إسلام ويب

معاملة الإنسان لنفسه [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك حقوق وواجبات يجب على المسلم أن يقوم بها على الوجه الأكمل الذي أمره به الله عز وجل، ومن تلك الحقوق: ما يتعلق بحق بدن الإنسان عليه، فإن للنفس والبدن حقاً يجب القيام به كما شرع الله تعالى، من الرفق، والمأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح، من غير إسراف في ذلك ولا تقتير؛ بل بالأمر الوسط الذي أمر الله به.

    1.   

    استعاذة النبي من شرور النفس وتوجيهه أصحابه لفعل ذلك

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قيماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! كنا تدارسنا من عدة أشهر في آخر الفصل الدراسي الأول جزءاً من هذا الموضوع، وهو معاملة الإنسان لنفسه، ووعدت بإكماله في أول محاضرة ألقيها بعد ذلك، وقد شاء العليم الخبير أن تمتد المدة من ذاك الوقت إلى هذا الوقت لإكمال هذا الموضوع، والحمد لله على كل حال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    إخوتي الكرام! كنت ذكرت في المحاضرة السابقة الأسباب التي دعتني للكلام على هذا الموضوع، وقلت: إن النفس تطلق على ثلاثة أمور: تطلق النفس على اللطيفة الإنسانية التي يحصل بها حقيقة الإنسان، فهي القوة المفسرة الواعية فيه، وهي مناط التكليف، وبها يرتبط الثواب والعقاب، وتطلق النفس على البدن والجسد، وتطلق النفس على مجموع الأمرين، وكنت قد دللت على هذا سابقاً، وتكلمت على الإطلاق الأول من إطلاقات النفس، وهو اللطيفة الربانية التي تحصل بها الحقيقة الإنسانية.

    والآن سأتكلم على المعنى الثاني، والمعنى الثالث حاصل من المعنيين الأول، والمعنى الثاني هو الذي بمعنى: الجسد، فكيف يتعامل الإنسان مع جسده ومع بدنه؟ ولربط هذا الموضوع بالموضوع السابق كنت قسمت النفس الإنسانية التي بمعنى اللطيفة الربانية التي تتحقق بها حقيقة الإنسان إلى ثلاثة أقسام: إلى نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة، ونسأل الله أن يجعلنا من أصحاب النفوس المطمئنة، وأن يجعلنا من أهل الجنة بفضله وكرمه إنه عظيم الفضل والمنة.

    إخوتي الكرام! كنا قد ذكرنا أصحاب النفوس المطمئنة يعولون على الله جل وعلا، ولا يركنون إلى أنفسهم طرفة عين، وقد اتفق أئمتنا عن بكرة أبيهم -كما دلت على ذلك شريعة الله المطهرة- أن أعظم كرامة للإنسان أن يعول على شرع الرحمن، وأن أعظم استذلال للإنسان أن يكله الله إلى نفسه، ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شر هذه النفس الإنسانية، ويوصي أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم بذلك، وتقدم معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبة الحاجة: ( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا )، وعلم ابنته فاطمة رضي الله عنها أن تقول إذا أصبحت وإذا أمست: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها )، وهذه الأحاديث تقدم تخريجها في المحاضرة الماضية.

    والآن أقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يركز على هذا كثيراً، ويوصي به أصحابه الكرام، فكان الصحابة إذا طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم دعاءً يعلمهم إياه ليقولوه كان يرشدهم إلى الدعاء الذي فيه الالتجاء إلى الله جل وعلا، والعياذة من شر هذه النفس.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وصحيح ابن حبان والمستدرك بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: ( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! مرني بدعاء أقوله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي )، أقول هذا الدعاء في الصباح وفي المساء إذا غربت الشمس، وإذا استلقيت للنوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف سوءاً أو أجره إلى مسلم )، والجملة الأخيرة: (وأن أقترف سوءاً أو أجره إلى مسلم)، ثبتت في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان، وإحدى روايات الترمذي، وفي رواية للإمام أحمد: ( وأن أقترف إثماً أو أجره إلى مسلم ).

    (اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه) أي: ما يوسوس به للناس من الإشراك بالله جل وعلا، وضبط (وشَرَكه): جمع شَرَك وهي مصائبه التي ينصبها للناس ويغويهم بها.

    وهذا الدعاء كما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لصديق هذه الأمة علمه أيضاً للصحابة عامة، ففي سنن أبي داود من رواية أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! علمنا دعاء ندعو به إذا أصبحنا وإذا أمسينا وإذا أخذنا مضاجعنا، فقال: قولوا -نفس الدعاء المتقدم-: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت! أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف سوءاً أو أجره إلى مسلم )، فأعظم كرامة لك -أخي المؤمن- أن تلتجئ إلى الله جل وعلا، وأن لا تركن إلى نفسك.

    ولذلك إذا وقع الإنسان في كرب واستحضر هذين الأمرين: لجأ إلى الله جل وعلا، واستعاذ بالله من شر نفسه؛ فرج الله عنه كربه، ثبت هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن حبان ، والحديث رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت ).

    عباد الله! فمن عرف التقصير من نفسه، والتجأ إلى ربه جل وعلا، فقد سعد في الدنيا والآخرة، وهذان الأمران هما أحد المعاني التي أشار إليها الأثر الوارد عن بعض أئمة سلفنا وهو يحيى بن معاذ الرازي عليه رحمة الله، عندما قال: من عرف نفسه عرف ربه. ونقل هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكنه لا يصح ولا يثبت، كما بين ذلك أئمة الحديث، إنما هو منقول عن هذا التابعي المبارك.

    وذكر الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء السادس عشر في صفحة ثلاثمائة وتسع وأربعين، والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين في الجزء الأول في صفحة (427): أنه ورد معنى هذا الأثر في التوراة، ففيها يقول الله جل وعلا: (يا ابن آدم! اعرف نفسك تعرف ربك)، وهذا -كما قلت- أحد المعاني الثلاثة التي وضحها الإمام ابن القيم في المكان المشار إليه، قال: معنى هذا الأثر: إما أن يكون من باب الضدية، أو من باب الأولوية، أو من باب النفي، فإذا كان من باب الضدية أي: اعرف نفسك بالجهل تعرف ربك بالعلم، اعرف نفسك بالعجز تعرف ربك جل وعلا بالقوة والقهر، اعرف نفسك بصفات النقص؛ تعرف ربك بصفات الكمال، وهذا هو معنى الضدية.

    والمعنى الثاني: الأولوية، أي: هذه النفس البشرية إذا كانت قابلة لصفات الكمال، وتتصف بالعلم والحلم والحكمة وغير ذلك، فالذي خلقها أولى بالاتصاف بها من هذه الصفات، وهذا قياس الأولى، والأقيسة ثلاثة: القياس التمثيلي، والقياس الشمولي، وقياس الأولى، اثنان لا يستعملان في حق ربنا الرحمن، ومن استعمل واحداً منهما في حق الله فهو مخطئ معتد على حق الربوبية والألوهية، وهما قياس التمثيل وقياس الشمول، إنما يستعمل في حق الله قياس الأولى، كما قرر هذا الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في الرسالة التدمرية، وضابط هذا القياس: أن كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم:27].

    وإما أن يكون هذا الأثر من باب النفي، فكما لا تعرف حقيقة نفسك التي صرت بها إنساناً، فمن باب أولى لا تعرف حقيقة ربك.

    والعدل عن درك الإدراك إدراك والبحث في كنه ذات الإله إشراك

    إذاً: (من عرف نفسه عرف ربه) أي: من عرف نفسه بالجهل، من عرف نفسه بالتقصير، من عرف نفسه بالعجز، من عرف نفسه بالذل؛ عرف الله بضد ذلك، ومن عرف أن نفسه تقبل صفات الكمال؛ عرف أن الله يتصف بالكمال من باب أولى، ومن لم يعرف حقيقة النفس التي يحيا بها، فهو أعجز وأعجز عن معرفة حقيقة الرب جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    1.   

    حقوق بدن الإنسان عليه

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بالمعنى الأول من معاني النفس، والمعنى الثاني وهو موضوع محاضرتنا وموعظتنا في هذه الليلة المباركة بإذن الله، هذا البدن الذي هو مطية للنفس كيف سنتعامل معه؟ فالنفس التي هي لطيفة ربانية، تقدم الكلام في حقها علينا، فهذا البدن كيف نتعامل معه؟ فكما أن النفس إذا كانت لطيفة ربانية لها حق علينا، فهذا البدن وهذا الجسد له حق علينا، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره في قصة سلمان وأخيه أبي الدرداء رضي الله عنهما، وفيها قال سلمان لـأبي الدرداء -وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي الدرداء : ( صدق سلمان ) قال: ( إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه )، زاد الترمذي وابن خزيمة في روايتيهما: ( ولضيفك عليك حقاً )، زاد الدارقطني في روايته: ( ولجسدك عليك حقاً )، فالنفس تطلق على اللطيفة الربانية التي تحصل بها الحقيقة الإنسانية، وتطلق على البدن، فالنفس بالمعنيين لها عليك حق، وفي رواية الدارقطني تصريح بالبدن: (ولجسدك عليك حق، فأعط كل ذي حق حقه).. فما حق البدن علينا؟

    إخوتي الكرام! إذا كانت النفس البشرية لا تخرج عن واحد من الأنفس الثلاثة، وينبغي أن يكون الإنسان من أصحاب النفوس المطمئنة التي اشتملت فيها القوة العلمية والعملية، فالبدن أيضاً له عليك ثلاثة حقوق، إذا فرطت في واحد منها سيخاصمك البدن أمام خالقه جل وعلا.

    الرفق بالبدن وإعطاؤه حقه مما أحل الله من المتاع

    الحق الأول من حقوق البدن عليك: أن ترفق بهذا البدن فتمتعه بما أحل الله له من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والأثاث والمناكح، فهذا من حق البدن عليك، وبعض هذه الأمور الضرورية لا يحيا البدن إلا بها، وبعضها كمالية يحصل بها للبدن السرور والالتذاذ والبهجة، فينبغي أن تعطي هذا البدن حظه من الأمرين: فالقوت ضروري، وإذا كان القوت لذيذاً طيباً فهذا كمالي، فأعطه هذا وذاك، فهذا من حق البدن عليك، من غير إسراف ولا تقصير، ينبغي أن تمتع البدن بما أحل الله له من مطعم ومشرب وملبس ومسكن وأثاث ومنكح، من غير إسراف ولا تقتير، وهذه الأمور يستوي فيها ما هو ضروري، وما هو كمالي لسعادتك، فما هو ضروري كالطعام والشراب واللباس والمسكن ضروري لحياتك، وما هو أثاث ومنكح فهذا كمالي، وإذا كان في الأمور الأربعة الضرورية زائداً على الضروري فهو كمالي، فأعط بدنك ما يستحقه من الأمرين، وإذا فرطت فسوف يخاصمك البدن أمام الله، وتشهد عليك هذه الجوارح بأنك قصرت في حقها.

    ولأوضح لكم الأمر، أذكر لكم قصة تحز في النفوس، وتفري القلوب، وقعت في الرياض من سنوات، رجل شائب شيخ طاعن في السن احتضر، فجلست ابنته العارفة الكبيرة بجواره، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقالت: يا والدي! قل: آمين، قال: آمين، قالت: قل: آمين. قال: آمين، قالت: قل: آمين. قال: آمين، قالت: حرمك الله نعيم الجنة كما حرمتني النكاح! لقد عضلها ممن تقدم لخطبتها، حتماً شعرت بقلق في جسمها، وهذا الذي فرط في حقها، فلما فرط في حقها فرطت في حقه، والظلم لا يولد إلا ظلماً.

    فهذا البدن -أيها الإنسان- ارفق به، أعطه ما يستحقه من مطعم ومشرب وملبس ومسكن وأثاث ومنكح من غير إسراف ولا تقتير، وقد قرر هذا ربنا الجليل جل وعلا في كتابه، فقال جل وعلا في سورة الأعراف: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:31-32]، والآية نازلة رداً على المشركين الذين كانوا يحرمون ما أحل ربنا العظيم، فكانوا يشرعون لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيحرمون على أنفسهم نوعاً من الملابس، أو الملابس كلها في حالة الإحرام والطواف، كما ثبت هذا في تفسير الطبري وصحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكانوا يطوفون عراة، النساء والرجال، وكانت المرأة تلقي على سوءتها خرقة وتنشد وهي تطوف:

    اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

    فأنزل الله جل وعلا: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، وإنما خاطبهم ربنا جل وعلا بوصف الآدمية لا نبعث الإسلام والإيمان؛ للإشارة إلى أن هذا الحق ينبغي أن يتصف به من كان من الآدميين، ومن كان من البشر، ومن كان من الإنس، فلبدنه عليه هذا الحق، فالمؤمن من باب أولى.

    إعطاء البدن حقه من غير إسراف ولا مخيلة

    يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، والإسراف كما قال شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله في أضواء البيان: مجاوزة الحد في النفقة، فلا تتجاوزوا الحدود المشروعة، والحدود المعقولة في الإنفاق على المطاعم والمشارب وغير ذلك.

    وقال الإمام ابن حجر عليه رحمة الله في فتح الباري: الإسراف هو مجاوزة الحد في كل قول وفعل، وهو في النفقة أشهر. لا تسرفوا في النفقة على أبدانكم، فمتعوا البدن بما يحتاجه دون زيادة مضرة به، ولذلك قررت شريعة الله المطهرة أن الإنسان إذا أرخى لنفسه العنان، وأعطاها كل ما اشتهته من الطعام وغيره من اللذات فإنه يعتبر من المسرفين الذين تجاوزوا الحد في الإنفاق على أنفسهم، هذا إذا كان ينفق على نفسه من حلال في حلال، وأما إذا كان ينفق من حرام أو من حلال في حرام، يغذي هذا البدن بشيء مما حرمه الرحمن من مسكرات أو مخدرات، فهذا له بحث آخر.

    ثبت في سنن الترمذي بإسناد فيه ضعف وله شواهد، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت )، وثبت في سنن ابن ماجه والأثر علقه البخاري بصيغة الجزم عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيل)، على وزن (عظيم)، وضبط (مخيلة) بوزن مفعلة، أي: ليس في ذلك التصرف في المأكل والمشرب والملبس شيء من الزهو والفخر والخيلاء.

    وفي صحيح البخاري معلقاً عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه من قوله: (قل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأك اثنتان: سرف أو مخلية) مجاوزة الحد في النفقة، ابتعد عنه.

    ذم الإسراف والانهماك في اللذائذ والشهوات والتحذير منه

    وإنما كان هذا مذموماً لأمور كثيرة أبرزها: أنه يقسي القلب، فالانهماك في اللذائذ والشهوات يقسي القلوب، وأبعد القلوب عن الله جل وعلا القلب القاسي.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة ثعلبة الحارثي رضي الله عنه قال: ( ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا، فقال: ألا تسمعون؟ البذاذة من الإيمان )، والبذاذة: هي رثة الهيئة، وعدم الاعتناء بالملبس، وأن يأكل الإنسان وأن يلبس ما حضر، هذا من خصال المؤمنين الذين قلوبهم طيبة طرية.

    وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من الانهماك في التنعم والتمتع، ففي سنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح، وفي مسند الإمام أحمد وشعب الإيمان للبيهقي بسند صحيح، عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عندما أرسله لليمن: ( يا معاذ ! إياك والتنعم؛ فإن عباد الله ليسو بالمتنعمين ).

    والأمر الثاني الذي من أجله كان الانهماك في الشهوات واللذائذ المباحة مذموماً، ويعتبر من الإسراف: أن الإنسان إذا أرخى لنفسه العنان في التمتع بهذه الشهوات والطيبات، فقد دخل في قول الله جل وعلا: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20]، وقد ثبت في كتاب ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، والأثر موقوف عليه وله حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وروي مرفوعاً عن أمنا عائشة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بإسناد ضعيف، أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ( لا يصيب أحد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً )، ولذلك روى الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح عن الحسن البصري عليه رحمة الله: أن وفد البصرة لما ذهبوا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، وفيهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين، يقول أبو موسى : كنا نتصل بــعمر رضي الله عنه، فكان يقدم له كل يوم ثلاثة أرغفة من الخبز -ثلاثة أقراص من العيش- أحياناً مأدومة بزيت، وأحياناً مأدومة بسمن، وأحياناً مأدومة بلبن، وأحياناً يكون معها القلائد، وأحياناً فيها اللحم العريض الغليظ وهو قليل، فقال عمر رضي الله عنه للصحابة الذين قدموا عليه من البصرة: إني أرى كراهيتكم وتقذركم لطعامي، والله لو شئت لكنت من أطيبكم طعاماً، ولكني سمعت الله ذم قوماً وعيرهم فقال: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20].

    قال الإمام ابن كثير عليه رحمة ربنا الجليل في تفسيره: وقد تورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عن كثير من المآكل والمشارب والملابس خشية أن يدخل في هذه الآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا [الأحقاف:20].

    الأمر الثالث الذي من أجله كان التمتع في الشهوات مذموماً: إذا تمتع الإنسان في الشهوات فإن الغالب أنه لا تحصل تلك اللذائذ من طريق حلال، وإذا حصلت فستجر بعد ذلك إلى شيء فيه شوائب من المحرمات والمكروهات، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحتاط، روى الإمام أحمد في كتاب الورع عن بشر بن الحافي عليه رحمة الله، وهو في القرن الثاني للهجرة، كان يقول: ما ينبغي للمسلم أن يشبع في هذا الزمان من الحلال؛ لأنه يقود إلى الحرام، فكيف من هذه الأقذار؟! سبحان ربي العظيم! في القرن الثاني، ويقول: فكيف من هذه الأقذار، ولما قيل له عليه رحمة الله: من أين تأكل؟ قال: مما تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك، ولقمة أصغر من لقمة، ويد أقصر من يد.

    الأمر الرابع: طريقة الصديقين المستقيمين الذين يخافون رب العالمين أنهم يحتاطون لأنفسهم، فيجعلون بينهم وبين الحرام حاجزاً من الحلال؛ لئلا يقعوا في الحرام، كما ثبت هذا في سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي بسند صحيح عن عطية السعدي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يبلغ العبد طريقة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس )، وفي كتاب التقوى لـابن أبي الدنيا بسند صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: ( لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يتقي الله فيدع ما يرى أنه حلال خشية أن يقع في الحرام )، لهذه الأمور كان التمتع في المباحات والشهوات واللذائذ مذموماً: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].

    التوسط في الإنفاق على البدن بين الإسراف والتقتير

    وعليه فيجب عليك -يا عبد الله- أن تقتصد في نفقتك من غير إسرف ولا تقتير، فلا يصل الحد ببدنك لحد الشبع، امتنع عن الطعام قبل الشبع، ومن باب أولى أن لا تصل إلى التخمة، فهذا ليس من خصال المؤمنين، ولا يجوز أيضاً أن تقتر على هذا البدن، وأن تحرمه ما أحل الله له، وهذا كما قال ربنا جل وعلا في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67]، (لم يسرفوا): لم يتجاوزوا الحد المشروع في النفقة، (ولم يقتروا): لم يضيقوا، (وكان بين ذلك قواماً)، قال شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان: مدح الله عباد الرحمن لتوسطهم في الإنفاق، فلا يتوسعون ولا يقترون. وهذا هو المعنى الصحيح للآية، وهو أصح من المعنى الثاني الذي نقل عن بعض أئمتنا، وإن كانت الآية تشمله، كما قال هذا شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان: أن الإسراف هو الإنفاق في المعاصي، (ولم يقتروا): أي: لم يمنعوا الحق الواجب، والتفسير الأول أقوى وأسد، وهو الأوفق بالآية الكريمة والأليق، وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67] أي: يتوسطون في النفقة، فلا يزيدون ولا يضيقون.

    وهذا كما قال الله جل وعلا في سورة الإسراء: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء:29]، فتقتر على نفسك، وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، فتقع في حد الإسراف والتبذير، فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، (فتقعد ملوماً) يلومك الناس لشحك وبخلك إذا جعلت يدك مغلولة إلى عنقك لا يخرج منها درهم لمصلحة نفسك، (محسوراً): منقطعاً عن بلوغ مقاصدك إذا بسطت يدك؛ لأنك ستنفق كل ما عندك، وبالتالي سوف تحتاج إلى نفقة فلا تجد، فإذا جعلت يدك مغلولة إلى عنقك تلام من قبل الله ومن قبل الناس لشحك وبخلك وتقصيرك على نفسك، وتكون محسوراً منقطعاً عن بلوغ المقاصد إذا بسطت يدك وأذهبت ما عندك، فخير الأمور الوسط، والتناهي غلط، والأمر كما قال أئمتنا:

    ولا تك فيها مفرطاً أو مفرطاً كلا طرفي قصد الأمور ذميم

    الأدلة من الكتاب والسنة على لزوم الوسطية في النفقة فلا إسراف ولا تقتير

    وقد دلت آيات كثيرة على أن الوسط هو الخير والنافع والأحسن في كل شيء، فهاتان آيتان ذكرتهما: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان:67]، وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، وآيتان أخريان في غير النفقة تدل على أن التوسط في الأمور هو الخير والأحسن، يقول الله في آخر سورة الإسراء: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء:110]، وقال الله جل وعلا لبني إسرائيل عندما أمرهم بذبح البقرة: لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة:68]، أربع آيات من كتاب رب الأرض والسماوات تدل على أن التوسط في الأمور هو خير الأشياء، فاقتصد في نفقتك من غير إسراف ولا تقتير.

    عباد الله! وهذا الأمر الذي أشارت إليه الآيات الكريمة قررته سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من فقه الرجل رفقه في معيشته )، من فقهه وفهمه وخشيته لربه رفقه في معيشته، فلا يسرف ولا يبذر ولا يقتر.

    وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من سلك طريق القصد في النفقة لا يحتاج إلى غيره أبداً، ففي مسند الإمام أحمد، ومعجم الطبراني الكبير والأوسط عن ابن مسعود ، والحديث رواه الطبراني في الأوسط والكبير أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وفي كل من السندين ضعف، ويتقوى كل سند بالآخر فيرتقي لدرجة الحسن إلى غيره إن شاء الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما عال مقتصد قط )، أي: ما افتقر ولا احتاج إلى غيره، إذا سلك طريق القصد في نفقته من غير إسراف ولا تبذير.

    وفي مسند الفردوس للديلمي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حسن الخلق نصف الدين، والتدبير نصف المعيشة )، والحديث في إسناده خلاد بن عيسى وثقه ابن معين ، وقال ابن حجر في التقريب: لا بأس به، وهو من رجال الترمذي وابن ماجه ، ولهذا الحديث شواهد كثيرة من شريعة الله المطهرة.

    (حسن الخلق نصف الدين) فالدين يقوم على دعامتين: معاملة مع الخالق بأن تعبده، ومعاملة مع المخلوق بأن تحسن خلقك معه، وأن تشفق وتعطف عليه، خالق اعبده وعظمه، ومخلوق أحسن خلقك معه واشفق عليه، وهذا كما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في سنن الترمذي وغيره: ( أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ).

    وقوله: (والتدبير نصف المعيشة) لا شك في ذلك، فعلم الاقتصاد من أوله لآخره يقوم على دعامتين اثنتين لا ثالث لهما، يركز علماء الاقتصاد في هذا الوقت على ركن واحد، ولانتكاس عقولهم وفساد قلوبهم لعدم اتصالهم بشرع ربهم يغفلون الركن الثاني:

    الركن الأول الذي يقوم عليه الاقتصاد: حسن النظر في جلب المال وتنميته وتكثير الموارد والخيرات، حتى يتم تحصيل المال، والركن الثاني: حسن النظر في إنفاق هذا المال وتصريفه، والركن الثاني أهم من الركن الأول الذي بذل علماء الاقتصاد في هذا الوقت جميع جهودهم عليه، والأمة ما أصيبت بضائقة في يوم من الأيام لقلة الموارد، إنما تصاب بالضوائق والنكبات والبلايا لسوء التوزيع والإنفاق، وهذا هو الركن الثاني الذي يقول فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: ( ما عال من اقتصد )، وعليه فهذا الحديث الذي في مسند الفردوس للديلمي : ( والتدبير نصف المعيشة )، كلام صحيح صحيح.

    مفاسد الإسراف والتبذير في حياة الناس

    عباد الله! لو تأمل الإنسان حياة الناس في هذا الوقت لرأى أن التبذير والإسراف أهلك حياتهم في هذه الأيام، وما يشكونه من قلة لسوء إنفاقهم وتصرفهم، لا لقلة ما يرزقهم الله جل وعلا، يخبرني بعض الإخوة من بلاد تايلند، وهو عندنا في كلية أصول الدين، يقول: إن الصحف في بلاده نشرت هذا الخبر: ذهب بعض الأثرياء السفهاء العتاة إلى تلك البلاد ليعربد، فبعد أن فعل ما فعل وما استطاع أن يشرب الخمر بفيه، استأجر ثلاثة من الناس، لم؟ استمعوا لهذا الخبر المنكر الذي ما يظن إنسان أنه سيقع على وجه الأرض! استأجر ثلاثة من الناس اثنان منهم يفتحون دبره، كل واحد يمسك بطرف من إليتيه، والثالث يصب الخمر في دبره! عجز عن شرب الخمر بفيه، هذا السفيه المبذر المحارب لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يشرب الخمر من الفتحة السفلية حتى يدخل الخمر فيه على رغم أنفه! وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:26-27].

    مصر التي تشكو الآن من الفقر، والله لو أحسن فيها الإنفاق لكانت من أغنى بلاد الأرض في هذا الوقت، إخوتي الكرام! تعرفون كم تنفق مصر في السنة الواحدة على الدخان فقط؟ لا أريد أن أذكر الخمر ولا الحشيش، ولا الأفيون ولا المخدرات، فقط كم ينفق في السنة الواحدة على الدخان؟ ينفق في كل سنة في مصر على الدخان عشرة ملايين جنيه، فكم ينفق بعد ذلك على الخمور وعلى الحشيش والأفيون؟ حدث ولا حرج، عشرة ملايين جنيه تساوي في هذه الأيام -عندما نزل عن سعره الأساسي من فترة- عشرين مليون سعودي في السنة على الدخان فقط، وهم يشكون من الفقر! سبحان ربي العظيم! الأمة ما تصاب بضائقة ولا بنكبة لقلة الموارد، إنما لسوء الإنفاق، ولسفاهة وطياشة التوزيع.. وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26] إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:27].

    التوسط في النفقة سبب لصحة الأبدان وقلة الأمراض

    عباد الله! ومن عمل بهذا الهدي في الإنفاق على البدن فيما يحتاجه من طعام وشراب ولباس ومأكل وأثاث ونكاح، إذا استحضر الإنسان هذا الهدي وعملت به الأمة، ستستغني عن كثير من المستشفيات التي أتعبت العباد في هذه الأيام، ولعله سيأتي وقت على الناس يزداد فيه عدد المستشفيات على عدد المدارس والمساجد، لم؟ للتخليط في الطعام والشراب والشهوة وغير ذلك، وإلا فمن أخذ بهذا الهدي فلا يحتاج بعد ذلك إلى هذه المستشفيات؛ لأن بدنه يصان من هذه الأوبئة والأمراض التي لم يسمع بها من تقدمنا.

    ولذلك يذكرون في ترجمة هارون الرشيد ، أنه كان عنده طبيب نصراني حاذق.. سبحان الله! هذه المهنة يسيطر عليها شر خلق الله حتى من العصر الأول، يقتلون المسلمين باسم علاجهم، طبيب نصراني لـهارون الرشيد من ذلك الوقت، فقال هذا الطبيب النصراني الملعون لـعلي بن الحسين بن واقد : العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان، وفي كتابكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم علم الأديان، وليس فيهما علم الأبدان، فقال له علي بن الحسين بن واقد : كذبت، بل في كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام علم الأديان وعلم الأبدان. وقد ألف الإمام ابن القيم عليه رحمة الله كتابه العظيم في خمس مجلدات كبيرة زاد المعاد في هدي خير العباد، مجلد من هذه المجلدات الخمسة في الطب النبوي، وفصل في جزء مستقل باسم: الطب النبوي، هدي خير العباد عليه صلوات الله وسلامه في طب الأبدان، قال له: كذبت، لقد جمع الله الطب في نصف آية، قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، فمن أكل وشرب من غير زيادة على الحد المشروع، فما وصل إلى الشبع، وإن وصل لا يتجاوزه بلقمة، لا يحتاج إلى طبيب، قال علي بن الحسين بن واقد : وجمع نبينا صلى الله عليه وسلم الطب كله في حديث من أحاديثه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( المعدة بيت الداء، والحمية أصل الدواء ).

    وهذا الحديث لا يصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام ولا يثبت كما بين هذا أئمة الحديث قاطبة، وقال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في الكتاب المشار إليه في زاد المعاد إلى هدي خير العباد عليه صلوات الله وسلامه، فيما يتعلق بالطب النبوي: هذا من كلام الحارث بن كلدة ، وهو من أطباء العرب، بل هو أطبهم على الإطلاق.

    وليت علي بن الحسين ذكر للطبيب النصراني الحديث الصحيح الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والذي يتكلم عن أمر الطب، ويجمع الطب من أوله لآخره في هذا الأمر، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن المقدام بن معد كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه )، إن هذا الحديث يجمع الطب، ويغني عن ذاك الكلام الذي هو من كلام الحارث بن كلدة .

    ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى التخفيف من الطعام والشراب ما أمكننا، ويخبرنا أنه بذلك تحصل الصحة لأبداننا، ففي معجم الطبراني الأوسط بسند رجاله ثقات عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اغزوا تغنموا، وسافروا تبتغوا، وصوموا تصحوا )، إذا جعلتم بينكم وبين الطعام حاجزاً، وما ملأتم هذه المعدة من أطعمة متنوعة تصح أبدانكم، (صوموا تصحوا).

    التحذير من الإسراف في الأكل والوصول إلى حد التخمة والسمنة

    كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحذر أصحابه -وذلك تحذير لنا- من الوصول إلى الشبع، ومجاوزة الشبع بحيث يصل الإنسان إلى التجشؤ إذا أكل، فهذا مذموم وما ينبغي أن يتصف به مسلم، وإذا اتصف به فبدنه سيخاصمه أمام الله، وسيكون أطول الناس جوعاً عند الله جل وعلا، ثبت هذا في سنن الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن رجلاً تجشأ في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا هذا! كف عنا جشاءك، فإن أطولكم جوعاً يوم القيامة أكثركم شبعاً في الدنيا )، والحديث رواه الإمام ابن ماجه عن سلمان الفارسي ، ورواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورواه الترمذي والحاكم في المستدرك، والطبراني في الكبير والأوسط عن أبي جحيفة رضي الله عنه، وله قصة وهي:

    قال أبو جحيفة رضي الله عنه: أكلت خريزة من لحم وخبز، ثم ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ، فقال: ( يا أبا جحيفة ! كف عنا جشاءك؛ فإن أطولكم جوعاً يوم القيامة أكثركم شبعاً في الدنيا )، فكان أبو جحيفة رضي الله عنه إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى.

    إخوتي الكرام! وهذا كان مسلك سلفنا الطيبين عليهم رحمة رب العالمين، ففي كتاب الورع للإمام أحمد عليه رحمة الله عن ابن سيرين : أن رجلاً قال لـابن عمر رضي الله عنهما: ألا ندعو لك بجوارش؟ والجوارش كلمة فارسية في الأصل معربة، فقال: وما ذاك؟ قال: شيء يهضم الطعام، والجوارش شيء يقوي المعدة ويساعد على هضم الطعام، قال: سبحان الله! والله ما شبعت منذ أربعة أشهر. وكان رضي الله عنه يقول: ما شبعت منذ أربع عشرة سنة، وما ذاك لأني لا أجد الطعام، ولكني وجدت أقواماً يجوعون أكثر مما يشبعون.

    وكان سلفنا عليهم رحمة الله يحذرون غاية التحذير من مجاوزة حد الشبع، والوصول إلى التخمة حتى يتجشأ الإنسان، ففي كتاب الزهد للإمام أحمد في صفحة (199)، ورواه في كتاب الورع في صفحة (63)، وذكره الإمام وكيع في كتاب الزهد في الجزء الأول صفحة (302)، وإنما أشرت إلى مصادر هذا الأثر الذي سأذكره لأن الشيخ الألباني في كتابه إرواء الغليل في الجزء السابع صفحة (43) ذكر هذا الأثر وقال: لم أقف عليه، وما أقوله في عزو هذا الأثر للكتب الثلاثة المتقدمة تنقيصاً لقدر الشيخ، فحاشا وكلا، وأسأل الله جل وعلا أن ينظر وجهه في الدنيا والآخرة، جزاء خدمة سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إنما أقول هذا من باب الفائدة لطلبة العلم، فالشيخ قال: لم أقف عليه، ذكر هذا في الكتاب الذي هو في ثمان مجلدات إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ولو لم يكن له من كتب الحديث إلا هذا لكان هذا الكتاب منقبة عظيمة له، فالشيخ قال: لم أقف عليه، وهو -كما قلت- في كتاب الزهد والورع، والزهد لوكيع عليهم رحمة الله، عن الحسن البصري بسند صحيح أن ابناً لـسمرة بن جندب رضي الله عنه أكل حتى بشم، أي: أصيب بالتخمة، وما استطاع أن ينام، فقال سمرة بن جندب: والله لو مات لم أصل عليه.

    ولذلك كان من أشراط الساعة: كثرة المآكل والمشارب والتوسع في ذلك، وأن يظهر عند الناس ضخامة الأجسام والسمن، والذين يتصفون بذلك في آخر الزمن هم شرار الخلق، ورد في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير والأوسط، والحديث في الحلية بسند ضعيف، وله شواهد كثيرة أوردها الإمام العراقي عليه رحمة الله في تخريج أحاديث الإحياء عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام، أولئك شرار أمتي الذين غذوا في النعيم ونبتت عليه أجسامهم )، هذا الحديث -كما قلت- له شواهد كثيرة منها ما في صحيح مسلم وغيره، بل رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وهو في المسند أيضاً عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. قال عمران : فما أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم: قرنين بعد قرنه أو ثلاثة قرون. ثم يجيء أقوام يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، يظهر فيهم السمن )، والحديث في الصحيحين وغيرهما كما قلت، وللحديث رواية في سنن الترمذي : ( يتسمنون ويحبون السمانة )، أي: السمن، والحديث له لفظ في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( ثم يخلف قوم يحبون السمانة )، أي: ضخامة الأجسام، وسمن الأجساد، فهذا من أشراط الساعة، ومما سيأتي في القرون المتأخرة.

    وهذا قد حصل في هذه الأيام بكثرة، فقد توسع الناس في المآكل والمشارب توسعاً لا أقول: أشغلهم عن قيام الليل، إنما أشغلهم عن صلاة الفجر، ولا أقول: أشغلهم عن صلاة الفجر في جماعة، بل أشغلهم عن صلاة الفجر أيضاً حتى في بيوتهم، وإنما كانت كثرة الأكل مذمومة لأنها تضر البدن، والبدن له حق علينا، والسمن يورث الإنسان بلادة، ثم بعد ذلك يثقله عن العبادة.

    إخوتي الكرام! وحديث عمران الذي فيه: (يشهدون ولا يستشهدون)، لا يتعارض مع الحديث الثابت في صحيح مسلم وغيره عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يعطي الشهادة قبل أن يسألها )، وهنا يقول: (يشهدون ولا يستشهدون)، ولأئمتنا نحو الحديثين ثلاثة مواقف:

    الموقف الأول: للإمام ابن عبد البر : قدم حديث صحيح مسلم وزعم أن حديث عمران لا يصح، وهو في الصحيحين، فقال: خير الشهداء من يؤدي الشهادة قبل أن يستشهد، وأما أنهم يشهدون ولا يستشهدون، فهذا لم يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا ثبتت الرواية فكلام كل متكلم مردود، ورحمة الله على الإمام ابن عبد البر وغيره، وقابل هذا الموقف فريق آخر -كما ذكر هذا الحافظ في الفتح- فقالوا: حديث صحيح مسلم مردود بحديث الصحيحين لأنه أقوى منه، فخير الشهداء الذي لا يشهد إلا بعد أن يستشهد، وتلك الرواية تترك لهذا الحديث، وهذا لا داعي له، فلا مبرر لطرح رواية ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام من غير ثبوت معارضة حقيقية.

    الموقف الثالث وهو الذي مال إليه أئمتنا، وجمهور أئمة الإسلام، والأخذ به متعين: الجمع بين الحديثين، وإذا أمكن الجمع بين الحديثين فلا يصار إلى النسخ ولا إلى الترجيح كما قرر هذا أئمتنا في كتب المصطلح، قال الإمام زين الدين الحافظ العراقي عليه رحمة الله في ألفيته الشهيرة:

    والمتن إن نافاه متن آخر وأمكن الجمع فلا تنافر

    وهنا الجمع ممكن في غاية اليسر والسهولة، وقد ذكر أئمتنا طرقاً كثيرة من طرق الجمع بين الحديثين، أقتصر على ثلاث طرق منها خشية الإطالة:

    الطريق الأول: ذكره الإمام يحيى بن سعيد ، وتلميذه الإمام مالك بن أنس عليهم جميعاً رحمة الله، فقالا: حديث مسلم : ( خير الشهداء الذي يعطي الشهادة قبل أن يسألها )، هذا يتعلق بالشهادة التي عندك، ولا يعلم صاحب الحق أن عندك هذه الشهادة، فأنت تحملت شهادة تتعلق بحق إنسان، وهو قدم شكاية ودعوى عند الشرع ليطلب حقه، وما عنده من يشهد له، وأنت تعلم بما جرى له، وهو لا يعلم بك ليطلب شهادتك، ففي هذه الحالة ينبغي عليك أن تعطي هذه الشهادة وإن لم تطلب منك، وأنت خير الشهداء.

    والجواب الثاني ذكره الحافظ في الفتح: أن حديث مسلم : ( خير الشهداء الذي يعطي الشهادة قبل أن يسألها )، هذا في شهادة الحسبة التي تتعلق بحقوق الله، فإذا علمت بوجود منكر في مكان ما فبلغ المسئولين عن ذلك وإن لم يطلبوا منك هذا؛ لأن حقوق الله لا يجوز أن تتساهل فيها، وأما حقوق الآدميين فإن طلبوا منك هذا فأدِّ، وإلا فهو أدرى بمصيره، لعل عنده شهداء أعلم منك.

    والجواب الثالث: أن حديث صحيح مسلم : ( خير الشهداء الذي يعطي الشهادة قبل أن يسألها )، من باب المبالغة في إعطاء الشهادة، كما تقول: هذا كريم يعطي الناس قبل أن يسألوه، أي: لكثرة كرمه، وعدم رده سائلاً كأنه يعطي قبل السؤال، مع أنه لا يعطي إلا بعد السؤال، وهناك كذلك أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخبرنا عن طيب هذا الصنف الذي إذا تحمل شهادة لا يتلكأ في أدائها، فقال: يعطي الشهادة قبل أن يسألها، أي: بمجرد ما تطلب منه لا يتأخر ولا يتوقف، فلا تعارض بين الحديثين، والجمع هو المتعين.

    عباد الله! ولذلك جاء في الأحاديث الكثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام تنفر من السمن وتحذر من ضخامة البطن، وتشهد للحديث المتقدم، ففي مسند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات، وبوب عليه الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في كتاب الأطعمة: باب قلة الأكل، والحديث رواه الحاكم وقال: صحيح وأقره الذهبي، عن جعدة بن خالد بن الصمة رضي الله عنه، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً عظيم البطن، فأشار إلى بطنه، وقال: لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك )، أي: لو كانت هذه الضخامة في غير بطنك، لو كانت الضخامة في عقلك، أو في رأسك، فإنها تدل على سعة النظر، وجودة الرأي، أما أن يضخم البطن فهي تدل على انهماكك في ملذات الدنيا وشهواتها.

    هذا الحق الأول الذي ينبغي علينا أن نقوم به نحو أبداننا، أن نعطي هذا البدن ما أحل الله له من الطيبات، وما يحتاجه من غير إسراف ولا تقتير، وعليه يجب أن نجنب هذا البدن كل ضار مما حرمه الله علينا، وأن نجنبه التوسع في المباحات والحلال لئلا نصل به إلى الضرر.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.