إسلام ويب

صوم رمضان [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل الله شهر رمضان على سائر الشهور، وأوجب فيه الصيام، وندب إلى استغلاله لما فيه من خيرات عظام لمن صامه وقام ليله، وتوعد من فرط فيه بغاية العقاب.

    1.   

    حكم صيام شهر رمضان

    اللهم لك الحمد يا ذا الجلال والإكرام مننت علينا بإدراك شهر رمضان, نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا، وأن تجعلنا من عتقائك من النار بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل لنا أول هذا الشهر رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، بفضلك ورحمتك يا عزيز يا غفار! اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! سنتدارس في هذه الليلة المباركة أمراً يتعلق بالصيام، ألا وهو حكم صيام شهر رمضان، وما يتعلق بهذا من تنبيهات حسان.

    إخوتي الكرام! صيام هذا الشهر الكريم فريضة محكمة بإجماع المسلمين، دل على هذا كلام رب العالمين، وتواترت به أحاديث نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه.

    الأدلة من القرآن في وجوب صوم شهر رمضان

    أما كتاب الله جل وعلا، فالله يقرر هذا في كتابه فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، الكَتب -إخوتي الكرام- بمعنى الجمع والضم، وهذا أصله في اللغة، ويأتي بمعنى: الفرض والإيجاب والإلزام وهو المراد هنا بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] أي: فرض عليكم ووجب عليكم وألزمتم بأن تصوموا شهر رمضان المبارك.

    قال أئمتنا الكرام: ووجه التعبير بـ(كتب) عن (فرض): أن الشيء الذي يراد إيجابه وإلزام المكلفين به يراد ويقصد أولاً، ثم يقال ويتكلم به ثانياً، ثم يكتب ويوثق ثالثاً، فإذا أريد تأكيد المراد والتنبيه على أهميته وشدة لزومه عبر عن هذا بمنتهى الأمر لا بمبدئه، فالإرادة مبدأ، والقول وسط، والكتابة بعد ذلك نهاية الأمر: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، أي: أردت منكم أن تصوموا، وقلت هذا، وكتبته عليكم في سجل عظيم في هذا القرآن الكريم، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، فعبر عن الفرض بالكتابة، باعتبار منتهى الأمر ونهايته وآخره في ما هو مراد المقصود المقول في ما يراد إيجاده وحصوله وتحقيقه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    الأدلة من السنة النبوية في وجوب صوم شهر رمضان

    وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن نبينا صلى الله عليه وسلم تبين لنا أن الصيام ركن من أركان الإسلام، وقد فرضه علينا ذو الجلال والإكرام، ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما, والحديث قد روي عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ، فالصيام هو أحد الأركان الخمسة التي يقوم عليها الإسلام.

    والصيام ينتمي إلى شعيرة العبادات التي دار عليها مع أربعة أخرى دين الله جل وعلا، من العقائد, والعبادات, والمعاملات, والأخلاق والآداب, والحدود والعقوبات، فهذه العبادة عبادة الصيام تنتمي إلى شعيرة العبادات التي هي أحد الأمور الخمسة التي يقوم عليها دين الله جل وعلا، وهنا يخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإسلام قائم على خمسة دعائم، وأعظم هذه الدعائم ورأسها وأساسها وغايتها: توحيد الله جل وعلا واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ثم ذكر لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أربع عبادات جليلة جمع فيها بين سائر أنواع العبادات، وهي أصل لما عداها من العبادات والطاعات، فالطاعات إما بدنية وإما مالية، وإما مركبة من بدنية ومالية، فالأمور الأربعة التي بعد الشهادتين جمعت هذه الأشكال الثلاثة، ولا تخرج عبادة وطاعة عنها مهما كان شأنها، فالعبادة البدنية المحضة هي الصلاة، والصيام التي نقوم بها في شهر رمضان والعبادة المالية المحضة هي الزكاة، والعبادة البدنية المالية هي الحج، فهذه الأركان الأربعة التي تنتمي إلى شعيرة العبادات وهي أحد أمور خمسة قام عليها الإسلام بكامله. هذه العبادات الأربعة جمعت ما يوجد في جميع الطاعات؛ لأن كل طاعة يتقرب بها المخلوقون إلى ربهم جل وعلا إما أن تكون بدنية وإما أن تكون مالية، وإما أن تكون مركبة من بدنية ومالية.

    إذاً: عبادة الصيام عبادة بدنية محضة، وهي أحد الأركان التي قام عليها الإسلام، وثبت في مسند أبي يعلى بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة من ترك واحدة منهن فهو كافر حلال الدم لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً -لا يقبل الله منه نافلة ولا فريضة- شهادة أن لا إله إلا الله -وتكملتها محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام- والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان ) ، فمن ترك واحدة من هذه الدعائم العظيمة التي أسس عليها دين الله فهو كافر حلال الدم، لا يقبل الله منه فريضة ولا نافلة.

    إخوتي الكرام! وإنما لم يذكر نبينا عليه الصلاة والسلام الحج ولا الزكاة في هذا الحديث لنكتة لطيفة تظهر لي، وظهرت لي في هذه الساعة المباركة والعلم عند الله، وهي أن الحج مع أنه ركن من أركان الإسلام ليس حاله كحال الصيام فلا يجب على من لم يجد زاداً ولا نفقة، وهكذا الزكاة لا تجب إلا على الغني، بخلاف الصوم فهو واجب على الحر والعبد، على الذكر والأنثى، على كل عاقل بالغ مسلم، يجب عليه أن يصوم رمضان، وأن يصلي، فعبادة الصلاة وعبادة الصيام تستويان في الشروط، بخلاف عبادة الحج وعبادة الزكاة، فكم من إنسان يصوم ويصلي ولا تجب عليه الزكاة، وكم من إنسان يصوم ويصلي ولا يجب عليه الحج، فكأن هذه الثلاث أخص من الخمس، فهي دعائم الإسلام التي يكلف بها الإنسان في كل حال: كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول عليه الصلاة والسلام، والصلاة المكتوبة، وصيام رمضان، من ترك واحدة من هذه الأمور الثلاثة فهو كافر حلال الدم، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

    1.   

    أحوال من ترك صيام رمضان وحكمه

    إخوتي الكرام! وبالنسبة لترك الصيام فللترك حالتان:

    الحالة الأولى: الجاحد لوجوب صيامه وحكمه

    الحالة الأولى: لاشك في كفر من تلبس بها، وهي لو ترك صيام رمضان تركاً علمياً، أي: جحد الفريضة، وما أقر بها، وما أذعن لها، وما أقر بأن الله فرضها على عباده، فمن جحد الجانب العلمي في فريضة الصيام، وهكذا في سائر شعائر الإسلام، فلا شك في كفره وخروجه من حظيرة الإسلام، لو ترك الصيام علماً فقال: لا حكمة في فرضية الصيام، إن فرض الصيام على العباد إتعاب لهم، ويؤخر الاقتصاد، كما قال حبيب الشيطان، والبغيض إلى عباد الرحمن العبد المخذول الذي خذله الله، وهو العاتي في هذه الأيام، ونسأل الله أن يخذل أمثاله من الطواغيت الذين جثموا على صدور المسلمين، هذا العبد الذي هو حبيب الشيطان كما قلت، والبغيض إلى عباد الرحمن بورقيبة عليه غضب الله وسخطه، عندما جعجع في وسائل الإعلام أيام كان طاغوتاً من الطواغيت، ومفسداً من المفسدين, جعجع في وسائل الإعلام وعلى شاشة التلفاز بلا حياء ولا خجل لا من الله ولا من عباده، بأن صيام رمضان إتعاب للإنسان، ويؤخر اقتصاد البلاد، ودعا الرعية إلى الفطر ثم شرب الخمر أمامهم على شاشة التلفاز في نهار رمضان! أيها العبد العاتي! أيها العبد المخذول! ألا يؤخر شرب الخمر اقتصاد البلاد؟! إن زجاجة الخمر التي تشربها لعله لا يحصّل العامل ثمنها في يومين أو في ثلاثة أيام، فأنت تريد أن تدعو إلى الانحلال والانحراف في الأمة الإسلامية.

    إن الأمة الإسلامية مستعمرة في صورة استقلال، إن الاستعمار الذي نعيش فيه في هذه الأيام يختلف عن الاستعمار الذي كان في قديم الزمان، كان هناك عدو أجنبي، فصار في هذه الأوقات عدو وطني، من جلدتنا ويتكلم بلساننا، وينتمي إلى ديننا، ثم يفسد في شريعة الله جل وعلا ما لم يفسده ذلك العدو الأجنبي الذي حل في بلاد المسلمين فترةً ثم طرد، ونسأل الله أن يطهر بلاد المسلمين من كل رجس كافر ذميم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    فمن جحد الجانب العلمي، الجانب النظري، الجانب الاعتقادي في الصيام فلا شك في كفره وردته وخروجه من الملة، وإن زعم أنه مسلم.

    الحالة الثانية: التارك لصيامه مع إقرار بذنبه

    وأما الجانب العملي بعد ذلك، لو ترك الصيام، وما استحل الترك، وعلم أن الله فرض على عباده صيام شهر رمضان، لكنه معترف بذنبه مقر بتقصيره، فيقول: تغلبني شهواتي، وأسأل الله أن يتوب عليّ، وأن يلهمني رشدي، وأن يوفقني لمغالبة نفسي، فإذا ترك صيام رمضان في هذه الحالة فهو لا زال ضمن دائرة الإسلام؛ لأنه ما جحد هذه الفريضة وما أنكرها، ويرجى له التوبة ويرجى له المغفرة، ورحمة الله واسعة، أما إذا جحد الجانب العلمي، الجانب النظري، الجانب الاعتقادي في الصيام، فجحد فرضيته وما أقر بوجوبه، ومن باب أولى لو تسفه بعد ذلك كما تسفه هذا العاتي، بأن التزام الناس بالصيام يتعبهم ويؤخر اقتصاد البلاد، فلا شك في كفره في هذه الحالة.

    إذاً: صيام شهر رمضان فريضة محكمة بإجماع أهل الإسلام، دل على ذلك كلام الرحمن، وتواترت بذلك أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الحكمة من إخباره عز وجل لهذه الأمة بفريضة الصوم على الأمم السابقة

    إخوتي الكرام! هذه الفريضة كتبها الله على الأمم السابقة كما كتبها على هذه الأمة: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، والمراد بوجه الشبه هنا في بيان الوقت والمقدار والكيفية والاعتبار والحكم، ففرض عليهم صيام هذا الشهر من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وألزموا بذلك، وهذا واجب عليهم، وهذا الذي حصل في هذه الأمة: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، وإنما نص الله في كتابه عند إخباره بأن صيام رمضان فريضة علينا، نص على أن هذه الفريضة كتبت على من قبلنا لأمرين معتبرين:

    الحكمة الأولى: للتأسي بهم

    أولهما: ليكون لنا بهم أسوة، ووجه ذلك أن عبادة الصيام لها آثار جليلة، فإذا كانت هذه المنحة منحت للمفضول، فمن باب أولى أن تمنح للفاضل، فهي هدية ثمينة من رب العالمين، وفي شهر رمضان من الهدايا ما لا يمكن أن يدركه الإنسان في غير هذا الشهر الكريم، فإذا كانت هذه الهدايا وهبت للأمم السابقة، وفرض عليهم صيام هذا الشهر، والصوم لله وهو يجزي به، فهل يعقل بكرم الله وهل يليق بجود الله أن يعطي هذا الفضل وهذا العطاء وهذه النعمة للمفضول ويترك الفاضل منها؟

    لا، إن الفاضل أولى بها، ولذلك يقول الله جل وعلا ممتناً على هذه الأمة: اعلموا أنني فرضت الصيام على من هو دونكم، فأنتم أولى بأن يفرض عليكم: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]؛ لنتأسى بهم، ولنعلم أن هذا الخير الذي حصلوه نحن أولى بتحصيله، فهذه الأمة اجتمع فيها ما تفرق في الأمم السابقة من كمالات، ولا غرو في ذلك فرسولها على نبينا صلوات الله وسلامه خير رسل الله، وشريعته أحكم شريعة وأجمع شريعة وآخر شريعة أنزلها الله جل وعلا عليه، وهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، ولن تزال في أمته طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله. هذه هي الحكمة الأولى من الإخبار بأن هذه الفريضة كتبت على المتقدمين كما كتبت على أمة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم صلوات الله وسلامه.

    الحكمة الثانية: لمنافسة الأمم السابقة وبذل أقصى الجد والاجتهاد في استغلال رمضان

    والحكمة الثانية: لننافس الأمم السابقة في هذا الشهر الكريم، ولنري الله من أنفسنا جداً واجتهاداً وطاعة ونشاطاً لم يره الله من الأمم السابقة، فهذه الأمة هي خير الأمم.

    1.   

    أحقية الأمة الإسلامية بصوم رمضان

    وإذا حققت هذه الأمة هذين المعنيين فهم أولى بفرضية الصيام من الأمم السابقة، وإذا فرض هذا على الأمم الماضي، فهذه الأمة أولى بأن يفرض عليها الصيام، وينبغي أن تري هذه الأمة من نفسها جداً ونشاطاً واجتهاداً في شهر رمضان لم يحصل من الأمم السابقة.

    إذا وجدت هذه المعاني في هذه الأمة حقيقة انطبق عليها قول الله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    إخوتي الكرام! إن النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، فرض الله عليهم صيام شهر رمضان، فهل حافظوا على هذه الفريضة أم ضيعوها؟ ضيعوا دينهم من أوله لآخره، وهكذا اليهود عليهم لعائن ربنا المعبود فرض الله عليهم صيام شهر رمضان، فضيعوه وضيعوا الدين بأسره.

    وفرض الله على اليهود والنصارى تعظيم يوم الجمعة، وأن يكون هذا اليوم عيداً لهم كما هو عيد لنا، فأبوا، فاختار اليهود السبت، واختار النصارى الأحد، واختار حبيب الشيطان بورقيبة الذي سيحشر مع إخوانه من النصارى العيد الرسمي في بلاده يوم الأحد، ولا تعطل بلاد تونس في هذه الأيام يوم الجمعة، ولا يسمح للموظفين بأداء صلاة الجمعة، عيدهم يوم الأحد، سلف النصارى، لا عرب ولا مسلمين، لا جرب ولا متقين، تركتم العروبة وتركتم الإسلام، وصرتم تتبعون من غضب عليهم ربنا الرحمن.

    من اعتمد العطلة الرسمية والعيد الرسمي للبلاد الذي تعطل فيه يوم الأحد، وألغى الجمعة فهذا بيننا وبينه عداء؛ لأنه يوم عيد المسلمين: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32], ومن يعظم شعائر الشيطان فإنها من نجاسة القلوب.

    إذاً: يوم الجمعة أيضاً فرض عليهم فتركوه، وهذه الأمة ألهمها الله رشدها فحافظت على تعظيم يوم الجمعة، حافظت على صيام شهر رمضان، وهكذا سائر أمور الإسلام.

    وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يحذرنا من اتباع سنن وطريق الأمم السابقة قبلنا، فهم ضلوا، وإذا تبعناهم فسنظل كما ضلوا، ثبت في المسند والصحيحين من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها, والحديث روي أيضاً في المسند والصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذر ما صنعوا )، وفي رواية أبي هريرة : ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر -كما في رواية أمنا عائشة رضي الله عنها- ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره ).

    إخوتي الكرام! والمراد من اتخاذ القبر مسجداً أمران:

    الأمر الأول: أن نبني عليها مسجداً.

    والثاني: أن نصلي إليها، وإن لم نبني عليها مسجداً، فمن استقبل القبر وصلى له كما يفعل كثير من الضالين في تعظيم من يدعون أنهم من الأولياء والمشايخ فيسجدون لهم ويتمسحون بقبورهم ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ).

    والكيفية الثانية كما قلت: أن نبني عليهم مسجداً، فلا يجوز أن يبنى مسجدٌ على قبر، ولا يجوز أن يسجد إلى قبر، وإذا بني مسجد على قبر يهدم المسجد، وإذا أدخل ميت إلى مسجد وقبر فيه ينبش ويخرج، فلا يجتمع قبر ومسجد في الإسلام وفي شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ).

    إخوتي الكرام! ولعن الكافرين مطلوب في الدين، وهذا من ولاية المؤمنين للصالحين، ومن براءة المؤمنين من أعداء الله المجرمين، ووجد نابتة في هذا الحين يقولون: لا يجوز أن نلعن اليهود والنصارى، فهم على أقل تقدير إخواننا في الإنسانية، وهم في الحقيقة ليسوا إخواناً لهم في الإنسانية، إنما هم في الحقيقة سادة لهم، لكن يتسترون بهذه الألفاظ.

    وقد وصل الأمر إخوتي الكرام! بالعبد المغضوب عليه جورج بوش في هذا الأيام أن بعض الكتاب الكبار في بلدان المسلمين يقول: إن أمريكا في هذه الأيام هي التي أثبتت أنها لا تتبع اليهود، ولا تميل معهم، وليست بقبضتهم كما كان الأمر سابقاً، وهي الآن تنصف العرب، وما بقي إلا أن يقولوا: ينبغي أن نبايع هذا اللعين على أنه خليفة للمسلمين، وهذا سيقال عما قريب، وهذا سيقال عما قريب.

    ومتى يصطلح الكافر مع المؤمن؟ ومتى يعطف الملحد على الموحد؟ والله جل وعلى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران:118-119]، والله الذي لا إله إلا هو! لو بقي على وجه الأرض مسلم واحد لما راق لـجورج بوش الحياة طرفة عين حتى يخرج هذا من دينه، وحتى يمص دمه.

    هل يتوقع من كافر أن يعطف على مسلم؟ هذا إذا خطر ببال إنسان فليعلم أنه ليس من عداد أهل الإسلام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1].

    فانظر لنبينا عليه الصلاة والسلام في مرض موته يقول: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )، فهم كفروا بالله، وهم حرفوا دين الله، ومن خان الله ورسله هل سيعطف على المؤمنين؟! هل سينصف المؤمنين؟! هل سيعدل مع المؤمنين؟ هيهات هيهات! أن يحصل هذا في وقت من الأوقات.

    إذاً إخوتي الكرام! كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، فلنا بهم أسوة، وكيف تفرض هذه الفريضة على المفضول دون الفاضل، فكأن الله جل وعلى يقول: يا معشر الموحدين! أنتم أكرم عليّ من الأمم السابقة، وقد فرضت هذه الفريضة على الأمم السابقة ليحصلوا من ورائها خيرات، فأنتم أولى بذلك وأولى, وإذا كان الأمر كذلك فأظهروا من أنفسكم ما تنالون به رضاي عنكم، نافسوهم في الجد والاجتهاد، وإظهار الطاعة والنشاط: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    1.   

    الحث على اغتنام الوقت في رمضان واستثماره في الطاعات

    إخوتي الكرام! هذه الطاعة الجليلة التي نشهدها في هذه الأيام، ونحن الآن في اليوم الثاني من شهر رمضان، وأريد أن أنبه على أمر لعل الله ينفعنا به في بداية هذا الشهر الكريم، وهذا الأمر هو نحمد الله أن مد في عمرنا حتى أدركنا هذا الشهر الكريم، وكم من أخ كريم وحبيب غال أمين صام معنا شهر رمضان في العام الماضي ولم يصم معنا رمضان في هذه السنة، وأقول لكم إخوتي الكرام! لو أمكن أن نتصل بمن رحلوا إلى الدار الآخرة وهم سلفنا ونحن في الأثر، لو أمكن أن نتصل بهم ونقول: يا عباد الله! ماذا تتمنون؟ يقولون: نتمنى ساعة من رمضان، أما اليوم فهذا لا يخطر ببالنا أن الله سيعيدنا ويعطينا يوماً كاملاً، بل نتمنى ساعة، أن يعيدنا الله إلى الدنيا ساعة، فقط ستين دقيقة، لتروا منا جداً واجتهاداً فتعلمون أنكم مغبونون مفرطون في حق الحي القيوم.

    إخوتي الكرام! هذا العمر الذي مد لنا فيه لإدراك هذا الشهر نعمة عظيمة فاغتنموا عمركم في شهركم، ومن اغتنم عمره في هذا الشهر لعل الله يتكرم عليه بالقبول فيحفظ بعد ذلك في غيره من الأشهر، والعمر هو رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وهو أعظم ما يملكه المؤمن في هذه الحياة.. عمره.. ساعاته.. دقائقه.. لحظاته، كل لحظة إذا انقضت لن تعود، وستتحسر عليها يوم القيامة حسرة لا يعدلها حسرة، وقد سمى لله يوم القيامة بيوم الحسرة فقال: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم:39]، لا يشهد أحد الموقف يوم القيامة إلا ويتحسر سواءٌ كان صديقاً أو زنديقا، أما الصديق فيتحسر لما لم يزدد من الطاعات والخيرات والقربات، كان بإمكانه أن يعرض عن مجالس اللغط والقيل والقال والهذيان، هذا إذا سلمت من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان، كان بإمكانه أن يبتعد عن هذا لكنه فرط فيتحسر، والكافر الزنديق يتحسر من باب أولى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم:39].

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نعمة الوقت نعمة عظيمة يمنحها الناس في هذه الحياة، لكن أكثرهم يقلبون النعمة إلى نقمة، وتكون هذه المنحة في حقهم محنة، وتكون هذه العطية أشنع بلية، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والحديث رواه الإمام الترمذي وابن ماجه ، وذكره الحافظ في المستدرك وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي فقال: قلت ذا في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ )، الصحة والوقت، مد الله لك في حياتك وأدركت شهر رمضان وأنت صحيح، ووالله الذي لا إله إلا هو أنك إذا فرطت فستتحسر يوم القيامة حسرة تتفتت الجبال لحسرتك: ( نعمتان مغبون )، خاسر مفرط: ( كثير من الناس: الصحة والفراغ )، الناس نحو وقتهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما: مغبون أو مغبوط، فمن انتفع بوقته في طاعة ربه فهذا الذي يغبطه العقلاء الكيسون، ومن ضيع وقته فهذا هو الأحمق المجنون، هذا هو المغبون، إما أن تغبن، وإما أن تغبط، وليس هناك مرتبة وسطى: ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ).

    إخوتي الكرام! نحن في بداية الشهر، فلنتق الله في أنفسنا ولنتقي الله في شهر الله الذي حلّ علينا!

    مجالس الحرام ازدحمت، وسائل الإجرام التي عشعشت في بيوتنا من تلفاز وفيديو وغير ذلك ابتعدوا عنها!

    إن الذين يشرفون على هذه الأجهزة لا يخافون الله فتنوا المؤمنين والمؤمنات في عقر بيوتهم، وفي قعر مساكنهم، فأخرجوا لهم من المسلسلات والأحاديث والأخبار ما يفسد الأبرار، فكيف بمثلنا الأشرار، زادونا سوءاً، زادونا شراً، زادونا فساداً، زادونا ضلالاً، ولا نجاة من ضلالهم إلا أن نبتعد عن تلك الوسائل، وأن نجعلها في حكم التماثيل، وأن نفعل بها ما فعله نبي الله الخليل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما كسرها وقال لقومه: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء:52]، وهي اليوم تتمثل في وسائل الإفساد, وسائل الإعلام, وسائل الحرام، وسائل الإجرام، فاحذروها إخوتي الكرام.

    أي صيام لمن عكف في ليله على ما يستحيا من رؤيته ومن سماعه ومن النطق به؟ أشكال براقة، ونساء خبيثة فتانة، تخرج هذه لتنقل خبراً، وهذه لتعطي حركة، وهذه لتمثل، وهذه.. وهذه..، فهل هذا صائم؟

    إنه عند الله الكريم كالكلب الجائع، كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب.

    إخوتي الكرام! الوقت ينبغي أن نتقي الله فيه، والعمر ينبغي أن نغتنمه، لئلا نغبن، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وإذا ما قطعته في الطاعات يمر عليك لتحصل بعد ذلك أعظم الحسرات، ولذلك كان أئمتنا الكرام يقولون: تضييع الوقت من المقت. هذا إذا ضيعت وقتك في مباح، في مسلسلات -لا أقول: إعلامية- في مسلسلات كلامية مع أصحابك، جلستم للساعة الثانية عشرة هذيان ليس فيه غيبة ولا نميمة ولا حرام، لكن ذهبنا وجئنا وبنينا وأكلنا وهدمنا واشترينا وبعنا وما شاكل هذا، هذا هذيان، وتضييع الوقت من المقت، إذا ضيعت وقتك في مباح فهذا من علامة سخط الله عليك، وأما إذا ضيعته في مسلسلات وفي غيبة وفي كذب وفي بهتان فالأمر أشنع بكثير.

    وإذا أردت أن تعرف أيها الإنسان قدرك عند الرحمن فانظر لموقفك نحو الزمان، نحو وقتك، انظر إليه، إذا كنت تغتنم وقتك فهنئ نفسك، وإذا كنت تفرط في وقتك فاعلم أنك مخذول ساقط من عين الله، لا يبالي الله بك تركك كالبهيمة ترتع هنا وهناك حتى تؤول إلى يوم تشخص فيه الأبصار.

    ومن استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسه خير من يومه فهو ملعون، إذا استوى هذا اليوم وهو يوم الخميس مع يوم الأربعاء فأنت مفضول؛ لأنه مد في حياتك لتزداد طاعات، وإذا استوى حالك في رمضان في هذه السنة مع حالك في رمضان في العام الماضي فأنت المغبون الخاسر، وإذا كان رمضان العام الماضي خير من رمضان هذا العام فأنت ملعون، فمن استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسه خيراً من يومه فهو ملعون. وهذا الكلام قاله أئمتنا الصالحون، ورواه الإمام الديلمي في مسنده بسند ضعيف عن علي مرفوعاً إلى نبينا صلى الله عليه وسلم: ( من استوى يوماه فهو ملعون، ومن كان آخر يوميه شراً فهو ملعون )، يعني هذا اليوم والذي قبله، فهذا شرط، وينقص عن ذاك فهو ملعون، ( ومن لم يكن في ازدياد فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خيراً له، ومن رجا الجنة ازداد في الطاعة )، لكن كما قلت: إن الحديث ضعيف ومعناه صحيح قاله أئمتنا.

    كيف لا يغبن إنسان إذا اشتغل بمباح وهذيان لا يسمن ولا يغني من جوع وترك بعد ذلك ما يقربه إلى الله جل وعلا؟

    ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة )، فإذا ترك هذه النخلات واشتغل بعد ذلك بالكلام الفارغ هل هو مغبون أو مغبوط؟ أحمق أم عاقل؟

    إذا أمكنك أن تأخذ درة جواهر كريمة فأخذت حجارة ماذا سيكون الأمر؟ هذا حال الأحمق حال المجنون، أمكنه أن يأخذ الذهب فتركه وأخذ الثراء، وهذا كما قلنا: إذا كان في مباح، وأما إذا ترك التراب وأخذ العذرة فهذا أمر آخر، هذا لم يقل شيئاً مباحاً، فسيحاسب عليه، وهذا أخذ التراب وانتهى خسر فقط، أما هناك فاته المغنم وحصل المأثم، ( من قال سبحان العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة ).

    والحديث رواه البزار وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بسند جيد عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورواه الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال سبحان الله العظيم نبت له غرس في الجنة )، فنحن في أوائل هذا الشهر، فمجالس الهذيان والسمر دعوها، ووسائل الإفساد والحرام والفتنة والإجرام احذروها، وحافظوا على وقتكم واتقوا ربكم.

    لقاء الناس ليس يفيد شيئاً سوى الهذيان من قيل وقال

    فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ علم أو إصلاح حال

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعلنا من المقبولين في هذا الشهر الكريم، وأن يوفقنا لصيامه وقيامه على الوجه الذي يرضى به عنا؛ إنه أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.