إسلام ويب

معاملة الإنسان لنفسه [4]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الحقوق الواجبة على الإنسان تجاه بدنه أن يحافظ على طبيعته التي خلقه الله عليها، وألا يغيرها إلى ما يخالف الشرع المطهر؛ فقد حرم الإسلام تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، كما حرم التشبه بالكفار والفاسقين، فعلى المسلم أن يحافظ على زيه وطبيعته الإسلامية التي أمر الله بها، فلا يحلق الرجل لحيته، أو يقصرها، وكذلك المرأة تحافظ على طبيعة بدنها ومن ذلك ألا تحلق شعر رأسها أو تقصره بما يخالف الشرع، ويجب على كل من الرجل والمرأة أن يستعملا أبدانهما في الخير والطاعة، وأن يجنباهما كل شر ومعصية.

    1.   

    وجوب المحافظة على طبيعة أبداننا التي خلقها الله عليها وعدم تغييرها إلى ما يخالف الشرع

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قيماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    الحق الثاني: يجب على كل مسلم ومسلمة ذكر وأنثى، أن يحافظ على طبيعة بدنه التي خلقه عليها رب العالمين، فالله جل وعلا خلقنا بكيفية من الكيفيات، فينبغي أن يحافظ على هذه الكيفية التي خلقنا عليها، ولا يجوز أن نعبث بخلق الله، ولا يجوز أن نغير خلق الله جل وعلا، وعليه فيحرم أن يتشبه الرجال بالنساء، وأن يتشبه النساء بالرجال، كما يحرم أيضاً أن يتشبه المسلمون بالكافرين في طبيعة البدن، وفي صورة البدن، وفي شكله، فنحن بدننا له طبيعة نحافظ عليها، وأولئك غيروا طبيعة أبدانهم كما سيأتي معنا، فلا يجوز أن نتشبه بهم.

    تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال

    أما الصورة الأولى وهي تحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال، فقد أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث مروي في سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال )، فلا يجوز أن تتشبه في طبيعة بدنك في زي في شكل تشابه به شكل المرأة، كما سيأتينا تفصيل هذا في بعض الصور.

    قال الإمام الطبري : هذا اللعن في حق من تشبه من النساء بالرجال، ومن الرجال بالنساء في اللباس والزينة. فلبدنك إذا كنت رجلاً نوع معين من اللباس، وهكذا المرأة، ولك نوع معين من الزينة، وهكذا المرأة، فإذا تشبه أحد الصنفين بالآخر في شيء من هذا فهو ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر : وهكذا إذا تشبه أحد الصنفين بالآخر في المشي، وفي الكلام. فالمرأة لها طبيعة معينة في كلامها، وهكذا أنت، فإذا تشبه أحد الصنفين بالآخر في كلامه أو مشيه فهو ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

    وورد في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، ولعن المرأة تلبس لبسة الرجل ).

    وفي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني عن رجل من هذيل كان يجالس عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، فمرت امرأة تحمل قوساً وهي تمشي مشية الرجال، فقال عبد الله بن عمرو: من هذه؟ فقالوا له: أم سعيد بنت أبي جهل ، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس منا من تشبه من الرجال بالنساء، ولا من تشبه من النساء بالرجال )، وهذه تمشي مشية الرجال فلا يجوز ذلك. والحديث رجاله ثقات كما قال الهيثمي في المجمع إلا الرجل الهذلي الذي كان يجالس عبد الله بن عمرو فهو مجهول، قال الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله: ومع ذلك فالإسناد صحيح؛ لأنه تابعي جهل حاله، ثم هو ذكر في الرواية: أنه كان يجالس عبد الله بن عمرو، فهو تابعي كبير القدر ليس نكرة من الناس، قال الهيثمي في المجمع: وقد رواه الطبراني بإسقاط الهذلي، أي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعليه فإسناد الطبراني في معجمه الكبير رجاله ثقات في جميع الإسناد.

    تحريم التشبه بالكافرين والفاسقين

    الصورة الثانية التي يحرم علينا أن نتشبه بها: أن نتشبه بغير أهل ملتنا ممن غضب الله عليهم من اليهود والنصارى، فلا يجوز أن نتشبه في أبداننا بشكل أبدانهم، فلنا طبيعة تميزنا عنهم، كما أن لنا اعتقاداً يميزنا عنهم، ونحن نختلف عنهم في جميع الأمور في الظاهر والباطن وفي جميع أشكال الحياة، وقد قرر نبينا صلى الله عليه وسلم هذا في أحاديث كثيرة، وبين لنا أنه يجب علينا أن يتميز المسلم في شكل بدنه عن الكافر الذي غضب الله عليه، ففي مسند الإمام أحمد ، ومحل الشاهد من الحديث مروي في سنن أبي داود ، والحديث قال عنه الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: إنه مروي بإسناد جيد، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: إسناده حسن، وله شاهد مرسل في مصنف ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي عن سعيد بن جبل باللفظ المذكور في مسند الإمام أحمد ، وقال الشيخ أحمد شاكر عليهم رحمة الله جميعاً: إسناد الحديث صحيح، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ).

    والحديث رواه الطبراني في الأوسط بلفظ: ( ومن تشبه بقوم فهو منهم )، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، ورواه الترمذي في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهودي الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى الإشارة بالأكف )، وهذا بدأ كثير من همج المسلمين في هذا الوقت الذين ينتسبون إلى الإسلام، وليس عندهم من الانتساب إليه إلا الاسم، حتى التحية تحية الإسلام فقدوها، عندما يريد أن يحيي بعضهم بعضاً عند الانصراف يقول: باي باي، ويشير بالأكف، وبالأصابع، وبألفاظ الأعاجم الذين غضب الله عليهم، أما أن نقول: السلام عليكم، أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك، وذاك يرد السلام ويقول: زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ووجهك للخير حيث ما توجهت، فهذا ذهب مع المسلمين الذين كانوا يتميزون عن الكافرين في جميع أشكالهم ظاهراً وباطناً.

    ولذلك أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال: من تزيا بزي قوم فهو منهم، وقال الحسن البصري عليه رحمة الله: قلما رجل تشبه بقوم إلا كان منهم. وكان سلفنا يقولون: أول النسك الزي، أي: أول علامة لسلوك طريق الآخرة أن يتميز شكلك عن اليهود والنصارى، وعن الفسقة الذين غضب الله عليهم، أول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه. هذا كلام السلف، فلك نوع من اللباس يميزك عن لباس من غضب الله عليهم، ومن ضلوا.

    ضرورة تميز المسلم في لباسه وزيه

    إخوتي الكرام! انظروا لهذه الأمور التي كان سلفنا يعطونها ما تستحق، وصارت في هذا الوقت عندنا من الأمور التافهات، وعند أعدائنا من الأمور العظيمات، يخبرني بعض إخواننا من صالحي أهل المغرب: أنه ذهب في زيارة إلى أسبانيا، إلى بلاد الأندلس التي كانت مسلمة قبل خمسة قرون، وحولت المساجد فيها إلى كنائس، يخبرني هذا الأخ المبارك أنه كان مع جمع معه، وأرادوا أن يدخلوا مسجد قرطبة الذي تخرج فيه أئمتنا الذين نأخذ منهم ديننا، وعلى واحد منهم عمامة، يقول: لما أردنا أن ندخل هذا المسجد الذي حول إلى كنيسة أسرع القسس والرهبان إلى هذا المتعمم، وقالوا: ما يمكن أن تدخل المسجد بعمامتك. سبحان ربي العظيم! هذا لباس ما قدره؟ له قدر كبير، هذا يميز المسلم عن غيره، فقال لهم باللسان المغربي: هذا المسجد ديارنا، يعني: حقنا ولنا، وليست كنيستكم، فتدافع معهم، فدخل بعمامته، فلما شرع في الصلاة يقول: أحضروا النواقيس والموسيقى، وبدءوا يقرعون بها بشدة ليشوشوا على هؤلاء الإخوة صلاتهم. ونحن نقول في هذا الوقت للمسلم: تزيا بزي المسلمين، فيقول: الأصل هو القلب، دعك من الظاهر، الظاهر إذا كان في أي صورة فلا حرج.. لا يمكن هذا يا عبد الله! إذا تشبهت بصورته فقلبك على شاكلته؛ لأن أول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه.. سبحان الله! في مسجد المسلمين يثور حماس القسس والرهبان لأجل عمامة على الرأس! نعم يثورون.

    وكنت ذكرت في إحدى المحاضرات أن بعض من يحملون شهادات طويلة عريضة، وقد أفضوا إلى ما قدموا، ونسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه، عندما اجتمع مع الملعون النصراني أخذ قبعة هذا النصراني، ووضعها هذا الشيخ الضال على رأسه في اجتماع علني! وأخذ العمة ليضعها على رأس النصراني فطرحها! سبحان الله! وصلت السذاجة والضلال والتفاهة بنا أننا نضع برنيطة النصراني على رءوسنا في مجمع علني، وعندما نقدم له عمتنا ليلبسها فيأبى! نعم، هم يعلمون ما وراء هذا اللباس؛ لأنه يخشى إذا ستر رأسه بستار المسلمين أن يتأثر قلبه بدينهم من حيث لا يشعر؛ لأن أول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه، ونحن لما رق ديننا رقت ثيابنا، فلا نبالي إن لبسنا لباس اليهود أو النصاري.

    فلا بد أن يكون للمسلم شخصية تميزه عن غيره في كل شيء، هذا البدن له حق عليك إذا كنت من أهل لا إله إلا الله، فميز هذا البدن عمن غضب عليهم ربك سبحانه وتعالى، وإلا سيخاصمك هذا البدن أمام الله سبحانه وتعالى.

    عباد الله! أذكر لكم قصة من هذه الحوادث المريرة: عندما كنت في الثانوية الشرعية، وأنا في الثالثة المتوسط الإعدادي، وما وضعت العمة على رأسي إلا في الأولى ثانوي، وكنت في مرحلة الإعدادي ألبس طاقية نسميها (عرقية)، وفوقها منديل وهو الذي يسمى بلسان أهل البلاد (غترة)، وكان هذا لباسي في مرحلة المتوسط، وكانت المدرسة في أول أمرها على صلاح واستقامة، ولما وصلت إلى آخر المرحلة المتوسطة حصل فيها من الفساد ما حصل، مع أنها بنيت بمال المسلمين، وينفق عليها من الوقف الذي وقفه آباؤنا وأجدادنا فلا ينفق عليها من خزينة الدولة، على كل حال: لما سيطر على هذه المدرسة من سيطر على غيرها وحصل التغير فيها، بينما كنت أتمشى وأتجول في باحة المدرسة، وإذا بالمراقب يناديني من خلفي بأصوات منكرة، فلما اقترب مني، قلت: ماذا تريد؟ قال: سبحان الله! أنت طالب مدرسة، وتلبس هذا المنديل على رأسك كأنك أجير خمارة! سبحان الله العظيم! وهو والله ليس بينه وبين الذئب فرق في الصورة، والقلوب عند الله بعد ذلك، فقلت: أجير الخمارة في شكلك المنحوس، لا في هذا الشكل المكرم المعظم المبارك، أجير الخمارة ليس هذا شكله، أجير الخمارة شكله شكل اليهود والنصارى، وحصل بيني وبينه من المشادة حتى حجز بيننا الطلاب وانتهى الأمر.

    سبحان الله! أعداء الله يغتاضون عندما يرون زي الإسلام علينا، فلماذا لا نحافظ على زينا الذي يميزنا عن غيرنا؟ هذا البدن له طبيعة، إذا كنا ننتمي إلى دين ينبغي أن تظهر طبيعة الدين على شكلنا، بحيث من رآنا يقول: هذا مسلم، وهذا نصراني، أما أن الإنسان إذا نظر إلى حال المسلمين في بلاد المسلمين في هذه الأيام لا يميزهم عن أشكال النصارى واليهود، هذا لا يجوز أبداً، وهذا من تغيير خلق الله كما سيأتينا.

    وجوب إعفاء الرجال لحاهم والنساء شعورهن

    إخوتي الكرام! وعند هذا البحث أحب أن أفصل الكلام على أمر عظيم، ليت التفريط وقع فيه في جانب العمل فقط لكان الأمر يسيراً، ولما تكلمت فيه وأطلت، إنما أهمل العمل في هذا الأمر، وأهمل أيضاً العلم بحيث صار غريباً في دين الله، وصار من يتصف به ينبذ بالشذوذ، وينبذ بالتأخر، وينبذ بالتنطع والتشدد، هذا الأمر ينبغي أن أفصل الكلام عليه لنعرف حكم الله فيه، وأنا عندما أقوله أرجو الثواب بوصوله إلى غير أهالي هذه البلاد أكثر مما أرجوه من الثواب في انتشاره بين أهالي هذه البلاد؛ لأن التفريط في تلك البلاد وقع فيه بكثرة، وصارت الأحوال فيه مريرة، ولذلك أحب أن أفصل الكلام عليه، وإذا طال الكلام عليه فأرجو أن تتحملوا وأن تصبروا في سماعه؛ لأن لنا إخواناً يتمنون سماع كلمة في هذا الأمر ليثبتوا قلوبهم أمام الدعوات الضالة المضلة حول هذا الأمر من قبل علماء السوء في هذا الوقت.

    عباد الله! هذا الأمر الذي سأتكلم عنه هو: لحية الرجال، وشعور النساء، ما هدي الإسلام في شعر اللحية؟ في الشعر الذي ينبت على الذقن والخدين؟ وما هدي الإسلام في الشعر الذي ينبت على رأس المرأة؟ يقول الله جل وعلا في كتابه في سورة الإسراء: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70]، ذكر أئمتنا في كتب التفسير صوراً متعددة لهذا التكريم تدور على أمور أربعة: كرم الله بني آدم بإرسال الرسل، وهذه أعظم كرامة لنا، ولولا الرسل لكنا كالبهائم، وكرم الله بني آدم بأن منحهم العقول ليفهموا ما أتى به الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، ويعرفوا مراد الله، وكرم الله بني آدم بأن سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وكرم الله بني آدم في صورتهم فخلقهم في أحسن تقويم، ويدخل في هذا كما أثر عن عدد من السلف: كرم الله الرجال باللحاء، والنساء بالذوائب، أي: بالشعر الطويل المظفور الذي يصبح ذوائب خلف المرأة على ظهرها، هذا من تكريم الله للمرأة، وشعر اللحية من تكريم الله للرجل.

    أمر الشيطان لبني آدم بتغيير خلق الله ومن ذلك حلق اللحى وشعور النساء

    وهذا التكريم الذي كرمنا به بصوره الأربع، وقف الشيطان أمامه ليصدنا عنه، كما قال الله جل وعلا في سورة النساء: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117]، إن يدعون من دونه إلا إناثاً، أي: أصناماً تسمى بهذا الوصف وصف الإناث، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء:117-119].

    وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، وتغيير خلق الله هنا في الأمور الأربعة المتقدمة الأول: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119]، أي: دين الله وتوحيده، وهو الذي خلقوا من أجله، فأرسل الله الرسل، وأنزل الكتب لنعبده، فحرف الشيطان هذا الأمر، وغيرنا عنه، الثاني: ولآمرنهم فليغيرن الجبلة التي خلقوا عليها، والتي أعطاهم الله إياها، فيزيلوا دينهم بمسكرات ومخدرات، ويعبثوا بعد ذلك في أبدانهم، فيحلقوا اللحى، والنساء تقص الذوائب، ويتعاطين الوشم وغير ذلك.

    الثالث: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119]، أي: ما سخره لهم ربنا جل وعلا من النعم في السماوات والأرض، لينتفعوا به وليعتبروا به، فبدءوا يحلون ويحرمون وينسبون ذلك إلى غير الله جل وعلا.

    والآية نص صريح في تحريم إزالة الرجل لهيئته التي خلق عليها، أي: في تحريم حلق لحيته، ومن حلق لحيته فقد غير خلقة الله التي خلقه الله عليها، والآية نص صريح في تحريم قص المرأة لشعر رأسها، فإذا قصت شعر رأسها فقد غيرت خلقة الله التي خلقها الله جل وعلا عليها، ولذلك سأفصل الكلام في هذه المسألة في شعور الرجال التي تنبت على الذقون وهي اللحى، وفي شعور النساء التي تنبت على الرءوس.

    1.   

    تحريم حلق الرجال لحاهم والنساء شعورهن والأدلة على ذلك

    عباد الله! يجب على الرجال أن لا يعتدوا على لحاهم، ويجب على النساء أن لا يعتدي على شعورهن، وإذا أخذ الرجل أو المرأة شيئاً من هذا الشعر، الرجل من شعر لحيته، والمرأة من شعر رأسها؛ فلهذا الأخذ ثلاثة أحوال، لكل حالة حكم، نذكرها ليكون المسلم على بصيرة من دينه:

    الحالة الأولى: إذا أخذ الرجل لحيته كلها عن طريق الحلق أو القص كثيراً بما يشبه الحلق، بحيث ترى البشرة وتظهر من خلال الشعرات القليلة، وإذا حلقت المرأة شعر رأسها أو قصته قصاً كثيراً يشبه الحلق بحيث لم تترك منه إلا قليلاً، فكل من الصنفين في هذه الحالة ملعون ساقط مرتكب لكبيرة من الكبائر، ولا أقول هذا تكفيراً لأحدٍ من خلق الله، ثم من جاءنا بهذه الشعيرة المخالفة؟ لقد أصبح هذا الأمر بين المسلمين في هذا الوقت فاشياً، وأكثر الناس يحلقون لحاهم، ويعلم الله أنهم لا يعلمون أنهم يفعلون كبيرة، وأنهم بذلك فاسقون، لا يعلمون؛ لأنهم رأوا علماء السوء ينتفون لحاهم، وهؤلاء صاروا وراءهم، فغاية ما يظن العامي الصالح أن إرخاء اللحية فضيلة، وأنه ليس في حلقها شيء، وإنه إذا كان من طلبة العلم، ومن طلبة السوء ومن طلبة علماء السوء، فهذا يرى أن إعفاء اللحية رذيلة وغير واجبة في هذا الوقت، انظروا كيف حصلت الدعايات المضللة حول هذه الشعيرة المباركة!

    هذا الأمر يدل عليه خمسة أمور من شريعة العزيز الغفور:

    الأدلة من السنة على تحريم حلق اللحية وحلق النساء شعورهن

    الأمر الأول: ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم النهي عن حلق النساء لشعورهن، وعن حلق الرجال للشعر الذي ينزل على أذقانهم، أي: اللحاء، أما فيما يتعلق بالنساء: فقد روى الترمذي في سننه عن علي مسنداً عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورواه مرسلاً بإسقاط علي رضي الله عنه، والحديث رواه البزار عن أمنا عائشة وعثمان ، قال شيخنا المبارك عليه رحمة الله في أضواء البيان: وطرق الحديث يعضد بعضها بعضاً، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تعليقه على جامع الأصول عند رواية الترمذي : إسنادها حسن، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تحلق رأسها )، وأما فيما يتعلق بالرجال فالأحاديث الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام والتي تأمر الرجال بإعفاء اللحية وتحذرهم من خلقها متواترة، أقطع بذلك وأشهد أمام الله جل وعلا، من هذه الأحاديث:

    ما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)، أنهكوا، أي: بالغوا في القص للشوارب، بحيث يبدو الجلد من تحت الشعر، أنهكوا الشوارب، بالغوا في قصها، وأعفوا اللحى، اتركوها عافية كاملة دون أخذ شيئاً منها، وفي رواية في الصحيحين: (خالفوا المشركين؛ وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) والإحفاء: هو المبالغة في القص، وفي رواية في الصحيحين أيضاً: ( خالفوا المشركين؛ أعفوا الشوارب وأوصلوا اللحى ) أي: اتركوها واصلة كاملة دون أخذ شيء منها، وفي رواية لـمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( جزوا الشوراب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس )، قال الإمام النووي عليه رحمة الله: قال القاضي عياض : وضبط: وأرجوا اللحى، أي: اتركوها راخية طويلة، وأخروها عن الجز وعن القص، وإياكم أن تقصوا شيئاً منها، خمسة ألفاظ ثابتة في الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام: أعفوا اللحى، وفروا اللحى، أوصلوا اللحى، أرخوا اللحى، أرجوا اللحى، وكلها تفيد ترك اللحية كما هي دون أخذ شيء منها.

    الإجماع على أنه ليس على الرجال حلق لحاهم ولا على النساء حلق رءوسهن في حج أو عمرة

    والأمر الثاني: أجمع المسلمون قاطبة على أنه ليس على النساء حلق في حج أو عمرة في النسك، كما أنه ليس على الرجال حلق اللحية في حج أو عمرة، فلو كان يباح للنساء حلق شعر الرأس، ويباح للرجال حلق شعر اللحية، لأمروا بجزه في تلك الأماكن التي تجز بها النواصي والشعور تذللاً للعزيز الغفور، إنما هو لحكمة مباركة لا تجز وتقصر في ذلك المكان، وهذا زينة للمرأة وطبيعة لها يميزها عن الرجل، فلا يجز في ذلك المكان، غاية ما تفعله المرأة إذا أرادت أن تتحلل أن تأخذ من شعرها بمقدار أنملة، أي: عقدة الأصبع، أما أن تحلق شعرها فهذا حرام ولا يجوز، ولو كان الحلق مشروعاً لشرع في النسك التي تجز فيه النواصي تذللاً لله جل وعلا، فهذان الأمران خاصان بالحلق، والأمور الثلاثة تشمل الحلق والقص القريب من الحلق.

    حلق اللحى وقصها وقص شعور النساء سنة إفرنجية مستوردة

    الأمر الثالث: قص النساء من شعور رءوسهن، وقص الرجال من شعور لحاهم، أو حلق الرجال للحى وحلق النساء لشعور الرأس، هذه سنة إفرنجية ملعونة لا يعرفها المسلمون، ولا يجوز لنا أن نتشبه بمن غضب الله عليه ولعنه، وقد تقدم معنا الحديث الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( ومن تشبه بقوم فهو منهم ).

    إخوتي الكرام! من الأساليب التي وقعت في أسبانيا للبحث عن الموحدين الذين لم يتنصروا ليذبحوهم وليحرقوهم وليضعوهم في قدور فيها زيت مغلي، عندما يوضع فيه المسلم والمسلمة لا ينفصل اللحم عن العظم فقط، إنما يذوب العظم، وكانوا يتركون حرق المسلمة إذا وجد في يديها التوراة، إذا وجد في بيت من تنصر وهو من النصرانية تضع الصليب في صدرها إكراهاً وخوفاً، ولكنها تمارس شعائر دينها في السر، لكن كانوا إذا رأوا شعر رأسها طويلاً فإن هذا كاف لحرقها وصلبها؛ لأن هذه من زينة المسلمين، ونحن في هذا الوقت شاباتنا حتى نساء البدو التي لا تعرف الواحدة منهن أن تمسك قلماً ولا أن تمسك دفتراً، صار في أظفارهن المناكير الأخضر والأحمر، ولا غرو هذا؛ لأنها ترى المنكر أمامها على الكافرات فتريد أن تقلدهن.

    وعليه يا أمة الله! اتقي الله في نفسك، ولا تظهري في صورة إفرنجية ملعونة في هيئة رأسك ولا في هيئة يديك.

    وأنت -أيها الرجل- ليس حلق اللحية من شعار المسلمين، إنما هو من شعار من غضب عليهم رب العالمين، ولذلك قال الإمام محمد بن عابدين في كتابه رد المحتار على الدر المختار، وهو أحسن وأعظم كتاب ألفه، في الجزء الثاني في صفحة ثمانية عشرة وأربعمائة، يقول: وأخذ كل اللحية فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم، وقد ثبت في الصحيحين عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد )، وفي رواية لـمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، قال الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع: من أقبح العادات ما أصابه الناس في هذا الوقت من حلق لحاهم...؛ لأنهم أخذوا خصائص الكفار، واستخدموا عاداتهم، فبدءوا يرون أن حلق اللحية ليس فيه شيء. وهذا شيخ مسلم يتحدث عن الأحوال التي رآها في زمانه من قرابة خمسين سنة أو أكثر، فكيف لو رأى أحوال المسلمين في هذا الحين؟! لقد شابهوا الكفرة واستحسنوا عاداتهم، فهذا دخيل على المسلمين، وليس هذا من ضمن المسلمين، ( ومن تشبه بقوم فهو منهم ).

    وبما أنه سنة إفرنجية ففاعله يوشك أن يكون مثل من يتشبه بهم في هذا الأمر، وقد نهينا عن التشبه كما تقدم معنا، فلا يجوز أن نتشبه بمن غضب الله عليه ولعنه.

    المرأة إذا حلقت شعر رأسها والرجل إذا حلق لحيته يكون كل واحد منهما قد تشبه بالآخر

    الأمر الرابع: أن المرأة إذا قطعت شعر رأسها، والرجل إذا حلق شعر لحيته، فقد تشبه كل من الصنفين بالآخر، الرجل صار وجهه وجه امرأة، والمرأة صار رأسها رأس رجل، ولا بد من المغايرة بين الصنفين والطبيعتين كما تقدم معنا، ولذلك قال أئمتنا كما في رد المختار أيضاً في الجزء السادس صفحة أربعمائة وسبعة: امرأة قطعت رأس شعرها أثمت ولعنت، وإن أذن زوجها، ولذا يحرم على الرجل قطع لحيته، والمعنى المؤثر في ذلك هو تشبه الرجل بالمرأة، وتشبه المرأة بالرجل، وإذا كنت رجلاً ينبغي أن يتميز هذا الوجه عن وجه المرأة، وإذا كانت تلك امرأة فينبغي أن يتميز رأسها عن رأس الرجل، فلها زينة تناسبها وهيئة خلقها الله عليها لا يجوز أن تغيرها، قال السبكي في كتابه المنهل العذب المورود في شرح في سنن أبي داود في الجزء الأول صفحة تسع وثمانين ومائة: إذا نبت للمرأة لحية فطالبوا بحلقها؛ لئلا تتشبه بالرجل، فهل يعتقد الرجال الذين يحلقون لحاهم أنهم صاروا نساءً؟ المرأة إذا خرج لها لحية ينبغي أن تزيلها؛ لئلا يكون في ذلك مشابهة بالرجل، فهل صار الرجال نساءً عندما يحلقون لحاهم؟! سبحان ربي العظيم، ورحمة الله على شيخنا عندما يقول في أضواء البيان هذا البيت:

    وما عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب

    الرجل كرمه الله بهذه اللحية، فيزيل هذا التكريم عن نفسه ويعتدي على لحيته فيحلقها أو يقصها قصاً شبيهاً بالحلق، هذا ما ينبغي ولا ينبغي أن يحصل.

    حلق الرجل لحيته والمرأة شعر رأسها يعتبر من المثلة

    الأمر الخامس الذي من أجله يحرم الحلق والقص القريب من الحلق: إذا حلق الرجل لحيته فهذه مثلة، وإذا قطعت المرأة شعر رأسها فهذه مثلة، أي: تبديل وتغيير لخلق الله، وهذا حرام لا يجوز، وما تقدم معنا عندما قال الشيطان: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119]، كل واحد يعتدي على خلقته فيمثل بنفسه، فالرجل يحلق اللحية، والمرأة تقطع الشعر.

    هذا فيما يتعلق بتحريم حلق اللحية، أو حلق الشعر، أو قصهما قصاً شبيهاً بالحلق في حلق شعر رأس المرأة، وشعر لحية الرجل.

    1.   

    تحريم قص الرجل للحيته إذا كانت دون القبضة والمرأة شعر رأسها إذا كان دون المنكبين

    الحكم الثاني والحالة الثانية: إذا قصت المرأة شعر رأسها ولكن لا يكون قصاً كثيراً بحيث لا يبقى منه إلا مقدار أنملة، وهكذا إذا قص الرجل لحيته قصاً بحيث تكون بمقدار أصبعين أو أكثر، ليس حلقاً ولا قصاً شبيهاً بالحلق حتى تبدو البشرة، إنما دون ذلك، فترك اللحية بمقدار أصبعين وقص الزائد، والمرأة تركت شعرها يصل إلى شحمتي الأذنين وما تركته بمقدار أنملة، فهذه الحالة ما حكمها؟ أيضاً حرام، ولا يجوز للرجل أن يفعل هذا بنفسه، ولا يجوز للمرأة أن تفعل هذا بنفسها، وإذا فعل أحد الصنفين ذلك بنفسه فهو فاسق مردود الشهادة لا تقبل روايته إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على هذا عدة أمور فيما يتعلق بشعر النساء ولحية الرجال.

    أما فيما يتعلق بشعر الرجال فالأمور الثلاثة المتقدمة تشمل هذه الصورة وهذه الحالة وتبينها، فإذا قصت المرأة شعر رأسها بحيث كان أنزل من المنكبين، فهذه سنة أفرنجية، وما فعل هذا نساء المسلمين، وهذا تشبه أيضاً بهيئة الرجل، ولا يجوز أن تتشبه به؛ لأن الرجل يترك شعره بالغالب إلى هذا المقدار، ثم في ذلك مثلة وتغيير للجمال الذي خلقها الله عليه، وأما الرجل فلا يجوز أن يفعل هذا أيضاً بلحيته؛ لأنه لو فعل يصير فعله مخالفاً للأحاديث الصريحة الصحيحة المتقدمة بالأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، وإرجائها وعدم أخذ شيء منها.

    ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية وكث اللحية، كما ثبت هذا في وصفه، ولنا به أسوة حسنة عليه صلوات الله وسلامه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية )، وفي سنن النسائي ومسند الإمام أحمد بسند صحيح، عن البراء بن عازب وعلي رضي الله عنهم أجمعين، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم كث اللحية )، والله عندما تحدث عن الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه في كتابه اقتضى الحديث أن يصير لنا إلى حالة من أحوالهم فيها ذكر للحية، فبين لنا أن اللحية كانت موفرة لم ينلها القص الكثير والغزير والكبير، قال الله جل وعلا عن نبيه موسى، عندما أخذ بلحية أخيه نبي الله هارون على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه: قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه:94]، لحية طويلة عافية ضخمة كثة كثيرة، بحيث لو أمسكها الإنسان تمسك، وهكذا كانت لحية نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    أيضاً: قص اللحية إذا كانت دون القبضة بحيث تكون بمقدار أصبعين أو أكثر، هذا ليس من سنة المسلمين ولا من عملهم، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، وفي ذلك أيضاً تشويه للخلقة التي خلق الله عليها الرجال، ويحصل به الكمال بطول اللحية وإعفائها، وعليه تحرم هذه الصورة، قال الإمام ابن عابدين في رد المختار في المكان المشار إليه في الجزء الثاني صفحة ثمان عشرة وأربعمائة: وأما الأخذ من اللحية إذا كانت دون القبضة، والقبضة أن يضع الإنسان يده عند منتهى ذقنه، فإذا ما زاد الشعر عن القبضة فهي دون القبضة، وأما الأخذ من اللحية إذا كانت دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة، ومخنثة الرجال، فهذا لم يجزه أحد. سبحان ربي العظيم! إذا أخذ شيئاً من لحيته وهي دون القبضة، هذا فعل مخنثة الرجال، وما يجيزه أحد من أئمة الإسلام، وصار الآن بعض الدعاة إذا كان داعياً يترك في وجهه لحية لا يزيد حجمها على أنملة، بل أقل، هذه لحية دعاة هذا العصر، عصر الصحوة التي يزعمونها، صار الدعاة في هذا الوقت لحيتهم بمقدار أنملة، هذا داعية، ويتكلم بالإسلام، وأما الدعاة الذين هم أعلى من هذا فإنهم ملتزمون نحو هذه الشعيرة المباركة، فلا يجوز لمسلم أن يأخذ شيئاً من لحيته إذا كانت دون القبضة، ولا يجوز لامرأة أن تأخذ شيئاً من شعر رأسها إذا كان دون المنكبين.

    1.   

    جواز أخذ الرجل من لحيته إذا كانت فوق القبضة وأخذ المرأة من رأسها إذا كان زائداً على المنكبين

    الحالة الثالثة: إذا أخذت المرأة من شعر رأسها إذا طال عن المنكبين، فأخذت بحيث لم ينقص عن المنكبين، ما نقص، بقي الشعر عن الكتفين، وأخذ الرجل من شعر لحيته ما زاد عن القبضة، وأما دون القبضة فما أخذ شيئاً من ذلك لا بحلق ولا بتقصير، فما الحكم في هذه الحالة في حق النساء وفي حق الرجال؟

    الجواب: في هذه الحالة يجوز لكل من الصنفين أن يأخذ الزائد، والترك أولى، ويدل على هذين الحكمين ما قرره أئمتنا عليهم رحمة الله، أما فيما يتعلق بشعر المرأة إذا أخذت الزائد عن المنكبين، فقد حصل تقصير الشعر في حقها، وبقي لها ما تتميز به عن الرجل.

    والأمر الثاني: ثبت في صحيح مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال: دخلت أنا وأخو عائشة من الرضاعة رضي الله عنهم أجمعين على أمنا عائشة رضي الله عنها، وأخوها من الرضاعة عبد الله بن زيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن أختها من الرضاعة، وهما محرمان دخلا على أمنا عائشة ، فقال أبو سلمة : يا أمنا! كيف كان نبينا صلى الله عليه وسلم يغتسل من الجنابة؟ فدعت بماء قدر الصاع، ثم وضعت بينها وبينهما ستراً واغتسلت، ولا مانع من هذا فهما من المحارم كما قلنا، ويحق لهم أن يروا شعرها، لأنهما من المحارم ولا حرج في ذلك، يقول أبي سلمة : وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من شعورهن حد الوفرة، قال شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان: ولا إشكال في الحديث وليس فيه ما يعارض ما قدمنا، فالوفرة التي كان يفعلها أمهات المؤمنين في شعورهن أتبع وأشهر من الزينة، والزينة هي الشعر الذي يمر بالمنكبين ويصل إليهما، والوفرة أي: كن يأخذن من شعورهن الزائد عن المنكبين الطويل القصير، وهذه الحالة فعلها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام، كما وضح هذا شيخنا في أضواء البيان في الجزء الخامس صفحة ستمائة، والإمام النووي في شرحيه لصحيح مسلم ، ونقل هذا أيضاً عن القاضي عياض : وإنما فعله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه انقطع أملهن بالتطلع إلى الرجال، فلا يحل لهن أن يتزوجن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجهن حبيبنا عليه صلوات الله وسلامه قد توفي، فلذلك ترخصن في أخذ شيء من الزينة التي حباها الله للنساء، فأخذن الشعر الزائد عن المنكبين، بحيث صارت الوفرة، والوفرة هي الشعر الذي يقارب المنكبين.

    إذاً: أخذن من الشعر أخذاً بحيث لا ينقص طول الشعر عن المنكبين أبداً، هذه الحالة فعلنها بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام مما يدل على أن هذا الفعل جائز، والأولى أن تترك المرأة شعر رأسها على طبيعته كما كان يفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان نبينا صلى الله عليه وسلم حياً.

    وأما فيما يتعلق بشعر لحية الرجل إذا زادت عن القبضة، فإذا أخذ الزائد حصل مدلول الروايات المتقدمة من الإعفاء والتوفير، فلا مانع من ذلك، يضاف إلى هذا أنه روي هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكنه بإسناد ضعيف لا يثبت.

    ففي سنن الترمذي وقال: غريب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من شعر لحيته من طولها وعرضها )، والحديث كما قلت: ضعيف، لذلك قال عنه الترمذي : فيه عمر بن هارون ، وعمر بن هارون قال عنه الحافظ في التقريب: متروك، وقال في الفتح: اتفقوا على تضعيفه، وقال الإمام الترمذي : قال محمد -يعني: الإمام البخاري عليه رحمة الله-: مقارب الحديث، لا أعلم له حديثاً ليس له إسناد أو انفرد به إلا هذا، فالحديث لا يثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى فرض ثبوت حديثه -كما سيأتينا في القول الذي يدل للتعليل بهذا الحديث، وهو القول الثاني بأن الترك أولى- فإن المقصود به أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأخذ الشعرات التي تخالف في الطول، وتشذ عن باقي الشعرات من طول لحيته ومن عرضها، عليه صلوات الله وسلامه.

    وقد ثبت الأخذ من اللحية عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا الذي دعانا للقول بالجواز إذا أخذ ما زاد على القبضة، وهذا ثابت في صحيح البخاري، وموطأ مالك بن أنس رضي الله عنهم أجمعين: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا كان في نسك حج أو عمرة، فإذا حلق رأسه وضع يده عند منتهى ذقنه، ثم يحلق الشعر الذي يزيد عن قبضته، فالشعر إذاً بمقدار القبضة لا يأخذ منه شيئاً، ويأخذ الزائد، كان يضع يده عند منتهى الذقن، والحديث ثابت في صحيح البخاري وموطأ مالك ، والأثر مروي في طبقات ابن سعد وكتاب الآثار لـأبي يوسف عليهم جميعاً رحمة الله: أن ابن عمر كان يفعل هذا أيضاً بلحيته فكان يضع يده عند منتهى ذقنه ويأخذ الشعر الذي يزيد عن القبضة في غير الحج والعمرة، كان يفعل هذا مطلقاً، وهذا الذي اختاره بعض التابعين، كالشعبي وابن سيرين عليهم رحمة الله.

    وعلى كل حال: من يفعل هذه الحالة وهذه الهيئة فلا يقال عنه: ضال ولا مبتدع، والأولى تركها ولو وصلت إلى السرة، فلا يأخذ ما زاد عن القبضة؛ لأن هذا هو عمل أكثر الصحابة، وهذا هو عمل جمهور الصحابة وجمهور أئمة التابعين.

    إذاً: لا حرج على من فعل ذلك، إنما الأكمل والأفضل والأحسن هو تركها؛ لعدة أمور معتبرة: منها: أن ذلك هو تمسك بظاهر النصوص المتقدمة عن نبينا عليه الصلاة والسلام الآمرة بالإعفاء والإرجاء والتوفير، وعدم أخذ شيء منها، ولذلك قال الإمام النووي عليه رحمة الله: والمختار أن لا يأخذ من لحيته شيئاً مهما طالت، وهذا الذي مال إليه -كما قلت- جمهور السلف، وهو الذي استحبه الحسن البصري وقتادة وكرها أخذ شيء من اللحية مهما كان طول اللحية، ومهما زاد، وكان قتادة والحسن البصري يقولان: تركها عافية أحب إلينا.

    الأمر الثاني: لأجل الآثار المتقدمة في القول الأول وهو الجواز، وهذا ما قلناه: إذا أخذ الإنسان ما زاد عن القبضة لا نضلله ولا نبدعه، ولكن الأولى والأكمل والأحسن أن لا يأخذ الإنسان من لحيته شيئاً مهما طال.

    وعلى كل حال إخوتي الكرام الصورة الثالثة فيه سعة، والذي أريده أن لا تضيق صدورنا نحو إخواننا، فمن أخذ ما زاد عن القبضة من لحيته فلا داعي لأن نبدعه ولا لأن نضلله، ولا لأن نهجره، لأنه أخذ بقول له ما يشهد له من الأدلة، فنسأل الله أن يتقبل منا ومنه، وإن كنا نرى أن الترك أولى وأحسن وأكمل وأفضل وأتم، لكن ينبغي أن يكون في صدورنا وقلوبنا سعة في هذا الأمر الذي جرى فيه من أئمتنا وبين أئمتنا ما تقدم من التفصيل، مع أنني أقول: قل من الناس من تزيد لحيته على القبضة، هذا قليل جداً، وعليه فمن زادت فإذا تركها فهو أحسن، وإذا أخذ شيئاً منها ما زاد عن القبضة فلا حرج عليه، إنما الاتفاق حاصل أنه لا يجوز أخذ شيء من شعر اللحية إذا كانت دون القبضة.

    هذا الأمر إخوتي الكرام إنما توسعت فيه كما قلت لأمور أبرزها ثلاثة:

    الأمر الأول: نحن أمام شبه خبيثة في هذا العصر، لو جاءت من أعداء الإسلام لكانت هينة سهلة يسيرة، فالشيء من عدونا لا يستبعد، إنما هذه الشبه تغزو شبابنا، وتغزو شاباتنا من قبل دعاة الإسلام الذي يحملون شهادات طويلة عريضة يضللون بها الأمة، يخبرني بعض إخواننا الصالحين من بعض البلاد: أنه كان في مكان قبض عليه من أجل أنه يقول: لا إله إلا الله، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8]، ومع هذا جيء إليه، أي: إلى هذا الرجل ببعض علماء السوء ليناقشوه فيما هم عليه، فدخل المناقش ليناقشهم ليس في وجهه لحية ولا شارب، واسمه يطنطن في أرجاء الدنيا في هذا الوقت، فكان من لطف الله بإخواننا أن واحداً منهم قال له: يا دكتور! على تعبير الناس في العصر الحديث، ولو قالوا له: يا دب لكان أولى! ما حكم الإسلام في اللحية؟ اسمعوا إخوتي الكرام! يشار إليه بالبنان في هذه الأيام، ماذا سيفصل لنا حكماً في اللحية، والله الذي لا إله إلا هو! لو أن إبليس حل في منصبه لاستحى من ربه، واستحى من الناس في هذه الفتية! قال: حلق اللحية واجب وإعفاؤها حرام! سبحان ربي العظيم! حلق اللحية واجب وإعفاؤها حرام! ما الدليل على هذا؟ قال: الدليل هذا الذي قرره أئمة الإسلام! سبحان الله! هذا ما قرره أتباع الشيطان لا أئمة الإسلام، أيها الخبيث الضال المضل! قال: ومن قرر هذا؟ اسمعوا إلى زيادة بلائه، قال: الإمام ابن تيمية ، الإمام ابن تيمية يقول: إن حلق اللحية واجب وإعفاءها حرام! لا والله، الإمام ابن تيمية صاحب نفس زكية مطمئنة راضية مرضية إن شاء الله، إنما هذا القول لا يقول به إلا نفسك الخبيثة، النفس الغوية، قال: وأين قرر الإمام ابن تيمية هذا؟ قال: قرره في كتاب له عظيم، تعرفونه أم لا؟ ما هو؟ قال: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، فقام بعض الإخوة الطيبين وقال: أنا أحفظ الكتاب، أكاد أن أحفظه عن ظهر قلب، قل لي فصلاً منه أسمعك هذا الكتاب، أين قرر الإمام ابن تيمية هذا الحكم في هذا الكتاب؟! فبدأ يسبهم بألفاظ لا يقولها إلا إنسان عربيد سكران، وليس في الشجاعة على أناس يقيدون ويظلمون ويضطهدون ولسانك يتسلط عليهم، (أسد عليّ وفي الحروب نعامة) ليست الشجاعة على هؤلاء العزل المساكين الذي سجنوا من أجل رب العالمين، قال لهم: أنتم لا تفقهون ولا تعرفون كلام الأئمة، الإمام ابن تيمية ما قرر هذا في صفحات الكتاب، إنما عنوان الكتاب يدل على هذا: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، والآن القسس لهم لحية، وعليه يجب علينا أن نحلق لحانا ولا يجوز أن نعفيها!

    أيها الخبيث الضال! أما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لحى؟! أما كان لهم لحى؟! سبحان ربي العظيم! وإذا فعل صنف من الذين غضب عليهم شعيرة وافقونا فيها نتخلى عن ديننا من أجلهم!

    وهناك مبتدع آخر يشار إليه بالبنان في أرجاء الأرض في هذا الوقت، يقول أيضاً في كتاب كبير في مجلدات كثيرة، نشره في شرح صحيح مسلم، هذا لا يقول: إن حلق اللحية في هذا الوقت واجب وتركه حرام، بل أشد، يقول: حلق اللحية في هذا الوقت أولى من تركها، لماذا؟ قال: لأن اللحية صارت عنواناً على المبتدعة، تعلمون من يقصد بالمبتدعة إخوتي الكرام؟! يقصد بالمبتدعة في مصر جماعة أنصار السنة، الجماعة السلفية، هؤلاء صاروا مبتدعة متنطعون متشددون، فنحن لو تركنا هذه اللحية ننبذ ونتهم بأننا منهم من أنصار السنة.. أنت من أنصار الشيطان، لن يقول أحد، ولن يطلق أحد بأنك من أنصار السنة، كن مطمئناً، يقول: إذا تركنا اللحية سيقال عنا: أننا من أنصار السنة! أننا سلفية! وعليه فالأحسن أن نحلق اللحية؛ لأنها صارت عنواناً على هذه الطائفة المبتدعة! سبحان ربي العظيم! هذا يقال في عصر اليقظة في هذا الوقت، ويتلاعب بدين الله من أناس لهم مراتب عالية في الدنيا، وماذا لهم عند الله؟ لا يعلم هذا إلا الله.

    الأمر الثاني: أن كثير من الدعاة السذج في هذا الوقت يحلقون لحاهم، ويرون أنه ليس في حلق اللحية أي فائدة، وهؤلاء لا يقولون: إن حلقها واجب، ولا أن حلقها أفضل، لكن لا زال في قلوبهم طهارة وخشية من الله، إنما عندهم جهل، وأكثرهم ممن يدعون إلى الإسلام، ولم يزاول تعلم الإسلام، ولا يعرفه من قبل رجال صالحين، إنما صار هو شيخاً لنفسه عن طريق تعلمه من كتبه، فما يقوده إليه فهمه ورأى أن هذا هو دين الله فعله، هؤلاء يقولون: اللحية غاية ما فيها أنها فضيلة، وبعضهم يقولون: كان لنبينا عليه الصلاة والسلام لحية؛ لأن قومه كان لهم لحى، فهذا من باب العادة لا من باب العبادة، فمن أعفى لحيته فلا حرج عليه، ومن حلقها فلا حرج عليه، وهذا كلام باطل مردود ينبغي أن نحذره، وأن نرد على أصحابه بلطف؛ لأنه كما قلت في قلوبهم طهارة ليسوا كأصحاب الصنف الأول.

    الأمر الثالث الذي من أجله نبهت على اللحية بهذا التوسع: أن معصية حلق اللحية معصية تختلف عن سائر المعاصي، ولا يشعر الناس بخطرها، فمعصية الزنا تفعل عندما يزني الإنسان في دقائق ثم تنتهي الجريمة، وهكذا معصية شرب الخمر، وهكذا معصية السرقة، فتلك معصية منتهية، إلا هذه المعصية الخبيثة فتلازمك في حال صحوك ونومك، في حال طاعتك وفي حال معصيتك، في حال أكلك وشربك ودخولك الخلاء، معصية ملازمة، وعليه فأنت تحارب الله بها ما دمت حالقاً للحيتك، لو أن إنساناً شرب الخمر يعصي الله في الساعات التي يكون فيها سكراناً، ثم تزول هذه المعصية عنه، وأما أنت في حال سجودك تعصي الله سبحانه وتعالى عندما حلقت لحيتك، وأنت -يا أمة الله- تعصين الله في حال سجودك عندما تكونين قاطعة لشعر رأسك، وعليه فهذه معصية يختلف أثرها ووقعها عليك عن سائر المعاصي، فاتق الله في نفسك.

    إخوتي الكرام! ينبغي أن نحاسب على طبيعة هذا البدن، فالرجل يتصف بطبيعة الرجولة، والمرأة بطبيعة الأنوثة، والمسلم يتميز في شكل بدنه عمن غضب الله عليه ولعنه، هذا الحكم الثاني الذي ينبغي أن نحرص عليه وأن نفعله نحو بدننا.

    1.   

    وجوب استعمال البدن في طاعة الله تعالى وإبعاده عن معصية الله

    الحق الثالث والكلام عليه موجز ومختصر: ينبغي أن نستعمل هذا البدن في طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن نجعله يقوم بما شرعه الله جل وعلا له، وأن نبعده عما حرم الله عليه، فهذا من حق أجسامنا وأبداننا علينا، ورحمة الله على الإمام ابن القيم عندما ينشد في كتابه الجواب الكافي:

    باسمك بالحلية حصلته مخافة من ألم طاري

    وكان أولى بك أن تحتمي من المعاصي خشية الباري

    فهذا الجسم ينبغي أن تصونه من المعاصي، وأن تفعل به الطاعات تعظيماً لرب الأرض والسماوات، والله جل وعلا أخبرنا أنه عندما امتن علينا بهذه الأبدان وما فيها من حواس، طلب منا الشكر بعد أن عدد علينا النعم، يقول الله جل وعلا في سورة النحل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]، فالذي منحك هذه النعم: العقول والأبصار والأفئدة وهذا البدن السوي، ينبغي أن تشكر الله جل وعلا به، والشكر أن تستعمل النعمة فيما يريد المنعم، وقلَّ من عباد الله من يستعمل بدنه في طاعة الله كما قال الله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

    عباد الله! ونعم هذه البدن سنسأل عنها أمام الله جل وعلا، كما ثبت في سنن الترمذي وغيره بسند صحيح، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن عمره ماذا عمل فيه ).

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نتيجة هذا السؤال وخيمة، وأكثر الناس يغبنون ويخسرون في نعمة البدن، كما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وغيرهما عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )، صحة الأبدان، وهذه غنى البشر، إذا كان جسدك صحيحاً فأنت غني، وجسدك غني. فلله جل وعلا علينا في كل عضو من أعضائنا نعمة، فينبغي أن نستعمل هذه النعمة فيما يريد المنعم، وأن لا نعصي الله جل وعلا بنعمه.

    عباد الله! وإذا فرطنا في ذلك فلم نستعمل أبداننا في طاعة الله، ولم نحفظه من معاصي الله، فسنحرم من التمتع بها في الدنيا، وسيخاصمنا في الآخرة، أما في الدنيا ففي مستدرك الحاكم وسنن ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن ونزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم )، والجزاء من جنس العمل، أراد أن يعصي الله ببدنه فأتعب الله بدنه، وجعل بدنه يشقى في الدنيا قبل الآخرة، ( لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم )، فإذا فعلت ببدنك الفواحش وما حرمه الله عليك، يصب عليك الأمراض، لينغص عيشك، وليؤلمك ويعذبك ببدنك، هذا في الدنيا.

    وأما في الآخرة فهذه الجوارح ستشهد عليك وتتبرئ منك، وعند ذلك تعظم حسرتك.

    يخبرنا الله جل وعلا عن حال الكفار والعصاة: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [فصلت:19-21]، شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم.

    ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وجلودهم كناية عن الفروج، تشهد عليك أعضاء التناسل في ذاك الوقت ماذا عملت فيها مما حرمه الله عليك، وأقول هذا من باب تفسير اللفظ بأسهل أنواع المعاني، فأعظم ما تتعاطى المعاصي بجوارحك سمعك وبصرك وفرجك، شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون.

    ويخبرنا الله جل وعلا عن حق الذين يقذفون المؤمنات الطاهرات، والمؤمنين الطاهرين، يقول الله جل وعلا في سورة النور: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:23-25]، ولا تعارض بين هذه الآية والآية المتقدمة في سورة يس: اليوم نختم على أفواههم، وهنا يقول الله جل وعلا: تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، كما حقق هذا المفسرون في كتبهم من ثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: أن الله جل وعلا يمنع الألسنة من النطق لئلا تنطق بنفسها، لئلا تكون هي الفاعلة، وينطقها الله بقدرته ومشيئته وحكمته سبحانه وتعالى، فتكون آلة في النطق، ولا تنطق من باب كونها فاعلة، وأما هنا فهي آلة مجبرة مكرهة على النطق، فشتان ما بين الأمرين.

    والأمر الثاني: أن مواطن الموقف متعددة، فتارة يختم الله على أفواه الكفار فلا تنطق، وتارة يأذن لهم بالكلام فينطقون.

    والأمر الثالث: أن الختم على الأفواه في حق الكفار، وإنطاق الألسن هذا في حق الكاذبين ليكذبهم الله بأنفسهم، فإذا كان الأمر كذلك فاستحي من الله جل وعلا.

    العمر ينقص والذنوب تزيد وتقال عثرات الفتى فيعود

    هل يستطيع جحود ذنب واحد رجل جوارحه عليه شهود

    فاتق الله في جوارحك يا عبد الله! وقم بما أوجب الله جل وعلا عليك، وابتعد عما حرم الله عليك.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، اللهم اجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.