إسلام ويب

الوصال في الصومللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوصال في الصوم منهي عنه، وهو مخالف لسنة التعجيل في الفطر، وما وقع من وصال لبعض السلف فخلاف السنة، وهو محمول على عدم العلم بالنهي أو تأوله.

    1.   

    معنى الوصال في الصوم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! سنتدارس في هذه الليلة المبارك إن شاء الله أمراً يتعلق بالموعظة السابقة التي تدارسناها في الليلة الماضية، تدارسنا في الليلة الماضية ما يتعلق بأحكام الفطور، وما في ذلك من أجر عظيم يحصله الصائم عند رب العالمين، وكنت ذكرت أن من آداب الفطور: أن يعجل الإنسان فطره إذا غربت الشمس، لعدة أمور معتبرة:

    فهو مدعو إلى ضيافة الله جل وعلا، فالمسارعة في ذلك محمودة.

    والأمر الثاني: هذه هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام وهي سنة الأنبياء الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.

    والأمر الثالث: في ذلك مخالفة لأهل الكتاب.

    والأمر الرابع: إن هذا أقوى لبدنه وأنشط لجسمه.

    والأمر الخامس: لئلا يدخل في العبادة ما ليس منها، فوقت الصيام قد انتهى إلى غروب الشمس، فلا ينبغي أن يضم إليه جزءاً من الليل.

    ثم تكلمت على بقية الآداب، وما سنتدارسه في هذه الليلة يرتبط بهذا الأجر الأول، فإن قال قائل: ما حكم الوصال في الصوم وقد فعله بعض سلفنا الكرام؟ فإذا واصل الإنسان إلى السحر، أو واصل صومه الأول باليوم الثاني، فلم يأكل بينهما، فهل هذا جائز أم لا؟ وإذا قلنا: بالجواز وقد فعله عدد من السلف الكرام، فما حصل إذاً تعجيل للفطر؟

    لذلك سنتدارس إخوتي الكرام مسألة الوصال في الصيام، وغالب ظني لن نتمكن من إنهاء الكلام عليها وعلى ما يتعلق من التعليق الذي يتعلق بها وبنظائرها، في هذه الليلة سنتدارس ما أمكننا من هذه المسألة، ثم نترك الباقي لليلة الآتية إن أحيانا الله.

    إخوتي الكرام! يراد بالوصال أن يترك الإنسان في ليالي الصيام ما يفطره بالنهار قصداً، سواء كان في رمضان أو في غيره.

    إذا ترك الصائم في ليالي الصيام ما يفطره في النهار عمداً وقصداً فقد واصل صومه، يفطره في النهار الأكل والشرب، وهكذا المفطرات الأخرى من اتصال بالأهل وغير ذلك، فإذا ترك في ليالي الصيام هذه المفطرات يقال: إنه واصل، يعني الصيام استمر في النهار وفي الليل، لكن يشترط أن يترك هذا عمداً وقصداً، فلو قدر أنه تركه اتفاقاً بدون عمد وقصد، إما لأنه ما وجد طعاماً ولا شراباً، فواصل رغم أنفه، وإما لأنه كان نائماً، فنام قبيل المغرب وما شعر إلا قبيل العشاء، أو امتد به النوم إلى منتصف الليل والقلم مرفوع عنه لأنه نائم، غلبته عيناه وما يوجد من يوقظه إلى قبيل العشاء أو إلى السحر أو إلى ما بعد السحر، وما فاته من صلوات يأتي بها، فهنا واصل، لكن ليس قصداً، وليس هو بمتعمد للوصال، إنما الوصال أن يترك الصائم في ليالي الصيام ما يفطره في نهاره عمداً قصداً، دخل في هذا كما قال أئمتنا الكرام: المواصلة الجزئية، والمواصلة الكلية، فلو واصل جزءاً من الليل، يعني من المغرب إلى العشاء، فيقال له: واصل، أو إلى السحر: واصل، أو إلى اليوم الثاني والثالث والرابع، بقي عدة أيام لا يأكل فيقال له: واصل.

    إذاً: إما أن يواصل جزءاً من الليل مع النهار، وإما أن يواصل الليل بكامله واليوم الثاني وليلة أخرى وهكذا، المقصود إذا لم يأكل في الليل ما حرم عليه في النهار من أجل الصيام فيقال: إنه مواصل.

    1.   

    حكم الوصال في الصوم

    ما حكم الوصال في الصوم؟ وما فعل من قبل بعض سلفنا ما حكمه؟

    وهذه المسألة استشكل بها بعض الإخوة الكرام وسأل عنها، وكنت سابقاً ذكرتها في المعهد عند آداب الفطر، وأنه ينبغي أن يعجل الصائم فطره، فاعترض بعض الإخوة الكرام أيضاً لمشروعية الوصال، وأنه رخص لنا أن نواصل إلى السحر، بل واصل بعض السلف يومين وثلاثاً وخمسة عشر فلم يأكلوا ولم يشربوا في ليل ولا نهار، فما حكم الوصال الذي جرى؟

    ونحن قلنا كما تقدم معنا: يستحب تعجيل الفطر، فأحب العباد إلى الله أعجلهم فطراً، فهذا الذي فعلوه ما حكمه؟ وكنت أجبت الإخوة الكرام بأن النهي ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا لم يشق الوصال على إنسان فهؤلاء قد تأولوا، وحالتهم مفضولة وليست بفاضلة قطعاً وجزماً، وما عندنا شك في ذلك، لذلك سأفصل الكلام على هذه المسألة ليكون الناس على بينة من أمرهم، وإن كانت المسألة لن نقع فيها، ولن نقوم بها، إنما هي مسألة شرعية من دين رب البرية، والعلم بها مطلوب، وإذا قدر أن الأكثر لا يقع فيها لعله لغلبة الشهوات عليهم لا لطاعة ربهم، فأنا على يقين أنه يوجد في الأمة من يتشدد أحياناً ويتعمق، ولا أريد أن أقول: يغلو ويتنطع، سأبحث في هذه المسألة إن شاء الله كما قلت بعد أن أنتهي من أمر الوصال.

    يوجد من يقع في هذا، لذلك لابد من أن نتدارس هذه المسألة لنكون على بينة من أمرنا، ونسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعل علمنا حجة لنا لا علينا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! ثبت في الصحيحين عن أربعة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ابن عمر وأبي هريرة وأنس وأمنا عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ).

    والحديث في صحيح البخاري أيضاً من رواية أبي سعيد ، وأخرج الحديث أهل السنن وأصحاب المسانيد وغيرهم من أئمة الحديث، إنما هو في الصحيحين من رواية هؤلاء الصحابة الأربعة الكرام: ابن عمر وأنس وأبي هريرة وأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصيام، فقال له رجل.. وفي رواية فقالوا: يا رسول الله! إنك تواصل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إني لست مثلكم، وفي رواية: لست كهيئتكم، وفي رواية: لست كأحد منكم، وفي رواية: وأيكم مثلي؟ )، والاستفهام هنا للاستبعاد والاستنكار، أي: كيف تقيسون حالكم على حالي.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام مبيناً أنه ليس مثلنا، وليس كهيئتنا، وليس كأحد منا، ولا يشبهه واحد منا في هذا الأمر عليه صلوات الله وسلامه؛ قال موضحاً لهذا الأمر: ( إني أطعم وأسقى )، وفي رواية: ( إني أظل أطعم وأسقى )، وكلها كما قلت في الصحيح في الروايات المتقدمة، وفي رواية: ( إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني )، وفي رواية: ( إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ).

    فلما أبى بعض الصحابة رضوان الله عليهم إلا الوصال واصل بهم النبي عليه الصلاة والسلام يوماً ثم يوماً ثم رئي الهلال، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لو تأخر الهلال لواصلت بكم وصالاً يدع المتنطعون المتعمقون تنطعهم )، وقال عليه الصلاة والسلام هذا كالمنكل بهم، قال: (لو تأخر لزدتكم)، فالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، أخرجه البخاري ومسلم كما تقدم معنا، وقال: (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتنطعون تنطعهم)، (إنكم لستم مثلي )، أو قال: ( لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني ).

    هذا الفعل جرى من نبينا عليه الصلاة والسلام فأراد بعض الصحابة الكرام أن يوافقه، فأراد نبينا عليه الصلاة والسلام أن يزجرهم، وأن يبين لهم الفارق بينه وبينهم، فواصل بهم يوماً ويوماً، وامتنعوا عن الأكل يومين مع ليلتين ثم رئي الهلال فقال: لو مد الله لنا الشهر لواصلت أكثر حتى تنقطعوا، ولا تتبعوني فيما لم يشرع لكم التأسي بي.

    إخوتي الكرام! ورد في الحديث: قال رجل.. وفي رواية قالوا: إنك تواصل؟ الذي قال.. إن كان فرداً أو جماعة؟ قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على تسميته، ثم قال الحافظ : الذي يظهر أن الذي قال واحد، وفي أكثر الروايات نسبة القول إلى الجماعة (قالوا) قال: كأنهم رضوا بهذا الكلام الذي صدر من هذا المعترض، أو من هذا المستفسر المستوضح. فنسب القول إليهم جميعاً.

    والذي يبدو لي والعلم عند الله أن هذا القول جرى من واحد وأكثر، فقال واحد وتبعه الصحابة قالوا: يا رسول الله، الأمر كما يقول فلان، إنك تواصل فكيف تنهانا عن شيء وأنت تفعله؟ وقد شرع لنا الاقتداء بك: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، فأنت إمامنا وقدوتنا، وأنت تواصل، قال: نعم، لكن لست مثلكم، هذا الحكم مما خصني الله به، فما ينبغي أن تشاركوني فيه، كما سأبين أيضاً ما خص الله به نبينا عليه الصلاة والسلام من أمور عن طريق المباحات أو الواجبات أو المندوبات، فما الحكم فيها؟ هل نتبعه في ذلك أم لا؟ أبين هذا كما قلت عند مدارسة أحكام الوصال، وما ورد في الحديث: ( إني أبيت عند ربي )، البيتوتة هي أن يدخل عليك الليل، من دخل عليه الليل فقد بات، سواء نام أو لم ينم، قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64].

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.