إسلام ويب

نصيحتان إلى الإخوة الكرامللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي على من أكرمه الله تعالى واختصه ووفقه لحضور مجالس العلم والوعظ أن يتأدب بآدابها، حتى ينتفع بها، وقد وردت تلك الآداب مبينة مفصلة في كتب أهل العلم الذين كتبوا فيها كتباً مستقلة، كما تمثلوها واقعاً في حياتهم، فقد كان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل العلم والدين مدرسة مثالية في باب الأدب والأخلاق خاصة مع العلم والعلماء والشيوخ في مجالسهم، فحري بالمؤمن أن يقتدي بهم، وأن يتمثل سيرتهم واقعاً حياً في حياته.

    1.   

    الاهتمام بمجالس العلم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! قبل أن نتدارس ما بدأنا في مدارسته ولم ننته منه وقد طال كثيراً، وكما قلت: ما كان في ظني أنه سيأخذ هذا المقدار، ولعله سيأخذ ضعف ما مضى أيضاً من محاضرات، وأقول ما قاله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، كما ثبت في السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء الثاني صفحة تسع وثمانين وثلاثمائة من رواية سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين: أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنهم أجمعين صلى صلاة الفجر فقرأ في الركعتين بسورة البقرة حتى أكملها، وهذا بعد وفاة نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقال له سيدنا عمر رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام! قربت الشمس أن تطلع، فقال: والله لو طلعت ما وجدتنا غافلين. فصلاة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه بسورة البقرة في ركعتي الفجر ثابت في موطأ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنهم أجمعين، وهكذا نحن طال الأمر معنا، لكننا في مجالس علم وعبادة، فنسأل الله أن يتقبل منا بفضله ورحمته، لكن أحب أن أنبه في هذه الموعظة على أمرين اثنين قبل أن نكمل ما بدأنا في مدارسته من الفصل المستطرد الطويل.

    فالأمر الأول يتعلق بكم، والأمر الثاني يتعلق بي، وهو أيضاً مثار من قبلكم، فلا بد من وضع الأمر في موضعه لنكون على بينة من أمرنا، والدين النصيحة.

    أما ما يتعلق بكم وألاحظه على بعض الإخوة الكرام في كثير من المواعظ في هذا المكان المبارك وفي غيره، أني أرى علامات الكسل والفتور في تحمل العلم وفي طلبه، وهذا الكسل يأخذ أشكالاً متعددة، أحياناً ترى بعض الحاضرين يتكئ أو يستند، إما أن يسند ظهره وإما جنبه وإما يمينه أو يتمايل، وأحياناً ترى بعض الحاضرين يتثاءب، وأحياناً ترى بعض الحاضرين يعبث بأعضائه، وأحياناً ترى بعض الحاضرين قد سيطر عليه النعاس، وكثيراً ما ينام، وإذا كان النوم قبل صلاة العشاء فهو مذموم، هذا لو كان في بيته وأراد أن يستلقي على فراشه، فكيف يأتي للإنسان نوم في بيت من بيوت الله بعد صلاة المغرب وقبل صلاة العشاء وهو في موعظة؟ حقيقة ما أعلم هل هو مجهد متعب أم أن الشيطان يركب على رأسه عندما يحضر مواعظ العلم من أجل أن يشغله عن ذلك؟ وهذا يعرفه من ينام في هذه المواعظ، ولعل بعضكم تكرر منه النوم وأيقظه بعض الإخوة الحاضرين، وبعد أن استيقظ ذهب وغسل وجهه ثم عاد ونام ثانية، وأنا أتابع الأمور فرداً فرداً، ولكن لا داعي لأن نخص واحداً بلوم ونسأل الله أن يتوب علينا.

    وحقيقة عندما يرى المتحدث المتكلم الواعظ الناصح شيئاً من ذلك أمامه فإن نفسه تحجم عن الكلام، وعندما يتكلم كأنما يضرب بسياط، فعندنا في شريعتنا اتصال وثيق بين الإمام والمأموم، وبين المتكلم والسامع، وإذا كان نبينا خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه يتأثر من عدم تهيؤ الحاضرين عند مناجاة رب العالمين، فيخلط في القراءة لتقصير بعضهم في طهوره، فمن نحن إذن؟! إذا حصل منا ما حصل من تلعثم وتردد وعدم انشراح في الكلام فهو بسبب هذا، فنبينا عليه الصلاة والسلام خير الأنام -كما سأوضح هذا- أمَّ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فخلط في القراءة وحصل عنده لبس فيها عندما قرأ سورة الروم في صلاة الفجر، فالتفت إلى الصحابة وذكر لهم أن بعضهم لا يحسن طهوره عندما يتطهر، فيسبب له الخلط في القراءة، أي: بسبب الاتصال الحاصل بين الإمام والمأموم يتأثر نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام فيؤثر النقص الذي في بعض المأمومين على قراءته، فيخلط في قراءة القرآن وهو خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

    فماذا نقول نحن إخوتي؟! واحد كما قلت يتثاءب، وواحد ينام، وواحد يعبث بأعضائه، وواحد يتكئ ويستند، وواحد يتشاغل، وأنت بعد ذلك تنظر إلى هذه المناظر، ماذا سيكون حال المتكلم؟! وأنا حقيقة أعجب من جد أهل الباطل في باطلهم، ومن عجزنا في حق الله، فلو نظرت إلى خشوع وإخبات وسكينة وتفاعل أهل الغناء والرقص مع غنائهم ورقصهم لرأيت عجباً! يخشعون لضلالهم أكثر مما نخشع لربنا، لا أقول: أكثر مما يخشع المؤمنون، بل أكثر مما نخشع نحن أهل التقصير، أما المؤمنون فهم أشد حباً لله، وهم خاشعون مخبتون متذللون للحى القيوم، لكن نحن حقيقة من نظر إلى صلاتنا وحالنا فيها، وهكذا في مجالسنا مجالس العلم والعبادة وقراءة القرآن، ونظر بعد ذلك إلى حال أتباع الشيطان في مجالسهم لرأى بوناً شاسعاً، يجلس الواحد منهم ساعات طويلة في الغناء وهو يستقلها ويستعذبها، ولا يتوجه اعتراض من الحاضرين على المغني والمغنية، أما في مجالس العلم فما يكفي أنه قصر في أدب الاستماع، بل قبل أن ينفض المجلس كل واحد عنده قائمة بالاعتراضات، وإلى الله نشكو أحوالنا.

    1.   

    الارتباط بين السامعين والشيخ في مجالس العلم

    إخوتي الكرام! لا بد من أن يصلح الصنفان: المتكلم والسامع؛ كي تتنزل الرحمة من ذي الجلال والإكرام، وهناك ارتباط وثيق محكم بين الإمام والمأمومين، وبين المتكلم والسامعين، فاستمع لتقرير هذا من حال نبينا الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    ثبت في مسند الإمام أحمد ، وانظروا الحديث في المسند في الجزء الخامس صفحة ثلاث وستين وثلاثمائة، ورواه الإمام النسائي في سننه في الجزء الثاني صفحة عشرين ومائة في افتتاح الصلاة في باب القراءة في الصبح بالروم، أي: بسورة الروم، ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه في الجزء الثاني صفحة سبع عشرة ومائة، والحديث في معجم الطبراني الكبير وشعب الإيمان للإمام البيهقي ، ورواه البزار في مسنده والبغوي والمناوي كما في جمع الجوامع للإمام السيوطي في الجزء الأول صفحة ثمان وتسعين وستمائة، ولفظ الحديث من رواية شبيب أبي روح ، ويقال له: ابن أبي روح ، ويقال: شبيب بن نعيم أبو روح ، فهناك خلاف في ضبط اسمه كما ذكر أئمتنا في ترجمته، وهو من أئمة التابعين الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، روى عن رجل من الصحابة الكرام ولم يسمه، وسيأتينا أنه سمي في بعض الروايات كما سأذكره، روى عن رجل من الصحابة الكرام: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الفجر فقرأ في ركعتي الفجر بسورة الروم، فالتبس عليه )، يعني اشتبه عليه قراءة هذه السورة، ( فلما صلى قال عليه الصلاة والسلام: ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك)، قوله: (يلبس)، قال أئمتنا: كيضرب، بمعنى: يخلط، أو من التلبيس، يعني هؤلاء هم الذين يوقعوننا في الخلط وفي الإشكال؛ لأنهم لا يحسنون الطهور، وهناك صلة وثيقة بين الإمام والمأمومين، فإذا قصر بعض المأمومين تأثر الإمام، فخلط في قراءته وحصل عنده لبس.

    والحديث إسناده حسن كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الثالث صفحة إحدى وأربعين وأربعمائة عند بداية تفسير سورة الروم فقال: هذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب ونبأ غريب، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك -هذا كله كلام ابن كثير - على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، وعليه إذا حصل نقصان في صلاة مأموم فيسري هذا إلى صلاة الإمام.

    وقال الإمام السندي في حاشيته على سنن النسائي : فيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر. فإذا كان في صحبتهم شائبة كدر ونقص تأثر الكاملون في أكمل الأحوال، وأكمل الكاملين نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وأفضل الأحوال مناجاته لرب العالمين، فهذه قرة عينه، وتأثر لأن بعض المأمومين لم يحسن طهوره، أي: قصر في وضوءه.

    وهذا الحديث -كما قلت- مروى من رواية شبيب عن رجل من الصحابة، ورواه الإمام أحمد في الجزء الثالث صفحة إحدى وسبعين وأربعمائة إلى اثنتين وسبعين وأربعمائة من رواية شبيب أبي روح ، أنه هو الذي صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إنه من ذي الكلاع، وعلى هذا فهو صحابي، -وسوف أحقق الكلام فيه قريباً إن شاء الله- ( أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فقرأ بالروم فتردد في آية، فلما انصرف قال: إنه يلبس علينا القرآن أن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء).

    والحديث قال عنه شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الأول صفحة إحدى وأربعين ومائتين: رواه الإمام أحمد عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع، قال: ورواه النسائي عن أبي روح عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ورجال أحمد رجال الصحيح، وكأن شيخ الإسلام الإمام الهيثمي ما وقف على الرواية التي ذكرتها في البداية، وهي أن الإمام أحمد رواه أيضاً في مكان آخر عن شبيب عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كرواية الإمام النسائي ، وشبيب -كما قلت- هو شبيب أبو روح أو ابن أبي روح أو شبيب بن نعيم أبو روح ، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة من الثالثة، أخطأ من عده في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وأشار إلى أنه من رجال أبي داود والنسائي .

    وقال الإمام ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب، وهو على هامش الإصابة في الجزء الثاني صفحة سبع وستين ومائة، ونقل عنه هذا الإمام ابن الأثير في أسد الغابة في الجزء الثاني صفحة أربع وخمسمائة، قال الإمام ابن عبد البر بعد أن روى حديث شبيب المتقدم الذي رواه الإمام أحمد على أنه هو الذي صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام دون أن يروي هذا عن رجل، بعد أن روى هذا قال أبو عمر : هذا حديث مضطرب الإسناد، وروى عنه أي: عن شبيب -عبد الملك بن عمير ، وهو عبد الملك بن عمير اللخمي ثقة فصيح عالم، تغير حفظه بعد ذلك، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وقد توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة عن عمر بلغ ثلاثاً ومائة سنة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    فـعبد الملك بن عمير يروي الحديث عن شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الروايات رواه عبد الملك بن عمير عن شبيب وقال: هو من ذي الكلاع، أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي قال عنه الإمام ابن عبد البر : مضطرب الإسناد.

    قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في الجزء الثاني صفحة سبعين ومائة: قلت: المعروف أنه شبيب بن أبي روح ، أو شبيب بن نعيم أبو روح الكلاعي الحمصي ، يعني الكلاعي ليس صحابياً، فهو كلاعي حمصي، هكذا ذكره البخاري وغيره، وبالثاني -أي أنه حمصي- جزم ابن أبي حاتم وقال: إنه حمصي، ثم قال الحافظ ابن حجر : السبب في عده من الصحابة أنه ورد في بعض الروايات التي هي في المسند، ورواها كما قلت عبد الملك بن عمير ، قال: السبب في عده من الصحابة أنه ورد في بعض الروايات إسقاط الرجل الذي هو من الصحابة ولم يسم فهو مبهم، وإبهام الصحابي لا يضر كما تقدم معنا مراراً، فلما أسقط الرجل المبهم الصحابي رضي الله عنه وأرضاه ظن بعض الناس أن شبيباً من عداد الصحابة، هذا تحقيق الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    وكما قلت: مرادي من هذا أن خير خلق الله عليه الصلاة والسلام وأكمل الكاملين وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين إذا كان تأثر في صلاته وخلط في قراءته، واشتبه عليه الأمر، والقرآن أنزل عليه عليه صلوات الله وسلامه، لتقصير بعض الحاضرين في طهوره، فماذا يقول الواحد منا في هذا الحين؟!

    1.   

    ما ينبغي على السامعين تجاه الشيخ في مجلس العلم

    إخوتي الكرام! من حضر مجلس العلم ينبغي أن يتقي الله في المتكلم قبل أن يتقي الله في نفسه، فما ينبغي أن يخذل المتكلم، ولا أن يعين على توهين أمره؛ لأنك إذا ما كان عندك استعداد للتلقي، فهذه كله سهام تخرج منك إلى المتكلم فيحجم عن الكلام، ولا ينطلق لسانه، ولا يتفاعل جنانه، فلذلك إذا ما كان عندك استعداد للحضور، فخفف الأمر على نفسك وعلى غيرك، ولا تتسبب في أذى الغير، والأذى حرام، إذا كان عندك استعداد أن تحضر بالصفة الشرعية وتتأدب في جلستك بصفة الخشوع والإخبات فاحضر، وإلا فخفف عن نفسك وعن غيرك؛ لأنك ترتكب أثماً، أولاً: لم تصغ، والأمر الثاني: آذيت المتكلم، وبالتالي حصل أذى عام على المستمعين.

    هذا -إخوتي الكرام- لا بد من وعيه وضبطه، وكما قلت قد لاحظته مراراً على بعض الإخوة في عدد من المجالس: تثاؤب ونعاس واتكاء واستناد، بل أحياناً -وقد رأيت هذا بعيني- بعضكم يمضغ العلك في مجلس العلم! يا عبد الله! لو مضغت العلك في السوق لكان قلة مروءة وترد شهادتك، فكيف تمضغ العلك في بيت الله وأنت تستمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! أنا أريد أن أفهم، الإنسان عندما يرى هذا المنظر -وقد رأيته بعيني، والذي مضغ العلك هو حاضر الآن معنا، ولا أسمي أحداً- لكن كما قلت: ماذا سيكون حال المتكلم بعد ذلك؟! ينبغي أن نتقي الله -إخوتي الكرام- في أنفسنا وفي غيرنا.

    انظروا لمن يحضرون مجالس الغناء والرقص وما يحصل منهم من تشجيع لمن يغني ولمن يرقص، ولو أن كل واحد أعرض عنه لحظة لفتر عن غنائه وعن رقصه، بل بعد أن يرقص ويغنى ست ساعات وإذا انتهى يقولون له: بدري، الله لا يطلع البدر عليهم! وهنا لو قدر أنه طالت الموعظة إلى ساعة يقول البعض: يا شيخ! إن منكم منفرين! ما حفظت من دين الله إلا هذه: إن منكم منفرين! هذا الذي حفظته، أما احترام الشيخ وإكرامه وحضورك بأدب وخشوعك فهذا ما تعرفه، ما عرفت من الدين إلا هذا النص: (إن منكم منفرين)، وأي تنفير إذا كان صديق هذه الأمة يصلي بالمسلمين -كما ذكرنا- في صلاة الفجر فيقرأ بهم سورة البقرة؟!

    1.   

    نصيحة وتوجيه لمن يعترضون على الإمام والخطيب في التطويل

    مرة أم بعض الإخوة الكرام بنا في صلاة الفجر فقرأ سورة الصف في الركعتين، فقال له بعض الحاضرين: أنت تنفرنا عن الصلاة، كرهتنا في الصلاة! وسورة الصف سورة صغيرة، ماذا تريدون أن يقرأ؟! وجاء يشكو الأمر إلي فقال: يا شيخ! فلان يقرأ سورة الصف! فقلت: ماذا تريد أن يقرأ؟! قال: يقرأ (قل هو الله أحد)، أم أنها ليست جائزة؟ قلت: هي جائزة على العين والرأس، لكن أنت تريد هذا؟ يا عبد الله! أما تتقي الله في نفسك، الصلاة لازم تكون على حسب هواك ورأيك، أو على حسب ما شرع النبي عليه الصلاة والسلام؟! ما عندك تحمل للجماعة الشرعية صل في بيتك كما يصلي المنافقون وأمرك إلى الحي القيوم، أما أنك تريد أن تلزم الإمام بالكيفية المخترعة من رأيك فلا يجوز، قال: ما يتعين أن يقرأ سورة الصف، قلت: ولا يتعين أن يقرأ سورة الكوثر! وهذا إمام سيتبعك أو أنت ستتبعه؟! لو أن إمام الحرب كل واحد سيعطي له توجيهاً وأمراً لما استطاع أن ينتظم الجيش في لحظة من اللحظات، إنما نحن عندنا رأي الإمام يقدم على صواب الأفراد وإن كان مخطئاً، وإذا قال الإمام: سنبدأ بالحرب الساعة الواحدة ظهراً، فلو أن الجيش عن بكرة أبيه قال: لا سنبدأ المغرب، وما أطاعوه، فكلهم آثمون ملعونون، يجب عليهم أن يلتزموا بأمره، مع أن هذا ليس فيه مجاوزة لأمر شرعه الله، لكن رأيه هو الذي يطاع، لأنه أمير والجيش مأمورون، كذلك لو قال أمير الجيش: تحصنوا في هذا المكان، فقال بعض الجيش: لا نتحصن هناك، فإن كل من ذهب إلى هناك إلى جهنم، المسألة ليست فوضى، فإن خطأ هذا الأمير في عدم مجاوزة حدود الشرع خير من صوابنا، والله جل وعلا يبارك لنا عندما نتبع الأمير طاعة لله الجليل، وإذا حصل الخلاف فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، وهكذا حالنا، فكيف هنا يصلي صلاة شرعية وكل واحد يعترض عليه من كل جهة؟!

    وقد اتصل بي أحدهم أكثر من عشر مرات، يقول لي: يا شيخ! الخطبة طويلة تؤدي إلى الملل! وأنا أراقبه وأحلف يميناً بالله أنه ما حضر خطبة من خطب الجمعة إلا في النصف الثاني منها أو ما بعده، أحياناً يأتي في الثلث الأخير، وأحياناً في الربع الأخير، وأما النصف الأول فإذا كانت الخطبة ساعة، فالنصف الأول من الساعة ما يمكن أن يحضر، ثم أراقبه أحياناً يأتي وما بقي إلا ربع ساعة أو ثلث ساعة لإنهائها، وبمجرد أن يجلس ينام! يا عبد الله! الذي يمشي هذا الطريق لو كان ميتاً لتحرك، وأنت تمشي الآن في هذا الحر وفي سيارة وتقودها، وبمجرد ما جلست نمت! ثم إذا انتهت الخطبة يتصل بالتليفون: يا شيخ! الخطبة طويلة، لو تقصر الناس يتحدثون، أنا من أجلك! ويعلم الله أني لا أريد أن أقول له: يا عبد الله! أنت ما جئت في موعظة إلا في منتصفها الأخير وبمجرد ما تدخل تنام! لا أريد أن أقابل أحداً بما يكره بعينه، لكن هو ما يستحي من هذا الكلام، عندما يعلق في نهاية كل موعظة أنك أطلت ونفرت، يا عبد الله! ماذا أطلت؟ الموعظة عندما تأخذ ساعة -كما تعلمون- نصفها قبل الوقت، وهي بمثابة تذكير، وهذا النصف لا يحضره إلا قلة قليلة، أحياناً ربع من يحضر الموعظة بكاملها أو أقل، ثم بعد ذلك يأتون في النصف الثاني، وننتهي مع انتهاء المساجد الأخرى، والأذان يكون قبل الوقت، وهذا في مذهب سيدنا الإمام أحمد عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وفي المذاهب الأربعة يجوز تقديم الخطبة على الوقت إذا وقعت الصلاة وجزء من الخطبة بعد دخول الوقت، وهذا الذي يحصل منا باتفاق المذاهب جائز، إنما لئلا تصبح كلها بعد الوقت نجعل نصفها قبل الوقت، بمثابة موعظة وتذكير، والنصف الثاني ننتهي منه مع المساجد، لكن لأن الأمة اعتادت على القيل والقال والكلام الباطل، وإذا ما تكلم بهذا لا يستريح ولا يستوعب الموعظة، وإذا دخل نام، ثم بعد ذلك هذيان!

    إخوتي الكرام! ما يقع من هذه الصور ينبغي أن نتركه، وأنا أقول لكم بصراحة: حضور الثلاثة أحب إلي من حضور الثلاثين، وحضور الثلاثين أحب إلي من الثلاثمائة، وحضور الثلاثمائة أحب إلي من الثلاثة آلاف، فليست المسألة بالكثرة، فإذا كان عند الإنسان استعداد ونشاط، ويريد أن يستفيد فمجالس العلم مفتوحة، وإذا جلس لمجرد التسلية ويعترض بعد ذلك ويصدر توجيهات، فأنا أنصحه أن لا يأثم وألا يرتكب محرماً، فليعتزلنا وليعتزل مجالسنا والله يغنيه عنا ويغنينا عنه.

    1.   

    ضرورة التأدب بآداب مجالس العلم

    إخوتي الكرام! لابد من التزام أدب المجالسة والاستماع، ومن لم يأخذ العلم بالأدب أسرع إليه الهلاك والعطب، انظر لحال أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين في تربية طلاب العلم قبل تعليمهم، يذكر أئمتنا في ترجمة شيخ الإسلام شريك بن عبد الله النخعي الذي توفي سنة سبع وسبعين ومائة للهجرة، وقد خرج الإمام البخاري عنه في صحيحه معلقاً، وخرج له الإمام مسلم وأهل السنن الأربعة، وهو من أئمة السنة الكبار، وكان سيفاً مسلولاً على أهل البدعة الفجار، حضر عنده بعض أولاد الخليفة المهدي واتكأ في مجلسه فأعرض عنه شريك ، فسأل ولد الخليفة شريك بن عبد الله عن مسألة من العلم فما أجاب ولا نظر إليه، وهو ولد الخليفة المهدي ، فقال: يا شريك ! أنت تستخف بأولاد الخلفاء! ولد الخليفة يحضر ولا تنظر إليه، ويسألك ولا تجيبه؟! فقال: لا، ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه. وفي رواية قال له: العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه. وقد ذكر هذه القصة الإمام ابن جماعة شيخ الإسلام في كتابه تذكرة السامع والمتكلم في صفحة ثمان وثمانين، فالعلم أجل عند الله من أن أضيعه، والعلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، وأنت جالس متكئاً وتسأل وتريد أن تجاب أيضاً! ينبغي أن تؤدب وأن تضرب، ثم نجيبك على علمك.

    1.   

    صور من آداب السلف والأئمة والصالحين في مجالس العلم ومع الشيوخ

    كان بعض طلبة العلم -كما يذكر الإمام ابن جماعة أيضاً في نفس المكان صفحة ثمان وثمانين- إذا خرج ليحضر عند شيخه يتصدق بصدقة عن شيخه ثم يقول: اللهم استر عيب شيخي عني ولا تذهب بركة علمه مني. يعني: إذا حضرت لا أرى زللاً، لا في كلام ولا في مظهر ولا في أمر من الأمور، كي انتفع بهذا العلم الذي أحصله وآخذه من هذا الشيخ المبارك.

    إخوتي الكرام! هذا لا بد من وعيه، ولا بد من ضبطه، ومجالس العلم مجالس عبادة إذا لم تضبط فلا خير فيها وتركها أولى منها، يذكر أئمتنا في ترجمة شيخ الإسلام أبي طاهر السلفي الذي توفي سنة ست وسبعين وخمسمائة للهجرة، وهو أحمد بن محمد بن أحمد ، ترجمه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، وهي أول ترجمة في الجزء الحادي والعشرين من السير، أول ترجمة افتتح بها هذا الجزء ترجمة شيخ الإسلام أبي طاهر السلفي ، ففي صفحة أربع وعشرين وثمان وعشرين يذكر قصة طريفة حاصلها: أن شيخ الإسلام أبا طاهر السلفي كان يعظ ويدرس، فحضر عنده سلطان المسلمين صلاح الدين الأيوبي وأخوه الملك العادل ، وفي حال حضورهما تكلم واحد منهما مع صاحبه في مجلس أبي طاهر ، فقطع الدرس وصاح فيهما، في السلطان وأخيه الملك العادل ، وقال: سبحان الله! حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ينشر وتتكلمان! يا صلاح الدين وأنت أيها الملك العادل ! حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ينشر وتتكلمان! فاستحى صلاح الدين سلطان المسلمين وأخوه الملك العادل وأقبلا على الشيخ بخشوع وإخبات، وأنا على يقين أنه ما تكلم صلاح الدين مع أخيه الملك العادل إلا في أمر من أمور المسلمين، ما تكلم معه في أمر دنيا، ولا في لغط ولا لهو، إنما لعله في قضية مهمة في بعث في جيش في غزو في كذا، أراد أن يعرض عليه الفكرة لما جاءت على ذهنه قبل أن تضيع، فذكره بها ليتباحثا فيها بعد خروجهما من مجلس الشيخ، ومع ذلك ما ارتاح لهذا أبو طاهر وصاح فيهما وزجرهما.

    إخوتي الكرام! العلم ينبغي أن يؤخذ بالأدب، ورضي الله عن الإمام الشافعي عندما يقول: اجعل علمك ملحاً وأدبك دقيقاً. الأدب لا ينبغي أن تضيعه في جزئية من الجزئيات، وحالة من الحالات، فإنه بمثابة الدقيق، والعلم بمثابة الملح، فقليل من العلم يكفي، أما قليل من الأدب فلا يكفي، وقد مدح الله نبيه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قد أدبه ربه فأحسن تأديبه، فالعلم القليل يكفي، لكن الأدب القليل لا يكفي، إذا أردت أن تخبز تضع من الدقيق كمية كبيرة، ومن الملح نسبة قليلة، ولو وضعت عشر نسبة الدقيق من الملح لما استطعت أن تأكل الخبز، فيكفي واحد من الألف بالنسبة بين الدقيق والملح، فاجعل علمك ملحاً وأدبك دقيقاً.

    يقول الربيع تلميذ الشافعي : ما استطعت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي. وكان الشافعي يقول: كنت أقلب الورق بين يدي الإمام مالك قلباً خفيفاً لئلا يتأثر الشيخ من سماع صوت الورق. كان يقلب الورق بلطف وهدوء لئلا ينزعج شيخه الإمام مالك ! نعم لقد أخذوا العلم بالأدب والخشية، وهذا لا بد من وعيه وضبطه إخوتي الكرام!

    وحقيقة لما ربيت الأمة على هذه المعاني أثر فيها العلم في سلوكها وفي عملها وفي حياتها، وقد كان طلبة العلم يبذلون مع الشيخ في احترامه وتوقيره جهداً يكافئهم الله عليه تعظيماً لله جل وعلا، استمع إلى هذه القصة الطيبة التي يوردها أئمتنا في ترجمة أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء الذي توفي سنة سبع ومائتين للهجرة، وقد عاش ثلاثاً وستين سنة، وخرج له البخاري في صحيحه تعليقاً، والقصة يذكرها شيخ الإسلام الإمام الخطيب البغدادي الذي توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة في آخر أجزاء تاريخ بغداد في الجزء الرابع عشر صفحة خمسين ومائة، وهي قصة طريفة استمعوا لها إخوتي الكرام، يقول: كان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، ولدا المأمون يتعلمان عند الفراء وأن النحو، فلما كان يوماً أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه وهو يعلم ولدي الخليفة المأمون ، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، كل واحد يريد أن يقدم النعل للفراء ، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فرداً، أحدهم يقدم اليمين والآخر يقدم الشمال، هذان هما ولدا الخليفة يفعلان هذا الفعل مع هذا العبد الصالح أبي زكريا الفراء ، فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب، يعني عنده عيون وجواسيس يخبرونه بما يجري، فأخبروه بهذه القصة رفع إليه ذلك الصاحب الخبر، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال له المأمون : من أعز الناس؟ قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، يعني أنت خليفتنا وأنت سلطان المسلمين، وكلنا نطيعك ونحبك وندعو لك، ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، فقال: بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، هذا هو أعز المسلمين، فأنت أعز مني حتى رضي كل واحد أن يقدم لك فرداً، فقال: يا أمير المؤمنين! لقد أردت منعهما عن ذلك، لكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، يقول: هذه مكرمة وعز لهما، لا تظن في هذا منقصة، وأنا أردت أن أمنعهما، لكن قلت: كيف أمنعهما من مكرمة، وهي الأدب مع شيخهما، ما الحرج إذا قدم ولدا الخليفة النعل للإمام؟ قال: لكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها.

    ثم قال الفراء ويروى عن ابن عباس : أنه أمسك للحسن والحسين ركابيهما حتى خرجا من عنده، فقال له بعض الحاضرين: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما؟! قال: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذو الفضل، فقال له المأمون : لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً، لكنت مذنباً. عندي ومقصراً، وأعاتبك عتاباً شديداً، لو منعت ولدي من تقديم النعل إليك، قال: وما وضع ما فعلاه من شرفهما. هذا الفعل لا ينقص شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبين عن جوهرهما، وقد ثبتت لى مخيلة الفراسة بفعلهما، يعني تفرست فيهما أنهما من أصل كريم، وسينتج عنهما شأن عظيم في المستقبل، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث -هذه لا يمتنع منها الإنسان مهما كان كبير القدر-: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم، وقد عوضتهما ما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما. هذا حقيقة الأدب الذي كان يتلقاه أئمتنا وكانوا يعلمونه للنشء ولمن يحضر مجالس الذكر.

    1.   

    ذكر الآداب التي ينبغي لطالب العلم التحلي بها

    إخوتي الكرام! كانت عادتي دائماً في مطلع الدروس التي أقوم بها أن أقدم بمقدمة في أدب طلب العلم، وضرورة أن يخلص طالب العلم في نيته لربه، فإذا حصل هذا منه ستظهر عليه علامات وآداب يتأدب بها فعلاً وتركاً، وهذه كنت أجملها في عشرة آداب، وذكرتها هنا في مواعظ النساء، وهي مسجلة في موعظتين أو في ثلاث مواعظ، وهي تدل على صدق طالب العلم في طلبه، وأنه يريد بعلمه وجه ربه وسأجملها بإيجاز.

    ما ينبغي أن يفعله من الآداب: حسن الإصغاء، حسن الاستماع، حسن السكوت، يصغي ويستمع ويخشع ويخبت لا يتحرك منه عضو عندما يتلقى مجالس العلم، وهذا يدل على صدق طالب العلم في طلبه، وأنه يريد بعلمه وجه ربه، وإذا عرف الإنسان ما يطلب هان عليه ما يبذل، زإن الهرة وهي هرة عندما تريد أن تصطاد الفأرة، تقف أمام الجحر لا يتحرك منها شعرة، لم؟ لأنها ستحصل كنزاً ثميناً عندها، وأنت ستكون خليفة النبي عليه الصلاة والسلام ووارثاً له في طلب هذا العلم الشرعي، وسوف تزكي نفسك، فلا بد أن يكون عندك خشوع وسكينة، الهرة خشعت من أجل فأرة، وأنت بعد ذلك تتعلم آيات الله وأحاديث رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، ومع ذلك يقع منك تشاغل وتثاؤب، ونعاس واتكاء، واستناد! هذا كله لا يليق، وهذا كله قد شرحته بأدلته، إنما أذكر الآداب العشرة فعلاً وتركاً تعداداً فقط، ومن أراد فليستمعها من الأشرطة:

    الأدب الثاني: حسن الفهم، حسن التدبر، حسن التفكر، حسن التأمل، أنصت وتفكر وتفاعل، خشوع الظاهر وتفكر الباطن.

    يتبع هذا أدب ثالث ألا وهو: حسن السؤال، حسن الاستفسار، فإذا خشع الظاهر وتفكر الباطن سيسأل الإنسان عما يشكل عليه، والعلم خزائن ومفتاحه السؤال.

    يتبع هذا أدب رابع وهو: حسن الحفظ؛ لأنك إذا خشعت في الظاهر وتدبرت في الباطن، وسألت عما يشكل عليك، واتضح لك الأمر جلياً؛ فما عليك إلا أن تحفظه.

    والأمر الخامس: حسن العمل، أن تترجمه في أعمالك وبأفعالك.

    والأدب السادس مما ينبغي أن تفعله: حسن التعليم. وحقيقة إذا قام طالب العلم بهذه الآداب الستة فهو دليل على أنه مخلص لربه في طلبه: حسن الإصغاء والاستماع والسكوت، حسن الفهم والتدبر، حسن السؤال، حسن الحفظ، حسن العمل، حسن التعليم.

    1.   

    الأمور التي ينبغي على طالب العلم تركها والحذر منها

    وهناك أربعة أمور ينبغي أن يحذرها، حتى تصبح الآداب عشرة، ستة تفعل وأربعة تترك، أول ما ينبغي أن يحذره وأن يتركه: ضياع الوقت، احذر ضياع الوقت، فتضييع الوقت من المقت، وإذا رأيت طالب العلم يضيع وقته فاعلم أنه لا يفلح ولا يأتي منه خير.

    والأمر الثاني الذي ينبغي أن يحذره: الجدل والقيل والقال والمراء والملاحاة، فلا يأتي ذلك بخير، ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ).

    الأمر الثالث: الوقوع في سلفنا الطيبين المهتدين، ولا خير في هذه الأمة إذا لعن آخرها أولها، فإياك ثم إياك أن تطلق لسانك في أئمتنا من صحابة نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ومن التابعين ومن أئمة المسلمين، وإلى الله نشكو غربتنا في هذا الحين عندما وجدت نابتة لا يتورع أحدهم من تضليل فضلاً عن تخطئه أبا حنيفة فمن بعده من أئمة الإسلام! فاحذر هذا غاية الحذر، وإذا رأيت طالب العلم يقع في السلف فاعلم أنه ممن لعنه الله وغضب عليه، وإياك أن تقترب منه.

    وآخر الأمور: احذر من مخالطة المترفين والسلاطين، إذا كان فيهم خير اقتربوا منك وقمت بما يجب نحوهم، وأما أن تتمسح بأعتابهم هنا وهناك، فهذا ليس من شيمة طالب العلم.

    هذه أمور أربعة ينبغي أن يحذرها طالب العلم، وأمور ستة ينبغي أن يتصف بها، هذه -إخوتي الكرام- يعني توجيهات تتعلق بكم وهي مجملة مختصرة، وهو الأمر الأول من الأمرين اللذين سأتكلم عنهما في هذه الموعظة.

    1.   

    العلم النافع واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع

    إخوتي الكرام! إذا حافظ الإنسان على هذه الآداب، وتلقى العلم بالكيفية الشرعية، فإن علمه سوف ينفعه، وإلا فنعوذ بالله منه ومن علمه، وليس في العلم مفخرة، إنما العلم النافع هو الذي تفتخر به في الدنيا وفي الآخرة ..

    لو كان في العلم دون التقى شرف لكان أشرف خلق الله إبليس

    فليس في العلم مفخرة، إنما المفخرة في العلم النافع الذي يكسبك خشية من ربك جل وعلا، وقد استعاذ نبينا عليه الصلاة والسلام من علم لا ينفع، ثبت الحديث بذلك في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي ومسند عبد بن حميد وهو في صحيح مسلم فهو صحيح صحيح، من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع)، وفي رواية: (ومن دعوة لا يستجاب لها), هذه الأمور الأربعة كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله منها.

    ونقل ذلك عنه عدد من الصحابة الكرام، زيد بن أرقم ، ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، كما ثبت ذلك في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم ،ـ والحديث في السنن الأربعة إلا سنن الترمذي وإسناده صحيح كالشمس كالرواية المتقدمة، كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، من نفس لا تشبع، من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع).

    وروى لك أيضاً عبد الله بن عمرو بن العاص ، والحديث ثابت في المسند أيضاً والمستدرك وسنن الترمذي والنسائي وإسناده صحيح.

    ورواه أيضاً أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وروايته في سنن النسائي والمستدرك بإسناد صحيح، ورواه عنه أيضاً عبد الله بن مسعود كما في مستدرك الحاكم بسند صحيح وعليه فقد روي من رواية خمسة من الصحابة الكرام: زيد بن أرقم وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع)، فالعلم الذي لا ينفع نعوذ بالله منه، والعلم إذا ما صاحبته الخشية فهو وبال على صاحبه، والعلم إذا لم ينفعك ضرك، والقرآن حجة لك أو عليك، فانتبه لهذا.

    1.   

    ذكر بعض الكتب في باب آداب طلب العلم وطالب العلم

    إخوتي الكرام! أحب أن أرشدكم إلى بعض الكتب التي تتحدث عما يتعلق بآداب طالب العلم في طلبه وفي حياته فاحرصوا عليها:

    أولها: كتب الخطيب البغدادي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو حافظ المشرق، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة، له كتاب: الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع في مجلدين، كله فيما يتعلق بآداب الشيخ والتلميذ، في آداب المتكلم والسامع، والمتكلم هو الشيخ الذي يروي ويحدث فلا بد من أن يتأدب الشيخ، وأن يتأدب المستمعون.

    وله كتاب أيضاً طيب نافع تعرض فيه لأمور كثيرة فيما يتعلق بأدب طالب العلم والعالم، وهو كتاب: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ، وهما كتابان نافعان مباركان عظيمان، وهناك كتاب آخر لحافظ المغرب وهو يعادل الإمام الخطيب البغدادي ، وهو أبو عمر بن عبد البر ، توفي أيضاً سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة، وقد ماتا في سنة واحدة، هذا شيخ المسلمين في المشرق، وهذا شيخ المسلمين في المغرب، له كتاب جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، وهو كتاب نافع، وفيه خير كثير.

    وهذه أبرز الكتب التي أذكرها: هناك كتاب للإمام السمعاني : أدب الإملاء والاستملاء، يعني أدب من يملي -وهو الشيخ- ومن يستملي وهو التلميذ، وهو للإمام السمعاني كما قلت المتوفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة للهجرة، والكتاب نافع وفيه خير كثير، وهناك كتاب لقاضي القضاة شيخ المسلمين في القرن الثامن للهجرة ابن جماعة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو شيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة ، توفي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة للهجرة، انظروا ترجمته الطيبة العطرة في البداية والنهاية في الجزء الرابع عشر صفحة ثلاث وستين ومائة، وهو شيخ الإمام ابن كثير عليهم جميعاً رحمات ربنا الجليل، وانظروا ترجمته في الطبقات الكبرى للإمام السبكي في الجزء التاسع صفحة تسع وثلاثين ومائة في سبع صفحات، وكتابه هو: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، وقد أورد في هذا الكتاب آداباً ينبغي أن يعتني الإنسان بها، منها: يقول: الأدب الثامن من آداب التلميذ والسامع: أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب كما يجلس الصبي بين يدي المقرئ، أو متربعاً بتواضع وخضوع وسكون وخشوع، ويصغي إلى الشيخ ناظراً إليه ويقبل بكليته عليه متعقلاً لقوله، بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام مرة ثانية، ولا يلتفت من غير ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله، أو فوقه أو قدامه بغير حاجة، ولا سيما عند بحثه، أو عند كلامه معه.

    أنا أعجب لمن يدرسون مادة التربية في هذه الأيام: لم لا يدرسون هذه الكتب التي هي خلاصة أدب الإسلام؟! أنا أعجب لم مدارسنا في غفلة عنها؟! إنما يشغلون الطلاب بآراء أفلاطون وسقراط وأرسطو وغيرهم من المناحيس بعد ذلك كـفرويد وغيره، لم لا تشغل الأمة بما ينفعها في دينها ودنياها؟!

    يقول: فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه، ولا يضطرب لضجة يسمعها، أو يلتفت إليها، ولا سيما عند البحث، لو انهد نصف المسجد لا تتحرك، ولما جاء بعض طلبة العلم لعله سحنون أو ابن القاسم إلى الإمام مالك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، جاء إليه ليحضر مجلسه، فأشيع أنه جاء الفيل، فخرج الناس ينظرون إليه، وهذا ما تحرك، فأعجب الإمام مالك بعقله وأدبه وحصافة رأيه، لقد جاء الفيل، وإذا جاء الفيل أو جاء الأسد ما لنا وله، هو حيوان، هل نترك مجالس العلم من أجل النظر إلى حيوان؟ هذه هي العثرة والذلة والضلالة.

    يقول: ولا ينفض كميه، ولا يحسر عن ذراعيه، ولا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه، ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في أنفه، أو يستخرج منها شيئاً، ولا يفتح فاه، ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض براحته، أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبك بيديه أو يعبث بأزراره، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة أو درابزين، والدرابزين معروفة في بلاد الشام وهي قوائم منتظمة، شيء يوضع من حديد يستند عليها الإنسان، قال: أو يجعل يده عليها، ولا يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه، ولا يكثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك منه أو ما فيه بذاءة أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدب، ولا يضحك من غير عجب، ولا يعجب دون الشيخ، فإن غلبه تبسم تبسم بغير صوت ألبته، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ما أمكنه، ولا يلفظ النخامة من فيه، بل يأخذها من فيه بمنديل أو خرقة أو طرف ثوبه، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه -يعني على أقدامه- وسكون يديه عند بحثه أو مذاكرته، وإذا عطس خفض صوته جهده وستر وجهه بمنديل أو نحوه، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده.

    ثم أورد آثاراً عن السلف في ذلك.. إلى آخر كلامه، وهذا الكتاب لو قرأه الإنسان مائة مرة في حياته لكان قليلاً، كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، هذا فيما يتعلق -إخوتي الكرام- بالأمر الأول.

    1.   

    رد اعتراض أن الشيخ يكرر ويعيد في الكلام

    الأمر الثاني: نقل لي بعض الإخوة الكرام عن أخ كريم ملاحظة تتعلق بي وهي من قبلكم، لكنها موجهة إلي، أن بعض الناس نفروا عن حضور المواعظ، وأسباب النفرة في هذه الأيام كثيرة؛ لأن الدافع لها الهوى، فانظروا إلى هذه النفرة الغريبة التي يعللها هذا الأخ الكريم، وعلى وصفه أناس مرموقون هم الذين نفروا الآن، ولئن كان ينفر -كما يقال- المبتدئون، أما الآن فهم أناس مرموقون أهل شهادات وتخصصات، لماذا؟ قال: لأنك تعيد الكلام، فهذا يحدث الملل في الأذهان، الإنسان يمل عندما تعيد الكلام مراراً، وحقيقة أنا لما أخبرني بعض الإخوة بذلك قلت: ما أعلم أنني أعيد كثيراً، قد أعيد الحديث أحياناً مرتين إلى ثلاث، لكن زيادة على ثلاث ما أعلم أنني أعدت، وأنا دائماً أعاتب نفسي ليتني أعيد أكثر، أنا أعاتب نفسي على الاسترسال، أريد أن أعيد أكثر لأقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، أنا أعاتب نفسي على عدم الإعادة، سبحان ربى العظيم! لكن أنا فيما يبدو لي أن الأخ المعترض أو الذين نفروا كانوا نياماً فيما يبدو لي، فلعله سمع كلمة ثم نام في وسطها، ثم لما سمع نهايتها قال: أعاد الكلمة مرة ثانية. مرة كنت أخطب في بعض الأماكن في بلاد الشام في بلدة جرابلس، وبعض الحاضرين ذهب إلى بلدة حلب وهي تبعد مائة وعشرين كيلو متراً، فقال لي بعض أئمة المساجد هناك والمشايخ: الخطيب عندنا -يقصدونني- في جرابلس يقول على المنبر: الزنا حلال! فقال له أحدهم: اسكت، وانقلع من هنا، فقال: أنا سمعته بأذني، قال: من الخطيب؟ قال: فلان، قال: فزدته زجراً ونهراً وطردته، فلما التقيت أنا بهذا الشيخ في حلب قال: أخبرني ما القصة؟ قلت: ما أعلم أنه أثير هذا الموضوع، من يقول: الزنا حلال؟ هذا مما فطر الله المسلمين على معرفة تحريمه، ومعلوم من الدين بالضرورة.

    ومن لمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفراً ليس حد

    ومثل هذا من نفى لمجمع أو استباح كالزنا فلتعلم

    نساء البادية تعلم أن الزنا حرام، فالخطيب على المنبر كيف يقول هذا؟ قلت: أنا أعلل لك قوله، هو صادق فيما قال، قال: تقول: صادق؟ قلت: نعم صادق، لقد استحضرت عند بحثي في الضروريات -التي هي الكليات الخمس ومنها المحافظة على الأعراض- وكنت أناقش الإباحية والذين يقولون: بالحرية الشخصية، وبناء عليه لا ينبغي أن يتدخل النظام في حرية الإنسان، فإن شاء أن يزني فذلك حلال له، وإن شاء أن يلوط فذلك حلال له كما هو في القوانين الغربية، وبعض البلاد العربية الردية في هذه الأوقات، فهو بالتراضي حلال، حرية شخصية، ما يمنع أحد، والمؤتمر الذي يسمونه مؤتمر إسكان مؤتمر الشيطان هو في تقرير هذا، أن الإنسان حر يزني يلوط يكشف عن عورته، يدخل زجاجة في دبره، ما لك وله، هو حر، حرية شخصية، كنت أتكلم عن هذا، فلعل الرجل نام في خطبة الجمعة عدة مرات فاستيقظ عند ذكر هذه الجزئية: أن الزنا حلال عند هؤلاء الإباحيين؛ لأن هذا حرية شخصية، ثم نام، والعلم عند الله، فهو وعى هذه الجملة، مع أنه لو كان عنده ذرة أدب وخشية من الرب لجاء وقال: أنا سمعتك تقول: الزنا حلال، كيف هذا؟! وصححت له معلومته وزال الإشكال، لكن هذا حال الأمة! بعد ما أحدث بالنوم وصلى بغير وضوء ضبط كلمة قيلت من قبل دعاة الإباحية فنسبها إلى العبد المسكين ونقلها.

    وهنا بعض الإخوة يقول: إنك تكرر الكلام، ونفر بعض المرموقين ممن لهم شهادات من السماع، وأقول إخوتي الكرام: لا أبالي لا بمرموقين ولا بغيرهم، والمساكين هم أتباع الرسل في كل حين، لكن أنا أريد أن أقول: ينبغي أن نتأدب بأدب نبينا الرسول عليه الصلاة والسلام، أن نتقي الله فيما نقول؛ لأنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، نعم أنا مقصر في عدم إعادة الكلام، لأن الواجب على كل أحد أن يسترسل وأن يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه، أحياناً أعيد مرتين بعض الأحاديث وأحياناً أمشي، وهذا أدب شرعي من أخل به فقد قصر، ومن حافظ عليه فهذا هو الأكمل والأفضل، أما الاسترسال فليس من ديننا، وأنا أقول لمن يقولون عن أنفسهم إنهم من الفئة المرموقة: أنا أريد أن أسألهم: ماذا وعوا من هذه الدروس من أولها إلى آخرها؟ إذا كانوا يقولون: إنني أكرر فأقول: مع التكرار قولوا: ماذا استفدتم؟ الطائفة المرموقة مع التكرار ما وعت شيئاً، فكيف لو كان هناك استرسال ومتابعة في الكلام، ربما لفهموا كما فهم ذاك أن الزنا حلال!‏

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو إعادة الكلام ثلاثاً حتى يفهم عنه

    أعجب غاية العجب -إخوتي الكرام- للهذيان الذي يجري في هذه الأيام، ولذلك لا بد من توضيح هذه الجزئية فانتبهوا لها.

    ثبت في المسند وصحيح البخاري وسنن الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام الترمذي في الشمائل المحمدية على نبينا صلوات وسلام رب البرية، وأورده في الشمائل؛ لأن هذا من خصال النبي عليه الصلاة والسلام التي يمدح بها، واستمع لذلك، ورواه الإمام البيهقي في المدخل في صفحة ست وخمسين وثلاثمائة، ورواه البغوي في شرح السنة في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثمائة، وأما المسند والبخاري والترمذي فما أحدد الصفحات لأن الرجوع إليها أيسر من هذه، وبوب عليه البخاري في كتاب العلم في الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين ومائة بشرح الحافظ ابن حجر : باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه، وبمثل هذا الباب بوب الإمام البيهقي في المدخل، وبوب عليه الإمام البغوي : باب إعادة الكلام ليفهم، ولفظ الحديث: من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه ). حتى يحصل استيضاح على وجه التمام، ديننا ليس (مشِّي)، هذا دين لا بد له من بصيرة، وتأكد وتبين، ثلاث مرات ومع ذلك ما يعي الناس، فكيف إذا كان مرة واحدة! كان يعيد ثلاث مرات لأذكى الناس، وأزكى الناس، وأفقه الناس، وأطهر الناس وهم الصحابة الأكياس رضي الله عنهم أجمعين، الذين عقولهم تسيل ذكاء وأدباً وفطنة وبسطة، والواحد منهم يتلقى مشافهة دون كتابة، وتقدم معنا في ترجمة سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه أخذ بضعاً وثمانين سورة من فم النبي عليه الصلاة والسلام، ما كتب سوداء في بيضاء، يسمع ويحفظ، ومع ذلك يعاد لهذا الكلام ثلاثاً، نحن لو أعدناه ثلاثين لكان قليلاً في حقنا، وأنا على يقين أن الثلاثين ما نضبط أيضاً، وأحدنا يتضايق من الإعادة! لماذا؟ الذي يغني يعيد الأغنية أربعين مرة ولا يتضايق من يستمع، بل يقولون: ما شاء عليك زد، ونحن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كررناه تضايقت، والطائفة المرموقة انقلعت! وإذا ما انقلعت ماذا جرى؟ قال: هذا تضايق منه طائفة مرموقة، ولذلك أعرضوا عن الدروس، لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ونسأل الله أن يغنينا عنهم وعن أمثالهم.

    قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً )، سلم عليهم ثلاثاً باتفاق أئمتنا إذا كان هذا في استئذان، أما إذا تلاقا المسلمان في طريق أو مسجد أو نحوه فالسنة الجارية بين المسلمين أن يسلم مرة واحدة، لكن إذا جئت إلى بيت لتستأذن فسلم ثلاثاً، استئذاناً وسلاماً، ولا تزد، وما عدا هذا تنقص، فيسلم ثلاثاً، أي: عند طلب الإذن في حال الاستئذان، نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام البيهقي عند رواية هذا الحديث، وهكذا البغوي والحافظ ابن حجر في شرحه في المكان المتقدم صفحة ثمان وثمانين ومائة في فتح الباري، والحديث رواه الإمام الترمذي أيضاً في المناقب وفي الشمائل المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه أيضاً من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه، بلفظ: قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه ). وفي الرواية الأولى: (حتى تفهم عنه)، وهذه الرواية رواها الحاكم في مستدركه في الجزء الرابع صفحة ثلاث وسبعين ومائتين واستدركها على الصحيحين.

    وهي -كما تقدم- في صحيح البخاري من رواية أنس ، ولذلك قال الحافظ الذهبي معلقاً على كلام الحاكم : قلت: أخرجه البخاري سوى قوله: (حتى تعقل عنه) لكن رواية البخاري : (حتى تفهم عنه)، والمعنى واحد، قال الحافظ في الفتح: وهم الحاكم في استدراكه وفي دعواه أن البخاري لم يخرجه.

    إذاً: إخوتي الكرام! هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه، وهذا مروي من رواية عدة من الصحابة الكرام، رواه أبو داود في كتاب العلم وبوب عليه: باب تكرير الحديث، من رواية رجل من الصحابة خدم النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ولم يسم، ولعله أنس ، ورواه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع في الجزء الأول صفحة أربع وثلاثين ومائتين، وبوب عليه: باب إعادة المحدث الحديث حال الرواية ليحفظ، وإسناده حسن عن هذا الرجل الذي خدم النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدث حديثاً أعاده ثلاثاً ). والحديث روي من رواية أبي إمامة بإسناد حسن، رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير كما في مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة تسع وعشرين ومائة في كتاب العلم، وبوب عليه الهيثمي باباً فقال: باب أدب العالم، أي: من أدب العالم في تعليمه أن يعيد ما يقوله ثلاث مرات، وإن زاد فهذا أحسن، ولفظ الحديث: من رواية سيدنا أبي إمامة رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم تكلم ثلاثاً لكي يفهم عنه )، فهو من رواية أنس ، ومن رواية رجل خدم النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ومن رواية أبي إمامة ، والروايات الثلاث صحيحة ثابتة، أما رواية أنس فتقدم معنا أنها في البخاري والروايتان في غير الصحيحين.

    ما ورد عن الأئمة من استحباب تكرار الحديث والكلام ثلاثاً

    إخوتي الكرام! وهذا الأمر الذي نقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام متفق عليه بين أئمتنا الكرام، نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرح الحديث في الجزء الأول صفحة تسع وثمانين ومائة عن الزين بن المنير وتقدمت معنا ترجمته، قال: نبه الإمام البخاري بهذه الترجمة، -أي: من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه- يقول: نبه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة الحديث. فالطائفة المرموقة الآن البخاري يستنكر فعلهم، ويقول: هؤلاء يكرهون تكرار الحديث، وليتهم عندما كُرر يحفظون العشر، وإذا لم يكرر لن يحفظوا شيئاً، يقول: نبه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة، وعده من البلادة، قال: والحق أن هذا يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء؛ لأن الشروع ملزم. يعني: أنت في البداية لا يجب عليك أن تدرس ولا أن تعلم، فإذا شرعت فيجب عليك أن تفهم، فإذا لم تعد وما فهم الناس فأنت مقصر؛ لأن الشروع ملزم، فإذا شرعت في خير فوضحه، لأن الشروع ملزم، ولذلك لا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء، أي: من التدريس ومن بدء نشر العلم.

    كما نقل عن الإمام ابن التين ، وتقدمت معنا ترجمته وهو من أئمة المالكية الكرام، قال: الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان. يعني من أعاد ثلاثاً فقد كفى، وإذا ما فهم الإنسان بعد الثلاث فهو الذي قصر في الفهم، أما أقل من ثلاث فالمستمع له حق أن يقول: أنا ما فهمت، أعد، فإن أعاد الثانية، يقول: أعد، ولا تتضجر، وهذا من حقه عليك، وإلا فأنت مقصر، فإذا أعدت الثالثة فقل: يا عبد الله ! لقد أخذت حقك، إن تطوع نفسي برابعة وخامسة وإلا فليس لك حق أن تطلب. ومن اعترض على ذلك فهو كحال بني إسرائيل الذين كانوا يعترضون على أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، لكن إذا زاد على ثلاث فإن كان هناك مصلحة في الزيادة فلا حرج، وإذا لم يكن هناك مصلحة فالأحسن عدم الزيادة على ثلاث.

    ثم نقل الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع في المكان المشار إليه أنه عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: من روى عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً فليردده ثلاثاً. هذا كلام عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وليتنا أخذنا بهذا الأثر، وأحياناً إليك نشكو أمرنا يا ربنا، نعيده مرتين فيعترض المتنطعون، فكيف لو أعيد كل حديث ثلاث مرات، كيف سيكون الأمر؟! ليت الأمة الأمة أخذت بهذا الأدب من أجل أن يرسخ كلام النبي عليه الصلاة والسلام في أذهان المستمعين.

    وأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها سيدتنا الطيبة المطيبة كانت تنكر ما حصل بعد النبي عليه الصلاة والسلام من سرد الحديث وعدم إعادته وتكراره، ثبت عنها ذلك في المسند والصحيحين، والحديث رواه الإمام أبو داود في سننه، والإمام الترمذي في السنن أيضاً وفي الشمائل المحمدية على نبينا وآله وصحبه وأتباعه صلوات الله وسلامه، رواه الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى في الجزء الأول صفحة خمس وسبعين وثلاثمائة، ورواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه في الجزء الثاني صفحة أربع وعشرين ومائة، وفي الجامع في الجزء الأول صفحة أربع عشرة وأربعمائة، ولفظ الحديث: عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم )، أي: لم يكن يتابع بين الكلام ويستعجل ولا يعيد ولا يتأنى، وهذه الرواية -كما قلت- في الصحيحين وغيرهما.

    زاد ابن سعد في الطبقات والترمذي في السنن والشمائل والخطيب في المكانين المتقدمين في الفقيه والمتفقه وفي الجامع، قالت: ( ولكنه كان يتكلم بكلام فصل )، بكلام فصل موضح مكرر معاد يحفظه من جلس إليه، وفي رواية في المسند: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلام مفصلاً يفقهه كل أحد ولم يكن يسرد الحديث كسردكم )، قال الحافظ في الفتح في الجزء السادس صفحة ثمان وسبعين وخمسمائة وفي مستخرج الإسماعيلي عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: ( إنما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مفصلاً فهماً تفهمه القلوب ). وقد عد أئمتنا هذا الأمر من الآداب التي ينبغي أن يتقيد بها المتكلم، نص على ذلك الإمام ابن جماعة في كتابه تذكرة السامع والمتكلم في صفحة تسع وثلاثين، فذكر من آداب المتكلم المحدث أن يعيد الكلام ثلاثاً ليفهم عنه، يقول: ولا يسرد الكلام سرداً، بل يرتله ويرتله ويتمهل فيه ليفكر هو وسامعه، وقد روي أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فصلاً يفهمه من سمعه، وأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه.. إلى آخر كلامه في ذلك.

    بعض ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من إعادته الكلام ثلاثاً

    إخوتي الكرام! هذا من الأدب الذي ينبغي أن يحرص المتكلم والمتحدث عليه، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام مع تكراره لكلامه أحياناً يعيد الجزء منه ثلاث مرات من أجل أن ينبه الناس إلى ما سيقوله مع تكراره لكلامه العام، وهذا ثابت عنه بالتواتر، من ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد وهو في الصحيحين، وقد استدركه الحاكم على الصحيحين وهو فيهما، من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ورواه الإمام أحمد في المسند والبخاري من رواية أبي شريح العدوي ، فهو من رواية أبي هريرة وأبي شريح رواية أبي شريح ، في البخاري ، ورواية أبي هريرة في الصحيحين، ولفظ الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! ثلاثاً) لا أدري ماذا سيقولون المرموقون إذا سمعوا هذا عن نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام؟! هل سينفرون أيضاً؟ (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)، زاد الإمام الحاكم في المستدرك: قالوا: ( وما بوائقه يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: شره )، يعني لا يأمنون شره، فهذا ليس من عباد الله المؤمنين عند رب العالمين، انظر لهذا التكرار من أجل أن يعي الأبرار.

    وأئمتنا الكرام عندما فاضلوا بين صحيح البخاري وصحيح مسلم ، وذهب بعض أهل المغرب إلى تقديم صحيح مسلم ، قالوا: لجودة الصناعة الحديثية فيه، فهو يورد الأحاديث مرتبة في مكان واحد ولا يفرقها في كتابه فيصعب استخراجها من كتابه، وتقدم معنا حديث فضل آية الكرسي فقد أورده في كتاب الوكالة، وهذا من جملة تراجم أبوابه، وفقه البخاري في تراجم أبوابه، فبعض المغاربة فضل صحيح مسلم للصناعة الحديثية، وقالوا: صحيح البخاري فيه تفريق وتكرار، وهذا يصعب على طالب علم أن يجمع الروايات، وأن يتتبع الرواية بطرقها المختلفة في صحيح البخاري ، فقال أئمتنا في تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم مجيبين عن هذا الاعتراض:

    قالوا لمسلم فضل قلت البخاري أعلى

    قالوا المكرر فيه قلت المكرر أحلى

    أي: أن العسل إذا كرر أحلى مما لو كان بشهده وشمعه، والله جل وعلا سمى الفاتحة بالمثاني فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، سميت بذلك لأنها تثنى وتكرر في كل ركعة، وبها ثناء على الله، واستثنيت لهذه الأمة، وسمى الله كتابه بذلك مثاني لأنه يكرر ما فيه من الوعد والوعيد والقصص وتمجيد الرب المجيد، يكرر هذا بصور مختلفة، وكلما كرر كان أحلى، فما الحرج إذا كرر حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟! لماذا تتضايق القلوب؟!

    أحضر لي بعض الإخوة الكرام شريطاً لبعض المهووسين في هذه الأيام الذين يسمون ما يقومون به أناشيد إسلامية لإعادة دولة الإسلام، ولعله سيأتي الكلام على هؤلاء السفهاء -إن شاء الله- ضمن مواعظ الجمعة التي بدأناها، ومثل هؤلاء لا بد من مناقشتهم، في بداية الشريط جالس يهمهم قبل أن يتكلم قرابة خمس دقائق على الموسيقى! ما أعلم من أين هذا الكلام، وهذا النغم، يعيده مرات كثيرة، فقلت: سبحانك ربي! أشرطة للدعوة الإسلامية وباسم الجهاد ويوجد من ينشرها من مسموعات ومرئيات وأموال بغير حساب، وعندما يعيد الإنسان حديث النبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة مرتين يتضايق بعض الناس. ولما قيل لي هذا الكلام من الأسبوع الماضي سمعت عدداً من الأشرطة لأتحقق، فوجدت أن بعض الأحاديث يعاد أحياناً مرتين وأكثر، وإذا أعيد ليتدارك من يكتب، أما أنك تسمع وتتضايق وتنفر فلماذا؟ والله نحن لا صلة بيننا وبين أحد من خلق الله، لا من طائفة مرموقة ولا من أهل شهادات ولا من مسئولين ولا من كبار ولا من صغار إلا على حسب شرع العزيز القهار فقط، لا صلة بيننا وبين أحد إلا على حسب شرع ربنا، وليس في الدين محاباة، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] ، أما أن يعترض كل إنسان حسبما يزين له الشيطان فأنا أنصح هؤلاء الإخوة الكرام أن يعفوا أنفسهم من الحضور لئلا يرتكبوا إثماً عند العزيز الغفار، فلا يحضروا، وحقيقة يريحون ويريحون أنفسهم، وكما قلت: لو حضر عشرة يتفاعلون خير من أن يحضر مائة ألف، ونسأل الله أن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا، وأن يجعل أعمالنا صالحة ولوجهه خالصة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! كان في نيتي أن أوجز الكلام على هذه الأمور لنتكلم على ما نحن بصدده وفي مدارسته ولكن قدر الله وما شاء فعل، وهذه الآداب في نيتي إذا انتهينا من هذه الاستطرادات في بعض المباحث أن أرتب لها مواعظ متعددة، ولو جمعت بعد ذلك لكان فيها منفعة، ماذا ينبغي أن يفعله الإنسان في طلب العلم في نفسه وفي طلبه مع شيوخه ومع إخوانه؟ هذا لا بد من وعيه.

    نسأل الله أن يحسن أدبنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشياخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.