إسلام ويب

مرض الشبهات [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القلب يمرض كما تمرض الأبدان؛ بل قد يصيبه الموت فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، ومن أخطر أمراض القلوب: أمراض الشبهات التي تصيب القلب فتحرفه عن العقيدة والإيمان إلى الزيغ وترك الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأمراض الشهوات، التي تفتح على الإنسان أبواب المعاصي والفتن والموبقات، وأعظمها شهوات البطون والفروج، والسعيد من عافاه الله تعالى من هذين المرضين القاتلين.

    1.   

    تعريف المرض ومدى مرض القلب

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه في هذه المحاضرة بإذن ربنا الرحمن يدور حول مرضين عظيمين: مرض الشبهات، ومرض الشهوات، والموضوع جليلٌ وطويل، وقد كان في نيتي أن أتكلم، على هذين المرضين في هذه المحاضرة، لكنني عندما بحثت في كل واحدٍ منهما رأيت أن كل واحدٍ منهما خطير، والبلاء بسببه كثير، لذلك يصعب الكلام على المرضين في هذه المحاضرة، وإذا تدارسنا مرضاً من هذين المرضين، ووفيناه حقه على وجه الاختصار، فهذا من فضل ربنا العزيز الغفار، ولذلك سأتكلم على المرض الأول ألا وهو مرض الشبهات، وضبطاً لسير البحث بانتظام، سأتكلم على هذا الموضوع ضمن ست نقاط حسان:

    النقطة الأولى: تدور حول تعريف المرض وأقسامه، وأحوال الناس نحوه.

    النقطة الثانية: تدور حول بيان مرض الشبهات.

    النقطة الثالثة: تدور حول تحذير نبينا صلى الله عليه وسلم لنا من الوقوع في هذا المرض الخطير.

    النقطة الرابعة: تدور حول تتابع سلفنا الكرام في التحذير من هذا المرض الخطير.

    النقطة الخامسة: تدور حول أن هذا المرض عمّ انتشاره بعد موت نبينا صلى الله عليه وسلم، وكلما امتدت الحياة بالناس زادت نسبة انتشاره.

    النقطة السادسة: حول أقسام مرض الشبهات، وحكم كل مرضٍ في الحياة وبعد الممات.

    أما النقطة الأولى: فالمرض معناه في اللغة يدور حول أمرين لا يخرج عنهما: فيأتي المرض بمعنى الفساد، كما قال ابن الأنباري ، ويأتي بمعنى النقصان كما قال ابن الأعرابي ، وهما متلازمان، فإذا أصيب الإنسان بمرضٍ فسدت أعضاؤه عن الإتيان بمهمتها التي خلقت من أجلها، وهذا نقصانٌ فيه أيضاً، والمرض كما يكون في الأبدان، ويقع على الأجسام، يكون في القلوب وفي الجنان أيضاً، كما وضح ذلك الإمام الزجاج عليه رحمة الله تعالى، وقد قرر ذلك الإمام ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان عليه رحمة ربنا الرحمن، قرر ذلك في غاية التقرير والإحسان فقال طالت محاسنه: إن كل عضوٍ من أعضاء الآدمي خلقه الله جل وعلا لوظيفةٍ معينة، بتلك الوظيفة يحصل كماله وصحته وشفاؤه، فاليد خلقها الله للقبض وللبطش، وللإعطاء وللمنع، فإذا كانت تقوم بتلك الأمور على وجه التمام فهي صحيحةٌ سليمةٌ ليس فيها مرض، وإذا تعذر عليها القيام بتلك المهام، أو تعثر عليها القيام بها على وجه التمام، وقع الإنسان في الفساد والنقصان، وهذا هو المرض، وهكذا القلب الذي في الإنسان له مهمتان عظيمتان، ينبغي للإنسان أن ينتبه لهما غاية الانتباه، ففي القلب مهمةٌ أولى وهي: العلم حتى يعرف الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، فيتبع الحق ويعرض عن الباطل، ففيه قوةٌ علمية، وفيه أيضاً قوة الإرادة والحب، فإذا عرف الحق ينبغي أن يريد العمل به، وأن يحب ذلك، فلو وجد في قلبه معرفةٌ صحيحةٌ تامةٌ كاملة، ثم أراد العمل بذلك الحق الذي عرفه مع الحب التام، فقلبه سليم، صحيح، وإلا فهو مريض.

    ولا ينجو أحدٌ عند الله جل وعلا إلا إذا كان سليم القلب، كما قال خليل الرب جل وعلا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89]، فقد شهد ربنا الكريم على أن خليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه هو ممن اتصف بذلك الخلق الكريم، وهو صاحب القلب السليم، فقال جل وعلا في سورة الصافات: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ [الصافات:83]، أي: من شيعة نبي الله نوح وممن شايعه وآزره وسار على مسلكه في الدعوة إلى ربه جل وعلا، وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات:83-84].

    ولذلك اتخذه ربنا جل وعلا خليلاً؛ لأنه جعل قلبه للرحمن، وجعل بدنه للنيران، وجعل ولده للقربان، وجعل ماله للضيفان: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125]، فلا بد من تمام القوة العلمية، ومن تمام القوة العملية، أي: إرادة العمل بذلك العلم النافع، فإذا اكتمل في القلب هذان الأمران فهو قلبٌ سليم، إذا عرف الحق على التمام كما شرعه ربنا الرحمن، ثم قام بموجب ذلك على غاية الكمال والإحسان، فالقلب سليم، والقلب صحيح، وإلا فهو مريض، كما أن اليد إذا لم تقم بوظيفتها فهي مريضة.

    1.   

    اهتمام الناس بأمراض الأبدان وترك أمراض القلوب

    إخوتي الكرام! لقد اهتم الناس في هذا الوقت وبذلوا غايتهم بالعناية بهذه الأبدان، وقد قام المسئولون أيضاً في جميع البلدان بجعل موظفين يتناوبون في سائر ساعات الزمان ليراعوا هذه الأبدان، وهم الأطباء الذين هم في المستشفيات.

    وأما مرض القلوب فقد أصاب الأطباء مرضٌ عظيمٌ بسبب ابتلائهم بالشبهات والشهوات، وصار أكثر الخلق في مرض، ونسأل الله أن يلطف بحالنا، والسعيد هو الذي يعتني بقلبه لا ببدنه، والمؤمن هو الذي يخاف من موت قلبه لا من موت بدنه.

    عباد الله! إنما يحل بالأبدان من أسقام يؤجر عليها الإنسان، والمعتمد عند أئمة الإسلام أن الإنسان إذا أصيب بمرضٍ في بدنه وصبر فهو أفضل له عند ربه، وإذا تداوى فالتداوي رخصةٌ فقط، والعزيمة هي الصبر، ثم له بتلك المصيبة أجرٌ عظيم إذا أصيب بمرضٍ في بدنه؛ لأن هذا من باب المصائب التي يؤجر عليها المؤمن، ثبت في مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى والبزار وصحيح ابن حبان بسندٍ صحيحٍ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمرض مؤمنٌ ومؤمنة إلا كفر الله عنهما خطاياهما كما تسقط الورقة عن الشجرة)، تسقط عنهما الخطايا والذنوب بسبب المرض الذي حلّ بالأبدان.

    ومن علامة كرامة المرء عند الرحمن أن يصاب بمرضٍ في بدنه، وإذا لم يصب فليبك على نفسه، وليعلم أنه ليس ممن له عند الله حظٌ وشأن، ثبت في مسند الإمام أحمد بسندٍ رجاله ثقات عن أنس بن مالك رضي الله عنهما: (أن امرأةً جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ابنتها، وعرضتها عليه، وذكرت له من حسنها وجمالها، ثم قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قد آثرتك بها، فقال: قد قبلتها، فما زالت تثني عليها حتى قالت: إنها لم تصرع قط، ولم تشتك أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي بها)، لو أحبها الله لابتلاها، (لا حاجة لي بها)، انتهى. وأعرض نبينا صلى الله عليه وسلم عن نكاحها، وعن زواجها.

    والآن الناس بذلوا عنايتهم في الأبدان، وأهملوا القلوب التي هي محل معرفة الرحمن، والمؤمن هو الذي يخاف من موت قلبه لا من موت بدنه، وإذا أصيب الإنسان في بدنه فهو مأجور، وإذا أصيب في قلبه فهو موزور، إذا قتلك العدو الظاهر وغلبك في جسدك مت شهيداً، وإذا غلبك العدو الباطني واستولى على قلبك عن طريق الشبهات والشهوات مت قريباً، ولذلك كان من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه كان يردد مراراً فيقول: المحبوس من حبس قلبه عن الله، والمأسور من أسره هواه، ووالله إن عبد الشهوة أذل من عبد الرق، فهذا القلب لا يحصل له الصحة والتمام إلا إذا اكتملت فيه هاتان القوتان: معرفةٌ للحق وتمييزٌ له من الباطل، ثم إرادة العمل بالحق مع الحب التام له والبعد عن الباطل.

    إخوتي الكرام! وإذا لم يحصل هذان في قلب الإنسان فسيحصل ما يضادهما ولا بد، فإذا لم يعرف الإنسان الحق ففي قلبه الشبهات والوساوس، وإذا لم يكن فيه قوةٌ دافعةٌ لحبه الحق والعمل به، فسيكون في القلب قوةٌ دافعةٌ لفعل الباطل ومحبته ولا بد، فالإنسان حارثٌ همام مكتسبٌ مريد، وهذا لا ينفك عن أي إنسان، وأحسن وأصدق وأتم ما يوصف به الإنسان الذي ينطبق عليه غاية الانطباق أنه حارث مكتسبٌ فاعل، إما أن يفعل الفضائل أو الرذائل، وأنه همام، نيته دائماً تهم وتميز وتريد، فإما أن تدور حول العرش، وإما أن تدور حول الحش، وهو البستان، ويطلق أيضاً على موضع الخلاء والتبرز؛ لأن العادة أن ذلك الأمر يقضى في ذلك المكان، فالهمة إما أن تدور حول العرش، وإما أن تدور حول الحَش -بفتح الحاء- فالقوتان لا تتعطلان في قلب أي إنسان، فهو حارثٌ همام .

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بسندٍ حسن عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارثٌ وهمام، وأقبحها حربٌ ومرة)، أصدق الأسماء الذي ينطبق فيه الاسم على المسمى تمام الانطباق حارث، أي: مكتسب، وكل إنسانٍ يكتسب، ( كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها )، لا يخلو الإنسان من عمل، إما أن يعمل فضيلةً أو رذيلة، إما أن يشغل نفسه بحقٍ أو بباطل، ولا يخلو من همٍ ونيةٍ وإرادة، فأصدق الأسماء حارثٌ وهمام، ولذلك إذا شغل الإنسان نفسه بالحق فقلبه سليم، وإلا فقلبه سقيم، ولا واسطة بين الأمرين، سليمٌ أو سقيم، صحيحٌ أو عليلٌ مريض.

    1.   

    حال صاحب القلب المريض

    عباد الله! وإذا لم يعرف الإنسان الحق ولم يرد العمل به فهو مريضٌ، ولو حصل سائر العلوم وتمتع بسائر أنواع اللذات، فمن عرف كل شيءٍ ولم يعرف الله فماذا عرف؟ ومن حصل كل شهوةٍ ولم يتلذذ بمناجاة الله فماذا حصل؟ لكل شيءٍ إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض

    بل إن تلك اللذات والمعارف تنقلب سموماً مهلكات، وهي من أعظم المكدرات في هذه الحياة الدنيا على المخلوقات لو شعروا وزال عنهم حجاب الغفلات، وهذا قرره ربنا رب الأرض والسموات في محكم الآيات، ففي سورة التوبة يقول ربنا جل وعلا: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]، ثم كرر ربنا جل وعلا الآية بعد عشرين آيةٍ تقريباً في نفس السورة مع اختلافٍ يسير، فقال جل وعلا: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:85]، ولا بد من فهم الآية فهماً يتناسب مع دلالتها، كيف يعذب الإنسان بماله وبولده إذا انحرف عن شرع ربه؟

    ذكر أئمة سلفنا الكرام في تفسير الآية معنيين: الأول: في منتهى البعد عن ألفاظها وعن روحها، وهو المنقول عن قتادة عليه رحمة الله، قال: في الآية تقديمٌ وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، أي: ما يتمتعون به في الحياة الدنيا من أموالٍ وأولاد فلا يعجبك هذا أيها المكلف! وأيها المهتدي! إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:85]، فهم على هذا القول لن يحصل عذابٌ لهم في الدنيا بأموالهم وأولادهم، وهذا القول في منتهى البعد، كما بين هذا الحافظ ابن كثير عليه رحمة ربنا الجليل.

    وقال الإمام الرازي : إن هذا التفسير ليس بشيء، وقال الإمام ابن القيم : من قال: إنه في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ لم يصب، والمعنى الحق ما ثبت عن جابر بن زيد ، وعن الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله، قال ابن كثير : وهو تفسيرٌ قويٌ حسن، وهو الذي قرره أئمة التفسير عليهم رحمة الله، أن قوله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة:55]، أي: لا تعجب بها، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55]، فهم يعذبون بأموالهم وأولادهم عندما تنطمس قلوبهم، وتنعكس بصائرهم، وينحرفون عن شرع ربهم، هذه النعم التي يتلذذون بها يعذبون بها في الدنيا، وسأبين كيفية العذاب، والله لو شعر بها أهل الثبات لاستغاثوا من عذابهم ولجاءوا إلى ربهم جل وعلا، فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]، فالعذاب واقعٌ في الحياة الدنيا، وهذا من ثلاثة وجوه:

    الوجه الأول: إذا حصل الإنسان نعيم الدنيا فسيعذب به إذا انحرف عن شرع ربه جل وعلا، ويتحقق عذابه بأربعة أمور:

    الأمر الأول: يشقى، ويتعب، ويهلك، وينصب في جمعه وفي تحصيله.

    الأمر الثاني: يهتم ويغتم بالمحافظة عليه من سرقةٍ وغير ذلك.

    الأمر الثالث: يألم لفراقه.

    الأمر الرابع: يتحسر لمفارقته.

    فهو في هم في حال جمعه، وفي حال المحافظة عليه، وفي حال الخوف من ضياعه، وفي حال بعد ذلك فراقه عند الموت يتحسر، يتحسر عند فراقه، ويألم لفواته، ويغتم ويهتم لحفظه، ويشقى في كسبه، وليس بعد هذا الشقاء شقاء، وإذا لم يحصل شيئاً من الدنيا -وهي نيته وهمه- حزن على فراقها، وهذا شقاءٌ ليس بعده شقاء.

    والأمر الثالث في الحالين: سواءٌ حصلت له الدنيا أم لا؟ قسا قلبه، وما ذاق حلاوة مناجاة ربه جل وعلا، وهذه أعظم عقوبةٍ عوقب بها في الحياة الدنيا، فما ارتفع مستواه عن مستوى البهائم التي يكد عليها في سائر الأوقات، ولا تعرف طعماً ولا لذةً في هذه الحياة، وهو بعد ذلك إذا انتقل إلى قبره بعد الممات سيلقى ما يشيب منه الولدان، فالبهائم في هذه الصورة أحسن حالةً منه؛ لأنها إذا ماتت انتهى شقاؤها وعذابها وجحيمها، ولذلك إذا ابتعد الإنسان عن شرع الله فإنه يعذب بماله وبولده وبما يتلذذ به من نعيم، كما قال ربنا جل وعلا: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19]، سبحان الله العظيم! أنساهم أنفسهم، إي والله! إن حياة المعرض عن شرع الله أخس من حياة الحيوانات العجماوات أنساهم أنفسهم، أنساهم حياتهم الحقيقية، والتمتع بذكر رب البرية: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67].

    وفي سورة الأعراف يقول ربنا جل وعلا: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف:50-51]، نسوا الله فنسيهم، والنسيان هنا على حقيقته إخوتي الكرام! وربنا الرحمن جل وعلا يوصف بذلك، وقد سمعتم ما جرى من مهاتراتٍ في السنة الماضية على بعض صحف المجلات هنا وهناك مما ينبغي أن تتنزه عنه الأسماع، فقد جهلنا لغة العرب، وما تأدبنا مع الرب، يقول أحدهم: إن الله لا يوصف بالنسيان، ويريد أن يستغل هذا الجانب ليؤول سائر صفات ربنا الرحمن، يا عبد الله ! لو كنت تفهم لغة العرب لما قلت هذا، النسيان يطلق لمعنيين، واحدٌ منهما لا يوصف به قطعاً رب الكونين، والثاني وصف الله به نفسه في محكم الآيات، فرده يعتبر من الشطط، وهو خلق أهل السفاهات:

    المعنى الأول للنسيان: بمعنى ذهاب الشيء من الذهن، وغيبوبة الذهن عن الشيء، فهذا لا يوصف به ربنا جل وعلا، قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، لا يعجز عنه مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض.

    ويأتي النسيان بمعنى الترك، وهذا يوصف به ربنا جل وعلا، كما في قوله: (فاليوم ننساهم): أي: نتركهم في نار جهنم، (كما نسوا لقاء يومهم هذا)، (نسوا الله فنسيهم)، أي: تركوا شرعه، وما غاب ذهنهم عنه، إنما محادةً ومشاقةً وعناداً وجحوداً نسوا الله، تركوا شرعه، فنسيهم، فالجزاء من جنس العمل، فتأدب -أيها الإنسان- مع ربنا الرحمن جل وعلا، وإذا وصف نفسه بشيءٍ فحذار حذار من إدخال العقول للتلاعب بتلك الصفة التي وصف بها ربنا جل وعلا نفسه. (نسوا الله)، أي: تركوا شرعه، والعمل بهديه، (فنسيهم)، أي: تركهم في عذاب جهنم، (أولئك هم الفاسقون).

    1.   

    شقاء صاحب القلب المريض بما معه من متاع الدنيا

    عباد الله! وإذا تأمل الإنسان حال المعرض عن شرع الله الذي فسدت في قلبه القوة العلمية والقوة الإرادية علم أنه يشقى بما يحصله من نعيم، وأن ذلك النعيم هو جحيمٌ عليه في الدنيا قبل يوم الدين، يقول الله جل وعلا في سورة القلم: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، فهذه صفة الإنسان إذا انحرف عن شرع الله جل وعلا، ولا ينجو من هذا الوصف إلا من عرف الحق واتبعه، وأما وصف الإنسان بالأصل فهو على هذه الشاكلة، إذا انحرف عن شرع الله، وما زكى نفسه بنور الله، كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وما حصل للنمرود ولـقارون ولغيرهما من عتاة الأرض في القديم والحديث بسبب مالهما لا يخفى عليكم.

    وهكذا أولاده إذا لم ينشئهم على التنشئة الصالحة، ولم يكن القصد منهم وجه الله جل وعلا عذب بهم في الدنيا قبل الآخرة.

    ثبت في مستدرك الحاكم ومسند البزار بسندٍ رجاله ثقات كما قال الهيثمي في المجمع عليه رحمة الله، عن الأسود بن خلف رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الولد مبخلةٌ مجبنةٌ مجهلةٌ)، زاد الحاكم في روايته: (محزنة)، (الولد مبخلةٌ)، أي: سببٌ للبخل، (مجبنة): سببٌ للجبن، يدعوك لعدم الكلام بالحق، ولعدم الجهاد في سبيل الله، إذا كان المقصود من الولد غير شرع الله، ولم ينشأ على تربية الله، وما أردت منه وجه الله، فهو مجبنةٌ مجهلةٌ، سببٌ للجهل، يدعوك التعلق به للبعد عن العلم وعن مذاكرة ما ينفع، (محزنة): يدعوك إلى الحزن، الولد في الأصل يجر لوالده هذه الأمور، إلا إذا كان الإنسان يسير حياته مع أولاده على حسب شرع ربه جل وعلا، فلا يحمله الولد على الجبن، ولا على البخل، ولا على الجهل، ولا على الحزن، هذه الصفات لا ينجو منها إلا من طهر نفسه بشرع الله، كما قال الله جل وعلا في نظائر هذا: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات:6]، هذه هي الطبيعة الإنسانية، وهذه هي طبيعة الولد عندما ينحرف الإنسان عن شرع رب البرية، يعذب بولده، فيحمله على الجبن، وعلى البخل، وعلى الجهل، وعلى الحزن، وإذا كان المقصود منه وجه الله جل وعلا، وزكى نفسه بشرع الله، وسلم قلبه من مرض الشبهات والشهوات، صار الأولاد قرة عين له: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، هذا من دعاء عباد الرحمن فعباد الرحمن لا يكون أولادهم في حقهم سبباً لجبنهم، ولا لحزنهم، ولا لجهلهم، إنما هم قرة عينٍ ينفعونهم وينتفعون، فمن انحرف عن شرع الله فسيعذب بما يحصله من نعيم.

    ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم بسندٍ صحيح أقره عليه الذهبي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]، ثم قال: قال الله تعالى: يا ابن آدم يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي. أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك)، والغني هو غني النفس وإن كان قليل العرض، والفقير هو فقير النفس وإن كان كثير العرض.

    1.   

    ضرورة الاهتمام بالقلب وصلاحه

    فهذا القلب فيه هاتان القوتان، لا بد من اكتمالهما في الإنسان لتحصل له الحياة السليمة الصحيحة على وجه التمام في هذه الحياة، وليترتب له بعد ذلك الأجر الكبير عند الله جل وعلا بعد الممات، فلا بد من الاعتناء بهذا القلب، وبهاتين القوتين فيه: قوةٌ علميةٌ، وقوةٌ إرادية، والفساد في واحدٍ منهما وقوعٌ في الشهوات أو في الشبهات، وإذا صلح القلب فهو الملك صلحت سائر الأعضاء، كما ثبت في الكتب الستة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

    وصلاحها -كما قلنا- بمعرفة الحق والتمييز بينه وبين الباطل، وهذه هي القوة الأولى فيه، والثانية: بإرادة العمل بالحق وحبه له، وبالبعد عن الباطل وبكراهيته له، فإذا صلح القلب صلحت سائر الأعضاء، وإذا فسد القلب فسدت سائر الأعضاء.

    1.   

    أسباب مرض القلوب

    لقد قرر علماؤنا الكرام أن سبب فساد القلب أمران اثنان:

    الأول: غفلةٌ عن الحق، وهذا الذي يضاد القوة العلمية التي يميز بها بين الحق والباطل، وتكون بسبب ما في القلب من شبهات وأهواء.

    الثاني: كسلٌ عن فعل الحق، وتكون لما في القلب من ميلٍ إلى الشهوات، وعلى هذا فمنبع الآفات شبهاتٌ وشهوات، غفلةٌ وكسل، إذا أصيب الإنسان بالغفلة عن الحق التقم الشيطان قلبه ووسوس له، وأوقع فيه الشبه، وإذا كان في القلب بطالة ودعة وخلودٌ للشهوات فقد ابتعد عن فعل الحق وتلبس بالباطل، غفلةٌ لوقوعه في الشبهات، وكسل لوقوعه في الشهوات، الآفات كلها تدور حول هذين الأمرين: كسلٌ وغفلة، شبهاتٌ وشهوات، وهذا الأمر الذي قرره علماؤنا الكرام أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ففي مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير بسندٍ رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي عليهم جميعاً رحمة الله، عن أبي برزة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى)، لا أخاف عليكم إلا هذا الأمر، بأداة الحصر، إذا سلمتم منه سلمتم من كل آفة، (إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم)، وهذا هو مرض الشهوات، مرض الشهوات الكسل عن فعل الحق والطاعات لما تلبس به القلب من شهوات، شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، (ومضلات الهوى)، وهو مرض الشبهات.

    مرض الشهوات

    وكل من هذين مرضٌ بنص القرآن، أما الشهوات فقد قرر الله أنها مرض في محكم كتابه، فقرر هذا في سورة الأحزاب في مكانين: المكان الأول يقول الله جل وعلا فيه: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]، (فلا تخضعن بالقول): لا ترققن الكلام إذا تكلمتن مع الرجال، والخطاب لمن؟ لأمهاتنا أزواج النبي عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، (فلا تخضعن بالقول) في حال مخاطبتهن لمن؟ لأطهر خلق الله بعد النبيين والمرسلين وهم الصحابة، إذا تكلمت يا عائشة ويا أم سلمة مع الرجال فلا ترققي قولك، ولا ترققي صوتك، (فيطمع الذي في قلبه مرض)، أي: شهوة الزنا باتفاق المفسرين، (فيطمع الذي في قلبه مرض)، مرض الشهوات.

    ولذلك قرر علماؤنا الكرام أن المرأة إذا كلمت الرجال فينبغي أن تخشن صوتها ما استطاعت، وإذا كان في صوتها عذوبةٌ شديدة فينبغي أن تضع أصبعها في فيها أو حصاةً إذا كلمت الرجال، وهذا الأمر صار في هذا الوقت في منتهى الغرابة؛ لأننا في زمن الغربة، المرأة إذا كلمت الرجال تضع أصبعها في فيها وتقول: ماذا تريد أيها الرجل؟ وليس في هذا غضاضة، وليس في هذا حرج، وهذا خلق نساء المسلمين الطاهرات، خلق الصالحات في جميع الأوقات، (فلا تخضعن)، لا ترققن، لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، سبحان الله! إذا كان هذا الخطاب موجه لأمهات المؤمنين التي يحرم نكاحهن على أحدٍ بعد نكاح نبينا صلى الله عليه وسلم لهن، فكيف الحال الآن؟! أنا أحار من أمر الناس في هذا الوقت! كيف وصل ببعضهم الانحراف، فهذه تقوم تتخنث فوق خنوثتها، وتتكسر فوق ما فيها من تكسرٍ وليونة في الغناء وفيما شاكل هذا من الأخبار. فالشهوات مرضٌ بنص القرآن.

    وفي آخر سورة الأحزاب يقول ربنا الرحمن عن مرض الشبهات: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب:60]، لنسلطنك عليهم، ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:60-62].

    (لئن لم ينته المنافقون)، أي: المصابون بمرض الشبهات، (والذين في قلوبهم مرض)، المصابون بمرض الشهوات، الذين كانوا يتتبعون النساء إذا خرجن لقضاء الحاجات، لئن لم ينته المنافقون وأصحاب الشهوات، (لنغرينك بهم)، لنسلطنك عليهم لتعاقبهم أشنع عقوبة، (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً).

    فالشبهات مرضٌ بنص القرآن، والشهوات مرضٌ بنص القرآن، وهاتان آيتان من سورة الأحزاب تشهدان على أن الشهوات مرضٌ من أشنع الأمراض.

    مرض الشبهات

    وأما الشبهات فقد كثرت الآيات في وصفها بأنها مرض، ففي أول سورة البقرة يخبر الله جل وعلا عن مرض الشبهات فيقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:8-10]، (في قلوبهم مرض)، مرض الشبهات، وعدم التمييز بين الحق والباطل، وعدم معرفته.

    وفي سورة المائدة يقول ربنا جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم [المائدة:51-52]، وهم المنافقون الذين يتولون اليهود والنصارى، الذين يتولون أعداء رب العالمين، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52]، أن تنزل بنا مصيبةٌ وكارثة، فهيئة الأمم الملحدة هي أعظم قوةٍ في الأرض، فلا بد من موالاتها والسجود بين أرجلها، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52]. اللهم افتح علينا وافتح لنا بالحق يا رب العالمين!

    وقرر الله أن الشبهات مرض في سورة محمد عليه صلوات الله وسلامه في مكانين فيها، يقول جل وعلا: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [محمد:20]، وهم المنافقون، يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:20-21].

    ثم يقول جل وعلا في نهاية السورة: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:29-30]، وهذه الآية -إخوتي الكرام- ذكرها ربنا جل وعلا بعد موالاة الكافرين اللئام، وأخبر ربنا جل وعلا أن من تولى غير المؤمنين فهو ممن في قلبه مرضٌ وهو منافق، والله سيخرج ما في قلبه، وسيعاقبه عليه، يقول ربنا جل وعلا: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، صارت الشبهات حاجزاً بين القرآن وبين القلوب، إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25]، لم ارتدوا يا رب العالمين؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد:26-29].

    فالشبهات مرضٌ بنص القرآن، وفي سورة التوبة يقول ربنا جل وعلا في آخرها: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125]، والقائل هنا هم المنافقون كما قرر هذا سلفنا الكرام، (فمنهم) أي: من المنافقين (من يقول) لبعضهم: (أيكم زادته هذه إيماناً؟) وهم ليسوا بمؤمنين، إنما يقولون هذا من باب الاستهزاء بالمؤمنين، أو أنهم يقولون هذا لضعفاء الإيمان في العصر الأول، الذين هم حديثو عهدٍ بالإيمان يدخلون إليهم من هذه الشبه، أيكم زادته هذه إيماناً؟ فأخبرنا الله جل وعلا أن الذين آمنوا زادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما هؤلاء فزادتهم رجساً وشبهاً إلى شبهاتهم وماتوا وهم كافرون.

    1.   

    أصناف الناس تجاه الشبهات والشهوات

    السالمون من الشبهات والشهوات

    الناس تجاه الشبهات ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: وهو خلاصة عباد الله وصفوته من خلقه، من سلم منهما فلا شبهات؛ لأنه عرف الحق، ولا شهوات؛ لأنه اتبع الحق وعمل به، فعرفه وميز بينه وبين الباطل، فعمل بالحق وترك الباطل، فهو سالمٌ من الأمرين، سالمٌ من الشبهات والشهوات، هؤلاء هم خير البرية، قال الله جل وعلا في سورة البينة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البينة:7]، سلموا من مرض الشبهات، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البينة:7]، سلموا من مرض الشهوات، فلا شبهات عندهم لأنهم عرفوا الحق، ولا كسل فابتعدت عنهم الشهوات، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7]، فمن سلم من الشبهات والشهوات فهذا هو خير البرية عند رب الأرض والسموات، وإذا سلم من هذين المرضين في هذه الحياة فليبشر نفسه بنعيم الجنات وبالخاتمة الحسنى عند الممات.

    ثبت في صحيح ابن حبان ومسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير بسندٍ صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فتان القبور -منكر ونكير اللذان يمتحنان الناس بعد موتهما- ذكر فتان القبور، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أترد علينا عقولنا في ذلك الوقت عندما نكون في القبر، ترد علينا عقولنا كما نحن الآن، ونستطيع أن نميز بين الشبهات والشهوات، بين الحق والباطل؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، كهيئتكم اليوم، فقال عمر رضي الله عنه: إذاً بفيه الحجر)، لو جاء جنود السموات والأرض ليمتحنوا الذي سلم من الشبهات والشهوات فلا يبالي، إذاً بفيه الحجر لا يضرنا، إذا كان معنا هذا العقل الذي هو معنا في هذه الساعة، ونحن الآن قد غلبنا الشيطان، وابتعد عنا، فلا شبهات ولا شهوات، لو اجتمعت ملائكة الله الكرام لتمتحننا لا نبالي، وهذا لا يقوله إلا من كان يبتعد من الشيطان في هذه الحياة، فلا شبهات ولا شهوات، ويبتعد منه الشيطان.

    وهذا وصف عمر ووصف الصديقين في سائر الأزمان، ثبت في الصحيحين من رواية عدةٍ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعمر : (يا عمر ! والذي نفسي بيده! ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك)، والذي نفسي بيده! ما رآك الشيطان تمشي في طريق إلا انحرف ومشى في طريقٍ آخر خوفاً منك، وإذا كان ربنا جل وعلا حفظ السماء بالنجوم، وجعلها رجوماً للشياطين، فلا يستطيع الشياطين الاقتراب منها لئلا يسترقوا السمع، فوالله إن قلب المؤمن الذي سلم من الشبهات والشهوات أعظم من السموات، وهو محفوظٌ بأنوار رب العالمين، فلا يستطيع الشيطان أن يقترب منه، وإذا اقترب احترق، (ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك)، ومن بلغ هذه الدرجة يستأهل أن يقول: إذاً بفيه الحجر، لا نبالي به، فليمتحنا بما يريد، هؤلاء هم خير البرية.

    الضالون بسبب الشبهات والشهوات

    يقابل هذا وهم شر البرية، الذين جحدوا الحق وامتلأت أذهانهم بالشبهات، ثم قاموا بفعل الشهوات في جوارحهم، فهم شر البرية، شر البرية من تلبس بالشبهات والشهوات، وهؤلاء يضيقون الديار، ويغلون على العباد الأسعار، وهم في صورة الإنس، وحقيقتهم أنهم شياطين، كما قال البحتري :

    لم يبق من جل هذا الناس باقيةٌ ينالها الوهم إلا هذه الصور

    لم يبق من أكثر الناس الموجودين باقيةٌ ينالها الوهم، الذهن والخيال والتفكير إلا الصور، أما هم فانسلخوا عن حقيقتهم الإنسانية، لتلبسهم بالقاذورات، بالشبهات والشهوات، لم يبق من جل هذا الناس باقيةٌ ينالها الوهم إلا هذه الصور.

    واعلم بأن عصبة الجهال بهائمٌ في صورة الرجال

    لا بأس بالقوم من طولٍ ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير

    لا تخدعنك اللحى ولا الصور فتسعة أعشار من ترى بقر

    تراهم كالسحاب منتشراً وليس فيه لطالبٍ مطر

    في شجر السرو منهم شبهٌ له رواءٌ وما له ثمر

    ورحمة الله على من قال:

    ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمرٍ منكر

    وبقيت في قومٍ يزكي بعضهم بعضاً ليدفع معورٌ عن معور

    أبني إن من الرجال بهيمةً في صورة الرجل السميع المبصر

    فطنٌ لكل مصيبةٍ في ماله وإذا أصيب بدينه لم يشعر

    هؤلاء هم شر البرية.

    ولا نذهب بعيداً، ونذكر قول الشعراء، ولا نذكر قول رب الأرض والسماء في هذا الصنف من السفهاء، الذين انغمسوا في الشبهات والأهواء، يقول الله جل وعلا: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    ويقول جل وعلا: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:43-44].

    ويقول الله جل وعلا: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171]، ويقول جل وعلا: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5].

    ويقول جل وعلا: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    وقد قرر ربنا جل وعلا أن من اتصف بشيءٍ من الشبهات والشهوات فحكمه حكم العجماوات، وهو شر البرية، يقول جل وعلا في سورة الأنعام: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38].

    ومن جليل وبديع ما قاله الإمام ابن عيينة في تفسير هذه الآية، ونقله عنه أبو سليمان الخطابي في كتاب العزلة، ونوه بهذا المعنى الإمام ابن القيم في مدارج السالكين في عدة أماكن، قال: (إلا أممٌ أمثالكم)، أي: في الصفات، وأنتم توافقونها، ففيكم من صفته كصفة الحمار، وكصفة الثعبان، وكصفة الكلب، وكصفة الأسد المفترس، ونحو ذلك على حسب ما يقوم به من صفات، قال أبو سليمان الخطابي : ووجه ذلك أن الله جل وعلا عندما قال: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38]، لما امتنع هذا من حيث الصورة الظاهرة، فالبهائم ليست مثلنا ولا توافقنا في الصورة، وامتنع هذا من حيث حصول المعارف واللسان، لم يبق إلا أنها مثلنا، والبشر يماثلونها في الصفات وفي الأخلاق، فمن انحرف عن شرع الله وتلبس بالشبهات والشهوات فله نظيرٌ في بعض هذه العجماوات كما قرر هذا رب الأرض والسموات.

    هذا الصنف هو أخبث الأصناف: من اتصف بالشبهات والشهوات، لا يمكن أن يفيق من هذا إلا إذا أقلع عن غيه عن شبهاته وشهواته، وما دام متلبساً بهذين المرضين فعلاجه عسيرٌ عسير..

    سكرانٌ سكر هوى وسكر مدامةٍ ومتى إفاقة من به سكران

    سكران سكر هوى شبهات، وسكر مدامة شهوات، ومتى إفاقة من به سكران؟ وإذا اتصف الإنسان بهذين المرضين فهو شرٌ من إبليس، كما قال بعض هؤلاء يخبر عن حقيقته ممن اتصف بالشبهات والشهوات:

    وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي

    فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسقٍ ليس يحسنها بعدي

    نسأل الله جل وعلا أن يحفظنا من مرض الشبهات والشهوات، وأن يجعلنا من الصنف الأول إنه سميع الدعوات.

    الذين خلطوا بين الحق والباطل وابتلوا بشيء من الشبهات والشهوات

    الصنف الثالث من الناس -نسأل الله جل وعلا أن يلطف بحالنا، وألا يجعلنا من الصنف الثاني، وإن كنا نخوض بأحوال الصنف الثالث- هم من خلطوا بين الحق والباطل، بين الشبهات والحق، وبين الشهوات والعمل الصالح، اعترفوا بذنوبهم، خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فللشيطان في قلوبهم إدبارٌ وإقبال، والحرب بين من هذا شأنه وبين الشيطان دولٌ وسجال، وما دام العبد يشعر بكراهيته لما يقع في قلبه من شبهات ومن شهوات، فلا زال عنده خيرٌ يرجى له به حسن الخاتمة عند الممات، وإذا انطمس على قلبه وضرب الران وخالطته الشبهات وما عرف حاله، وتلبس بالشهوات وما كره ذلك، فليعلم أن هذا ليس من الصنف الثالث، إنما هو من الصنف الثاني نسأل الله العافية، فإذا كان الإنسان يتلبس بأحد هذين المرضين، ويشعر بهما، فإنه يرجى له الخير وحسن الخاتمة.

    ثبت في صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أناساً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنا نجد في أنفسنا ما نتعاظم أن تكلم به -مما يلقيه الشيطان من وساوس في كثيرٍ من الأذهان- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أوجدتموه؟ ذلك صريح الإيمان)، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان)، والحديثان يحتملان أمرين لا ثالث لهما:

    الأول: ما قاله الإمام النووي عليه رحمة الله: أن سبب الوسوسة وجود الإيمان فيكم، فذلك محض الإيمان، أي: وجود الإيمان فيكم يدعو الشيطان للوسوسة في قلوبكم ليزيحكم عن هذا الإيمان، فلو لم يكن في القلوب إيمان لما وسوس، ولكن الإيمان ليس على وجه التمام، كما هو الحال في أهل الصنف الأول، إنما أنتم أصحاب إيمان، وأما إذا كان القلب خرب فهذا لا يوسوس الشيطان فيه؛ لأن صاحبه شيطان، ولذلك لما قيل لـابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود يزعمون أنهم لا يوسوسون في صلاتهم، قال: صدقوا، وماذا يفعل الشيطان بالقلب الخرب؟ فإذا كان الإنسان عنده إيمان ما بلغ وجه التمام، فإنه يوسوس له الشيطان ليصده عن ذلك الإيمان، فوجود الإيمان عندكم سببٌ لهذه الوسوسة، فحاولوا أن تقووا يقينكم وعملكم الصالح لترتقوا إلى الصنف الأول، ويزول عنكم هذه الخواطر الرديئة.

    والمعنى الثاني قاله القاضي عياض عليه رحمة الله، قال: شعوركم بالوسوسة، وإحساسكم بها، ونفوركم منها، دليلٌ على إيمانكم، فلو كنتم ممن طمس على قلوبكم، وفسدت قلوبكم، ما شعرتم بهذه الوسوسة كما هو حال الصنف الثاني، وعلى هذا فالإيمان سببٌ للوسوسة، والشعور بالوسوسة علامةٌ على وجود الإيمان.

    هذه أحوال الناس نحو هذين المرضين، فهم يدورون حول هذه الأقسام الثلاثة: خالٍ منهما، متلبسٌ بهما، فيه شيءٌ منهما، نسأل الله أن يمن علينا بفضله، وأن يجعلنا من الصنف الأول إنه جوادٌ كريم، هذا فيما يتعلق بالنقطة الأولى، ولعلها أوسع النقاط.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.