بد من الإتيان بها لتحصيل حسن الخلق.

    أولها: أن نعامل الخلق بالعدل، فلا ظلم ولا جور، وأن نحب لهم ما نحبه لأنفسنا، وهو الأمر الثاني، وأن نساعدهم إذا تعين مساعدتهم علينا، هذه الأمور الثلاثة معاملات واجبة، أخلاق حسنة واجبة، من انحرف عن شيء منها فهو سيئ الخلق بلا شك.

    عباد الله! وقد كنا في الموعظة الماضية نتدارس الأول منها: معاملة الخلق بالعدل، فلا ظلم، ولا جور، فقلت: إن هذا العدل يكون في عدة أمور، في أرواح الناس وأبدانهم، فلا يجوز أن نظلمهم في ذلك، ولا أن نعتدي عليهم في أموالهم وممتلكاتهم، في أعراضهم وحريمهم، في حقوقهم وقدرهم ورتبتهم، هذه الأمور الأربعة لا يجوز أن نجور ولا أن نظلم فيها، لنتصف بالعدل في عباد الله في هذا الأمر.

    إخوتي الكرام! لقد أخذنا الأول منها، وهو: أن يأمن الناس منا في أرواحهم وأبدانهم، فلا يجوز أن نقتلهم، ولا أن نضرب أبدانهم، سواء كانوا أحراراً أو عبيداً، وسواء كانوا من المكلفين، أو من الحيوان البهيم كما تقدم معنا تقرير هذا بأدلته الصريحة الصحيحة.

    إخوتي الكرام! وهذا الأمر بالمحافظة على أرواح الناس وأبدانهم، وعدم الاعتداء عليهم هو آكد وأهم ما يجب علينا نحو خلق الله وعباد الله، وقد بينت ما في الاعتداء على ذلك من عقوباتٍ عظيمةٍ كبيرة، وقد هول الله جل وعلا من أمر قتل النفس المعصومة، فجعل قتل نفس واحدة بمثابة قتل الناس جميعاً، قال الله جل وعلا في سورة المائدة بعد أن ذكر قصة ابني آدم وكيف اعتدى أحدهما على أخيه بالقتل، قال الله جل وعلا: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] .

    من قتل نفساً بغير نفس، أي ما قتل نفساً تستحق القصاص، أو من غير سبب فسادٍ في الأرض، من قتل نفساً بغير نفس، أو بغير سبب فسادٍ في الأرض، فلا يجوز قتل النفس المعصومة إلا بسببين: إما عن طريق القصاص، وإما أن النفس تستحق القتل لإفسادها في الأرض عن طريق الحرابة وقطع الطرق، وعن طريق الكفر بالله والردة ومحاربة شريعة الله، وعن طريق الاعتداء على الأعراض، كل هذا من باب الفساد في الأرض، فلا يجوز أن يقتل نفساً معصومةً إلا قصاصاً، وإلا إذا كانت تلك النفس تفسد في الأرض، وأما في غير هاتين الحالتين فمن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، وقد تعددت أقوال أئمتنا في ترتيب هذا التشبيه، والذي يبدو لي ويظهر والعلم عند الله، أن ربنا جل وعلا جعل قتل النفس بمثابة قتل جميع الخلق من أوجهٍ ثلاثة: في الحرمة، فالنفس الواحدة محرمٌ عليك قتلها، ويجب أن تحافظ على حياتها، والناس جميعهم كذلك يشتركون في هذا الأمر، وفي القصاص، يجب عليك القصاص إن قتلت نفساً أو نفسين أو قتلت الناس جميعاً، فلا يجب عليك إلا هذا.

    والثالث: في الوعيد، فإذا قتلت نفساً أو أكثر فلك جهنم خالداً مخلداً فيها، وعليك غضب الله ولعنته، ولك في جهنم عذابٌ عظيم، فالعقوبة في ذلك سواء قتلت نفساً أو أكثر.

    إذاً فكأنما قتل الناس جميعاً في الحرمة، والقصاص، والوعيد، كما نقل عن حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما في تفسير الطبري وغيره، قال: هذا في حق من قتل نبياً أو عالماً، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، يقول: هذا لو كان المقتول نبياً على نبينا وأنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، لو كان المقتول نبياً أو كان عالماً، ولا يقصد هذا الإمام المبارك حصر الآية في هذا، إنما يريد أن يبين أشنع صور قتل النفس، فأشنع صور القتل أن يقتل الإنسان نبياً أو أن يقتل عالماً وهو خليفة النبي كما قال الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:21-22].

    مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ [المائدة:32] ، أي: قتلها بغير إفسادها في الأرض، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا [المائدة:32]، بأن لم يقتلها، وتركها تتمتع في الحياة التي منحها الله لها، (ومن أحياها)، بأن خلصها من موت وهلكةٍ أو حرق أو غرق، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32].

    عباد الله! وكان الواجب علينا في هذه الموعظة بعد أن تدارسنا هذا الحق أن نتدارس الأمر الثاني الذي ينبغي أن نتصف بالعدل فيه وعدم الجور، ألا وهو المحافظة على أعراض الناس وحريمهم، لكني أعجب من إخوتي الكرام حث تساءلوا عن الموعظة السابقة، وأسئلتهم دارت حول أمرين: بعضهم يقول: لو تاب القاتل ألا يغفر الله له؟ وأنت تذكر في الآيات: أن من قتل نفساً بغير نفس فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، فإذا تاب هل يناله هذا الوعيد؟ وإذا لم يتب هل سيخلد في نار جهنم؟ كانت أسئلة عدد من الإخوة الكرام حول هذين الأمرين: إذا تاب القاتل ألا تقبل توبته؟ وإذا لم يتب هل هو مخلدٌ في نار جهنم كالكفار؟

    وحقيقةً كل من الأمرين وجيه معتبر ينبغي أن نقف عنده، وهذا ما سأتكلم عليه في هذه الموعظة إن شاء الله.

    1.   

    فضل التوبة من المعاصي

    إخوتي الكرام! جميع الوعيدات التي توعد الله بها العصاة مقيدةٌ بأمرين اثنين، فلا ينال الوعيد العاصي إذا وجد أحد هذين الأمرين:

    الأمر الأول: التوبة من المعاصي. فإذا تاب المذنب تاب الله عليه، ورحمة الله واسعة، وهذا الأمر قد قررته آيات القرآن، وتواترت به أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، يقول ربنا المعبود في سورة البروج بعد أن ذكر حال الذين قتلوا أولياءه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10]، قال الحسن البصري عليه رحمة الله: انظروا لهذا الكرم والجود والرحمة، قتلوا أولياءه ثم دعاهم إلى التوبة والإنابة، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    وأخبرنا الله جل وعلا أن الجنة أعدت لأصنافٍ كثيرة منهم التائبون الذين يقلعون عن ذنوبهم وفواحشهم وخطيئاتهم، يقول ربنا الرحمن في سورة آل عمران: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136].

    إذاً إذا تابوا لا ينالهم الوعيد.

    الأحوال التي لا تقبل فيها التوبة

    والتوبة تقبل من الإنسان ما لم يصل الإنسان إلى إحدى حالتين:

    الحالة الأولى: إذا بلغت روحه الحلقوم، وغرغر بروحه، ورأى مقعده من الجنة أو النار، ودخل في أول مرحلةٍ من مراحل البرزخ والآخرة، فلا تقبل التوبة في هذا الوقت، قال الله جل وعلا في سورة النساء: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17].

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، على فضل الله وكرامته، (إنما التوبة على الله)، إنما التوبة من الله للذين يعملون السيئات من عباده ثم يتوبون من قريب، والسيئات هي مطلق المعاصي، سميت بذلك لسوء عاقبتها.

    تفنى اللذائذ ممن نال لذتها من الحرام ويبقى الإثم والعار

    تبقى عواقب سوءٍ في مغبتها لا خير في لذةٍ من بعدها النار

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، والجهل يأتي بمعنيين: يأتي بمعنى ضد العلم، ولا يراد هو، فلا يجهلون أحكام الله إنما يعرفون، وإنما يراد من الجهل هنا الطياشة والحماقة والسفه كما قال القائل:

    ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

    وقال الآخر:

    عقولنا تزن الجبال رزانةً وتخالنا جنا إذا ما نجهل

    فالمراد من الجهالة هنا الحماقة والطياشة، كما أنهم يجهلون حكم الله فيما فعلوه، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ [النساء:17]، المعاصي وهم سفهاء، وكل من عصى الله فهو سفيه وجاهل، (ثم يتوبون من قريب)، كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب.

    قال أبو العالية رضي الله عنه وهو من أئمة التابعين: أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً على أن كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ثم ذكر الله نوعين آخرين لا تقبل منهم التوبة، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18]، قال أبو العالية : الصنف الأول من المؤمنين، والصنف الثاني هذا في حق المنافقين، يعملون السيئات، وهم أصحاب النفاق الأكبر، فإذا احتضروا ورأوا مقعدهم من النار تابوا وأنابوا فلا تقبل توبتهم، والصنف الثالث في الكافرين، وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، فلا تقبل توبتهم، أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:18].

    فالتوبة تقبل ما لم تصل الروح إلى الغرغرة، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه، وإسناده صحيح من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر).

    والحالة الثانية التي لا تقبل التوبة فيها: إذا طلعت الشمس من مغربها، كما أشار إلى هذا ربنا الرحمن في سورة الأنعام، فقال جل وعلا: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة:210]، هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، وبعض الآيات التي تأتي فلا تقبل التوبة إذا جاءت طلوع الشمس من مغربها كما ثبت هذا عن خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

    وفي مسند الإمام أحمد والصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فيومئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً).

    وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه).

    وفي المسند أيضاً وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها).

    عباد الله! وهذه التوبة إذا وجدت شروطها، ولم تقع في إحدى هاتين الحالتين؛ لا عند الغرغرة، ولا بعد طلوع الشمس من مغربها، فهي مقبولةٌ عند الله، ويغفر للمذنب ذنبه عندما يتوب.

    ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه من رواية أبي هريرة ، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو يعلى من رواية أنس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم السماء، ثم تبتم إلى الله لتاب الله عليكم).

    وفي صحيح مسلم وغيره في الحديث القدسي الطويل الذي يرويه أبو ذر عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، عن ربنا جل وعلا أنه قال: (يا عبادي! إنكم تخطئون في الليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم).

    وقد ثبت في المسند والصحيحين وسنن ابن ماجه من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كان رجلٌ قبلكم في الأمم السابقة قتل تسعةً وتسعين نفساً -فالذي يسأل عن القتل فليعلم الجواب- فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فقال له: من قتل تسعة وتسعين نفساً -أي: هذا السائل يقول عن نفسه- ويريد أن يتوب، فهل له من توبة؟ فقال له الراهب: لا، فقتله هذا القاتل فكمل به المائة، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أرضك أرض سوء، فاخرج إلى أرض كذا ففيها أناسٌ يعبدون الله فكن معهم، فخرج الرجل إلى تلك الأرض التي فيها أناسٌ صالحون، حتى إذا نصف الطريق -أي: صار في منتصفه- قبضت روحه، فجاءت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كل واحدٍ من القسمين يريد أن يأخذه إلى طرفه، أما ملائكة العذاب فتقول: لم يعمل خيراً قط، وأما ملائكة الرحمة فتقول: إنه جاء مقبلاً على ربه بقلبه، تائباً من ذنبه، كيف يؤخذ إلى العذاب؟! فأرسل الله ملكاً في صورة آدمي ليحكم بين الملائكة الكرام، على نبينا وعليهم جميعاً الصلاة والسلام، فقال: قيسوا ما بين الأرضين: الأرض السيئة التي خرج منها، والأرض الصالحة التي يذهب إليها، فإلى أيهما كان أقرب فهو من أهلها، فوجدوه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر -وفي روايةٍ- قال الله لهذه -يعني الأرض التي خرج منها- تباعدي، وقال لتلك: تقربي، ثم قاسوا ما بين المسافتين، فوجدوه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر).

    قال الحسن البصري : وبلغنا أنه عندما جاءه أجله في وسط الطريق نأى بصدره، أي: وجه صدره إلى الأرض الصالحة مخبراً عن توبته الصادقة.

    وفي رواية الطبراني بإسنادٍ صحيح من رواية معاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أنهم وجدوه أقرب إلى الأرض الصالحة أنملة)، وهي مقدار عقلة الإصبع، فكان من أهل الصلاح، وأخذته ملائكة الرحمة. من تاب تاب الله عليه. التائب حبيب الله، (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له).

    إخوتي الكرام! وقد دلت نصوص الشرع المطهر على أن من تاب فالله يحبه، وهذا من أعظم ما تكرم به علينا، فإذا تبنا إلى الله أحبنا، ولا غرو في ذلك ولا عجب فنحن عباده خلقنا سبحانه لعبادته، فإذا أسرنا الشيطان وأغوانا ثم تبنا إلى مولانا، وتخلصنا من عدونا، فيفرح بنا ربنا سبحانه وتعالى.

    ثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد الله بن مسعود ، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث البراء والنعمان بن بشير ، ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة ، ورواه أبو يعلى من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم إذا كان في أرض فلاةٍ فأضل راحلته، وعليها طعامه وشرابه، ثم وجدها، فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته).

    تبديل الله عز وجل سيئات العاصي حسنات

    وهذه التوبة التي يفرح الله بها، ويتوب على صاحبها، ويحبه، تكرم الله علينا فأخبرنا أن من تاب يقلب الله له السيئات إلى حسنات، وهو الكريم الوهاب، إن إكسير التوبة إذا وضع على الذنوب يحولها إلى طاعات بهذه التوبة التي تحرق المعصية التي باشرها الإنسان عند جهله وعند غفلته، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في كتابه في سورة الفرقان، فقال جل وعلا: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70].

    وهذا التبديل إخوتي الكرام من التبديل الذي يقع في الدارين، يبدل الله سيئاتهم حسنات في هذه الحياة، وهذا هو المشاهد بأعيننا، فبدل زناه بإحصان، وكفره وشركه بإيمان، وقتله بسلام، (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)، زالت الأوساخ الذميمة، وحلّ فيه أخلاقٌ كريمة، لكن هذا التبديل كما يقال: تحصيل حاصل وهو مشاهد، فالآية تشير إلى تبديلٍ أعظم، وهو الذي يقع في الآخرة، ويدل على هذا ما روي عن سلمان الفارسي ، وأبي موسى الأشعري ، وهذا المعنى روي عن جم غفير من التابعين، روي عن السعيدين: سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، وقال به علي بن الحسين زين العابدين ومكحول الدمشقي وعمرو بن ميمون الأودي ، وجمٌ غفيرٌ من التابعين كما قلت قالوا: التبديل يكون في الآخرة، فيجعل الله للعاصي مكان كل سيئةٍ حسنة عندما يتوب إلى الله توبةً نصوحة، ولذلك يتمنى يوم القيامة بعض المذنبين لو أكثروا من الذنوب عندما يقلب الله لهم الخطايا إلى عطايا لصدق توبتهم، وهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

    هذا المعنى كما قلت منقولٌ عن صحابيين، وعن جم غفير من التابعين، والآية ترجح هذا المعنى، فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]، ليس المراد من ذلك التبديل التبديل في الدنيا فقط، فهذا كما قلت تحصيل حاصل، إنما هذه عدة كريمة من ربٍ كريم، وهذا المعنى ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وسأقرره بحديثين اثنين فقط:

    الحديث الأول: رواه البزار والطبراني في معجمه الكبير، ورواه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي طويل شطب الممدود ، يقول: (جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أرأيت من عمل الذنوب كلها، ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجةً ولا داجة -يعني: ما ترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً إلا فعله- فهل له من توبة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل أسلمت؟ قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: تفعل الخيرات، وتترك السيئات، يقلبهن الله لك كلهن حسنات، فقال أبو طويل : وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟ قال: وغدراتك وفجراتك، فكبر ثم ذهب، فما زال يكبر حتى توارى)، والحديث قال عنه الإمام الهيثمي في المجمع، والإمام المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده حسنٌ جيد.

    والحديث الثاني: ثبت في المسند وصحيح مسلم ، ورواه الإمام الترمذي ، وهو في تفسير الإمام الطبري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً، وآخر أهل الجنة دخولاً: رجل يؤتى به فيعرض عليه صغار ذنوبه، فيرفع الله عنه كبار ذنوبه، فيقول الله له: عملت في يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، فلا يستطيع أن ينكر، وهو مشفقٌ من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقول الله له: عبدي! إن لك بكل سيئةٍ عملتها حسنةً)، الحديث في صحيح مسلم ، (إن لك بكل سيئةٍ عملتها حسنةً، فيقول هذا العبد الخطاء: رب هناك أشياء عملتها لا أراها هاهنا، وهي كبار الذنوب؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه)، (إن لك بكل سيئةٍ عملتها حسنة، فيقول: رب! هناك أشياء عملتها لا أراها هاهنا، فضحك نبينا صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه).

    عباد الله! الله يحب منا أن نتوب، وإذا تبنا توبةً صادقةً نصوحاً يبدل الله السيئات إلى حسنات، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    فهذا القيد الأول الذي لا يمكن أن يقع الوعيد على العاصي إلا إذا تخلف، فمن تاب لا يقع عليه الوعيد، ومن تاب تاب الله عليه، فرحمة الله واسعة، لكن كما قلت ينبغي أن يقوم بأركان التوبة وحقوقها وشروطها، فيقلع عن الذنب، ويتوب إلى الرب، ويندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود، ويسترضي أصحاب الحقوق، ويعطي كل ذي حقٍ حقه.

    1.   

    مصير أهل المعاصي من أهل الإسلام إذا ماتوا من غير توبة

    القيد الثاني: إذا لم يتب العاصي هل سيعذب؟ ويترتب على هذا أمرٌ آخر، إذا عذب هل سيخلد؟ والمسألة مهمةٌ إخوتي الكرام لا بد من أن نعيها، والجواب عن الأمر الأول: إذا لم يتب العاصي بقي هناك قيدٌ ثان لوقوع العقاب عليه وهو عدم رحمة الله، وعدم مغفرة الله للعاصي، فإذا تاب لا يناله الوعيد، وإذا غفر الله له لا يناله الوعيد، وهو الغفور الودود سبحانه وتعالى، والأمر الأول وافق عليه أهل الهدى وأهل الردى، أهل السنة وأهل البدع، فقالوا: من تاب لا يناله الوعيد، لكن الأمر الثاني خالفوا فيه، وكلٌ من الأمرين ثابتٌ بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فعلام التفريق بين نصوص الشرع والإيمان ببعضٍ وعدم الإيمان ببعض؟ قال الله جل وعلا في سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116].

    (إن الله لا يغفر أن يشرك به) تقدم معنا أن الدواوين ثلاثة: ديوان الشرك لا يغفر، وديوان المظالم سيقع القصاص فيه إلا إذا غفر الله وتحمل التبعات، وديوانٌ بيننا وبينه فالعفو فيه أقرب، الشرك لا يغفر، ما عداه تحت المشيئة، سواءٌ كان ذلك الذي جرى منك من المعاصي بينك وبين ربك أو بينك وبين الناس، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116].

    وثبت في المسند والكتب الستة باستثناء سنن أبي داود من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وحوله عصابةٌ من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، فبايعناه على ذلك)، وذكر الزنا، وذكر القتل، وذكرت الجرائم، فإذا ستر الإنسان وتاب شأنه إلى الكريم الوهاب، إن عاقبه فعدل، وإن غفر له ففضل، فيغفر له ويتحمل التبعة فيعطي للمظلوم أزيد من حقه، وهو الكريم الرحيم سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! هذه الآية قال عنها أئمتنا: أتت على كل وعيد، كل وعيد توعد الله به العصاة مقيدٌ بهذا الأمر، أي: لا يقع الوعيد على من توعد به إذا غفر الله له، كما أن الوعيد لا يقع عليه إذا تاب من ذنبه وأناب، ولذلك ثبت في معجم الطبراني الأوسط، وفي معجم الطبراني الصغير، والحديث رواه ابن أبي عاصم في شرح السنة، ورواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وإسناده صحيحٌ من رواية عبد الله بن عمر ، والحديث روي في معجم الطبراني الأوسط عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال هذان الصحابيان ابن عمر وابن عباس : (كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر -أي: إذا مات وعليه كبيرة نمسك ولا نستغفر له- حتى سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، يقول ابن عمر وابن عباس : فرجونا بعد ونطقناه. أي: نطقنا بالاستغفار والدعاء، بتكفير الذنب لمن مات وعنده شيءٌ من الذنوب والعيوب.

    وهذا الحديث إخوتي الكرام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، هو من الأحاديث المتواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، روي عن أنس رضي الله عنه، وعن جابر ، وعن سعد بن مالك ، وروي عن جم غفير من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في المسند والسنن والمستدرك وغير ذلك: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، فالشرك لا يغفر، وما عداه تحت المشيئة، وقد ثبت في سنن الترمذي وغيره بسندٍ حسن من رواية أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرةً).

    وفي صحيح مسلمٍ ومستدرك الحاكم من رواية أبي ذرٍ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً، ومن لقيني بقراب الأرض خطايا وهو لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرةً)، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فإذا مات هذا العاصي ولم يتب فأمره مفوضٌ إلى الله جل وعلا، إن شاء عذبه فعدل، وإن شاء غفر له ففضل، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    دخول التبعات وحقوق العباد تحت مشيئة الله في حق من مات دون توبة فيها

    إخوتي الكرام! قد يقول قائل -وهذا ما تساءل عنه كثيرٌ من الإخوة-: هل تدخل التبعات -المظالم- في هذا؟ لو أن إنساناً أخطأ في حق أخيه وظلمه في مالٍ أو في غير ذلك ثم مات، هل يدخل هذا أيضاً في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116]؟ والجواب الذي لا شك فيه: يدخل؛ لأن هذا ليس من باب الشرك، كل ما عدا الشرك داخلٌ تحت المشيئة، فإن قيل: هل يضيع الحق على المظلوم؟ نقول: لا، يكافئه عليه الحي القيوم، الذي هو أبصر منا فيأخذ ممن ظلمه يوم القيامة، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وبذلك وردت الأحاديث والآثار عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، ثبت في المسند والكتب الستة وغير ذلك من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وفي روايةٍ للترمذي : (غفر له ما تقدم من ذنبه).

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرح الحديث وهو في الجزء الثالث صفحة ثلاثٍ وثمانين وثلاثمائة: ظاهر الحديث غفران الصغائر، والكبائر، والتبعات يعني: المظالم، وهو شاهدٌ قويٌ من حديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، ويشهد له حديث ابن عمر في تفسير الطبري وغيره، هذا الحديث الذي هو في الصحيحين وغيرهما .. في الكتب الستة كما قلت، (من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه -خرج من ذنوبه- كيوم ولدته أمه)، الحاج يخرج من الذنوب الصغائر والكبائر والتبعات وهي المظالم، فقد أشار الله إلى هذا في كتابه القرآن، فقال بعد أن ذكر نسك الحج، وخروج الناس من عرفات، وما ينبغي أن يفعلوه في منى، قال جل وعلا: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، انتبه لدلالة الآية: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203]، خرج من ذنبه كيوم ولدته أمه، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203]، بشرط أن تكون متقياً في حجك لربك جل وعلا، وهذا أحد التفسيرين في الآية، وهو أقوى القولين، وهو المنقول عن علي وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وجم غفير من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

    فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203]، غفرت ذنوبه، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203]، أي: مغفرة الذنوب له حاصلة سواء تقدم أو تأخر، بشرط أن يتقي ربه في حجه، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203].

    وثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير وصحيح ابن حبان ، والحديث كما قال عنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: رجاله موثقون من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنه، والحديث طويل سأذكر محل الشاهد منه، وأذكره عند موسم الحج لتطريب وتشويق القلب إلى زيارة بيت الله العتيق، وما يحصله الحاج من أجرٍ عظيمٍ عظيمٍ عظيمٍ، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الطويل: (فإذا كان عشية عرفة هبط الله جل وعلا إلى السماء الدنيا وفاخر وباهى بحجاجه الملائكة، فقال: عبادي جاءوني شعثاً غبراً من كل فجٍ عميق، يرجون رحمتي -وفي رواية: يرجون جنتي- فلو كانت ذنوبه كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها لهم، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له)، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث: (فإذا طاف الحاج طواف الإفاضة جاءه ملكٌ من خلفه فوضع يديه بين كتفيه وقال: اعمل لما يستقدم، فقد غفر لك ما مضى).

    (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، هذا شاهدٌ قوي لحديث العباس بن مرداس المصرح بأن الله يغفر التبعات، وهي المظالم والحقوق، وحديث العباس بن مرداس رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وإسناد الحديث حوله كلام، ففيه مجهولان كما قرر أئمتنا الكرام، لكن له شواهد كثيرة حسان، أذكر الحديث وأذكر كلام الإمام البيهقي معلقاً عليه، والحديث رواه البيهقي في كتابه السنن الكبرى وكتاب البعث والنشور، ولفظ الحديث: عن العباس بن مرداس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة، فقال الله له: قد غفرت لهم ذنوبهم كلها ما خلا المظالم، فإني آخذٌ للمظلوم من الظالم، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام -والذي سماه ربنا بنا رءوفٌ رحيم عليه صلوات الله وسلامه-: رب لو شئت أدخلت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فما أجيب في عشية عرفة، فلما ذهب إلى المزدلفة وأصبح في المشعر الحرام، أصبح نبينا عليه الصلاة والسلام وهو يضحك، فقال له أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: هذه ساعةٌ لا تضحك فيها يا رسول الله، فما الذي أضحكك أضحك الله سنك؟ فقال: إن ربي أجابني إلى ما سألته -أي: غفر لأمتي الذنوب كلها حتى التبعات والمظالم، وأعطى للمظلوم الجنة وغفر للظالم- فرأيت عدو الله إبليس يحثو على رأسه التراب، ويدعو بالويل والثبور على رأسه، فأضحكني ما رأيت من جزعه ).

    وهذا الحديث يقول عنه الإمام البيهقي في السنن: قد رويت وذكرت له شواهد كثيرة في كتاب البعث والنشور، فإن صحت ففيه الحجة وإلا فقد قال الله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، والتبعات والمظالم هي دون الشرك، أي: أن القرآن يقرر هذا المعنى، وهذا المعنى إخوتي الكرام ثبت في أحاديث كثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي وإن كان فيها ضعفٌ من حيث الإسناد فتتقوى عندما تعتضد ببعضها، ويضاف إلى هذا أن النصوص الصحيحة تدل على هذا المعنى دلالةً عامة، وهذه الآثار الضعيفة توضح تلك الدلالة.

    فضل العفو والصفح وما يترتب عليه من أجر في الآخرة

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط عن أنس رضي الله عنه وأم هانئ رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي منادٍ من تحت العرش يوم القيامة: يا أهل الموقف! يا أهل الموقف! تآخوا فيما بينكم، وثوابكم عليه)، (يا أهل الموقف! تآخوا فيما بينكم)، تصافوا فيما بينكم، وكل واحدٍ يترك حقه عن أخيه، (وثوابكم عليه).

    وفي رواية أم هانئ : (ينادي منادٍ يوم القيامة من تحت العرش: يا أهل التوحيد! ليعفو بعضكم عن بعض، وثوابكم عند الله)، والحديث قال عنه الحديث العراقي : ضعيف الإسناد، ولكن إلى درجة الوضع والترك والنكارة كما قلت، وإذا ضمت هذه الأحاديث إلى بعضها ستكتسب قوة، وقد ثبت في مستدرك الحاكم وكتاب البعث والنشور للإمام البيهقي عن أنس رضي الله عنه، والحديث صححه الحاكم وهذا من تساهله، ففيه ضعفٌ، لكن كما قلت: شواهده كثيرة، عن أنس رضي الله عنه قال: (بينا نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ إذ ضحك، فقال له عمر رضي الله عنه: أضحك الله سنك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فما الذي أضحكك؟ قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما لله: يا رب! خذ لي مظلمتي من هذا، فقال الله له: كيف وقد فنيت حسناته ولم يبق عنده حسنةٌ واحدة، فقال: رب! أنت أحكم الحاكمين، فليحمل من أوزاري، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدمع وبكى، ثم قال: إن ذلك ليومٌ عظيم، يتمنى العباد فيه أن يحمل عنهم من أوزارهم، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: ثم يقول الله للطالب: انظر فوقك فماذا ترى؟ فينظر فيرى مدائن من ذهب، وقصوراً من ذهبٍ مكللةً باللؤلؤ، فيقول: رب! لأي نبي هذا؟ لأي صديقٍ هذا؟ لأي شهيدٍ هذا؟ فيقول الله له: لمن يعطي ثمنها، يقول: ومن يعطي ثمنها؟ فيقول الله له: أنت تملك ثمنها، يقول: بأي شيءٍ رب؟ فيقول الله له: بعفوك عن أخيك، فيقول: رب! قد عفوت عنه، فيقول الله له: خذ بيد أخيك وادخل الجنة، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله يصلح يوم القيامة بين المسلمين).

    لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان

    فإذا مات الإنسان على ذنب ولم يتب منه فأمره مفوضٌ إلى الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، وإذا كان ذلك الذنب تبعةً وظلماً في حق إنسان، فيضمن ربنا الرحمن سبحانه وتعالى ذلك الحق، ويعطي المظلوم أكثر من حقه، ويغفر للظالم، وهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

    فإذا تخلف الأمران، فما تاب أهل العصيان، ولا غفر لهم ربنا الرحمن، فسيدخلون بلا شك حفر النيران، لكن هل يخلدون؟ لن يخلد موحد في نار جهنم، ولا يمكن أن يسوي الله بين من وحده وبين من جحده، كل من لقي الله بالتوحيد ولم يتب ولم يغفر له سيعذب عذاباً محدداً، ثم يخرج من نار جهنم، ولا يخلد فيها أبداً إلا الكفار الأشرار، وهذا قرره نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديثٍ كثيرة، وهي معلومة من دين الله بالضرورة.

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط والصغير، والحديث رواه أبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه).

    وثبت في المسند والصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرةٍ من خير)، (ويخرج من النار من قال: لا إله إلا لله وفي قلبه وزن ذرةٍ من خير)، وهي حبة الحنطة والقمح، (ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرةٍ من خير)، والذرة هي أقل شيء، وهي ما تراه في شعاع الشمس، وإذا وضعت يدك على التراب ثم مسحتها ما يتطاير هو الذر، وهو أصغر من البرة، وأصغر من الشعيرة من بابٍ أولى، وقد صحف أبو بسطام شعبة اللفظ الثالث فقال: وزن ذرة من خير، وهذا لا يتناسب مع الحديث لا لفظاً ولا معنى، أما الحديث فهو يتنزل من كبيرٍ إلى صغير، والذرة أكبر من القمح وأكبر من الشعير، فليس هي حبة ذرة، إنما هي ذرة، فإذا وجد مع توحيده هذا الخير، وهو ذرة من خير، يخرجه الله من النار.

    أخوتي الكرام! وقد ثبت في تفسير الطبري وابن أبي حاتم وتفسير ابن مردويه ومعجم الطبراني الأوسط ومستدرك الحاكم وغير ذلك بأسانيد صحيحة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتمع أهل النار في النار مع أهل القبلة -اجتمع الكفار مع الموحدين العصاة- فيقول الكفار للعصاة: أليس تكونون مسلمين، فما أغنى عنكم إسلامكم؟ فقالوا: عملنا ذنوباً أُخذنا بها، فعند ذلك يقول الله جل وعلا: أخرجوا أهل التوحيد من النار، ولا يبقى فيها إلا الكفار، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2] )، كانوا في أول الأمر يقولون للعصاة الذين معهم في النار: ما أغنى عنكم إسلامكم، فلما أخرجوا تمنوا لو آمنوا في الحياة ليخرجوا من النار كما خرج عصاة الموحدين، رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2]، وهذا التمني يتمناه الكافر عند الاحتضار، ويتمناه عندما يرى الأهوال يوم القيامة، ويتمناه عندما يلقى في النار، ويزيده الله حسراتٍ إلى حسرات، وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2].

    وخلاصة الكلام: إخوتي الكرام! جميع الوعيدات مقيدةٌ بقيدين: القيد الأول: عدم توبة التائب، فمن تاب لا يناله الوعيد، والقيد الثاني: عدم مغفرة الله، فمن غفر الله له لا يناله الوعيد، فإذا تخلف الأمران، ما تاب العاصي، ولا غفر الله له، يعذب فترةً ولا يخلد في نار جهنم، لا يخلد فيها إلا الكفار الأشرار، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    1.   

    العفو عن المسيئ خلق كريم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    إخوتي الكرام! كما قلت: إذا تاب الإنسان يتوب الله عليه، ولا يناله الوعيد، وقد أمرنا الله جل وعلا أن نعفو عمن اعتذر إلينا، وأخبرنا أنه إذا اعتذر إلينا من أساء إلينا ولم نقبل عذره فالويل لنا، فهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، فمن أخطأ وتاب إلى الله فيقبله وهو الغفور الرحيم.

    ورد في سنن ابن ماجه ، والحديث حوله كلامٌ يشير لجهالة الصحابي رضي الله عنه، وهل هو صحابي أو تابعي؟ اختلفوا في صحبته، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل عذره، كان عليه مثل خطيئة صاحب مكسٍ)، أخطأت مع إنسان، ثم جئت لتسترضيه وتعتذر منه ما قبل، كون عليك إثم المكاس الذي يفرض الضرائب، (ولا يدخل الجنة صاحب مكس)، ولذلك قال الإمام الشافعي عليه رحمة الله: من استرضي فلم يرض فهو شيطان، ومن أغضب فلم يغضب فهو حمار. فربنا الرحمن عندما نسترضيه ونقلع عن ذنوبنا يقبلنا وهو أرحم بنا من أنفسنا.

    ثبت في سنن الترمذي وأبي داود ومستدرك الحاكم بسندٍ صحيح من رواية عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له ذنوبه وإن كان قد فرّ من الزحف).

    وفي كتاب السني -ورواية قتادة للإمام ابن السني فيها ضعفٌ، ولها شواهد عن أنس رضي الله عنه- عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من قال قبل صلاة الغداة ثلاث مرات: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في يوم الجمعة ثلاث مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر).

    وفي سنن الترمذي -وهو قد حسن الحديث وحوله كلامٌ وله شواهد- من رواية أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يأوي إلى مضجعه ثلاث مرات: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت بعدد القطر، وإن كانت بعدد رمل عالج، وإن كانت بعدد أيام الدنيا، ومن استرضي فلم يرض فهو شيطان)، وهذا كرم ربنا الرحمن عندما تقول هذه الكلمة يغفر لك ذنوبك وإن كانت بعدد النجوم، بعدد القطر، بعدد رمل عالج، بعدد أيام الدنيا، هذا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين سبحانه وتعالى.

    إخوتي الكرام! إن الإنسان إذا جاءه ممن أساء إليه اعتذار، فإن عليه أن يعفو عنه وأن يغفر له، ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه ومسند أبي يعلى ، والحديث إسناده حسن من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كم أعفو عن خادمي؟ يعني: كيف ......خادمي من العفو كل يومٍ إذا أخطأ معي)؟ والحديث كما قلت إسناده حسن، وقال عنه الترمذي : حسنٌ صحيح. (كم أعفو عن خادمي؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اعف عنه كل يومٍ سبعين مرة، دون أن يعتذر)، إذا أخطأ فاعف عنه كل يومٍ سبعين مرة، إن هذا الخلق لو فشا لما حصل نزاع بين الإخوة والأحباب، ولما حصل نزاعٌ بين الزوجين، ولعاشت الأمة في وئام ومحبةٍ وسلام، يعفو عن أخيه كل يومٍ سبعين مرة، هذا إذا لم يعتذر، وأما إذا اعتذر فلو أخطأ آلاف المرات ولم تقبل عذره فعليك مثل خطيئة صاحب مكس.

    إخوتي الكرام! هو ذا ما أمرنا أن نتعامل به ربنا بيننا، فكيف رحمته وفضله وعفوه علينا، اللهم إن مغفرتك أوسع من ذنوبنا، وإن رحمتك أرجى عندنا من أعمالنا، نسألك أن تدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك يا واسع الفضل والمغفرة.

    اللهم عاملنا بفضلك وإحسانك وجودك وامتنانك يا أرحم الرحمين، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، ولمن أحسن إلينا، ولمن علمنا وتعلم منا، ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.