إسلام ويب

محاربة كلام اللهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الأيام انعكست الموازين فبررت المعاصي وألقيت عليها الصبغة الشرعية، ونُحي كلام الله جل وعلا من الحياة جملة وتفصيلاً، وكفر بعض الناس بكلام رب العالمين، وحاربوه وكادوا له، ومن ذلك: عكوفهم على القوانين التي وضعها من غضب الله عليهم من اليهود والنصارى والشيوعيين، وإذا بك تجد من أهل الإسلام من يروج لهذا وينافح عنه وكأنه دين الله المنزل، ومن أخطر وأشنع ما يحارب به كلام الله وشرعه المناداة بفصل الدين عن الدولة وتنحية السياسة عن أمور الدين والعبادة، فكان لابد من وقفة حقيقية مع هؤلاء لعلهم يسلمون إلى ربهم فيسعدون أو أن نسلم منهم ومن كيدهم ومكرهم.

    1.   

    حالات من لم يحكم بما أنزل الله

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياء، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! في هذه الموعظة سأبين ما يخطط لكلام الله جل وعلا ويكاد له من قبل شياطين الإنس وعصاة البشر في هذه الأيام من مؤامرات للقضاء على هذا القرآن.

    إخوتي الكرام! الصحابة الكرام رضوان الله عليهم علموا أن هذا القرآن منزل من عند الرحمن، والأمر كذلك ولا شك عند عقلاء بني الناس، فوقفوا نحو هذا القرآن موقفاً سديداً رشيداً، وهو أنهم عملوا به وعكفوا عليه تلاوة وحفظاً وفهماً وعملاً، وما كانوا يخالفونه في شيء اللهم إلا ما يقع في نفوسهم في بعض الأحيان عن طريق الضعف البشري والقصور الإنساني، فهي شهوة نفسانية يقع فيها بني آدم، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

    لكن ما كان فيهم واحداً يؤله عقله، ما كان فيهم ولا يخطر ببال أحدهم أن يبرر المعاصي والكفر التي تقع في الحياة في الجاهلية، والشريعة الإسلامية شريعة ربانية، ولابد من الفصل بينهما.

    وأما أن نصبغ الجاهلية بصبغة إسلامية، وأن نرضي الشيطان ونرضي الرحمن، فالله منا بريء في هذه الحالة، فما ألهو عقولهم، وما برروا شيئاً من المعاصي أو الكفر الذي يقع في الحياة، فهذا حق وهذا ضلال، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32].

    وفي هذه الأيام انعكست الموازين عندنا في هذا الزمان، فبررت المعاصي، وألقي عليها الصبغة الشرعية، ونحي كلام الله جل وعلا من الحياة جملة وتفصيلاً، وكفر الناس بكلام رب العالمين، وعكفوا على قوانين الذين غضب عليهم رب العالمين من يهود ونصارى وشيوعيين.

    وإذا كان الأمر كذلك لابد حقيقة من أن نقف وقفة مع هؤلاء، لعلهم يسلمون إلى ربهم جل وعلا فيسعدون في الدنيا والآخرة وتسعد الأمم والبشرية، وإذا لم يحصل هذا فلا أقل من أن نسلم من شرهم ومكرهم وكيدهم.

    نسأل الله أن يحفظ أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من شر كل ذي شر؛ إنه على كل شيء قدير.

    إخوتي الكرام! آخر ما ختمت به الموعظة السابقة ثلاث آيات من القرآن كنا نتدارسها في سورة المائدة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    قلت: اختلفت العبارات لاختلاف الاعتذارات، فمن حكم غير شريعة رب الأرض والسماوات فهو كافر؛ لأنه جحد الحق وكفر، وهو ظالمٌ لأنه تجاوز الهدى إلى الردى، وهو فاسق لأنه خرج من الحق إلى الضلال، ومن النور إلى الضلام، فهو كافرٌ ظالمٌ فاسق واختلفت العبارات لاختلاف الاعتذارات.

    إخوتي الكرام! والإنسان عندما ينحرف عن شريعة الإسلام، ولا يقبل حكم الرحمن، ويخالف حكم الرحمن له حالتان:

    الحالة الأولى: يكون فيها كافراً مرتداً عن الإسلام

    الحالة الأولى: يكون فيها كافراً ولاشك، وهو مرتد مخلد في نار جهنم، وهذه لها خمس صور:

    الصورة الأولى: أن يجحد أحقية كلام الله جل وعلا وشريعة الله جل وعلا، فلا يراها أنها حقيقة، ولا يرى أن أحكامها سليمة، فمن جحد شيئاً من ذلك فهو كافر.

    الصورة الثانية: ألا يجحد أحقية شرعية الله وكلام الله، لكنه يرى أن بعض أنظمة البشر خير من كلام الله ومن تشريع الله، فلاشك في كفره.

    الصورة الثالثة: ألا يجحد أحقية شريعة الله، ولا يرى أن شريعةً من الشرائع خير منها، لكنه يرى أن بعض الشرائع الوضعية والقوانين الرديئة تساوي شريعة رب البرية، فهو كافر.

    الصورة الرابعة: ما جحد أحقية حكم الله، ولا رأى نظاماً خيراً من شريعة الله، ولا رأى قانوناً يساوي أحكام الله، لكنه قال: إن هذه الشرائع الوضعية والقوانين الرديئة هي دون شريعة الله، وكلام الله أعلى منها وأصدق وأحق، لكن يجوز الأخذ بها، ويجوز الاحتكام إليها؛ لأن الأوضاع تغيرت، فنأخذ بهذه القوانين الوضعية في هذه العصور الزمنية، فلا شك في كفره وخلوده في نار جهنم.

    الصورة الخامسة: أن يحاد ويضاد شرع الله بقانون باطل يخترعه ويفتريه.

    ففي هذه الأحوال الخمسة: كافرٌ، ظالمٌ، فاسق، مرتد عن دين الإسلام، مخلدٌ في أسفل دركات النيران، وإن زعم أنه من أهل الإسلام. فالذي يتبجح ويقول: بأنه لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين، ولا دخل لشريعة رب العالمين في شئون المخلوقين، إنما الشريعة هذه شعور خاص بين الإنسان وبين ربه، وكما قال المغضوب عليه سعد زغلول : الدين لله، والوطن للجميع. أي: لا مجال لإدخال دين الله في الوطن، فهذه وطنية، وهذه شريعة إسلامية، فإذا أردت الشريعة الإسلامية فمكانها المسجد، وإذا أردت الحياة والقوانين والوطنية والأحكام فمجالها ومكانها البرلمان.. مجلس الشيطان الذي يشرع من الأنظمة ما لم يأذن به الرحمن.

    إذاً: من دعا إلى شيءٍ من ذلك، أو رأى سلامة شيء من ذلك في هذه الأحوال الخمسة، فلا خلاف إخوتي الكرام في كفره عند أهل الإسلام، لا خلاف في ردته، لا خلاف في تخليده في نار جهنم.

    الحالة الثانية: لا يحكم فيها بكفر من ترك حكم الله وخالفه

    أما الحالة الثانية التي لا يحكم فيها بكفر من ترك حكم الله وخالفه، فهذه الحالة لها ثلاثة أحوال لكل حالة حكم يخصها:

    الحالة الأولى: أن يخالف حكم الله جل وعلا؛ لأنه لا يعلم حكم الله في المسألة فهو جاهل، وبالتالي معذور يعلم، فلا نرتب عليه أحكام الكفر إلا بعد إقامة الحجة والبينة عليه.

    الحالة الثانية: أن يخالف حكم الله عن طريق التأويل، والذين يتأولون ويخالفون أحكام الحي القيوم لهم حالتان:

    الحالة الأولى هم فيها ضالون مبتدعون زائغون كما هو حال أهل البدع والأهواء الذين خالفوا النصوص الشرعية في تأويل نصوص الصفات، أو في غير ذلك من أمور الاعتقاد، كالخوارج، والجهمية، والجبرية، والمعتزلة، والرافضة الذين لا يصلون إلى درجة الغلو، فهؤلاء كلهم أهل بدعة، وخالفوا النصوص الشرعية، لكن لشبهة قامت عندهم فيحكم عليهم بالبدعة والضلال، وقد يكون لواحدٍ منهم عذر عند الله جل وعلا، وهو أعلم بمن اتقى.

    فقد يكون الذي دعاه إلى التأويل عذر عنده مقبول وإن كان مردوداً في الحقيقة، وما ظهر له الأمر، فنقول: هذا القول بدعة، وأمر قائله مفوض إلى ربه جل وعلا.

    والحالة الثانية من أحوال التأويل: يرد الإنسان فيها حكماً شرعياً، ويخالف نصاً جلياً لتأويل شرعي يقوله ويأتي به، ففي هذه الحالة إذا كان هذا عنده أيضاً مستندٌ استند إليه لرد ذلك النص، وإن كان ذلك المستند لا يسلم له، لكن عنده شبهة تمنعنا من تضليله فضلاً عن تكفيره، فنقول: إنه متأول مجتهد معذور، خطؤه مغفور، وله أجرٌ عند العزيز الغفور. وهذا كمخالفة إمام من أئمة الإسلام الكبار عليهم جميعاً رحمة الله في القسم والحلف بنبينا عليه صلوات الله وسلامه فأجاز الحلف والقسم به، مع أن النصوص الشرعية نهتنا أن نحلف بمخلوق: ( ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ) ، ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ) ، كما ثبت هذا في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فهذا الإمام الذي خالف هذا النص ورد هذا الحكم في الظاهر بناءً على تأويل تأوله وهو أن الإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام والشهادة بأنه رسول الله، هذا أحد شطري الشهادة، وأحد ركنيها، وأحد الشرطين لدخوله في الإسلام، فكما أنه يجوز القسم بالشرط والشطر والركن الأول وهو لا إله إلا الله، فيجوز أن يقسم بالله، كذلك يجوز أن يقسم بالركن الثاني وهو محمدٌ رسول الله عليه صلوات الله وسلامه.

    وغاية ما نقول نحو هذا القول: إنه تأويل خاطئ، وصاحبه معذور، وسعيه فيما بذله مشكور، وله أجر عند العزيز الغفور، لكن لا يجوز الاقتداء به في هذه الحالة.

    إذاً: فالذين يتركون حكم الله لأجل التأويل لهم حالتان: حالة فيها يضللون، ويكون تأويلهم ضلالة إذا كانوا من أهل الأهواء، وحالة يعذرون ولهم أجر، ونسأل الله جل وعلا أن يغفر لأئمة المسلمين أجمعين.

    هذا الأمر وهو الأمر الثاني الذي يخالف الإنسان فيه حكم الله عن طريق التأويل، لو خالف حكماً جلياً ظاهراً واضحاً بيناً، وحكم عليه بالكفر من أجله، لكنه يرى أنه في هذه المخالفة يتبع النبي عليه الصلاة والسلام، وما يقصد محادة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا مشاقته، ولا معارضته كالأحوال الخمسة المتقدمة، ولا يرى أنه خارج عن شريعته، وإن كنا نحن نرى أن قوله في منتهى الضلال كما هو الحال في الرافضة، وكما هو الحال في أهل البدع الغلاة الذين حكم عليهم بالكفر، مع ذلك عندما يحكم عليهم بكفر من أجل التأويل، مع ذلك نقول: إن كفرهم دون كفر الكافرين الحقيقيين الذين يعلم كفرهم بالضرورة عند المسلمين من يهود ونصارى وشيوعيين، وأمر هؤلاء مفوض عند رب العالمين.

    وهذا القول هو الذي قرره أئمة الإسلام عليهم رحمة الله، فنقل عن الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله وغفر له، ونقل عن سائر علماء أهل السنة الكرام أنهم قالوا بهذا القول وارتضوه وقبلوه، فالإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (5/88) في ترجمة الإمام أبي الحسن الأشعري عليه رحمة الله يقول: رأيت للأشعري كلمة أعجبتني. وهي ثابتة رواها البيهقي ، ثم بعد أن ذكر الإسناد إلى الإمام الذهبي قال: أي: قال الإمام الأشعري : أشهد عليَّ أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف في العبارات.

    قلت: القائل -الإمام الذهبي -: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا الإمام ابن تيمية في آخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن )، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.

    وهذا الحديث إخوتي الكرام! حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد ، والدارمي ، وابن ماجه ، والحاكم وغيرهم من حديث ثوبان ، وله شاهدٍ من حديث عبد الله بن عمرو ، وشاهدٍ آخر من حديث أبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين، ولفظ الحديث ثابت عن نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه: ( استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ).

    والإمام الذهبي أشار إلى مثل هذا في ترجمة الضال المضل بشر المريسي ، فختم ترجمته بأن من كفر من أجل بدعته لا نجعله كالكافر الحقيقي الأصلي، فأبى الله أن يجعل من عرفه ووحده وإن عظم ضلاله وبدعته كمن ألحده وجحده، واعترض على رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجعل الله المبتدعين الذين كفروا أيضاً ببدعتهم كالكافرين الحقيقيين، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله الذي نقل الإمام الذهبي تلميذ الإمام ابن تيمية هذا عن الإمام ابن تيمية ، الإمام ابن تيمية ذكر هذا أيضاً في كتبه، وهو موجود في مجموع الفتاوى في (35/201) وسئل رحمه الله عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة؟ فأجاب: الحمد لله، كل من كان مؤمناً بما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم فهو خيرٌ من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك -أي: بالنبي عليه الصلاة والسلام- نوع من البدع سواءٌ كانت بدعة الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافقٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ولا مخالف له لم يكن كافراً به، ولو قدر أنه يكفر من أجل بدعته التي خالف فيها ما هو معلوم من الدين بالضرورة فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: قد يكون متأولاً فيحكم عليه بالبدعة والضلال، أو هو معذور وأمره عند الله جل وعلا، وبينت لكل واحد بمثال.

    الحالة الثالثة: أن يخالف حكم الله لأجل شهوة غلبته لا من أجل معارضة لشرع الله ولا جحود له، ولا جواز الخروج عن شريعة الله، إنما نفسه غلبته فوقع في الزنا.. في شرب الخمر.. في غير ذلك دون استحلال، ودون جواز مخالفة شريعة الله، فهذه معصية ظاهرة شهوانية، إن تاب منها فمغفور وإلا فرحمة الله واسعة.

    إذاً: خمسة أحوال: من ترك حكم الله فيها فهو كافر مرتدٌ مخلدٌ في النار، وثلاثة أحوال يفصل الكلام في التارك لحكم الله، إما أن يتركه جهلاً فيعذر حتى تقام عليه الحجة، وإما أن يتركه متأولاً، فإما أنه ضال وإما أنه معذور، وإما أن يترك الحكم الشرعي من باب الشهوة النفسية التي غلبته وأوقعته في المحظور، أو في مخالفة المأمور، فهو عاصٍ وأمره إلى العزيز الغفور.

    أما الأحوال الخمسة المتقدمة فالذي يقع في واحدة منها فهو كافر، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية، يقول: كل من يرى أنه يحكم بغير ما أنزل الله، ويحكم ويتوخى العدل من غير أن يتبع في ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو كافر؛ لأن جميع الأمم تدعي أنها تحكم بالعدل، وقد يكون العدل ما رآه شيوخهم وساداتهم وطواغيتهم، فلا يكفي أنه يريد أنه يحكم بالعدل، لابد أن يكون هذا العدل متبعاً فيه لنبينا صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: أنا أحكم بالعدل وأريد المصلحة، وهذا العدل لا يتبع فيه النبي عليه الصلاة والسلام، فهو كافر؛ لأنه ما من قانون على وجه الأرض إلا ويدعي أنه يحكم بالعدل، لكنه العدل الذي قرره عصاة البشر وسفهاؤهم، فيرون ذلك الضلال عدلاً، فلابد من كون ذلك العدل متبعاً فيه لنبينا صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    إطلاقات لفظ الشريعة

    إخوتي الكرام! هذا حكم من لم يحكم بما أنزل الرحمن في خمسة أحوال يكون كافراً مرتداً، وفي ثلاثة أحوال قلنا: إما أنه يعذر، فإما أنه متأول، وإما أنه عاصٍ غلبته شهوته.

    إخوتي الكرام! بذلك نعرف الشريعة على أي شيء تطلق كما قرر أئمتنا، ونعلم أن لفظ الشريعة يطلق على ثلاثة أمور ينبغي أن تكون واضحة عندكم:

    أولاً: تطلق على الشريعة المنزلة التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، وهذه يحتج بها، ومن عارضها وخالفها، واستحل ترك شيء منها، أو استحل تبديل شيء منها بشيء آخر، فهو كافر.

    ثانياً: هناك شريعة مؤولة، وهي اجتهادات العلماء واستنباطاتهم، فهذه لا يلزم أحدٌ باتباعها، ولا يمنع أحدٌ من اتباعها، ولا يستدل بها إنما يستدل عليها، فإن وافقت النص الشرعي فهي صحيحة مقبولة، وإلا فنقول: إنها راجحة وقد تكون مردودة، كالخلافات التي وقعت في استنباطات أئمة الإسلام، فهذه أحكام شرعية ولاشك، لكن ليس لها قداسة كقادسة النصوص الشرعية المنزلة، فهذه شريعة مؤولة مجتهد فيها يمكن أن يكون فيها صواب، ويمكن أن يكون فيها خطأ، فلذلك لابد من أن نستدل عليها لا بها، فليس كلام أحد من خلق الله حجة في شريعة الله.

    ثالثاً: الشريعة المبدلة، وهي التي يطنطنن فيها في هذه الأيام بالشريعة الدولية، وهي الشريعة الكفرية التي يحتكم إليها الناس في هذه الأيام إلا من رحم ربك.

    إذاً: شريعة منزلة يستدل بها نصوص شرعية، وشريعة مؤولة وهي اجتهادات العلماء واستنباطاتهم فيها خطأ وصواب وراجح ومرجوح ومقبول ومردود يستدل عليها لا بها، وشريعة مبدلة، ضلال، إما خالفت نصوص الشرع واعتدت عليها وردتها، وإما ظلمت العباد وأهانتهم، وهذا ضلال وذاك ضلال.

    والإمام ابن تيمية تعرض لهذا في مواطن عدة في مجموع الفتاوى، وقرر هذا المصطلح، وهو كلام ينبغي لطالب العلم أن يرجع إليه وأن يعيه، ذكره في مجموع الفتاوى (3/268) وذكره أيضاً في (2/8) فقال: ... الأمراء وولاة الأمر وحكم الحكام ومشيخة الشيوخ وغير ذلك، فليس لأحدٍ من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله عليه صلوات الله وسلامه، وهذا كما قلت: يجب اتباعه ويستدل به، فهو حجة.

    والثاني: الشرع المؤول، وهو موارد النزاع والاجتهاد بين الأمة، فمن أخذ فيما يسوغ الاجتهاد فيه أقر عليه، ولم تجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة، وهذا كما قلت: يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم، وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا أن يمنع عموم الناس منه.

    والشرع الثالث: شرع مبدل، وهو الكذب على الله وعلى رسول عليه الصلاة والسلام، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها، والظلم البين، فمن قال: إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع.

    1.   

    أصناف القضاة وأحوالهم

    إخوتي الكرام! إذا علمنا هذا، وأن هذه هي أحوال من لا يحكم شريعة الرحمن، وهذه هي أحكام من يخالف نصوص القرآن، نعلم بعد ذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه ينطبق على ما تقرر، فقد ثبت في سنن أبي داود وسنن الترمذي ، وابن ماجه بسند صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة )، وهذا لبيان جنس القضاة وأصنافهم لا لبيان نسبة متساوية، ثلثان منهم في النار وثلث في الجنة، لا، فلعله لا يكون واحداً بالمائة من القضاة في الجنة، وتسعة وتسعون يعلم مصيرهم الذي خلقهم، فليس هذا لبيان نسبة مئوية ثلث وثلثان، إنما لبيان حصر أوصاف في القضاة، فمن فيه كذا فهو من أهل الجنة، ومن فيه كذا فهو من أهل النار: ( قاضٍ علم الحق وقضى به ) هذا الذي في الجنة ( علم الحق وقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ قضى على جهل فهو في النار ) أصاب أو أخطأ ( وقاضٍ علم الحق ولم يقض به ) جوراً وظلماً ( فهو في النار ).

    القاضيان اللذان في النار قد يكون دخولهما في النار على سبيل التخليد، وقد يكون على سبيل التوقيت، فهما كسائر العصاة في هذه الأيام، فمن عرف التفصيل الذي ذكرنا يلوح له هذا الأمر، فمن عرف الحق ولم يحكم به من أجل شهوة غلبته، أو رشوة أخذها، أو محاباة لمدعى عليه، فهو في هذه الحالة عاصٍ ظالم، مسرف، أمره مفوض إلى الله.

    ومن عرف الحق ولم يقض به إما جحداً له، وإما لأنه يرى أن ما قضى به هو أحسن من حكم الله، وإما أنه يرى أن ما قضى به يساوي الحق الذي قضى به الله، أو يرى أنه أنزل لكن يجوز الأخذ به، أو يرى أن هذا الحكم مشروع من أجل مضادة حكم الله وهذا هو السداد والصواب والرشاد، ففي هذه الأحوال الخمسة هو في النار على سبيل التخليد لا على سبيل التوقيت.

    وقد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام والحديث أيضاً في معجم الطبراني الكبير والأوسط، ومسند أبي يعلى بسنده رجاله ثقات عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( القضاة ثلاثة: واحدٌ ناجٍ واثنان في النار: قاض قضى بالهوى فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير علم فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق فهو في الجنة )، والحديث إخوتي الكرام! إسناده ثقات، وبمعنى حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنهم أجمعين. وانظر الحديث الثاني في مجمع الزوائد (4/193).

    إذاً: هذا حال من لم يحكم بشريعة الله، هذه الأحوال التي ذكرناها ينبغي أن نكون على علم بها في هذه الأيام؛ لأننا أمام مكر وكيدٍ لهذا القرآن.

    1.   

    طرق المكر والكيد للقرآن الكريم في العصر الحاضر

    هذا المكر وهذا الكيد انقسم إلى ثلاثة أقسام:

    الطريقة الأولى: إهمال القرآن

    قسم في هذه الأيام ينادي بإهمال القرآن جملة وتفصيلاً، ونبذ شريعة الله جل وعلا وراء الظهور؛ لأنها لا تتمشى مع العصور، وهؤلاء يدعون إلى إهمال الشريعة، وهؤلاء نحن سنهملهم ولن نناقشهم؛ لأن كفرهم واضح بين، فلا داعي أن ندخل معهم في مناقشات بعد أن بينا سفاهة وكفر من لم يحكم بما أنزل الله، إنما هؤلاء يدعون هذه الدعوة: شريعة الله جل وعلا ينبغي أن تنبذ وتطرح، وكما يقول محمد حسنين هيكل الذي كان وزيراً للتربية والتعليم والمعارف في بلاد مصر، تخرج من فرنسا من جامعة السوربون بشهادة الحقوق، وتوفي سنة 1376 هـ، يقول: إن التقدم التكنولوجي في هذه الحياة جعل أقدس الكتب منزلة بمنزلة الأوراق الصفراء التي تحفظ في متحف التاريخ. وهو يقصد القرآن، فيقول: القرآن ينبغي أن يحفظ في متحف التاريخ فلا وزن له ولا اعتبار.

    ويقول في كتابٍ ألفه في سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام سماه: حياة محمد عليه صلوات الله وسلامه عليه، لم لا تقول: حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حياة نبي الله عليه صلوات الله وسلامه.

    وذاك ضالٍ ثانٍ يقول: عبقرية محمد، لم لا تقول: نبوة خير خلق الله، لم لا تقول: رسالة خاتم النبيين عليه صلوات الله وسلامه، لماذا عبقرية وحياة محمد؟ فيقول: هو رجل عبقري فذ، فيلسوف من الفلاسفة ما كان ينزل عليه الوحي، أقواله كانت معتبرة في ذلك العصر، وأما في هذا العصر فلا تتمشى، هو عبقري في ذاك الزمان، وأما عبقري هذا الزمن فهو جورج بوش عليه لعنة الله وعلى أمثاله، فيقول: عبقرية محمد، هكذا يعبر عن خير خلق الله وعن نبينا عليه الصلاة والسلام، عبقرية محمد وحياة محمد، لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63].

    تدرون ماذا يقول؟ يقول في هذا الكتاب: إنه لا يثق بكتب الحديث، إنما يثق بكتب المستشرقين؛ لأن دراستهم قامت على التحقق والتحقيق والتمحيص، وأما كتب الحديث ففيها ما هب ودب.

    سبحان الله! كتب الحديث الذي ألفها أئمتنا أتقى الخلق لربنا في خير عصور هذه الأمة لا يوثق بها من الصحيحين وغيرهما!!

    ولذلك لما جاء هو وغيره من هؤلاء الذين يدورون في هذا الفلك لأحاديث نزول عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في آخر الزمان، وقد بلغت السبعين حديثاً، وهي متواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، قالوا: أخبار آحاد ولا يوثق بها وهي شبه خرافة. أحاديث نزول المسيح شبه خرافة؟! لماذا يا هذا؟ قال: لأن العمدة في تمحيص الحقائق الدينية إلى المستشرقين لا إلى المحدثين. إذاً: هذا الإسلام يهمل ويطرح. وهذا ما ينادي به الكثيرون في هذه الأيام.

    يقول محمد إحسان المحامي مخاطباً فرنسا:

    لولاك ما عرف الإنسان قيمته ولولاك ما أصبح الإنسان إنسانا

    يقول: نحن ليس لنا قيمة ولا اعتبار، وهؤلاء لهم نماذج كثر كـطه حسين وغيره الذين دعوا لأخذ الحضارة الغربية بما فيها من حلوها ومرها، خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، حتى لو أشاروا إلينا بأكل غائطهم رطباً فهم أعلم بمصلحتنا منا.. تبعية محضة.

    وهذا يؤلفه كتاب مستقبل الثقافة في مصر، ويذكر هذا في هذا الكتاب أن الأخذ بالشريعة رجعية. لما انحرفوا عن الأخذ بشريعة العليم الحكيم ابتلاهم الله بتقليد الملعونين بريطانيا وفرنسا فقالوا: نقلدها ولا يجوز أن نعترض على قبيح فيها، وأما شريعة الله فالأخذ بها رجعية لا يتأتى العمل بها في هذه العصور الزمنية، فهذه عهدها مضى وانقضى، ومحمد عليه صلوات الله وسلامه عبقري ورجل فذ وسياسي محنك لكن في عصره، وأما في هذه العصور فجاء سياسيون آخرون لهم تشريع آخر.

    هؤلاء الذين دعوا إلى إهمال الشريعة كما قلت: ينبغي أن نهملهم؛ لأن حكمهم معروف، وسوءتهم مكشوفة لكل أحد، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32]، لكن هناك دعوتان ماكرتان معلونتان، حقيقة قد تخفى على كثير من الناس في هذا الزمان، وقد خفيتا على كثير من أشباه العلماء فضلاً عن غيرهم من العامة والسذج والدهماء.

    الطريقة الثانية: فصل الدين عن الدولة

    الطريقة الثانية وهي الأولى من الطريقتين: فصل الدين عن السياسة، فصل الدين عن الحياة، فصل الدين عن الحكم، فصل الحكم عن الدولة، الدولة شيء له نظام يسنه ويشرعه شياطين من بني الإنسان، والدين له قرآن، فهذا القرآن كلام الله ولا نجحده، حق، لكن هذا دين، وعندنا سياسة وحياة ونظام وبرلمان، مجلس الشيوخ، ومجلس الأمة، ومجلس الشعب.. وغير ذلك.

    وهذه الدعوة راجت في هذه الأيام، وهي فصل الدين عن الحياة، وصار يعبر بين العامة عن الشيخ بأنه رجل دين كالنصراني اللعين القسيس. رجل دين، أي: كهنوتي، هذا له تخصص في الكنيسة وطقوس يزاولها، وهكذا رجل الدين في الإسلام، أي رجل دين؟! الفلاح عندنا رجل دين، والمزارع عندنا رجل دين، وسائق السيارة رجل دين، أو لا ننتمي إلى دين الله وإلى دين رب العالمين؟! ليس عندنا رجل دين بالمعنى الكهنوتي بصفة مختارة تشعوذ وتضلل الأمة والناس باسم دين الله جل وعلا.

    يقولون: الدين حق لكن لابد من فصل الدين عن السياسة. وهذا كما قاله من يقال له: أستاذ الجيل في هذا العصر المنحط الهزيل، أحمد لطفي السيد الذي كان وزيراً للمعارف والتربية والتعليم في عهد المتقدم محمد حسنين هيكل ، وكان وزيراً للداخلية وللخارجية فترة، وكان رئيساً لجريدة الجريدة، يحررها ويكتب فيها زبانيته وأتباعه.

    أحمد لطفي السيد يقول: الدين شيء عظيم مقدس محله القلب، اتركه في القلب، لا داعي أن تدنسه في هذه الحياة في بيع وشراء، وزواج وطلاق، هذا شيء مقدس محله القلب.

    ويقول في الجريدة التي كان يرأسها ويحررها: يقول: لا يجوز أن ننظر إلى البريطانيين الإنجليز -عليهم لعنات ربنا العزيز- لا يجوز أن ننظر إليهم إلى أنهم أعداء.

    سبحان الله! ومتى صارت الصداقة بين الكفار والمؤمنين؟ متى؟!

    يقول: لا يجوز أن ننظر إليهم على أنهم أعداء، وإنما الواجب علينا نحوهم أمران:

    الأول: أن نتعلم منهم، وأن نتتلمذ عليهم.

    والأمر الثاني: أن نتفاهم معهم بالحسنى لنصفي الخلاف بيننا وبينهم.

    هذا متى كان يقوله؟ في حال وجود الاستعمار البريطاني في بلاد مصر، وهي تحت إشرافه، مع ذلك يقول: هؤلاء ليسوا بأعداء، هؤلاء أصدقاء أوفياء تعلموا منهم، ثم بعد ذلك لا داعي لمقاتلتهم والتشويش في هذه الحياة، عندنا دبلوماسية نفاوض لنصل إلى حقوقنا، ولنزيل الخلاف فيما بيننا عن طريق السياسة، عن طريق الشريعة الدولية، عن طريق الدبلوماسية، لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، الدين شيء معظم محله القلب، إياك أن تخرجه من قلبك فيتدنس، فهذا شعور بينك وبين ربك، أي: دين الإسلام كدين النصارى محله في المعبد، فلا دخل له في السوق ولا في ثكنات الجيش ولا في المزارع ولا في المحاكم ولا.. ولا..، هذا بينك وبين ربك، شيء مقدس.

    وأحمد لطفي السيد توفي سنة (1382هـ).

    ويقول أيضاً مثل هذا القول أيضاً سعد زغلول وكان أيضاً وزيراً للمعارف -وهي: التربية والتعليم- من قبل اللورد كرومر الذي هو نمساوي، وبعد ذلك منتدب بريطاني من قبل بريطانيا في بلاد مصر، عين هذا العبد المخذول الخاسر الذي أفضى إلى ما قدم سعد زغلول وزيراً للتربية والتعليم، يقول كلمته التي تتناقل الآن في المدارس، وتكتب في لوحات الإعلانات: الدين لله، والوطن للجميع. الوطن فيه شيوعي، وفيه نصراني، وفيه يهودي، وفيه وثني، وفيه بوذي، وفيه مسلم، وفيه سني، وفيه بدعي، وفيه من يعبد البقر، وفيه من يعبد الفرج والذكر. يقول: هؤلاء كلهم إخوة ينظمهم مجلس الشيوخ.. البرلمان. (الدين لله والوطن للجميع) وهذه دعوة ثانية سنناقشها ونناقش الدعوة التي تليها؛ لأن كثيراً من الناس يقولون هذا.

    وصل الأمر بالأستاذ الإمام الذي هو تلميذ أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد ، والتلميذ هو الأستاذ الإمام الذي طنطن له بهذا اللقب محمد عبده ، يقول: لعنة الله على ساس ويسوس وسياسةً.

    أي: ساس يسوس سياسة، دعونا منها، هذا الدين شيء وساس يسوس سياسة شيء آخر، دعونا منها، وقد قال هذا بعض العتاة من قريب -وأخذه الله أخذ عزيزٍ مقتدر- في وسائل الإعلام: لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين.

    والدعوة الثانية ألعن من هذه وأخبث، الدعوة الثانية التي هي ثانية في الترتيب، وأولى الدعوتين اللتين سنناقشهما، فصلت الدين عن الحياة، عن الحكم، عن الدولة: ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، ما للحاكم للحاكم، وما لأحكم الحاكمين لأحكم الحاكمين، سبحانه لا يشرك في حكمه أحداً كما تقدم معنا.

    وكل بشر في هذه الحياة من أكبر مسئول إلى أصغر فرد في الأمة هم تحت شريعة رب الأرض والسماوات، وملزمون بالأخذ بها في جميع شئون حياتهم فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين بعضهم، وفيما بينهم وبين خالقهم، فهذه شريعة الله التي نظمت جميع شئون الحياة.

    الطريقة الثالثة: فصل الدين عن الدولة بحجة أنه مراد الدين

    الطريقة الثانية وهي الثالثة في الترتيب، هذه فيها فصل وفيها لعانة ومكر، فصلوا الدين عن الحياة وقالوا لنا: إن هذا الفصل شرعي سليم، سديد مستقيم. أي: هذا الكفر هو الإسلام، وتعطيل أحكام الله في هذه الأيام إيمان، كيف هذا؟ قالوا: نحن نحقق المصلحة، وأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، فالمصلحة في هذه الأيام تقتضي وجود بنوك ربوية، فإذاً وجود البنوك الربوية مباح في الشريعة الإسلامية، حلال ليس فيها كراهة ولا تحريم.

    هنا فصل، وهنا فصل ومكر، وقال لنا: إن ذلك الفصل هو شرعي.

    يقول عبد الرزاق أحمد السنهوري الذي هلك سنة 1391هـ، وأرسل إلى فرنسا، إلى السربون، وأتى بأعلى الشهادات في السياسة والقانون والاقتصاد، وأكثر القوانين الوضعية اللعينة التي هي الآن في مصر، وسوريا، والعراق والكويت، ولبنان، والأردن من وضع هذا الشخص: عبد الرزاق أحمد السنهوري ، وسيأتينا إن شاء الله ذكر كلامه عند مناقشته في الفصل والمكر.

    يقول: خطت القوانين في هذه الأيام خطوة مباركة عندما دمجت فيها الشريعة، فراعت القوانين الوضعية في هذه الأيام الشريعة الإسلامية، يقول: وهذا أعظم تطور حصل في القانون، وهو أكبر فتح ونصر حصل في هذه الأيام، وتم على يديه.

    هذا الإنسان المخذول له نظرية العقد، والقوانين الوضعية التي استقاها من فرنسا جاء بعد ذلك ووضعها لهذه البلدان: العراق، وسوريا، ومصر، والأردن، والكويت، ولبنان فقال: القوانين الكفرية شرعية، والمصلحة الشرعية تقتضيها، ولذلك يقول: ينبغي أن نحكم الشريعة الإسلامية في ظل القانون.

    ويقول كثير من العتاه في هذه الأيام: سنحكم بالشريعة ونحكمها ضمن القانون، فالقانون إذاً هو المهيمن على شريعة المهيمن على عباده، وكتابه مهيمن على ما سواه.

    إذاً: الدعوة الأولى: إهمال القرآن.

    دعوة ثانية: فصل القرآن عن الحياة.

    دعوة ثالثة: الحياة الجاهلية التي نعيش فيها دل القرآن على شرعيتها، فلا تقلقوا، ولا داعي أن تقولوا: نحن الآن في المسجد لله، وفي الحياة للقوانين الوضعية، لا، هذه القوانين الوضعية اطمئنوا شرعية تماماً؛ لأن الحياة البشرية تقتضيها، فنحن إذاً نسير على حسب الشريعة الإسلامية.

    وكنت ذكرت إخوتي الكرام! سابقاً عن بعض العتاة وهو خالد محمد خالد صاحب كتاب: رجال حول الرسول عليه صلوات الله وسلامه، ويناقش الشباب الملتزمين الطيبين فيقول لهم: تقولون: يوجد في هذه الحياة جاهلية، أي جاهلية توجد في هذا الوقت؟! ثم يجيب هو على سؤاله، يقول: قد تقولون: يوجد سفور للنساء، وبنوك ربوية، وشرب للخمر، وتعطيل للحدود الشرعية، هذه جاهلية أم لا؟

    طيب ماذا بعد هذه؟ ماذا تريد؟ أنت الآن تعترف بهذا فتقول: قد تقولون يوجد هذا.

    يقول: وأنا أقول لكم: إن هذه الأمور وإن خالفت النصوص الشرعية فقد وافقت روح الشرع؛ لأن الحياة لا تمكن الآن بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بلا بنوك، ولا بنوك بلا فوائد، فنحن وإن عطلنا نصوص جزئية فقد وافقنا روح الشريعة الإسلامية.. وروح الشريعة الإسلامية هي المصلحة، والمصلحة لا تقوم الآن إلا بتعطيل الحدود الشرعية، والمصلحة لا تقوم الآن إلا ببنوك ربوية.

    فيقول: إن هذه الحياة الرديئة شرعية وهي شيطانية. ويقول: لا يجوز أن تقولوا: إنها جاهلية؛ لأننا نحن بهذه المخالفات وافقنا روح الشرع، خالفنا نصوصاً جزئية لكننا وافقنا روح الشرع، والروح أولى بالاعتبار من النصوص الجزئية، فإلغاء نصوص جزئية أولى من إلغاء روح الشريعة الإسلامية التي هي المصلحة، وأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله.

    هؤلاء هذه أقوالهم، وسنناقشها إن شاء الله كلمة كلمة وجملة جملة لنظهر ضلال هؤلاء حتى يسلموا أو تسلم الأمة منهم على أقل تقدير، وإما أن يتوبوا إلى الله جل وعلا ويحكموا شريعة الله بين عباده، وإما أن تكون الأمة على بينة من أمرها، لا تسير في ضلال وهي لا تدري أنها ضالة، فأول طريق للتوبة وبداية التوبة: أن تشعر بأنك مخطئ أنك عاصٍ، أنك مشرك، أنك متجاوز لحدود الله، أما أنك تمشي على ضلال وترى أنك على هدى فكيف ستتوب؟! وكيف سترجع للاستقامة؟ وكيف ستفكر بتحكيم شريعة الله في هذه الحياة؟!

    إخوتي الكرام! لفظ السياسة صار في هذه الأيام من الألفاظ المرعبة، من الألفاظ المحظورة، إذا ذكر الإنسان هذا اللفظ فهذا أعظم مما لو حمل المدفع، فلو حمل المدفع يقال له: من أين أتيت به ثم يحاسب، أما السياسة وأن تتكلم في السياسة فيقال لك: ما دخلك في السياسة؟ هذه السياسة لها أناس يتكلمون فيها، وأما الأمة بعد ذلك فستقاد كما تقاد البهائم.

    إخوتي: هل في دين الله سياسة أم لا؟ وما معنى السياسة في لغة العرب؟

    يقول الإمام ابن منظور في لسان العرب (6/413) عند مادة (ساس): السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه.

    إذاً: السياسة: القيام على الشيء من أجل إصلاحه، من أجل رعايته، يقال لها: سياسة، فإذا قمت بإصلاح الشيء بترتيبه وبوضعه في مكان يقال: عنده سياسة، عنده لباقة، عنده فكر، وقد بعث الله رسله عليهم صلوات الله وسلامه بذلك فكانوا يقومون بإصلاح الناس ويسوسونهم.

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن ابن ماجه عن أبي حازم سلمة بن دينار وهو من أئمة التابعين الأبرار رضي الله عنهم أجمعين، قال: جالست أبا هريرة رضي الله عنه خمس سنين فسمعته يحدث مراراً عن النبي عليه صلوات الله وسلامه، فيقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء )، ساس يسوس سياسة، ( تسوسهم الأنبياء ) أي: ترعاهم برفق وحكمة، تسوسوهم بحكمة عن طريق وحي الله الذي أنزله الله.

    ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي )، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: وأنا سستكم بشريعة الله المطهرة، والتزمت بهذا المسلك كما كان الأنبياء قبلي، لكن ليس بعدي نبي، ( وإنه سيكون عليكم خلفاء فيكثرون ) خلفاء كثر ( قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا! قال: فوا -أي: أوفوا- بيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم )، أي: من بويع في البداية فأوفوا له البيعة، ولا تبايعوا غيره، وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح مسلم : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )، فلا يجوز أن يتعدد الحكام والخلفاء والأمراء على المسلمين، فتعدد الحكام على المسلمين كتعدد الأزواج للزوجة زوجة تزوج بستين رجلاً هل يصلح هذا؟ لمن سترضي ومع من ستكون؟!

    والأمة الإسلامية في هذه الأحوال ما بين أكثر من ستين قطعة من مملكة ومشيخة وإمارة وسلطنة ودولة وجمهورية.

    قال صلى الله عليه وسلم: ( فوا بيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم ).

    إذاً: كانت الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه تسوس الناس، لكن سياسة شرعية وليست سياسة غوية كما يقول عتاة البشرية في هذه الأزمنة الرديئة: لا دين في السياسة، أي: كلها كذب واحتيال ومكر، ولا سياسة في الدين.. لا سياسة في الدين كذب، ولا دين في السياسة، نعم، سياستكم المزورة ليس فيها دين الرحمن، ما بها إلا دين الشيطان؛ لأنها قائمة على الكذب والاحتيال والمكر والخداع.

    أما القيام على الشيء بما يصلحه، والوفاء بالعقود والعهود مع العباد جميعاً، ورعاية الأمور فهذه هي السياسة الإسلامية المثلى، هذه في دين الله، ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ) .

    1.   

    نماذج وأمثلة من سياسة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

    أخي الكرام! فالقيام على الشيء بما يصلحه سياسة، ورعاية الشيء حسب قواعد الحكمة والعدالة سياسة، فمجال التعليم ونصرة دين الله بالحجج والبراهين تدخل السياسة، وفي مجال الحكم والوصول إلى الحق الذي يريده رب العالمين تدخل السياسة، وهكذا في جميع شئون الحياة، وإذا أردنا أن نضرب مثالاً على هذا وعلى سياسة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه في العلم والحكم، وفي جميع شئون الحياة، فلنرجع إلى كتاب الله لنرى أحوال الأنبياء، ولا أريد أن أسهب وأفصل فأقتصر على مثالين لحال نبي:

    أحدهما: سلك سياسة علمية أيد بها دين الله، وقضى على المضرة التي تلصق بدين الله.

    ونبي آخر: سلك سياسة حكمية في الحكم، وصل إلى مراد الله القدري الذي يحبه ويرضاه، فهو مراده الشرعي، وألهمه الله سياسة حكيمة في حكمه ليتوصل إلى ذلك الأمر.

    وحياة الأنبياء كلها سياسة، لكن سأقتصر على نموذجين اثنين فقط:

    النموذج الأول: السياسة العلمية لخليل الرحمن في مناظرة قومه

    النموذج الأول: السياسة العلمية لخليل رب البرية إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، قص الله علينا نبأه، وكيف سلك مع قومه مناظرة حكيمة في القضاء على المفسدة المتعلقة بالأديان لإثبات صحة دين الإسلام ونصره بالحجة والبرهان.

    والمناظرة التي جرت بينه وبين قومه حكاها ربنا جل وعلا في سورة الأنعام في آية (70) فما بعدها، يقول الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:74-76]، أي: في اعتقادهم، أوليس كذلك؟ أنتم تقولون: هذه الكواكب آلهة، هذا ربي حسبما تعتقدون، وأنا أتنزل معكم إلى هذا المستوى من أجل أن أظهر لكم باطلكم.

    هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:76-77]، يا قوم! ابحثوا، هذا إله لا يصلح أن يكون إله، إذا ما هدينا إلى الصواب، فنحن على ضلال وفي تباب.

    فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام:78]، هذا إله الآلهة، ما رأيكم في هذا أكبر الآلهة عندكم، فَلَمَّا أَفَلَتْ [الأنعام:78]، قال: إله يغيب؟ إله يتغير؟ إله حادث؟ إله مسير؟ إله مقهور؟

    أرب يبول الثعلبان برأسه ألا ذل من بالت عليه الثعالب

    إله مقهور لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً.

    فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:78]، المفاصلة بيني وبينكم إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:79-82].

    هذه المناظرة ما قيمتها يا أحكم الحاكمين يا من أنت بكل شيء عليم؟ وتلك حجتنا، هذه هي السياسة العلمية، الحجة القوية: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83].

    النموذج الثاني: السياسة الحكيمة لنبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته

    النموذج الثاني: قوله تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وسأذكره لننظر إلى تعليق ربنا جل وعلا وتعقيبه على هاتين القصتين: سياسة في العلم، وسياسة في الحكم، قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83].

    إذاً: رفع الله درجته بما من عليه بهذه السياسة العلمية المثلى التي كبت بها الباطل وأهله، ودمغهم وأظهر الحق ونصره، سياسة علمية لدفع المضرة عن الأديان، ولنصر دين الرحمن.

    هذه سياسة أم لا؟ نعم سياسة، وهي القيام على الشيء بما يصلحه، ورعاية الشيء على حسب قواعد الحكمة والعدل والإنصاف، فهم يرون أن هذه الكواكب آلهة، فقال: أنا سأسايركم في اعتقادكم لنصل بعد ذلك إلى حق ينبغي أن نكون عليه أنا وأنتم، هذه آلهة تذهب وتغيب وتختفي، لابد من إله حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، فاطر السماوات والأرض.

    إذاً: سياسة علمية يقول ربنا معقباً عليها ومادحاً لها وماناً على خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه بها: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83] هذه السياسة العلمية والسياسة التي في الحكم فمثالها للنبي الصالح يوسف على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، إذ يخبرنا الله جل وعلا عن حاله مع إخوته عندما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ [يوسف:70-76]، ليدفع الريبة عن أخيه الذي هو شقيق له من أمه وأبيه، وليدفع الريبة عن نفسه وأنه ما اصطنع هذا، ثم استخرج هذا الصواع الذي هو صاع يكال به من وعاء أخيه، كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]، كما هم كادوا له ليضروه ويؤذوه وكاد الله له عليهم ليستخرج الحق منه، وليكون هذا سبباً لحضور أبويه بعد ذلك كما قدر الله وشاء، وهذا أمر يحبه الله ويرضاه، فكاد له بهذا الأمر وهو أن ألهمه هذه السياسة، أن يضع الصواع في رحل أخيه ليترتب على هذا ما يترتب من مجيء أبويه، وليترتب على هذا ما يترتب بعد ذلك من ظهور الحق، وأن الله لا يتخلى عن عباده المخلصين.

    كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76]، لا يستطيع أن يأخذه؛ لأنه كان في حكم شريعة ذلك الزمان التي فيها نبي الله يوسف أن الذي يسرق يغرم مثلي ما سرق ويعزر، فلا يقطع ولا يؤخذ، وكان في شريعة يعقوب على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أن من سرق يصبح ملكاً لمن سرق منه ذلك المتاع، ولذلك قال لهم: قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:74-75]، هذا جزاء الظالمين، هذه شريعة أبينا يعقوب، السارق يكون ملكاً لمن سرق منه إذا ثبتت عليه السرقة.

    كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76]، لا يستطيع أن يأخذه إلا أن يشاء الله، بهذا الكيد الذي ألهمه إياه، وهذه السياسة المثلى، وهل هذه سياسة فيها احتيال ومكر وكذب؟ لا. وهل فيها وصول إلى باطل أو إلى حق؟ إلى حق، أخوه من أمه وأبيه هو أولى به من إخوته الذين هم من أبيه دون أمه، يضاف إلى هذا: سيترتب على هذا كما قال يعقوب بعد ذلك: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [يوسف:94]، وأقدار الله مرتبة على بعضها، وقدر الله الكوني إذا وقع على يد الأخيار يدل على أنه يرضاه ربنا القوي فهو محبوب له، فكأنه أمر شرعي، وهذا القدر على يد من أجراه؟ على يد الكريم ابن الكريم ابن الكريم، على يد النبي يوسف على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فهو حكم قدري شاءه الله أن يترتب عليه ما يترتب، لكن على يدي هذا النبي، فيوافق محبة الله القوي، وبالتالي هذا حكم شرعي يحبه الله ويرضاه.

    كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف:76-77]، وهو يوسف، وكانت عمته وضعت المنطقة والحزام تحت ثيابه عندما كان صغيراً وقالت: فقدت هذه المنطقة لأجل أن تثبت السرقة على يوسف لأجل أن يكون لها من حبها له: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ * قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ * فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ * فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:77-101].. إلى آخر الآيات.

    فالشاهد فيها إخوتي الكرام! كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    هذا محل الشاهد، واسترسلنا في قراءة الآيات بعد ذلك وهي خير وبركة: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:76].

    وقال في حق خليله إبراهيم: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:83]، ذاك في العلم وهذا في الحكم، ذاك في العلم وهذا في السلطان، ذاك في الدعوة وهذا في السيف.

    وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83].

    كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، إلى أن ينتهي الأمر إلى رب العالمين سبحانه وتعالى.

    1.   

    اقتران الدين بسياسة الحجة والبرهان والسيف والسنان

    اقتصرت على هذين المثالين وآثرت ذكرهما من الأمثلة الكثيرة المتعلقة بسياسة أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه التي ذكرها الله في كتابه لأشير إلى أمر لابد منه.

    هناك كما قلنا: سياسة علمية لتأييد دين رب البرية، وهنا سياسة حكمية في الحكم والسلطان لتأييد دين الرحمن، ودين الله يتقوى بهذين الأمرين: بحجة وبرهان، وبسلطان معه سيف وسنان، ولذلك إذا افترق هذان الأمران، إذا نحينا الدين عن السياسة تخبطت الحياة وفسدت، فالعلماء الذين يحملون الدين سيكونون في رحمة وعطف ورعاية الكافرين الملعونين. أو ليس كذلك؟ بلى. علماء عندهم حجة وبرهان، لكن ليس معهم سلطان، ولا سيف ولا سنان، من الذي سيرعى شئونهم؟ ومن الذي سيحكمهم؟ ومن الذي سيدبر أمورهم في هذه الحياة؟ ينفذ شرع شيطان من الشياطين.

    ولذلك يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى، وانظروا بحثه في هذا فيما يتعلق بالسياسة الشرعية، وهي رسالة مطبوعة على دراسة السياسة الشرعية، وهي موضوع من مجموع الفتاوى في الجزء الثامن ص 210، يتحدث الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله عن هذا الأمر فيقول:

    إذا لم يكن مع العلماء سلطان، ورضي العلماء بتحصيل العلم والعكوف عليه، وما سعوا لإقامة سلطان وحكم، ليكون الدين كله لله فهم ضالون كالنصارى.

    تماماً كما هو حال القسس والرهبان تنحوا عن شئون الحياة، وحكمها بعد ذلك الكفرة شر البرية، فيريد منا من يدعون إلى فصل الدين عن السياسة أن يبقى العلماء كالقسس ضالون تائهون حائرون، هذا يضربهم، وذاك يقتلهم، ولا ناصر لهم.

    والحكم بلا دين هذا طريقة المغضوب عليهم، وهي طريقة اليهود الذين غضب عليهم ربنا المعبود الذين يريدون علواً في الأرض وفساداً، والحكم إذا تجرد عن الدين فما مآله؟ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا [القصص:4]، ولذلك قال الله بعد ذلك: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا [القصص:83].

    فالحكم إذا تجرد عن الدين كان علو أو وفساداً، والدين إذا تجرد عن الحكم صار ضلالاً وضياعاً ولذلك صنفان في الأمة إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء يجتثون الشبه ويزيلون الأوهام من الأذهان، ويقررون بالحجج والبراهين دين الرحمن، ووراءهم بعد ذلك سلطان وسيف وسنان يدعو الناس إلى دين الإسلام بعد أن أزيلت الشبه، فمن كابر وركب رأسه لابد من علاجه، وإذا لم ينفع معه الكلام فلا يصلحه معه بعد ذلك إلا السيف والسنان: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

    إذاً: علماء.. حكام، لابد من وجود السياسة والحكمة عند هؤلاء وهؤلاء، فالعلماء يقررون دين الله ويدفعون الشبه عنه، وأولئك ينفذون أحكام الله ويأخذون على أيدي المفسدين، ويأطرونهم على الحق أطراً، وإذا صلح هذان الصنفان صلح الناس، وإذا فسد هذان الصنفان فسد الناس وفسدت الحياة، وهذا الكلام مأثور عن سفيان الثوري عليه رحمة الله كما في حلية الأولياء (7/5)، وكان يقول هذا العبد الصالح: لله قراء، وللشيطان قراء، وصنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء، والأمراء.

    وروي الأثر مرفوعاً إلى خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه في كتاب حلية الأولياء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

    وروي أيضاً في كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله للحافظ ابن عبد البر عن ابن عباس مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام: ( صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء )، والحديث ضعيف مرفوع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه. لكنه ثابت من كلام سفيان ومعناه صحيح.

    فالحجة العلمية البرهانية النظرية لتأييد دين الله، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83]، والسياسة في الأحكام وفي تدبير شئون الأمة وفي الحكم بينهم: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:76]، في الحكم والسياسة الحكمية، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:76]، في العلم والإرشاد والتبليغ والحجة والدعوة بالتي هي أحسن، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83]، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، فالدين بلا سلطان ضائع، وسلطان بلا دين ظالم جائر فاجر يريد علواً في الأرض وفساداً.

    يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية: الناس ينقسمون إلى أربعة أقسام:

    منهم من يريد علواً في الأرض وفساداً، كغالب الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الرحمن، أفسد بنظامه وعلا، وطغى وبغى وتجبر.

    ومنهم من يريد علواً في الأرض ولا يريد فساداً، يحب أن يتعالى وأن يتكبر، لكن لا يريد أن يفسد في الحياة بقوانين وضعية، يريد الزعامة والسلطة ليحكم بين الناس بالحق، لكن هو ليكون له ما ليس لغيره، فهو عالٍ وهو عند الله وضيع، وإن حكم بالحق بين الناس وكل شيء بحسابه.

    ومنهم من يريد في الأرض فساداً ولا يتطلع إلى علو، كأكثر شياطين الإنس الذين يدعون الناس إلى الشهوات المحرمات من زنا ومسكرات ومخدرات وربا وغير ذلك، يفسدون ولا يتطلعون إلى الحكم والسلطان، ولا يخطر هذا على بالهم.

    والصنف الرابع الذي هو غريب قليلاً: لا يريدون في الأرض علواً ولا فساداً والعاقبة للمتقين.

    فدين بلا سلطان ضائع، وعلماء بلا سلطة معهم تحميهم وتنشر دعوتهم ضالون كالنصارى، وحكم لا يتقيد بدين جور وإفك مبين، ولن ينتج عنه إلا العلو والفساد والكبر والغطرسة والظلم لعباد الله المساكين، ولذلك آثرت ذكر هذين النموذجين، كيف هذا آتاه الله السياسة العلمية ونحن بحاجة إليها، وهذا أعطاه الله سياسة الحكمية في الحكم ونحن بحاجة إليها، ولابد من الجمع بينهما لتسير الحياة في أمان بسلام، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83]، كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    1.   

    هدف المناداة بفصل الدين عن الدولة

    إخوتي الكرام! فصل الدين عن السياسة ماذا يراد بهذه الجملة؟ وما هي أخطارها؟ ثم بعد ذلك سنناقشها ونبين فسادها وعوارها.

    يراد بفصل الدين عن السياسة: تجريد الحكومة التي ترعى شئون الأمة عن الدين. أي: لا يشترط فيهم أن يكونوا مسلمين، ولا يشترط في قوانينهم أن تكون مأخوذة من دين رب العالمين دون إنكار.

    فيقولون: انتبه للقرآن العظيم، هذا كلام الله وهو حق، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم حق، لكن كل شيء له مكان، هذا مكانه المسجد، وبعد ذلك السلطان مكانه قصر الحكم مع أعوانه ووزرائه يقررون ما شاءوا، وقد يقررون أن اللواط حلال كما هو مقرر في بريطانيا، ويقولون: هذا رأي البرلمان، بل وصلوا في هذه الأيام إلى أن التزاوج بين الذكور مشروع، ويسجل هذا في المحاكم البريطانية، ولا دخل لقسيس ملعون يأتي ويقول: كيف هذا؟! كيف تبيحون التزاوج بين الذكور؟! يقولون له: ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، نحن الآن في مجلس العموم البريطاني ولسنا في كنيسة، وإذا جئنا إلى الكنيسة دجل علينا بما تريد، وإما إذا جئنا لمجلس العموم فلا كلام لك ولا دخل لك في شئون الحياة.

    إذاً: دين ضائع ذليل مهين لا وزن له ولا رأي في الحياة.

    ومن يريد فصل الدين عن السياسة يريد من هذا تجريد الحكومة عن الدين، فلا يشترط أن يكون في المسئولين دين، ولا يشترط في القوانين أن تكون مأخوذة من شريعة رب العالمين، هذا معناها، ولكن شياطين الإنس ما عبروا عن حقيقة فصل الدين عن السياسة بهذه الحقيقة المرة التي يردها كل مسلم، فماذا قالوا لهم؟

    قالوا: نفصل الدين عن السياسة. يعني: السياسة يتولاها صنف واع ممتاز في الأمة، وبقيت بعد ذلك الأمة مسلمة، من الذي قال لكم: اتركوا دينكم؟ كأنهم يقولون لهم: الدين ترعاه فرقة، والسياسة ترعاها فرقة، ولا تعارض بينهما، يوهمون الناس بهذا، لكن حقيقة الأمر هو تجريد الحكومة عن الدين، ولذلك الآن عندما جردت الحكومات عن الدين ما بقي حكم يقال دليله آية كذا أو حديث كذا، بل يقال: مادة كذا ومرسوم كذا.

    مراسيم سلطانية، أين النصوص الشرعية؟ يقال: النصوص الشرعية هذا دين، ونحن الآن في سياسة وحكم ولا دخل للنصوص الشرعية في السياسة ولا في الحكم، ولا في قال الله قال الرسول عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: هذا هو المقصود من فصل الدين عن السياسة، وهو تجريد الحكومة عن الدين ثم تجريد الرعية تبعاً. لم؟ لأن الحكومة نائبة الرعية في الحكم؛ ولأن الحكومة وكيلة الرعية في تدبير أمور البلاد، فإذا كفر الوكيل وتجرد من الدين يكفر الموكل، الوكيل كفر وأنت رضيت به، فماذا يكون الأمر؟ القضاء على الدين من الحكومة ومن الرعية، لكن ستروه بهذه الكلمة المهذبة، هذا حال السياسيين الملعونين الماكرين، قالوا: فصل الدين عن السياسة، ويقصد منه القضاء على دين الله ليس في رجال الحكم فقط بل في كل فرد من أفراد الأمة؛ لأن هذا الوكيل عندما كفر يكفر موكله عندما رضي به وأنابه عنه، ولذلك عندما لا يحكم بشريعة الله والرعية أنابت هذه الحكومة عنها، فما يجري على الوكيل يجري على الموكِل.

    ولذلك المراد من فصل الدين عن السياسة أصالة إلغاء دين الله والقضاء عليه، لكن بعبارة سياسية رديئة كالسياسات الملتوية في هذه الأيام، فيفصل الدين عن الحياة، ولا يقصد من فصل الدين عن الحياة أن الدين يرعى كما أنزله الله، وأن أولئك لهم شأنهم، لا.

    إذاً: هذا هو معنى الفصل، معنى الفصل تجريد الحكومة أولاً من الدين، ثم تجريد الرعية تبعاً من الدين؛ لئلا يبقى للدين وزن لا عند الحكومة ولا عند المحكومين، وهذا الأمر خطر جداً، ويترتب عليه أحكام خطيرة منكرة فظيعة، نناقشها في الموعظة التالية.

    نسأل الله جل وعلا أن يجعل هوانا تبعاً لشرعه؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.