إسلام ويب

صوم رمضان [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من سنن الصيام السحور، فهي أكلة مباركة حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها للصائم، ونهى عن تركها، وهي مشتملة على فوائد دنيوية، وفوائد أخروية منها إقامة السنة.

    1.   

    كيف نجعل العادات عبادات

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، لك الحمد يا عزيز يا غفور! مننت علينا بإدراك أفضل الشهور، نسألك أن تجعلنا في هذا الشهر من ذوي العمل المقبول، وذوي السعي المشكور المبرور، إنك أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    إخوتي الكرام! سنتدارس في هذه الموعظة المباركة أمراً يتعلق بالصيام، وهو طعام السحور، وإنما أردت أن أتكلم عليه في هذه الليلة، وأن لا أكمل حديثي الذي بدأته البارحة في بيان فرضية الصوم، ثم في بيان الحكمة من فرضية الصوم التي أشار إليها ربنا جل وعلا بقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، لنتعلم آداب هذين الأمرين من بداية هذا الشهر الكريم.

    إخوتي الكرام! تكرم الله على عباده في هذا الشهر بكرامات كثيرة، فالعادات التي يقومون بها من فطور وسحور، الطعام الذي يتناولونه شرع له هدي خاص في شهر رمضان، لما يترتب على ذلك الهدي من الخيرات الحسان، والمؤمن في كل وقت يجعل العادة عبادة، وإذا قام للطعام والشراب والنوم ودخول الخلاء ولبس الثوب وغير ذلك، يأتي للآداب الشرعية التي علمنا إياها خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فتنقلب العادة في حقه عبادة، بخلاف المغفلين الحمقى الذين تكون عباداتهم عادات، وأما الكيسون الفطنون فعاداتهم عبادات، فالعادات نحن نقلبها إلى عبادة في رمضان وفي غير رمضان، لكن في شهر رمضان تقلب العادة إلى عبادة جليلة عظيمة لا يمكن أن نحصل أجرها في غير رمضان مهما عملنا.

    1.   

    السحور للصائم.. أهميته وبركته

    وسنتدارس إخوتي الكرام! طعام السحور لنرى ما فيه من أجر عظيم عند العزيز الغفور سبحانه وتعالى:

    أولاً: المراد بطعام السحور هو أكلة السَحر، والسين مفتوحة، وهو الطعام الذي يؤكل (سَحور)، وإذا ضمت السين (سُحور) فهو فعلك الذي تقوم به، أي: أكلك الذي تتحرك عندما تأكل، من مضغ بفكيك وتناول بيدك، هذا يقال له: سُحور.

    فعلك يقال له: سُحور، والطعام الذي تأكله يقال له: سَحور، فالمصدر السُحور، والسَحور هو الطعام الذي يؤكل.

    وقد ثبت في المسند والصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تسَحروا فإن في السَحور بركة ).

    والحديث رواه الإمام النسائي من حديث أبي هريرة وابن مسعود أيضاً.

    ورواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين: ( تسحروا فإن في السحور بركة ).

    والحديث الشريف ضبط بالفتح وبالضم، ( فإن في السَحور بركة )، أي: في الطعام المأكول بركة، فتنتفعون بها عاجلاً عندما تقوى أبدانكم ولا يصعب عليكم الصيام في يومكم.

    فإن في السُحور -بضم السين- بركة، أي: في تسحركم وقيامكم بأكلة السحر بركة، أي: أجر عظيم عند رب العالمين ومغانم كثيرة عند أرحم الراحمين، وإذا أردت أن تجعل الضبطين في الحديث فسينتج عن ذلك بركات وخيرات عاجلة دنيوية وآجلة أخروية.

    والبركة هي النماء والزيادة والخير والنعمة، ( تسحروا فإن في السحور بركة )، أي: زيادة في الخير، ونماء في الأجر، وقربة إلى الله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! هذه البركة تكون دنيوية عاجلة، فالبدن يقوى عندما يأكل الإنسان أكلة السحر، وينشط، ويصبح الصيام عليه أيسر، ثم يدفع عنه سوء الخلق الذي ينتج غالباً من قلة الأكل، فإذا خلت المعدة يصبح في أخلاق الإنسان شيء من الصعوبة والشدة، فإذا أكل أكلة السَحر تعتدل أخلاقه في هذه الحياة، جسمه يقوى وينشط للصيام بلا كلفة.

    وقد ثبت في سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( استعينوا بأكلة السَحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل )، هذا البدن كالدابة، إذا أحسنت إليه ينقاد لك كما تريد، وإذا أتعبته فهو كالدابة عندما تتعبها تستصعب عليك ولا تنقاد لما تريد، فإذا أردت أن تصوم وأن يسهل الصيام عليك، وأن تضبط أخلاقك، وأن لا تنفعل في صيامك، فتسحر، هذه خيرات عاجلة تحصلها في الدنيا. ‏

    نوم القيلولة للمؤمن

    وهكذا إذا أردت أن تقوم الليل لابد من أن تعطي جسمك حظه من الراحة، فإذا فاتك شيء من النوم في الليل تعوضه في القيلولة؛ لأنك عندما تتهجد ستترك شيئاً من النوم في الليل فتعوضه بنوم القيلولة، ولذلك قال: ( واستعينوا بالقيلولة على قيام الليل )، ولا يوجد نوم في النهار يعدل نوم الليل إلا القيلولة، وما عدا هذا لو نمت أربع ساعات في النهار يعدل ساعة من الليل، يعني لو نمت بعد طلوع الشمس، لا أقول: بعد صلاة الفجر، فالنوم بعد صلاة الفجر وقبل أن تطلع الشمس مذموم مشئوم، ولا ينام صالح في هذا الوقت إلا عن غلبة وضرورة، وأما أن الإنسان ينام بعد الفجر قبل طلوع الشمس فلا، هذا نوم الحمقى، نوم الكسالى الذين يبتدئون نهارهم بالخمول، فالله جل وعلا يقسم أرزاق العباد في كل يوم ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، فاشهد رزقك، وما ينبغي أن يقسم رزقك في السماوات العلى وأنت غافل تغط بالنوم، لكن إذا طلعت الشمس وأراد أن ينام فلا حرج، ذهب وقت الكراهة، لكن إذا نام فكل أربع ساعات من نوم النهار تعدل ساعة من نوم الليل إلا القيلولة، فالساعة بساعة إن لم تزد، فنوم القيلولة له حكم نوم الليل، بل إن الجسم يستريح فيه أكثر مما يستريح من نوم الليل، ولذلك إذا أردت أن تقوم في الليل، فاستعن بالقيام بالقيلولة، واستعن على الصيام بأكلة السحر.

    والحديث إخوتي الكرام! انفرد بروايته الإمام ابن ماجه من الكتب الستة، وفيه زمعة بن صالح الجندي ، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف، وقد أخرج له الإمام مسلم في صحيحه لكن مقروناً بغيره، وروى له أهل السنن الأربعة الإمام الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود لكن في المراسيل ولم يرو عنه في السنن، فهو من رجال أهل السنن الأربعة ومن رجال صحيح مسلم لكن مقروناً. والحديث معناه صحيح، ولمعناه شواهد كثيرة.

    فائدة أخروية لأكلة السحور

    إخوتي الكرام! هذه الفوائد العاجلة الدنيوية لأكلة السحر، وأما الفوائد الأخروية الدينية فهي كثيرة وفيرة سأحاول أن أوجزها في أربع فوائد.

    الفائدة الأولى: يقيم السنة، الذي يتسحر يقيم السنة، قال الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع: أجمع المسلمون على أن طعام السَحور سنة مندوب إليها.

    وكيف لا يكون سنة وقد فعله نبينا عليه الصلاة والسلام، ورغب فيه وأمر به، ونهى عن تركه، فأقل ما فيه أنه سنة مؤكدة مرغب فيها لا يتركها إلا من غبن وخسر، كما تقدم معنا: ( تسحروا فإن في السحور بركة ).

    ونهانا نبينا عليه الصلاة والسلام عن ترك السحور، ففي مسند الإمام أحمد بسند صحيح من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السحور بركة فلا تدعوه )، هنا نهي عن الترك، ( فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ).

    وثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ترد تسميته، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فدعاني إلى أن آكل معه وقال: ( إنها بركة أعطاكم الله إياها، فلا تدعوه )، وهناك: ( السحور بركة فلا تدعوه ).

    والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.