إسلام ويب

فضل قيام الليل [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلح به أولها، وأول هذه الأمة -وهم سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين- كانوا على قدر عظيم من الصلاح والتقوى والتمسك بالدين، ومن ذلك محافظتهم على الطاعات والعبادات والنوافل والقربات والتي من أهمها وأفضلها قيام الليل، وقد دلت الأدلة الكثيرة من كتاب الله تعالى على فضل هذه العبادة العظيمة ومنزلتها عند الله تعالى.

    1.   

    ذكر الأمور الداعية إلى الحديث عن قيام الليل

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن الموضوع الذي سنتدارسه في هذا الحين يدور حول شعار الصالحين في كل حين، وهذا الموضوع في الحقيقة يعتبر تتميماً لموضوع قد مضى الكلام عليه في وقت ماضٍ حول هدي الإسلام في نوم الإنسان، واستعرضت هناك آداب النوم، والحكمة من خلق النوم، ووجود الليل، وسأستعرض الآن ما ينبغي أن يفعله الإنسان بعد نومه، وهو شعار الصالحين في كل وقت، والذي دعاني للحديث عن هذا الأمر أمران عظيمان جليلان:

    صلاح الأمة بصلاح القلوب

    الأمر الأول: أنني تأملت حال الأمة الإسلامية الذين زاد عددهم في هذا الوقت على ألف مليون مسلم، فرأيت حالتهم تفطر الأكباد وتدمي القلوب، وإذا أراد الإنسان أن يفكر في إصلاح الأمة، فلن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وألقيت نظرة في الأمر الذي صلح به أمر أول هذه الأمة فرأيت أن بداية الإصلاح كانت من هذا الأمر، وهو إصلاح القلوب، وربطها بعلام الغيوب عن طريق قيام الليل وغيره.

    وسيأتي معنا عند مدارسة هذا البحث أنه من العجيب الغريب الذي يلفت أذهان العقلاء: أن الله جل وعلا افترض قيام الليل في مكة قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن تشرع الحدود، بل قبل أن تفرض الصلوات المفروضة الصلوات الخمس، وهذا لأمر عظيم؛ لأن الإنسان إذا خلا بربه جل وعلا، واتصل قلبه بالله جل وعلا في جنح الليل طهر القلب، ونزلت عليه الفوائد، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وإذا طهر القلب فإنه يكون في حالة استعداد لتلقي كل أمر طاهر بعد ذلك، وإذا كان القلب فيه فساد، فلن يتقبل الأوامر الطاهرة إذا وجهت إليه، ولذلك عندما ربي الرعيل الأول الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم على هذا المعنى على تطهير القلوب، وربطها بعلام الغيوب، خرج جيل لم يشهد له التاريخ مثيلاً.

    ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقر ذلك الذهبي ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن -يتصل قلبه بالله جل وعلا- وكانت السورة تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عندها، ثم رأيت أناساً يأخذون القرآن قبل الإيمان، يقرأ القرآن من أوله لآخره لا يسقط منه حرفاً، ولا يدري ما أمره ولا نهيه، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده).

    ولذلك قال أئمتنا الكرام: من رحمة الله بالحدث وبالشاب أن يوفق في بدايته لرجل من أهل السنة ليربط قلبه بالله جل وعلا، وليعرفه الطريق المستقيم، ثم بعد ذلك يقبل على العلوم ويأخذ منها وينهل، لا بد من هذا، وهذا كما ثبت في سنن ابن ماجه بسند صحيح عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا ونحن فتيان حزاره) جمع حزور، وهو الشاب الممتلئ نشاطاً وقوة وجلداً، (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاره، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً) وتعلم الإيمان يكون عن طريق الخلو مع الرحمن جل وعلا في جنح الظلام، هذا الأمر الأول الذي دعاني للحديث عن هذا الأمر العظيم شعار الصالحين.

    طهارة القلوب سبب لطهارة الجوارح وتقبلها أوامر الله تعالى

    عباد الله! إن القلب إذا طهر، واتصل بالله جل وعلا تطهر سائر الجوارح، وقد ربى الله جل وعلا هذه الأمة على هذا المعنى، ففي صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما أنزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار)، وتعني بها سورة المدثر، وهي ثاني سورة نزلت من القرآن، وفيها يقول الله جل وعلا: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]، ثم يتحدث الله جل وعلا بعد ذلك عن بيان أصحاب وعدة أهل النار الملائكة، وما سيصلى الكفار في النار من طريق حراس الملائكة التسعة عشر، فيقول جل وعلا: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، ثم في نهاية السورة يقول الله جل وعلا: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ [المدثر:38-40]، فأول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، تقول: (حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل من أول الأمر -أي: والقلوب لا زالت على شوائبها ولم تطهر ولم تتصل بربها جل وعلا- ولو نزل من أول الأمر لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، ولو نزل من أول الأمر لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نترك الخمر أبداً، أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:46]، وهو من سورة القمر، وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عندهم في المدينة)، عليها رضوان الله، وصلوات الله وسلامه على نبينا وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    ولهذا الأمر إخوتي الكرام! لو تفكر الإنسان في شرع الرحمن جل وعلا لوجد أن الله حرم الخمر في العام الثاني للهجرة، أي: بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بواحد وعشرين سنة، وحرم الغناء في مكة عند بعثته صلوات الله وسلامه عليه، الغناء يحرم في مكة، والخمر تحرم بعد واحد وعشرين سنة؛ لأنه لا يجتمع قرآن الشيطان مع قرآن الرحمن في قلب إنسان، وإذا اجتمعا فسيخرج أحدهما الآخر، فإما شيطان وإما عبد للرحمن، الغناء يحرم في العصر المكي، وعسى الله جل وعلا أن يمد في الأجل لنتدارس هذه الرذيلة التي فشت في أوساط المؤمنين وجعلتهم في رتبة الشياطين، الغناء يحرم في مكة، والخمر في المدينة بعد واحد وعشرين سنة؛ لأن القلب إذا طهر وقيل له: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90-91]، يقول المسلمون قولة رجل واحد: انتهينا، القلوب طاهرة، سبحان الله العظيم، يعتني الله بالقلب إلى هذا الحد!

    لو نظر الإنسان في الشرع لرأى أن الله فرض الحجاب في العام السادس للهجرة بعد تسع عشر سنة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يركز على القلب ولا يضر الظاهر؛ لأن الظاهر يغير بعد ذلك بإشارة، يقول الله في سورة النور: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، (يغضوا) مجزوم بقوله: قل للمؤمنين، فإذا قلت للمؤمنين: غضوا يغضوا، بعد أن طهرت قلوبهم فأفعالهم متوقفة على أمرك.

    ولما نزلت آية الحجاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، ثبت في سنن أبي داود وغيره عن أم سلمة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما: (أن هذه الآية لما نزلت عمد النساء إلى مروطهن -أي: أثخنها وأسمكها وأغلظها- فاختمرن بها، وخرج النساء بعد ذلك كأن على رءوسهن الغربان)، بعد تسع عشرة سنة ينزل هذا الأمر فيخرج النساء مباشرة كأن على رءوسهن الغربان، وفي زمننا التي في الإسلام من سنوات كثيرة، ومن أسرة مسلمة، إذا خاطبتها بالحجاب تعرض بوجهها عن هذا! لم؟ لأن القلب فاسد، معشعش بوساوس الشياطين من غناء وهوى وغير ذلك، فلا بد من تطهير القلب وربطه بالرب جل وعلا، فإذا ربط القلب بالله أعمال الجوارح بعد ذلك هينة سهلة.

    ولذلك ثبت في الصحيحين والمسند وغيرهما في الحديث الطويل عندما سأل هرقل أبا سفيان وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن أصحابه الكرام، وكان أبو سفيان إذ ذاك مشركاً، فقال: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ كيف يرتد وقلبه يرقص طرباً بلقاء الله كل ليلة، كيف يرتد؟! هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه، كراهية له ونفوراً منه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان : لا، وكان إذ ذاك مشركاً، فقال هرقل : وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    صلاح القلب وطهارته يرفع صاحبه منزلة عالية

    وهذا الأمر يفسر لنا حديثاً كم بذلت في فهمه لأصل إلى المراد، فأزال الله بعد ذلك عني القلق الذي كان يساورني من هذا الحديث، والحديث هو ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: ذكر الله )، وفي رواية: ( والذي نفسي بيده! لو ضرب بسيفه المشركين حتى يختضب دماً لكان الذاكر لله أفضل منه )، قلت: كيف فضل بهذه المرتبة على الجهاد، وعلى الزكاة، وعلى إنفاق الذهب والفضة، وعلى غير ذلك من الأعمال؟ ثم أزال الله عني الإشكال؛ لأن المجاهد إذا لم يكن ذاكراً سيولي الأدبار، كما هو حالنا في هذه الأيام، فلا بد إذاً من تعمير القلب بذكر الله؛ ليكون بعد ذلك شعلة نور وصلاح وفضيلة وخير وبركة، وأما المجاهد إذا لم يكن قلبه متصلاً بالله سيفر، والمتصدق والمزكي إذا لم يكن قلبه طاهراً سيحبط عمله.

    فجعل للذكر هذه المرتبة لأن الذكر عندما يربط القلب بالله فإن جميع الأعمال بعد ذلك تكون زكية مقبولة طاهرة، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وإذا كان القلب فاسداً، فكل ما سيصدر عن الجوارح سيضرب به وجه صاحبه.

    إخوتي الكرام! هذا الأمر له قدر كبير لا تظنوه يسيراً، واسمعوا لإشارة نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، وهو في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه، ورواه ابن ماجه بسند ضعيف عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة )، تأملوا أحوالنا إخوتي الكرام! إذا كان عدد الجيش اثنا عشر ألف مقاتل لا يغلبون من قلة، لو اجتمع أهل الأرض على قتالهم، إذا كانت قلوبهم طاهرة، وبذكر الله عامرة، إنما يغلبون من ذلة كما هو حالنا في هذه الأيام، فإذا بلغ عدد الجيش هذا الرقم، فلو اجتمع أهل الأرض على قتالهم سينهزم أهل الأرض أمامهم؛ لأن الله معهم، وإذا كان عدد الجيش بهذا المستوى أو أكثر ممن كثروا فيفتش قلوبهم؛ لعلها أخبث من قلوب أعدائهم، ولذلك أهانهم الله، وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

    إخوتي الكرام! ألف مليون مسلم غثاء كغثاء السيل، قلوب خبيثة، وأعمال فاسدة، ولا يعلم بحالنا إلا الذي خلقنا، ولذلك إذا أردنا الإصلاح لا بد من تطهير القلوب، إن القلب إذا طهر فإن الواحد يعدل مائة، بل يعدل أرقاماً لا نهاية لها، وفي معجم الطبراني الأوسط والصغير بسند ضعيف، وللحديث روايات كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ( ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان )، إذا كان قلبه طاهراً فهو خير من ألف قلوبهم غير طاهرة.

    والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى

    ولم أر كأمثال الرجال تفاضلت إلى المجد حتى عد ألف بواحد

    إذاً: لهذا الأمر -وهو السبب الأول- أردت أن أتكلم عن قيام الليل، لنعرف أن هذا الأمر له شأن كبير يطهر القلوب، وهذه بداية الصلاح والإصلاح.

    بقاء الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة

    الأمر الثاني الذي دعاني للحديث عن هذا الأمر: أنه في خلال محاضراتي في كلية التربية للبنات، عندما درست أخواتي الصالحات في بداية تدريسي لهن من ثلاث سنوات، كان في ذهني عندما درست في تلك الكلية لأخواتي خمسة أمور، ركزت في أذهان البنات ولله الحمد، وثبتت واستقرت، فبدأت بأول محاضرة في التوجيه بعد مضي فترة من محاضرات التوحيد عن قيام الليل، وربطت هذا بموضوعات المنهج المقرر في بحث نزول الرب جل وعلا في ثلث الليل الأخير، وما الذي يستفيده من ذلك؟ ثم جاءتني البشائر من أخواتي الصالحات بأن طالبات قسم الدراسات الإسلامية قد التزمن بقيام الليل على الإطلاق، وكان السكن -ولله الحمد- عامراً بالمتهجدات الصالحات القانتات، ركزت على هذا، وحصل أثر، وسأعقب بعد ذلك على هذا بما يتيسر.

    والأمر الثاني: ألقيت محاضرة حول الغناء فيهن، وفي الليلة التي ألقيت فيها المحاضرة قطعت أشرطة الغناء من قبل من كن يسمعنه، وألقيت في مكان في الكلية حتى اجتمع عدد من الأشرطة، وعندي عدد من الرسائل من الأخوات الصالحات التي تخبر عن نفسها أنها قطعت أشرطة الغناء والخزي وما شاكل هذا، والحمد لله رب العالمين.

    الأمر الثالث: كنت أتكلم معهن عن منزلة المرأة، واستعرضت ما يتعلق بالحجاب على الخصوص، وبتعدد الزوجات، أما الحجاب فلله الحمد التزمن به في القسم الذي كنت أدرس فيه التزاماً كبيراً، ولعله من الغريب في أكثر نساء هذه البلاد لباس الجوارب الثخينة السميكة، ولباس القفازين، وقد وجد -ولله الحمد- طالبات صالحات من أبي عريش ومن جيزان ومن سائر المناطق لا تخرج الواحدة خارج بيتها إلا بجورب ثخين سميك، وقفازين في اليدين، وكانت شروط حجاب المرأة المسلمة تكتب على الجدران لتتقيد بها كل طالبة ولله الحمد والمنة.

    ثم بعد ذلك وهو الأمر الرابع: الاعتناء بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يتقصد الإنسان من الحديث الذي يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت أوراق الامتحان عندما يستدل بالأحاديث فيها، وتذكر الأحاديث فيها يقال: رواه الشيخان، ورواه الحاكم ورواه النسائي وسنده صحيح، وسنده ضعيف، هذا في أوراق الامتحان، وقد أخبرني عدد من المشايخ الكرام بهذا عندما ألقوا محاضرات هناك، وعندما جاءتهم الرسائل.

    والأمر الخامس وهو أعظم الأمور وهو موضوع المنهج: مادة التوحيد جعلتها على أن تكون حياة الإنسان حولها تدور، فلا خير في الحياة إذا لم يعرف الإنسان ربه، ولم يحبه، ولا خير في الآخرة إذا لم ير فيها وجهه، ولم يتنعم بجنته، هذا الأمر قد التزم به من التزم ولله الحمد، وقد وصلتني رسائل من عدد من الصالحات كل واحدة تقول: والله لقد هانت عندنا الحياة في ذات الله، وأخرى تقول: والله لا أريد شيئاً إلا الجهاد في سبيل الله، ومثل هذا كثير، وإذا كان هذا الموضوع قد آتى ثماره عند أخواتي الصالحات، فأسأل الله جل وعلا أن يعطي ثماره في وفيكم، وأسأل الله جل وعلا أن لا يجعلني جسراً يعبر به إلى الجنة ثم يلقى في جهنم إنه على كل شيء قدير، وأسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا إنه على كل شيء قدير.

    والذي أريد أن أنبه عليه في الأمر الثاني: ليعلم كل واحد منا أن الأمة ولله الحمد لا زال فيها خير كثير، وأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كالذهب، ولكن تراكم عليه الغبار في هذا الوقت فيحتاج فقط إلى تنظيف ونفخ ونفض وإزالة هذا الغبار، وإذا زال الغبار تظهر المعادن الطيبة في الذكور والإناث، لا يتقدم عليهم الصحابة الأبرار إلا بفضل الصحبة رضي الله عنهم أجمعين، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يقول في الحديث الذي رواه عنه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته )، ولله الحمد والمنة، عندما تقال كلمة الحق يتقبلها أهل القلوب الطيبة من ذكور وإناث، عندما تنظف هذا المعدن الطيب وعندما تزيل عنه ما تراكم عليه تراه يتفاعل معك وكأن القرآن نزل عليه الساعة، والحمد لله رب العالمين، وما دامت الأمة بهذه الحالة، فهذه تبشر بخير، وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا مزيداً من الإخلاص وتدبير الدعوة لتكون كلمة الله هي العليا إنه على كل شيء قدير.

    روى أبو نعيم في الحلية عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم الحق فعرفتموه. أي: إذا قيل فيكم الحق عرفتموه، واطمئننتم إليه، وقدمتموه، وارتاحت قلوبكم له، فهذا يدل على أمر حسن عظيم فيكم.

    1.   

    الآيات التي حثت على قيام الليل

    إخوتي الكرام! الحديث الذي سنتدارسه الآن حول شعار الصالحين حول قيام الليل، سيدور حول خمسة أمور:

    سنتدارس في الأمر الأول: آيات القرآن التي حثت على هذا الأمر، وسأذكر سبع آيات مكية وثلاث آيات مدنية قررت قيام الليل.

    والأمر الثاني: سأستعرض لهدي نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.

    وسأتعرض في الأمر الثالث: لمسلك الصالحين.

    والأمر الرابع سأتكلم لم كان لقيام الليل تلك المنزلة؟ وما الفوائد التي يحصلها من يقوم الليل؟

    والأمر الخامس: سيكون حول الأسباب التي تيسر على الإنسان قيام الليل. ‏

    قوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً..)

    أما الأمر الأول وهو الآيات: الآية الأولى في سورة المزمل، يقول الله جل وعلا في بدايتها: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:1-8]، (يا أيها المزمل) المزمل: المتفعل من التزميل، فأصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاء فصارت: يا أيها المزمل، وإنما خاطبه الله جل وعلا بهذا الوصف -وهو نبينا صلى الله عليه وسلم- لأمرين: لأنه عندما نزل عليه الوحي رجع إلى زوجه خديجة رضي الله عنها، وقال: (زملوني زملوني)، فاشتق الله من حالته وصفاً لقبه به وأطلقه عليه، على عادة العرب إذا أرادت أن تكرم إنساناً فتخبر عنه بالوصف الذي هو عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: ( أن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت ابنته فاطمة رضي الله عنها، فلم يجد صهره وابن عمه علياً رضي الله عنه، فقال لها: أين ابن عمي؟ فقالت: خرج مغضباً، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عنه فرآه في المسجد قد نام، وانكشف الرداء عن عاتقه رضي الله عنه فأصاب التراب عاتقه، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يوقظه ويقول له: قم أبا تراب )، وكان هذا من أحب الأسماء لـعلي رضي الله عنه، وهنا نبينا صلى الله عليه وسلم عندما تدثر وتزمل وتغطى، قال الله له: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]، ملاطفة وإكراماً له عليه صلوات الله وسلامه.

    والأمر الثاني: ليشمل هذا الخطاب كل من يتصف بهذه الحالة؛ لأن ذلك وصف مشتق، فكل من تدثر، وكل من تزمل يوجه إليه الخطاب، فليس الوصف وصف تزمل وتدثر، قم لمناجاة الله جل وعلا.

    مسألة: هل الأمر في قوله: قم الليل للوجوب أم للندب؟

    يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]. صيغة الأمر في (قم) قال علماؤنا الكرام: إن كانت للندب، فالآية محكمة وهي باقية، وهي عامة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وإن كانت للوجوب -وهو الظاهر- كما ثبت هذا في صحيح مسلم عن أمنا عائشة كما سيأتي الإشارة إلى الحديث، فإن كانت للوجوب فاختلف العلماء: هل الوجوب باقٍ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: إن الوجوب كان في حق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل ذلك واجباً عليه حتى فارق الدنيا والتقى بربه صلوات الله وسلامه عليه.

    وقيل: إن الوجوب كان في بداية الأمر في حق نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي حق الأمة أيضاً، ثم نسخ الله ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حق الأمة، وبقي على الندب، كما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن حكيم بن أفلح أنه جاء إلى أمنا عائشة رضي الله عنها فقال لها: (أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت له: ألست تقرأ سورة المزمل؟ فقال: لا، قالت: فإن الله جل وعلا افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً -سنة كاملة- وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة).

    وهذا المعنى ثبت أيضاً في سنن أبي داود بسند صحيح، ورواه ابن نصر في كتاب قيام الليل، ورواه ابن مردويه في تفسيره والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قيام الليل كان فريضة في أول الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، واستمر سنة كاملة، حتى نسخ الله هذا الأمر بقوله جل وعلا: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل:20].

    أمسك الله هذه سنة كاملة، ثم أنزلها فكان فيها الرخصة، وأما في أول الأمر فينبغي للإنسان أن يقوم الليل على هذه الشاكلة: نصفه، وإن زاد فإلى الثلثين، وإن نقص فإلى الثلث، ولا يباح له أقل من هذا بحال، (قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً) إلى الثلث، (أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً). ثم نسخ الله الوجوب بعد ذلك، وبقي الأمر للندب وللتطوع كما سأيتينا في الآيات الأخرى.

    وورد في تفسير ابن جرير عن سعيد بن جبير : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بقوا على تلك الحالة عشر سنين، حتى نسخ الله جل وعلا ذلك في آخر السورة في الآيات المتقدمة) والثابت في صحيح مسلم وغيره سنة واحدة، وهو الأولى والأقوى وعليه المعتمد.

    سورة المزمل من أوائل ما أنزل

    إخوتي الكرام! سورة المزمل التي فرض الله فيها قيام الليل، نزلت في أوائل ما نزل من القرآن على نبينا صلى الله عليه وسلم، بل ادعي أن هذه السورة هي أول ما نزل على الإطلاق، ولعلمائنا الكرام في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ثلاثة أقوال: قولان معتبران، والبقية فيها ما فيها، أقوى الأقوال وأولاها وهو المعتمد: أن أول ما نزل خمس آيات من سورة اقرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وهذا ثابت في الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها، وأول ما نزلت سورة المدثر، وهذه أولية مقيدة، أي: أول ما نزل بعد انقطاع الوحي، وأول ما نزل مشعراً بالبلاغ وتكليف النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، والحديث ثابت في صحيح مسلم، وقيل: أول ما نزل البسملة، وقيل: الفاتحة، وقيل: سورة القلم، ثبت هذا عن مجاهد ، وقيل: أول ما نزل سورة المدثر، ورد هذا عن عطاء الخراساني ، وهو غير ابن أبي رباح ، وهو من أئمة التابعين، وفي روايته ضعف، ثم لم يثبت أنه سمع أحداً من الصحابة ونقل عنه، فروايته تكون معضلة، والآثار تشعر أن سورة المدثر تأخرت قليلاً ثم نزلت بعد ذلك، فنزلت قبلها سورة العلق، ثم بعد ذلك سورة المدثر، ولا مانع أن تكون سورة المزمل بعد ذلك.

    إذاً: من أول ما ينزل على نبينا صلى الله عليه وسلم التكليف بقيام الليل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]، وهكذا كان أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم يفعلون، فهم للنبي صلى الله عليه وسلم تبع، ونبينا منا ونحن منه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، عليه صلوات الله وسلامه.

    قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك ...)

    الآية الثانية: في سورة الإسراء، وهي مكية بالإجماع يقول الله جل وعلا فيها: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:78-79] (أقم الصلاة لدلوك الشمس) الدلوك فسر بأمرين: الأول: قيل: إنه زوال الشمس عن كبد السماء، وعلى هذا فهذا شامل لصلاة الظهر والعصر، نقل هذا عن عمر وابنه رضي الله عنهما، وعن أبي هريرة ، وهذا الذي اختاره ابن جرير عليه رحمة الله، وقيل: إن الدلوك هو الغروب، وهذا منقول عن علي وابن مسعود وأبي بن كعب ، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما روايتان: أن الدلوك هو الزوال وهو الغروب.

    والذي يظهر -والله أعلم- أنه من ناحية المعنى اللغوي كل منهما فيه ميلان، فالزوال تميل فيه الشمس، والغروب تميل فيه، هنا تميل عن كبد السماء، وهنا تميل إلى الغروب، ولكن الذي يظهر: أن المعنى الأول هو المعتمد ليشمل صلاة الظهر والعصر، ويأتي بعد ذلك غسق الليل، والغسق هو السيلان في اللغة، (غسق الليل) أي: إذا سال الليل وأقبل بظلامه الدامس، وهذا شامل لصلاة المغرب والعشاء، (وقرآن الفجر) شامل لصلاة الفجر، فدخلت الصلوات الخمس في هذه الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، أي: تشهده ملائكة الليل والنهار، ويشهده العزيز الجبار سبحانه وتعالى، فعندما ينزل جل وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا يستمر نزوله حتى تنتهي صلاة الفجر، كما ثبت هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، قوله: نافلة لك تحتمل ثلاثة أمور: إما أن يكون المراد من النافلة ما يقابل الفريضة، وهذا تقييد وإعلام بأن هذا التهجد ليس من باب الفريضة والوجوب، إنما هو من باب التطوع والتنفل والتقرب إلى الله جل وعلا، ولكن لهذا أجر عظيم وإن كان نافلة، فعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً عظيماً، وهو مقام الشفاعة الذي يغبطك عليه الأولون والآخرون، ودرجة في الجنة لا تنبغي إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم.

    المعنى الثاني الذي تحتمله هذه الآية: أن المراد من النافلة هنا: الزيادة على الفرائض، مع أن هذه الزيادة من جنسها، وعلى هذا فقوله: (نافلة لك)، أي: فريضة ثانية في حقك عدا الفرائض الخمس المتقدمة: (لدلوك الشمس وغسق الليل وقرآن الفجر)، فتلك واجبة عليك وعلى كل أحد، وأنت يجب عليك فريضة أخرى؛ لأنه لك مقامات عالية، فينبغي أن تبذل لهذه المقامات ما يتناسب من طاعة رب الأرض والسماوات، (نافلة لك)، فريضة زيادة على الفرائض الخمس، وهذا على قول من يقول: إن قيام الليل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم.

    المعنى الثالث: ما قاله مجاهد إمام المفسرين في زمن التابعين، ونقل الواحدي على هذا القول اتفاق المفسرين، فقال: (نافلة لك) إشارة إلى أن قيام الليل في حق النبي صلى الله عليه وسلم يكون من باب التنفل والتطوع؛ لأن قيامه لليل يكون من باب رفع الدرجات، لا من باب تكفير الخطيئات والسيئات، وأما في غيره فليس قيام الليل في حقه نافلة، إنما هو على سبيل الوجوب؛ لأن قيامه لليل يكون بإتمام الفرائض ولتكفير السيئات، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن البصري وابن سيرين ، وكانا يقولان: إن قيام الليل واجب على الأمة، ويجزئ القليل من ذلك ولو صلاة ركعتين عند السحر، ولكن لا بد من ذلك، فقيام الليل تطوعاً في حقك، فهو في حقك لرفع درجاتك، وأما في حق غيرك فهو لتكفير سيئاته، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].

    قوله تعالى: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ..)

    الآية الثالثة: في سورة الذاريات، وهي مكية بإجماع المفسرين، يقول الله جل وعلا فيها: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15-16]، ثم نعت الله جل وعلا إحسانهم والأعمال التي وصلوا بها إلى هذه الدرجة العظيمة فقال، وهو أول وصف في حقهم: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:17-19]، الآيات.

    قوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]، الهجوع: هو النوم، وأصح ما قيل في هذه الآية: أنهم كانوا ينامون قليلاً ويحيون أكثر الليل، وبذلك استحقوا الإحسان ودخول الجنان، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:15-17]، ينامون قليلاً، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]، لا يعجبون بأعمالهم فيمدون القيام إلى السحر، فإذا جاء السحر رأيتهم يستغفرون الله جل وعلا، وكأنهم كانوا في ذنوب وعيوب.

    قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً...)

    الآية الرابعة: في سورة السجدة، وهي مكية بإجماع المفسرين، وفيها يقول رب العالمين: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:15-17].

    تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ أي: تبتعد عن المضاجع لتتهجد لله جل وعلا في ظلام الليل، والتجافي: هو الارتفاع والبعد، وفي هذا إشعار بقوة عزيمة هؤلاء ونشاطهم لطاعة الله جل وعلا، كيف ارتفعت جنوبهم، وابتعدت عن فرشهم طاعة لربهم جل وعلا، والمعتمد في تفسير الآية، وهو المنقول عن التابعين، كما قال الإمام الألوسي عليه رحمة الله: أن جنوبهم تبتعد وترتفع عن فرشهم ليقوموا لصلاة الليل، وهي صلاة نافلة، وما قيل: إنهم يشهدون صلاة الفجر، ويشهدون صلاة العشاء في جماعة، فهذا مما يدخل في هذا اللفظ، والمعتمد في تفسير هذه الآية: ترتفع جنوبهم وتبتعد ليقوموا بقيام الليل تهجداً لله رب العالمين، وهذا هو الثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فاقتربت منه فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، وصلاة الرجل في جوف الليل )، هذه من أبواب الخير العظيمة، ( ثم تلا نبينا صلى الله عليه وسلم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] الآيات )، وخير من فسر كلام الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله -بما يحفظ عليك هذا ويساعدك على القيام به- قلت: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم ).

    قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً)

    الآية الخامسة: في سورة الفرقان، وهي مكية باتفاق المفسرين، وفيها يقول ربنا العظيم: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64] (يبيتون) البيتوتة تطلق على من أدركه الليل ودخل في الليل سواء نام أو لا، بات الإنسان إذا أدركه الليل وصار فيه، سواء نام أو لا، (يبيتون لربهم سجداً وقياماً) ولذلك هم ليسوا نائمين.

    قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، وصفهم بالصفات الطيبة في أنفسهم، ثم وصفهم بمعاملتهم مع غيرهم فأحسنوا: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ثم وصفهم بمعاملتهم لربهم جل وعلا، فقال: إذا جن عليهم الليل يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يقطعون الليل بهذا الأمر ساجدين لله قائمين، وقدم (لربهم)، والأصل أن يقول: يبيتون سجداً وقياماً لله أو لربهم، إشارة إلى أن تعظيمهم وقيامهم وسجودهم لا يصرفونه إلا لله، فهم يبيتون لربهم، ورعاية لتواصل الآيات (يبيتون لربهم سجداً وقياماً).

    وقدم السجود على القيام، مع أن القيام يسبق السجود في الصلاة، قدمه لثلاثة اعتبارات: لاعتبار لفظي أيضاً وهو مراعاة لتواصل الآيات، والأمر الثاني: لمنزلة السجود وأهميته، فهو أعظم من القيام، كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن النسائي والترمذي وغير ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء فيه ).

    والأمر الثالث الذي من أجله قدم الله السجود على القيام: أن الله ذكر قبل آيات استكبار المشركين عن السجود لرب العالمين، فقال جل وعلا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان:60]، فأخبر الله جل وعلا أن هؤلاء المؤمنين يقابلون أولئك، ولذلك أول وصف في حقهم هو السجود: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64].

    قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً...)

    الآية السادسة: وهي مكية أيضاً باتفاق المفسرين في سورة الزمر، وفيها يقول الله جل وعلا: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، (أمن) قرأ بالتخفيف نافع وابن كثير وحمزة : أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ، وقرأ بقية العشرة بالتثقيل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ .

    وعلى قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف فالآية تحتمل أمرين: إما أن تكون الهمزة للنداء، أي: يا من هو قانت! إنك لست كمن تقدم وصفه في الآيات السابقة التي يقول الله فيها: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر:8]، يا من هو قانت! إنك من أصحاب الجنة، لست من ذلك الصنف، وإما أن تكون الهمزة للاستفهام، أي: أمن هو قانت كمن تقدم وصفه يعرض عن الله وينساه وهو من أصحاب النار؟ لا ثم لا.

    وقراءة التثقيل (أمّن) تحتمل أمرين: الأمر الأول: الاستفهام: أي: أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً كغيره الذي لا يسلك مسلكه ولا يفعل فعله؟ وعلى هذا فالجملة التي عادلت (أم) محذوفة، الأمر الثاني: أن تكون (أم) بمعنى بل، كما قال النحاس ، و(من) اسم موصول بمعنى الذي، ومعنى الآية: بل الذي هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ليس كمن تقدم وصفه، بل الذي هو قانت أفضل وأعظم وأفصح وهو مستقيم ليس كمن هو من أصحاب الجحيم الذين تقدم وصفهم.

    أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، هؤلاء هم الذين يعلمون، وهم الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والعلم هو الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود)

    الآية السابعة: في سورة ق، وهي مكية باتفاق، يقول الله جل وعلا في آخر السورة: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:39-42]، ويقول أيضاً في سورة الطور وهي مكية أيضاً في آية تشبه هذه: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:48-49].

    أمر الله جل وعلا النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر الله وأن يسبحه في الليل، والأمة تتبعه في ذلك: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:39-40]، والأمة تتبعه في تسبيح الله وتعظيمه والثناء عليه، وعبادته في ظلام الليل، وفي الطور: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، أي: نحن نراك، ومن قال: فإنك بحفظنا ورعايتنا وكلاءتنا فقد أبعد وفسر اللفظ بلازمه، ولا داعي لهذا الشطط في كلام الله جل وعلا، (فإنك بأعيننا) أي: نراك، وإذا كنا نراك فسنحفظك ونرعاك، فلا داعي لتفسير اللفظ بلازمه، أثبت المعنى الحق للآية ورتب عليه ما شئت بعد ذلك مما يدل عليه، (فإنك بأعيننا): فنحن نراك، والله سميع بصير سبحانه وتعالى، وإذا كنا نراك فلن ننساك فسنرعاك ونتولاك.

    هذه سبع آيات في سبع سور مكية يتحدث الله جل وعلا فيها عن قيام الليل على سبيل الوجوب، وعلى سبيل الندب كما تقدم تفصيل ذلك، فرض الله هذا الأمر، وطلبه منا بعد ذلك على سبيل الندب، في أول الأمر عندما كان المسلمون في مكة قبل أن تقوم لهم دولة، وقبل أن تنزل الفرائض، قبل أن تنزل الأحكام، وقبل أن تشرع الحدود، لا بد من تطهير هذا القلب، وأن يرتبط بالرب جل وعلا عن طريق قيام الليل.

    قوله تعالى: (... والمستغفرين بالأسحار)

    وهذا الأمر كما شرعه الله جل وعلا في مكة تابع الله جل وعلا تشريعه والتأكيد عليه بعد ذلك عندما تأسست الدولة الإسلامية في المدينة، وصار المسلمون لهم شأن، وكثر عددهم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ففي سورة آل عمران، وهي مدنية بإجماع المفسرين الكرام، يقول الله جل وعلا فيها: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:14-17]، والمستغفرين بالأسحار خير مما تقدم من الشهوات واللذائذ العاجلة.

    قوله تعالى: (...يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)

    وفي سورة آل عمران يقول أيضاً ربنا جل وعلا في وسط السورة: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:113-114]، هذا وصفهم وهذا شعارهم، يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، فليسوا سواء، لا تستوي هذه الأمة مع أهل الكتاب.

    والتفسير الثاني وهو الظاهر: لا يستوي أهل الكتاب، فهم صنفان: صنف آمن وهذا وصفه: أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:113-114]، وصنف ثان حرف كلام الله عن مواضعه، وخلد إلى الدنيا، واشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، فلا يستوي الصنفان من أهل الكتاب، هذا صنف تقي وهذا شقي، والآية تحتمل الأمرين: لا تستوي هذه الأمة مع الأمم السابقة، ولا يستوي أيضاً أهل الكتاب فيما بينهم فهم صنفان، صنف مهتد وآخر ضال، لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [آل عمران:113-115].

    قوله تعالى: (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً)

    الآية الثالثة في سورة الإنسان وفيها يقول ربنا الرحمن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [الإنسان:23-26]، وسورة الإنسان مدنية بإجماع المفسرين.

    إذاً: هذه سبع آيات مكية، وثلاث آيات مدنية، أشار الله جل وعلا فيها إلى مشروعية القيام وإلى فضله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.