إسلام ويب

مرض الشبهات [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مرض الشبهات أخطر الأمراض التي تصيب القلب فتصده عن دين الله تعالى، وبسببه يسير الإنسان متبعاً هواه وأهواء المضلين، تاركاً شرع ربه وراء ظهره، ومن أخطر الشبهات على الإنسان شبهات البدع في الدين، إما بالزيادة فيه أو النقصان منه بقصد التقرب إلى الله تعالى بذلك، والبدعة معصية لكنها أحب إلى إبليس من المعاصي الأخرى؛ لأن صاحبها يتقرب بها إلى الله بزعمه على خلاف المعصية، ومنها ما هو كفر مخرج من الملة، ومنها دون ذلك.. بحسب مخالفتها وبعدها عن الدين.

    1.   

    المقصود بمرض الشبهات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    النقطة الثانية هي مرض الشبهات يقصد بمرض الشبهات: أن يسير الإنسان على هواه دون السير على شرع ربه جل وعلا، وقد ذكرت أن في القلب قوتين: قوةٌ علميةٌ، وقوةٌ إرادية، إذا فسدت القوة العلمية وقع في الشبه، وإذا فسدت القوة الإرادية وقع في الشهوات، فصاحب الشبهات على هواه دون شرع مولاه، فلا يميز بين الحق والباطل، بل يميل إلى الباطل، وأبرز ما يوضح هذا أمران اثنان:

    النفاق، وهذا من أمراض الشبهات الخبيثة.

    والثاني: البدع، وهذا من الشبه الخبيثة، وقد مضى الكلام على النفاق في محاضرةٍ سابقة، وسأتكلم الآن على البدع المحدثة في هذه المحاضرة إن شاء الله. ‏

    تعريف البدعة وحقيقتها

    يقصد بالبدعة: ما أحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، ما أحدث في دين الإسلام وأدخل فيه، إما أنه زاد وإما أنه نقص، وعلى هذا فالبدعة في حقيقتها معصية، ولكن صاحبها لا يرى نفسه عاصياً لله جل وعلا، فهو يفعل المعصية، ولكن يقول: إنها مباحة، وقد يصل به الحال إلى أن يقول: إنها مستحبة، هذا هو مرض الشبهات، فما ميز بين الحق والباطل، فأعطى للباطل حكم الحق، ففعل الباطل وأدخله في شرع الله جل وعلا، هذا معنى البدع: الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، فهي معصية، ولكن صاحبها لا يرى أنها معصية، وتكون بالاعتقاد إذا فعل خلاف الحق، وتكون بالعمل إذا تعبد الإنسان بما لم يأذن به الله عز وجل.

    طرق الشيطان لإغواء الإنسان وتفضيله البدعة على الكبائر والموبقات

    وهذا الأمر -أعني البدعة والحدث في دين الإسلام- يفضل الشيطان إيقاع الناس فيها على إيقاعهم في الكبيرة، وقد ذكر علماؤنا عليهم رحمة الله طرق الشيطان التي يضل بها الناس، ويعاديهم بها، وهي سبع طرق ينبغي للبصير اليقظ المهتدي أن يكون على دراية بها حتى يعادي الشيطان، كما أنه يعادينا: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6].

    الطريق الأول الذي يرصده الشيطان لإضلال الناس: إيقاعهم في الكفر والشرك، فإذا حصل هذا منهم حصل غايته الكاملة، فإذا عجز ينتقل لإيقاعهم في البدعة، أي: يزين لهم المعاصي باسم الشرع، وأما هذه فلا غضاضة فيها ولا حرج، كما سأتكلم على نماذج كثيرة من البدع التي نغوص بها وفيها، ونتخبط بها، ونظن أنه لا غضاضة فيها، وأنها مباحةٌ في شرع الله، ونسأل الله أن يلطف بحالنا.

    فإذا عجز عن إيقاعهم في الشرك يفضل إيقاعهم في البدعة، وإذا ما أمكنه أن يوقعهم في البدعة ينتقل لطريقٍ ثالث: فيزين لهم الكبائر من شرب خمرٍ وسرقةٍ وتعاملٍ بالربا وزنا وما شاكل هذا، ويفضل إيقاعهم في البدعة على إيقاعهم في الزنا وشرب الخمر؛ لأن شارب الخمر يعلم أنه عاصٍ، والمبتدع لا يشعر بذلك، ولذلك كلما ازداد في بدعته اجتهاداً ازداد من الله ابتعاداً، فإذا عجز عن إيقاعهم في الكبائر أوقعهم في الصغائر، وإذا عجز عن إيقاعهم في الصغائر شغلهم في المباحات، في القيل والقال فيما لا ينفع لتضيع أوقاتهم سدى، وإذا عجز عن إيقاعهم في المباحات، واستعملوا أوقاتهم فيما يقربهم إلى رب الأرض والسموات، انتقل إلى الطريق السادس فيوقعهم ويزين لهم فعل المفضول وترك الفاضل، أي: العمل الذي أجره قليل على العمل الذي أجره كثير، وإن كان كل من العملين صالحاً؛ ليفوت عليهم الربح العظيم والأجر الكثير.

    فإذا عجز عن هذا سلط أولياءه من الإنس على هذا المؤمن الذي لم يتلبث بواحدةٍ من هذه الطرق؛ ليؤذوه ويعادوه، فإذا صبر المؤمن أمام هذه المرتبة، وعادى من اتخذه الشيطان ولياً وحميماً، ولم يتخذهم أولياءً من دون الله، اتخذه الله ولياً حقاً، وقد تم إيمانه على وجه الكمال، فلا كفر، ولا بدعة، ولا كبيرة، ولا صغيرة، ولا انهماك في المباح، ولا يؤثر المفضول على الفاضل، ثم بعد ذلك يعادي أولياء الشيطان ويبغضهم في كبائر الذنوب.

    البدعة أحب إلى إبليس من المعصية

    قال الإمام سفيان الثوري عليه رحمة الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والسبب في هذا: أن البدعة لا يتوب الإنسان منها؛ لأنه يعلم أنه على خير، وأما المعصية فيتوب الإنسان منها، ولذلك قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: المبتدع هو الذي يتخذ ديناً لم يأذن به الله. هذا زين له سوء عمله، فلا يمكن أن يتوب؛ لأن أول مراتب التوبة أن يشعر الإنسان بأنه فعل سيئاً وترك حسناً، وذلك الحسن إما مأمورٌ به أمر إيجابٍ أو أمر استحباب، أو ترك حسناً، وذلك الحسن مأمورٌ به أمر إيجابٍ أو أمر استحباب، فلم يشعر بذلك؛ لأنه ممن يفعل البدع، ويظنها أنها من شرع الله، فلا يمكن أن يتوب.

    ولذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يفعل المعاصي ويشعر بكراهيته لها أنه في حظيرة الإيمان وما خرج، وفي هذا إشارةٌ إلى أن المبتدع ليس كذلك؛ لأنه لا يشعر بقبح ما يفعله عندما يدخل في دين الله جل وعلا ما ليس منه، فيفعل المعاصي ولا يشعر بأنه عاصٍ فيها، وإذا وصل الإنسان إلى درجة أنه إذا فعل السيئ أو ترك الحسن ما يشعر بذلك؛ فليبك على نفسه، وليعلم أنه ممن التقم الشيطان قلبه، ولذلك ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير والأوسط، قال الحاكم : والحديث صحيحٌ على شرط الشيخين، وأقره الذهبي ، عن أبي أمامة ، وثبت الحديث أيضاً في سنن الترمذي عن عمر بسندٍ حسن، ورواه الطبراني في الأوسط عن علي ، ورواه الحاكم أيضاً وأحمد والبزار والطبراني عن أبي موسى رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)، ما دام يشعر بتلذذٍ إذا فعل الطاعة، وبكدرٍ إذا فعل المعصية، فقلبه مغمورٌ بالإيمان، وما خرج عن حظيرة الإسلام.

    وأما المبتدع صاحب الشبهات فيفعل المعاصي ولا يشعر بأنه يعصي الرحمن، ولذلك كانت البدعة أشنع من الكبيرة، وكان المبتدع أخبث عند الله جل وعلا من صاحب الكبيرة، والبدعة هي مقرونةٌ بالكفر والشرك، وكان الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله كثيراً ما يردد هذا القول: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة، فتولد عنهما خسارة الدنيا والآخرة. البدعة الحقيقة الكافرة تصاحبها دائماً هذه البدع الفاجرة الجائرة والشبهات، ويترتب على هذا خسارة الدنيا والآخرة.

    علاقة مرض الشبهات بأول ذنب عصي الله به

    مرض الشبهات هو أول مرضٍ وجد في ملك الله جل وعلا، أول معصيةٍ وقعت معصية إبليس، وهي عن طريق الشبهات عندما أمره ربنا جل وعلا أن يسجد لآدم: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، دخل من باب الشبهات للاعتراض على أوامر رب الأرض والسموات، وأن معدن النار أفضل من معدن الطين، فكيف يسجد إذاً لهذا المخلوق؟! فأول معصيةٍ وقعت في ملك الله وفي خلق الله عن طريق الشبهات، وهي معصية إبليس، وهي معصية الكبر التي تنشأ عن الاعتقاد الباطل، وهذا الكلام من إبليس كما قال أئمتنا عليهم رحمة الله: مردودٌ من جهاتٍ كثيرةٍ: أبرزها: أن هذا القياس فاسد الاعتبار لا ينظر في مضمونه؛ لأنه صادم النص، وإذا صادم القياس النص فهو فاسد الاعتبار، وإذا أعطى الإنسان رأياً يخالف به نصاً شرعياً من آياتٍ أو حديث فيسلك مسلك اللعين إبليس، ولذلك قال الشعبي وغيره: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، فهو قياسٌ فاسد.

    الأمر الثاني: مع أنه قياسٌ فاسدٌ، فهو قياسٌ باطلٌ أيضاً، فلا يسلم أن جوهر النار أفضل من جوهر الطين، فجوهر الطين أفضل من جوهر النار، وإذا أردت أن تعرف مقدار كلٍ من النار والطين فانظر لوصف كل واحدٍ منهما، أما الطين فمنه يخرج أقوات الآدميين، ومنه تكون الحدائق والبساتين، وتضع فيه بذرة فيعطيك شجرة، وأما النار فطبيعتها الطياشة والتفريق، وكيف يكون معدن الطين كمعدن النار!

    الأمر الثالث: سلمنا أن معدن النار أفضل من معدن الطين، فهل يقتضي هذا كون الفرع الذي خلق من النار أفضل من الفرع الذي خلق من الطين؟! لا ثم لا.

    إذا افتخرت بآباءٍ لهم نسبٌ قلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا

    فأنت وإن كنت من معدن النار، وهو أفضل من معدن الطين، فلا يلزم أن تكون أفضل من آدم الذي خلق من معدنٍ أقل من معدنك، والإنسان يتفاضل بكسبه لا بما ليس في وسعه، سواءٌ خلق من معدنٍ فاضلٍ أو من معدنٍ مفضول، والناس يتفاضلون عند الله جل وعلا بالعمل الصالح.

    ومن أخبار بني إسرائيل، وهو من الملح والطرائف: أن إبليس عليه لعنة الله أراد أن يتوب بعد أن غضب الله عليه ولعنه وطرده، وقال: يا رب! تب علي، ومرض الشبهات مستحكمٌ فيه لا يمكن أن يزول عنه، فقال الله: أتوب عليك، ولكن بشرطٍ واحد -وهو العليم بحاله، وأن لعنته ستصاحبه إلى يوم القيامة- قال: وما هو؟ قال: تذهب إلى قبر آدم فتسجد له، قال: يا رب! ما سجدت له حياً أأسجد له ميتاً؟! فمرض الشبهات لا يزول عنه بحال من الأحوال، أنت ينبغي أن تعظم الآمر، فإذا أمرك فقل سمعاً وطاعةً، وهذا هو الحق، ولكن من ابتلي بالشبهات فهذا هو حاله.

    1.   

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من مرض الشبهات

    النقطة الثالثة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من هذا المرض، ويشدد علينا غاية التشديد، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي ، وقال: حسنٌ صحيح، والحديث في سنن ابن ماجه ، ورواه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، قال: لا أعرف له علة، وقد صحّ هذا الحديث والحمد لله، وأقره الذهبي على ذلك، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! كأنها موعظة مودع -وأن الأجل قد اقترب، وسترحل عن هذه الدنيا- فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشي -لولاة الأمور إذا كانوا يحكمون بشرع العزيز الغفور- فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ- وهي آخر الأضراس، وحذار من التفريط بها وتفليتها- عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، ألا وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)، زاد النسائي وابن أبي عاصم في روايتهما: (وكل ضلالةٍ في النار)، فحذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من مرض الشبهات، وأخبرنا أن البدع ضلالات، والضلالات مآلها إلى النار.

    وقد كان -فداه أبي وأمي- عليه صلوات الله وسلامه يحذر الصحابة من هذا في كل يوم جمعة عندما يقوم فيهم خطيباً في ذلك الاجتماع العظيم، يحذرهم من مرض الشبهات، ومن التلبس بالبدع المحدثات، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، يقول: صبحكم ومساكم، ثم يقول بعد ذلك: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم)، أو (وخير الهدى هدى محمد)، كل من الضبطين ضبط في كتب الحديث: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة).

    وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبين لنا الخط المستقيم ويخبرنا أن من انحرف عنه فهو في الجحيم، وعمله لا يقبل عند رب العالمين، ففي الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ)، وفي رواية للإمام مسلم عليه رحمة الله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ).

    وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام: أن الإنسان لا يكون مؤمناً حتى يترك البدع والمحدثات ويكون هواه تبعاً لما جاء به، قال عنه النووي : إنه بإسنادٍ صحيح، ورواه أبو نعيم في أربعينه، وقد اشترط ألا يورد فيها إلا الأحاديث الصحيحة، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، رأيه تبعاً لما جئت به، فليس عنده شبهةٌ يضاد بها ما أحل الله، وما شرع الله، وما أنزل الله، والحديث كما قلت: صحيحٌ صححه النووي ، وأقره عليه الإمام علي القاري عليه رحمة الله، وأقره عليه الشيخ المعلمي عليهم جميعاً رحمة الله تعالى.

    1.   

    تحذير السلف الصالح من مرض الشبهات وبيان خطره

    لقد تتابع سلفنا في التحذير من البدع، وساروا على مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، ففي كتاب شرح السنة للبغوي ، وكتاب الباعث لإنكار البدع والحوادث للإمام أبي شامة بالسند إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم).

    وفي صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أنه قال: يا معشر القراء! استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً. استقيموا فقد سبقتم، وضبطت (سُبقتم) بالبناء للمجهول وللمعلوم، أي: إن اتقيتم فقد سبقتم سبقاً بعيداً وحصلتم رضوان الله، استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، أي: أن السلف الأول لم يتركوا لنا خيراً إلا دلونا عليه، فلا داعي للمحدثات والبدع، استقيموا فقد سَبقتم، فقد سُبقتم سبقاً بعيداً؛ فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً.

    1.   

    انتشار مرض الشبهات بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم

    هذا الأمر الذي أوصانا به النبي عليه الصلاة والسلام، وتتابع عليه سلفنا الكرم، حصل بعد ذلك فيه ما حصل من الخلل، وكلما امتدت الحياة حصلت الزيادة في الخلل حتى يوم القيامة، فنسأل الله أن يلطف بحالنا، فتغيرت الأمور بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنها ستتغير كما الحديث السابق: ( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ).

    ثبت في سنن الترمذي والحديث أيضاً في صحيح البخاري عن الزبير بن عدي رضي الله عنه قال: أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه نشكو إليه ما نجد من الحجاج ، ولا زال العصر في القرن الأول، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: اصبروا، اصبروا، ( لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، حتى تلقوا ربكم )، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم، فالأمور ستتغير، ويحصل فيها ما يحصل، وكلما امتد زمن ازداد التغير والحدث في دين الإسلام.

    وفي سنن الدارمي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر مما قبله، أما أني لست أقول: إن عاماً أخصب من عام، وأميراً خير من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون عنهم خلفاً، ويأتي أناس يقيسون الأمور برأيهم، ويحدثون في دين الله جل وعلا ما ليس منه. لا أقول: كما هو حالنا، إنما كما هو حال العصور المتقدمة، وأما حالنا فسيأتينا عما قريب وصف موجز له إن شاء الله.

    وفي معجم الطبراني الكبير بسند رجاله جال الصحيح، عن عبد الله بن مسعود أيضاً أنه قال يوماً لامرأته: اليوم خير أم أمس؟ قالت: لا أدري، قال: لكني أدري، أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وهكذا حتى تقوم الساعة.

    وكلما امتد الأجل أحدث الناس في دين الله جل وعلا ما ليس منه، ففي معجم الطبراني الكبير أيضاً بسند رجاله موثقون، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما أتى على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة.

    شعور الصحابة بتكدر القلوب وتغير الأحوال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم

    وقد شعر الصحابة الكرام بتكدر القلوب وتغيرها بعد موت نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي معجم البزار بسند جيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال.. كل من هذين الصحابيين الجليلين أنس وأبو سعيد : لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء فيها كل شيء، كل شيء يلمع ويتنور برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وبالهدى الذي ينشره بين الناس، فلما كان اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم أظلم فيها كل شيء، والله! ما نفضنا الأيدي عن تراب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا، إذا حصل في ذهننا شبهة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام تجتث وتستأصل بالبيان الحق، وأما الآن فقد انقطع الوحي، وسيلعب الشيطان في كثير من الأذهان لتحدث في الإسلام ما ليس منه، فبمجرد فراغنا من دفن النبي صلى الله عليه وسلم حصل في القلوب ما حصل، ما نفضنا الأيدي عن تراب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا.

    وفي صحيح مسلم وسنن ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنهما: أن أبا بكر رضي الله عنه قال لـعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها، وهي حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام ومربيته، وهي أمه بعد أمه، وهي بقيته من أهله، وهي المرأة الصالحة التي عندما هاجرت من مكة إلى المدنية، وكانت صائمة وصار المغرب واشتد عليها العطش، فرأت دلواً معلقاً بين السماء والأرض، فشربت منه فما أصابها الضمأ بعد ذلك، فكانت تصوم وتتعرض لحر الشمس فلا تعطش، وهي التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: ( من أحب أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن )، ثم تزوجها زيد بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين.

    انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما دخلا عليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، فما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم؟ فعلام تبكي؟ قالت: إني والله أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكني أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء، فستحصل بعد ذلك الفتن والأهواء؛ لأن الوحي قد انقطع من السماء، بكت عندما مات النبي عليه الصلاة والسلام، وكثر بكاؤها كما في طبقات ابن سعد بإسناد صحيح عندما مات عمر ، وقبضت بعد موت عمر بعشرين يوماً رضي الله عنهم أجمعين، قيل لها: علام تبكي؟ فقالت: وهى الإسلام، أي: تصدع وانشق عندما مات عمر ، وواقع الأمر كذلك، فبين الناس والفتن باب حصين إذا انكسر ذلك الباب فلن يعاد مرةً ثانية، وهو عمر بن الخطاب ، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل عمر حذيفة فقال: إن بينك وبينها باباً، قال: وهل يكسر أو يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذاً لا يفتح إلى يوم القيامة، فكانت أم أيمن رضي الله عنها تبكي بعد موت عمر رضي الله عنهم أجمعين وتقول: وهى الإسلام، تصدع بناؤه، لما سيحصل فيه من أوهام وخرافات يتقرب بها الناس إلى الرحمن، وهي ضلالات وأباطيل.

    وقد أخبرتنا أم سلمة رضي الله عنها عن تغير الأحوال بعد موت نبينا عليه الصلاة والسلام مباشرةً، ففي سنن ابن ماجه بسند إسناده مقارِبٌ أو مقارَب كما قال الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن محمد الحنبلي المنبجي في كتابه تسلية أهل المصائب، وكتبه على هدي السلف، توفي سنة خمس وثمانين وسبعمائة للهجرة عليه رحمة رب العالمين، يقول: إن إسناد الحديث مقارب، أي: أن الرواة يقاربون غيرهم في الحفظ والضبط والإتقان، ولعله يرتقي لدرجة الحسن إن شاء الرحمن، عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها قالت: (لما كان الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قام أحدهم ليصلي لم يعدُ بصره موضع قدميه، ينظر إلى قدميه، ولا يتجاوز نظره قدميه قيد أنملة ولا مقدار إصبع، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر ، كان الرجل إذا قام ليصلي لم يعدُ بصره موضع جبينه، محل السجود، وما تجاوزوا هذا، فلما قبض أبو بكر واستخلف عمر رضي الله عنهم أجمعين، كان الرجل إذا قام ليصلي لم يعد بصره القبلة، ينظر ولكن لا ينظر لغير جهة القبلة، فلما قتل عمر واستخلف عثمان ووقعت الفتنة، نظر الناس يميناً وشمالاً، فتغيرت القلوب وتكدرت، وحصل من البدع ما حصل.

    وقد شعر الصحابة الكرام بهذا فأنكروه غاية الإنكار، وتأثروا تأثراً يزيل الجبال الكبار، ففي صحيح البخاري عن الزهري ، وفي سنن الترمذي عن أبي عمران الجوني ، كل منهما يقول: دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، والزهري من أئمة التابعين، وأنس صحابي، دخلنا عليه في مسجد دمشق، وذلك عندما جاء أنس يشكو الحجاج للوليد بن عبد الملك ، وكان الخليفة إذ ذاك الوليد بن عبد الملك ، جاء يشكو إليه ظلم الحجاج في بلاد العراق، يقول الزهري وأبو عمران : دخلنا على أنس فإذا هو يبكي، فقلنا: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أعلم شيئاً مما كان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت. أو تؤخرونها عن مواقيتها ولا تصلونها في الأوقات المستحبة. والحديث في صحيح البخاري وسنن الترمذي .

    وفي مسند الإمام أحمد عن أم الدرداء رضي الله عنها: أن أبا الدرداء رضي الله عنه دخل عليها وهو مغضب، فقالت: من أغضبك؟ فقال: والله لا أعلم شيئاً من أمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً إلا أنهم يصلون جميعاً، وأما ما عدا هذا فالبدع قد عكفوا عليها في سائر أشكال حياتهم.

    تغير الأحوال وانتشار المرض بعد عصر الصحابة

    ولما انقرض الصحابة وجاء زمن التابعين شعروا بالخلل أكثر وأكثر، ففي موطأ مالك عن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، وهو من كبار التابعين عليه رحمة الله، قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا النداء. أي: إلا الأذان، الصلاة الآن ذهبت، وفي كتاب الحلية عن معاوية بن قرة قال: أدركت سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو خرجوا فيكم ما عرفوا شيئاً مما كانوا عليه إلا الأذان. سبعين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لو بعثوا في زمن التابعين ما عرفوا شيئاً مما كانوا عليه إلا الأذان.

    ولما امتد الزمان كثر التغير والتغيير، ففي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام الخلال ينقل بسنده عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أنه قال -وقد كان بعد أتباع التابعين فحصل في زمنهم ما حصل- كان يقول الإمام أحمد : إذا رأيتم شيئاً مستوياً مستقيماً فتعجبوا. لأن الأصل الانحراف، وحصول الشبه، وعكوف الناس على البدع، وأنتم إذا رأيتم شيئاً مستقيماً مستوياً فتعجبوا.

    وأذكر أن بعض الناس الكبار في هذه البلدة قال لي في حديث دار بيني وبينه: ما ينبغي أن نقسو على الناس في التوجيه فالناس في خير، وشعائر الله قائمة والحمد لله، فقلت: سبحان الله! إذا كان الإمام أحمد في القرن الثالث يقول: إذا رأيتم شيئاً مستقيماً مستوياً فتعجبوا، فكيف حالنا الآن؟! سأذكر حالنا الآن، فالمبتدع الآن عندنا صالح، والمنحرف هذا شيء آخر سأذكره الآن، نحن لسنا الآن بين سنن وبدع، بل بين بدع وردة، وبين بدع وكفر، أما البدع فالكبير والصغير منا يغوص بها إلى أذنيه، إنما نحن الآن بين بدع وكفر، بين بدع وردة، لا بين سنة وبدعة كما كان الحال في سلفنا الأول.

    يقول الإمام ابن حجر في الفتح عند كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من تراجم البخاري في باب الاقتداء بسنن النبي عليه الصلاة والسلام، وانظروا كلام الحافظ في الفتح في الجزء الثالث عشر صفح ثلاث وخمسين ومائتين، وينبغي أن ينقش على القلوب ليكون الناس على دارية وبصيرة بالأمر، يقول الحافظ عليه رحمة الله: وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك -لم يقتنعوا بالتوسع فقط، والإحداث في دين الله ما ليس منه- حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان -جعلوا مباحث العقيدة تقوم على الفلسفة كما هو حال التوحيد الموجود الآن في الأرض- حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً. سبحان الله! صار كلام الفلاسفة هو الأصل، والكتاب والسنة يعرضان على كلام الفلاسفة بحالة هزيلة، إن وافقت النصوص كلام الفلاسفة قبلت وإلا أولت ولو كان التأويل مستكرهاً، قال: حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يحصل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف.

    استحكام مرض الشبهات وضياع السنن في زماننا

    وأما حالنا إخوتي الكرام! فنسأل الله أن يلطف بحالنا، نحن الآن لسنا بين بدع وسنن، نفعل البدع ونترك السنن، لا والله، فمن يفعل فينا البدع ولا يتلبس بالردة فهو صديق صالح في أعرافنا، إذا كان يفعل البدع ويخوض بها فهو في عرفنا مسلم وصالح، ونحن الآن بين بدع وبين ردة، استماع الغناء على أنه من المباحات، هذا من البدع الخبيثة كما سيأتينا، وما أعلم كم عدد البيوت التي سلمت منه، ومع هذا إذا لم يصل به الحال للردة فهو على خير، لأن الأمر قد ازداد، وتطاول الناس بحيث إذا لم يسمع الإنسان الغناء رموه بما رموه به بأنه متحجر متعجرف متنطع لا زال في العصر الحجري!

    حال اللحية وما يتعلق بها، مضت القرون الثلاثة ولم يحصل أن واحداً من المسلمين حلق اللحية أو قصرها، وباتفاق فقهائنا يحرم حلق اللحية أو أخذ شيء منها إذا كانت دون القبضة، وما زاد عن القبضة ففيه خلاف، يضع يده في نهاية ذقنه وما زاد له أن يأخذه أم لا؟ أما إذا كانت اللحية دون هذا فالأخذ منها لا يجوز، ليت من يحلق لحيته أو يقصر يقول: أنا عاص وأنا فاسق؟ لكنه يقول: إن هذا مباح، وليس فيه غضاضة ولا حرج.

    يخوض في البدعة وهو من الدعاة إلى الله الكبار، ومع هذا فالأمر يسير، إذا لم يستهزئ بهذه الشعيرة ولم يرتد فالأمر يسير، فكم هم الذين يستهزئون بهذه الشعيرة لا أقول في بلاد الغرب بل في أبها! كمن يقول: إن اللحية كالمكنسة! كم هم! وكما يقول الزنادقة في بلاد المسلمين في كل مكان، وقد سألني هذا السؤال بعض الناس في هذا اليوم علم ربي الرحمن في الكلية، يقول: ما حكم من يقول: لو كان في الشعر خير ما نبت على ذنب العير! أي: الحمار، فهذه وساخة وقذارة، ينبغي أن ترفع من الوجه! وحين ذكرت هذا الكلام في بعض الفصول أخبرني بعض الصالحين أن بعض السفهاء يزيدون في الكلام، يقولون: لو كان في الشعر خير ما نبت على كذا، أي: على عضو الرجل! سبحان الله! نحن الآن لسنا بين سنة وبدعة، بل بين بدعة وردة، نسأل الله أن لا نكون من المرتدين.

    وأما البدعة فنغوص فيها من عصور طويلة، أما الآن فالناس يخرجون من دين الله أفواجاً، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، لا يتحركون ولا يسكنون إلا حسب الأعراف والعادات والتقاليد، فهذا أعظم طاغوت عودي به الرسل، وأخبث بدعة حدثت على وجه الأرض، ومع هذا إذا لم يستهزئ بشعائر الإسلام فلا زال الأمر فيه خيراً، إنما البلية عمت وطمت، وصار استهزاء بشعائر الإسلام، والذي يستهزئ بشعائر الإسلام هذا مرتد، فنحن الآن بين فعل بدعة وفعل ردة، وحصر المرتدون في بلاد المسلمين لا يحصون، ولا يوجد أبو بكر رضي الله عنه ليردع هؤلاء المرتدين ويعيدهم إلى حضيرة الدين، ردة ولا أبو بكر لها، فهذا حالنا الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    أقسام البدعة وامثلتها

    أقسام البدعة

    آخر المباحث: أقسام البدعة، ونماذج لها: البدعة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: بدعة مكفرة، إذا تلبس الإنسان بتلك الشبهة فحكمه في الدنيا حكم الكافرين، وسيختم له بما يسود وجهه عند رب العالمين، وهو في أسفل دركات الجحيم، وذلك بأن يحدث في دين الله شيئاً يكفر بسببه، وضابط ذلك كما قرر أئمتنا الكرام: إنكار ما هو متواتر من الإسلام ومعلوم عند أهل الإيمان، وزعم أن هذا من دين الإسلام، أي: إذا كانت بدعته تفضي إلى إنكار ما هو متواتر في الإسلام، وإلى ما هو مقرر عند أهل الإيمان، فبدعته مكفرة، وفي نظري حسبما توصلت إليه أن هذه البدعة لا تخرج عن أصناف خمسة تنتشر هذا الوقت في كل مكان:

    الأول: الباطنية، فرق باطنية بدعهم مكفرة كما سأفصل الكلام على هذا، غلاة فلاسفة ردية، غلاة وزنادقة الصوفية، غلاة القدرية، غير من تقدم من الأصناف الأربعة ممن بدعتهم شركية، أو في بدعتهم إزراء بالشريعة الإسلامية، هؤلاء الأصناف الخمس إذا تلبس الإنسان بواحد من بدعتهم فهو مرتد كافر بالله رب العالمين.

    الباطنية وغلاة الشيعة

    أما الأول: فهم الباطنية غلاة الشيعة، وفرق الباطينة بأقسامها التي تنتشر الآن هنا وهناك، وتريد السيطرة على بلاد المسلمين، بدعة النصيرية، بدعة الإسماعيلية، بدعة القرامطة، بدعة الدروز، كل هؤلاء أحدثوا في دين الله جل وعلا ما ليس منه، وبدعهم مكفرة، وإن كانوا يقرءون القرآن، فيضعون له من المعاني ما يستحي منه الشيطان، لو خرج الشيطان بصورتهم لما وضع تلك المعاني لكلام الله جل وعلا، فيتلاعبون بكلام الله، ويختلقون له من المعاني ما لا يخطر ببال أحد، النصيرية، والدروز، وغلاة الشيعة، والبهرة، ملئوا الدنيا الآن، ويحاولون السيطرة على بلاد المسلمين.

    وقد قرر الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في رسالته الدروز والنصيرية في بلاد الشام، قرر أن فرق الباطنية ليسوا من الملل الثلاث وإن انتسبوا إلى الإسلام، فليسوا من المسلمين وليسوا من اليهود ولا من النصارى، ليسوا من المسلمين ولا من اليهود ولا من النصارى، وقد انتشر هؤلاء في كل مكان، وبدعهم عمت أرجاء الأرض.

    الفلاسفة

    البدعة الثانية: بدعة الفلاسفة، بدعة الفلاسفة الزنادقة التي أدخلوها باسم الإسلام، وصار هؤلاء الفلاسفة يعظمون في أرقى دور العلم عندنا، وتفتح كليات باسم الفلسفة وعلم النفس، ويثنى على شياطين هذه المادة، وعلى شياطين هذا الكفر، ابن سينا وأبو نصر الفارابي ، وخليفة إبليس أبو العلاء المعري ، وما شاكل هؤلاء الفلاسفة -الفلاسفة وما أدراكم ما الفلاسفة- وقد أجمع أهل السنة على كفرهم بأربعة أمور:

    الأمر الأول: أنهم ينكرون البعث ويقولون: إنه للأرواح لا للأبدان، وهذه عقيدة النصارى، يقول ابن سينا بالحرف الواحد: كل من أنصف ورجع إلى عقله علم أن إعادة الأبدان بأعيانها مستحيلة! هذا كلام ابن سينا ! والله ما ذهبت سيناء في بلاد مصر إلا بانشغالهم بوساوس ابن سينا ، وبمزامير ابن سينا ، وهكذا في بلاد المسلمين أجمعين.

    وأبو نصر الفارابي الذي يقول: إن النبوة يمكن أن يصل إليها الإنسان عن طريق الرياضة النفسية، وليس بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الفلاسفة فرق بل هو في درجتهم في النبوة! أبو نصر الفارابي أول من أحدث القانون في وسائل الغناء، ورضي الله عن الإمام الشافعي عندما يقول: خرجت من بغداد وخلفت فيها شيئاً أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير، آلة يغبرون بها ويطبلون كالمزيكة والعود يصدون بها الناس عن القرآن، وهذا اللعين أبو نصر الفارابي أحدث القانون، ثم حصل بعد ذلك ما حصل من تطوير لوسائل الغناء وصدوا به الناس عن كتاب رب الأرض والسماء.

    غلاة الصوفية

    البدعة الثالثة المكفرة: غلاة الصوفية الذين يقولون بالحلول والاتحاد، ويأتون بكلام زنادقتهم ثم يستدلون عليه بأحاديث يختلقونها من عند شياطينهم، كما يقول أحدهم مقرراً عقيدة الحلول: وما قاله الشيخ الأكبر أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( من ذكر لم يشهد، ومن شهد لم يذكر )، أي: من ذكر الله تعالى فلن يشهده، بل هو محجوب، ومن شهد الله وعلم أن الله هو وهو الله فلماذا يذكر؟ ومن شهد لم يذكر، ثم قال بعد ذلك: وهذا مقام لا يصل إليه إلا قلة من الناس. نسأل الله أن يفنيهم، وأن لا يجعل في الناس واحداً يسير على هذا الطريق، يقول: وهذا مقام المقربين، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. سبحان الله! صار الإلحاد والزندقة باباً للولاية، الإلحاد والزندقة صار باباً للولاية في هذا الوقت، غلاة الصوفية، الذين يقولون بالحلول وبوحدة الوجود، بدعتهم مكفرة، وما يحسن الظن فيهم إلا أحد صنفين: إما أن يكون هو على شاكلتهم، أو لا يعرف حقيقتهم فلا يؤبه بكلامه، وقد انتشرت هذه البدعة في كثير من أرجاء الأرض.

    غلاة القدرية

    البدعة الرابعة: غلاة القدرية، الذين يقولون: إن الله لم يقدر الشيء، لم يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، ولم يقدره ويقولون: إن الأمر أنف، فهؤلاء بدعتهم مكفرة؛ لأنهم ينفقون العلم عن الله تعالى، وهذا كفر، فعن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، أي: المسجد الحرام، فاكتنفته أنا وصاحبي، أخذنا عن يمينه والآخر عن شماله، فقلت: أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر أناس قبلنا يتقفرون العلم ويزعمون أن لا قدر -أن الله لم يقدر شيئاً ولا يعلمه إلا بعد أن يقع- وأن الأمر أنف، أي: مستحدث. فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه ذلك حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق حديث جبريل الطويل: ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله جل وعلا)، هذه بدعة القدرية.

    تقديس القبور ودعاء الموتى

    البدعة الأخرى من غير الأصناف الأربعة المتقدمة، وهي بدعة شركية أو فيها إزراء بالشريعة الإسلامية، وهي تقديس القبور، والاستغاثة بالموتى من دون العزيز الغفور، يعظم القبور، ويستغيث بها، وهذا عمّ في سائر بلدان المسلمين، عكفوا حول القبور، وعبدوها من دون العزيز الغفور، من العار الذي يندى له الجبين وجود هذه المقابر والمشاهد في بلاد المسلمين.

    ومن أعظم العار وأشنعه أن المشهد الحسيني في بلدة القاهرة وهي من أوسع وأعظم بلدان المسلمين، المشهد الحسيني الذي يطوف حول القبر فيه أكثر من الطواف حول الكعبة، ويقال: إنه قبر رجل نصراني! سبحان الله! تعبدون القبور حتى وصل بكم الحال إلى عبادة قبور النصارى! ولا أقول: إنه لو كان الحسين فيجوز عبادته، إنما زيادة ضلال، وباتفاق أئمة التاريخ أن ذلك المشهد الباطل بني سنة خمسين وخمسمائة للهجرة، أي: بعد مقتل الحسين بخمسمائة سنة، بنته الدولة الملحدة الفاطمية التي حكمت في بلاد المغرب ثم مصر، من سنة سبعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة عندما قضي عليها في عهد الخليفة المرتضى على يد صلاح الدين الأيوبي ، وألف الإمام ابن الجوزي كتابه الشهير: النصر على مصر، وعادت بلاد مصر إلى حظيرة الإسلام بعد أن عاشت ثلاثة قرون في عهد الفاطميين، في دولة مرتدة عن الإسلام، والفاطميون بنوه في آخر عهدهم سنة خمسين وخمسمائة، أي: قبل زوال ملكهم بقرابة عشرين سنة، بنو المشهد الحسيني ليتقرب بزعمهم إلى آل البيت، كانوا يدعون هذا، وكان ظاهرهم الرفض، أي: الانتساب إلى أهل البيت، وحقيقتهم الكفر المحض، والله إن القبر الموجود هناك لا أقول: إن العامة تعظمه، فالعامة تبع للعلماء، إنما المشايخ الكبار الذين يعظمون ذلك الطاغوت، ففيه نصراني أقيم على مسجد في عهد الدولة الفاطمية الملحدة، ثم جاء المسلمون على مر العصور يتمسحون بذلك القبر، ويستغيثون به وينادونه، وأقول ما رأته عيناي وسمعته أذناي، يطوفون حول ذلك القبر ويقولون: يا سيدي الحسين ! زوج بنتي سمية، يا سيدي الحسين ارزقني ولداً، ومن هذا الكلام، سبحان الله! سبحان الله! والطاغوت الذي عنده يقول: اسعَ يا حاج، ثم بعد ذلك إذا أكثر الناس في الوقوف يقول: كفاية ما خلاص سمعكم الحسين ! سبحان الله! من يفعل هذا؟ إنهم الذين يقودون الأمة وهم مشايخ كبار، والموجود نصراني أقيم عليه ذلك المشهد سنة خمسين وخمسمائة، والله من فعل هذا إنه خارج من حظيرة الإسلام، هذه البدع التي عمت بلاد المسلمين وعكفوا عليها، وعكفوا عليها في كل حين، بدعة شركية الاستغاثة بغير رب العالمين، وتعظيم هذه القبور والطواف حولها، إنها بدعة ضالة، ومن العجيب الذي يفري الأكباد أنهم يزعمون أنهم بعملهم هذا يتقربون إلى الله جل وعلا!

    وأذكر أيام إقامتي هناك، وكم في بلاد مصر من صالحين! نسأل الله جل وعلا أن يزيد في عددهم، وأن يجعل فتح الإسلام وتفريج كروب المسلمين على أيديهم وأيدينا إنه على كل شيء قدير، وأرجو إذا كان بعض الإخوة يسمع كلامي أن لا يخطر بباله أنني أعرض بالصالحين بأهل تلك البلدة، لا ثم لا، فبلادنا واحدة، ومن دعا إلى وطنية فهو من جثو جهنم، وأنا على يقين بأن الصالحين هم أغير مني على التحذير، من البدع التي تجري هناك من أهل تلك البلاد، إنما أقول ما أقول من باب ما يجري في بلاد المسلمين، وما يجري هناك يجري مثله في بلاد الشام، من تعظيم القبور والعكوف حولها.

    عندما كنت في بلاد مصر قال لي بعض الإخوة من إخواننا من بلاد الشام: إن أكثر أهل مصر اعتقادهم طيب، ليسوا كبلاد الشام، قلت: وما هو؟ قال: يعظمون الأولياء غاية التعظيم، قلت: وما الذي لاح لك من تعظيمهم؟ قال: انظر ماذا يفعلون بقبر الحسين وغيره! قلت: هذا تعظيم الأولياء؟ عبادتهم من دون رب الأرض والسماء صار تعظيماً؟!

    وأذكر أنه قال لي.. وهو من حملة الشهادات العليا، عندما تعثرت معي الأمور الروتينية الإدارية في إدارة الأزهر، قال: إن أردت أن يفرج كربك فاذهب وطف واحداً وعشرين شوطاً، سبحان الله! ثلاثة أضعاف الطواف على الكعبة، وقل:

    من أمكم في حاجة فكم جبر ومن تكونوا ناصريه ينتصر

    طف حول القبر، حول قبر النصراني، وادع بهذا، وإذا دعوت بهذا يفرج كربك وتقضى حاجتك، قلت: سبحان الله! وصل بك الانحطاط إلى هذا، وطمعت بي أن أكون مشركاً أيضاً لأجل عرض دنيوي، إلى هذا الأمر وصل بك الانحطاط؟! ثم قلت: يا رب! اللهم لا تشمت بي الأعداء، ولا يمكن أن تذل هذه اللحية وهذه الجبهة لغير رب الأرض والسماء، وجاء الفرج والله على كل شيء قدير.

    إنما هذه البدع انتشرت في سائر بلاد المسلمين، وأعرف في بلاد الشام من رأيته بعيني يستدبر القبلة ويستقبل القبر ثم يسجد له، ويظن أنه يتقرب بذلك إلى الله جل وعلا! بدع عمت الأرض، وهي بدع مكفرة، وهناك بدع قالها الناس باسم الدين، وفيها إزراء بشريعة رب العالمين، ومن دعا إلى شيء منها فهو من الملحدين، ومن المارقين من دين الله.

    1.   

    تحريف الدين

    هذه البدع التي فيها إزراء بالشريعة الإسلامية، انتشر أصحابها في هذا الوقت تحت ستار علم النفس، والذي أحب أن يرسخ في أذهان المسلمين، وفي ذهن كل مسلم أن غاية علم النفس منذ أن نشأ إلى هذا الوقت وإلى الأوقات الآتية تسفيه الفضائل، وتبرير الجرائم، علم النفس غايته أنه يسفه الفضائل وأن يستهزئ بها، وأن يبرر الجرائم، وأن يظهر الرذيلة بمظهر مقبول للناس، هذا هو مظهر علم النفس الذي عكف عليه الناس وأقبلوا، وفتحت كليات في بلاد المسلمين تتحدث عن الفلسفة وعلم النفس، وإذا حمل الإنسان شهادة من ذلك المكان لا يتنزل لمخاطبة فرد من أفراد بني الإنسان، فهو صاحب فلسفة وعلم نفس، علم نفس أم علم عفن؟ إذا كانت النفس لا يعلم أحد حقيقتها: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، تبحثون في وهم إلى وهم بوهم، لا نتيجة له إلا الوهم.

    لنر ماذا يقرره علماء النفس في هذا الوقت تحت مسمى دراسات في علم النفس، أو دراسات فسيولوجية، يقول الضال المضل الدكتور عبد العزيز القوصي المستشار الفني في وزارة التربية في مصر في كتابه دراسات فسيولوجية، (دكتور) وهذه الدال التي حصلت في هذا الوقت هذا طاغوت جديد، ولو دق أصحابها دقاً بدل الدال التي يضعونها أمام الاسم، وهذا الشخص (دكتور) في الفلسفة وعلم النفس، مستشار فني، يقول في كتابه: إن الخلط بين الذكور والإناث في المدارس ضروري، والشريعة الإسلامية لا تمنع من هذا. وهذا هو البلاء، لو قال: إنه فسق لا مانع، يقول: وليست القبلة والغزل والتلميحات الجنسية شيء من العار، فليهدأ الطلاب بالاً، فليس كل ما يقال عن الجنس معيب، ثم يقول بعد ذلك: هذا الركام الذي في أذهان الناس بواسطة التربية القديمة، والآراء العفنة التي نسقوها، وأدخلوها في أذهان النشء باسم الإسلام. خلط بين الذكور والإناث، وقد خلطوا، ثم بعد ذلك قبلة وغزل وتلميحات، ليس في هذا حرج، فليهدأ الشباب بالاً.

    ثم يأتي بعد ذلك الشيطان الأزهري رفاعة الطهطاوي الذي أرسل مبعوثاً من الأزهر إلى باريس، فعاد وهو سعيد ليقرر بعد أن كان شيخاً صعيدياً يلبس جبة لو أردت أن أدخل في كمها لدخلت، عاد بعد ذلك في صورة في منتهى النكارة ليقول: إن الفصل بين الذكور والإناث في المدارس وغيرها هذا نوع من التخلف والدناسة، وهذا هو الذي يقال له: إنه رائد النهضة في بلاد مصر المتوفى سنة تسعين ومائتين وألف للهجرة، قبل مائة وخمس عشرة سنة.

    ثم يأتي بعد ذلك ضال مضل يقذف بالكفر في أرجاء الأرض في هذا الوقت، فوسائل الإعلام تتناقل كلامه هنا وهناك، وله شأن، ونسأل الله أن يلطف بحالنا، وهو مصطفى محمود ، يقول في كتابه القرآن محاولة لفهم عصري، أي: سنفهم القرآن على حسب العصر، لا على حسب ما فهمه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة. هاتِ ما عندك من الجيف لنرى، القرآن محاولة لفهم عصري تفسير للقرآن، يا عبد الله! إذا كنت أنت لا تتقن قراءة الفاتحة ولا تتلمذت ولا تخرجت في مدارس شرعية لتعرف بها أحكام الوضوء والطهارة، ثم تريد أن تفسر القرآن تفسيراً عصرياً، ماذا يقول؟ يقول بالحرف الواحد عند تفسير آية النور: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، يقول: كان يمكن غض البصر عندما كانت العباءة والجلباب والبرقع، وأما الآن فالأفخاذ مكشوفة، والصدر المكشوف، والصدر العريان، والشعر المسترسل، فماذا يفعل الإنسان؟ يقول -اسمعوا-: وأقول: إذا نظر الإنسان للأفخاذ المكشوفة والصدر العريان والشعر المسترسل ليرى الجمال، فيقول: الله، فالنظر في هذه الحالة ليس مباحاً فقط، إنما هو قربة إلى الله يحصل به حسنات! إلى هذا الحد، قربة إلى الله! ووالله إن هذه بداية وبعد ذلك سيقولون: إن الزنا قربة إلى الله، فهي بدع باسم الإسلام، ينظر للأفخاذ المكشوفة ويقول: الله فله حسنات، سبحان الله! أين من يغار على حرمات الله؟ أين من يوقف هذا السفيه وأمثاله عند حده.

    روى الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار، وأن توضع الأخيار، وأن يفتح القول، وأن يخزن العمل، وأن يقرأ في القوم بالمثناة ليس فيهم من ينكرها أو يغيرها. قالوا: وما المثناة؟ قال: كتب غير كتاب الله )، فالمثناة كتب غير كتاب الله، كتب الفلسفة وعلم النفس، والقرآن محاولة لفهم عصري، (وأن يقرأ في القوم بالمثناة ليس فيهم من ينكرها أو يغيرها)، اللهم إنا أنكرناها فاشهد، ليس فيهم من ينكرها، اللهم إنا أنكرناها فلا يحل سخطك علينا يا رب العالمين.

    قال الإمام ابن منظور في اللسان: وكأن النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر القرآن كتاباً أولاً، وما يحدث من الكتب كتاباً ثانياً فهي مثناة، وقال الجوهري في الصحاح: المثناة هي الغناء، أي: أن ينتصر الغناء والبلاء في الرعية ليس فيهم من ينكره أو يغيره.

    هذا فيما يتعلق ببدعة الاعتقاد المكفرة، ومن تلبس بشيء من ذلك فهو كافر، وسيختم له بما يسود وجهه عند ربه جل وعلا.

    وأما البدعة الثانية فهي المفسقة: وهي التي ليس فيها إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما هو متواتر من دين الإسلام، فأردت أن أتكلم عليه، والكلام عليه أخشى أن يطول، لذلك أرى أن أقف عند هذا المقدار عند البدعة المفسقة، وإن يسر الله لنا اجتماعاً آخر تكلمت عليها، وتكلمت على مرض الشبهات، وأسأل الله حسن الخاتمة عند الممات.

    اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك بعظمتك ورحمتك التي وسعت كل شيء أن تجعل حركاتنا وسكناتنا حسبما أنزلت وحسبما شرعت وحسبما جاء به نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائض، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة يا رحيم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.