إسلام ويب

آداب طالب العلم [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أمور ينبغي على طالب العلم أن يتحلى ويتصف بها، حتى ينفعه علمه، منها: العمل بالعلم، ثم الدعوة إليه، وهناك أمور ينبغي على طالب العلم أن يحذرها ويتجنبها، منها: ضياع الوقت فيما لا ينفع، والجدل والمراء والخصومة، ومخالطة المترفين من أهل الدنيا، ومن يحذِّر من العلماء وسلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، والواجب أن يعرف حقهم وفضلهم وسابقتهم في الدين.

    1.   

    تابع آداب طالب العلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا فضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.. سبحانك وبحمدك، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

    فقد كنا نتدارس الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم المسلم، من ذكر أو أنثى، لتكون تلك العلامات برهاناً على إخلاصه في طلبه العلم لوجه ربه جل وعلا، وهذه العلامات يمكن أن نجملها في عشر علامات، ست علامات ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم فعلاً واكتساباً، وأربع علامات ينبغي أن يتخلى عنها طالب العلم تركاً واجتناباً، ينبغي أن يكتسب الأولى وأن يجتنب الثانية.

    أما ما ينبغي أن يكتسبه وأن يتحلى به وأن يتصف به، فهو ست علامات كنت شرحت أربعاً منها:

    أولها: حسن الإنصات والإصغاء والاستماع.

    ثانيها: حسن الفهم والتدبر والتأمل.

    ثالثها: حسن السؤال والاستفسار.

    رابعها: حسن الحفظ.

    وهذه الأمور الأربعة تقدم الكلام عليها مفصلاً بأدلتها، وأما ما بقي من الأمور الستة فهو أمران ينبغي أن يتحلى بهما طالب العلم سأذكرهما ثم أنتقل إلى بيان العلامات التي ينبغي أن يجتنبها طالب العلم.

    الآدب الخامس: حسن العمل

    العلامة الخامسة التي تدل على إخلاص طالب العلم في طلبه، وأنه يريد بعلمه وجه ربه، ليكون العلم له لا عليه: حسن العمل، وكما قلت: إن العلامات مرتب بعضها على بعض، فطالب العلم إذا أنصت وأصغى واستمع، وإذا فهم وتدبر وتعقل، وإذا سأل عما يشكل عليه، وإذا حفظ بعد ذلك واستقر الأمر في ذهنه، وجب عليه بعد ذلك أمر آخر ألا وهو: أن يقيد هذا العلم بجوارحه، وأن يعمل به كما أمر الله جل وعلا، والعلم كما قال أئمتنا: شجرة والعمل ثمرة، والشجر بلا ثمر لا يصلح إلا للنار، ولذلك ثمرة العلم العمل به، والعلم والد والعمل مولود، وكما أن العلم يراد للعمل، فالعمل يراد للنجاة عند الله عز وجل.

    وقد ألف الإمام الخطيب البغدادي عليه رحمة الله الذي توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة كتاباً في هذا الأمر على وجه الخصوص سماه: اقتضاء العلم العمل، أي: أن العلم يقتضي أن يعمل به صاحبه، ليكون هذا برهاناً على إخلاصه في طلبه، وأنه يريد بعلمه وجه ربه جل وعلا، وقال في أول الكتاب: ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وبذل الهمة للعمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، ثم قرر هذا بالأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وأقوال سلفنا الكرام.

    وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام تبين لنا أن طالب العلم إذا لم يعمل بعلمه فعلمه وبال عليه عند ربه، ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين، والحديث في أعلى درجات الصحة، من رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: ويلك يا فلان! ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه )، فهذا العالم يؤتى به يوم القيامة فيلقيه الله في نار جهنم، وإذا سقط فيها خرجت منه أقتابه، أي: أمعاؤه، وخرجت من بطنه، نسأل الله العافية من سخطه ومن غضبه، فيدور حول أمعائه التي خرجت من بطنه كما يدور الحمار حول الرحى، فهذه الصورة المنكرة الفظيعة يتعجب منها أهل النار، ومع أنهم يعذبون في النار، فيقولون: ويحك! ما لك عذبت بهذا العذاب؟ أمعاؤك اندلعت من بطنك وبدأت تدور حولها في نار جهنم، وأنت كنت في الحياة الدنيا تذكر بالخير وتنهى عن الشر، وتنتمي إلى العلماء والدعاة، فما الذي أصابك؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه، فالعلم ليس فيه فضل ولا شرف إذا لم يحلَّ بالعمل الصالح والخشية من الله عز وجل.

    ولو كان في العلم دون التقى شرف لكان أشرف خلق الله إبليس

    فإذا علم طالب العلم بعد ذلك وقيد هذا في ذهنه، فينبغي أن يترجمه في سلوكه، وأن يكون العلم على جميع جوارحه، فحبه وبغضه وعطاؤه ومنعه وحربه وسلمه وقيامه وقعوده، كل هذا مقيد بالعلم النافع الذي حصله وأخذه من مشكاة النبوة على نبينا صلوات الله وسلامه.‏

    سؤال العبد يوم القامة عن علمه هل عمل به

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن كل من علم شيئاً فسيسأل يوم القيامة عن علمه هل عمل به أو لا؟ ثبت الحديث بذلك في سنن الترمذي ومسند الإمام الدارمي بإسناد حسن، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع )، أي: إذا حضر العباد في ساحة الحساب وعرصات الموقف، لا يمكن للعبد أن يفارق ذلك المكان ساحة الحساب حتى يسأل عن أربعة أمور: ( حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه )، فكل واحد منا إذا حضر الموقف -نسأل الله العافية والمعونة وحسن الخاتمة- سيسأله الله عن عمره، ويخص أيضاً مرحلة من مراحل العمر بالسؤال ألا وهي مرحلة الشباب، هذه المرحلة التي لها اعتبار خاص في عمر الإنسان، ففيها القوى كاملة والنشاط والحيوية، فيبغي أن يغتنم الإنسان شبابه قبل هرمه، سيسأل عن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ثم بعد ذلك هذا العلم ماذا عمل فيه؟ وكل من علم مسألة وجب عليه أن يعمل بحسب ما علم.

    فإذاً لابد من أن يعمل الإنسان بعلمه، ولا يشترط في السؤال يوم القيامة أن يكون من العلماء الراسخين المحققين، بل كل من علم شيئاً، فكل من علم أن الكذب حرام ثم كذب، علم أن الغناء حرام ثم استمع إلى الغناء، علمت أن السفور حرام ثم سفرت، هذا كله ستسأل عنه، إذا علم الإنسان الحكم الشرعي سيسأل هل عمل بموجبه أم لا؟ فكل واحد سيسأل يوم القيامة عن علمه ماذا عمل فيه. نعم، العلماء مراتب، وما يعلمه الناس يتفاوتون فيه، وكل واحد سيسأل على حسب ما علم، ولذلك كلما ازداد علم الإنسان ينبغي أن يزداد عمله وخشيته من ربه جل وعلا.

    ولذلك كان سلفنا يوصون بالعلم ثم بالعمل، كما في سنن الدارمي من رواية عبد الله بن مسعود موقوفاً عليه من كلامه بخلاف الحديث المتقدم، فذاك مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أما هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (تعلموا تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا)، هذا هو الواجب، فإذا تعلم الإنسان بالصورة المتقدمة النظرية الأربعة: أصغى واستمع، فهم وتدبر، سأل عما يشكل عليه، حفظ، فالصورة إذاً صارت واضحة عنده مجموعة في ذهنه مقيدة، فينبغي أن يعمل بها.

    غضب الله تعالى على من علم ولم يعمل

    لقد أخبرنا ربنا في كتابه جل وعلا أنه يشتد غضبه، ويعظم سخطه على من علم ولم يعمل، قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]، والمقت هو أعظم أنواع الغضب، وأشد أنواع السخط، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ [الصف:3]، أي: عظم غضباً، أي: يغضب الله غضباً شديداً على من خالف فعله قوله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يفعل المعروف ويرتكب المنكر، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:3]، والله جل وعلا عير بني إسرائيل وذمهم؛ لأن فعلهم كان يخالف قولهم، وكل من يسير على شاكلتهم فله ذلك الذم، يقول الله جل وعلا في سورة البقرة مخاطباً بني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    اقتداء الناس بالعالم في عمله بعلمه

    خلاصة الكلام: لابد لطالب العلم من العمل بعلمه بعد أن يعلم، فإذا علم وجب عليه أن يعمل، والعالم وطالب العلم وطالبة العلم هؤلاء هم القدوة للعامة، وهم كما قال أئمتنا: بمنزلة السفينة، في نجاتها نجاة من فيها، وفي غرقها غرق من فيها، ولذلك كان أئمتنا يقولون: زلة العالم يزل بها عالم، إي: إذا عمل العالم الخطيئة فالعالم بعد ذلك سيعملون الخطايا، وقد كان أئمتنا يوصون طالب العلم وطالبة العلم، والعالم والعالمة، بأن يتقوا الله جل وعلا، وأن لا يرى الناس منهم شيئاً من المخالفات؛ خشية أن يقتدوا بهم، فإذا اقتدوا بهم بمخالفاتهم حملوا وزرهم ووزر من اقتدى بهم، وقد قال أئمتنا: إذا توسع طالب العلم وطالبة العلم والعالم والعالمة إذا توسعوا في المباح، فسيتوسع العامة في المكروه، وإذا توسع العالم في المكروه وفعله فستفعل العامة الحرام، وإذا وقع العالم في الحرام فستكفر العامة بعد ذلك؛ لأن منزلتهم دون منزلة العالم، فإذا هو انهمك في اللذات والمباحات هم سيفعلون المكروهات، وإذا وقع في المكروهات فهم سيرتعون في المحرمات، وإذا وقع في المحرمات والموبقات فحالهم دون حاله سيكفرون بعد ذلك برب الأرض والسماوات.

    ولذلك ينبغي للعالم أن يحترس غاية الاحتراس، فكما أن أجره عظيم فإن وزره كبير وخيم، ولذلك قال الله لنساء نبينا الأمين عليه وعلى أزواجه وآل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب:30-31]، هذه قدوة لغيرها، فإذا فعلت خيراً فلها أجرها وأجر من يقتدي بها، فلها الأجر مضاعف مرتين، وإذا فعلت شراً فعليها وزرها ووزر من يقتدي بها، فعليها العقوبة مضاعفة مرتين، فكما تضاعف الحسنة في حق طالب العلم بوجود من يقتدي به، فله أجره وأجر من اقتدى به، فكذلك السيئة، نسأل الله أن يجعلنا قدوة حسنة، وأن يتقبل منا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    الأدب السادس: حسن التعليم والدعوة

    الأمر السادس الذي ينبغي أن يعتني به كل من يطلبون العلم من الذكور والإناث، وهو مرتب على الأمر الخمسة المتقدمة: حسن التعليم، وحسن الدعوة إلى رب العالمين، فإذا أصغى طالب العلم وفهم وسأل عما يشكل عليه، وحفظ وقيد ذلك في ذهنه، ثم عمل بجوارحه، أي: هو انتفع بالعلم، وجب عليه بعد ذلك أن ينفع عباد الله، وتقدم معنا أننا نطلب العلم لغايتين اثنتين لا ثالث لهما:

    أولهما: أن نزكي أنفسنا، وأن ننال الأجر عند ربنا.

    وثانيهما: أن ننقل هذه التزكية وهذا النور إلى عباد الله جل وعلا.

    فنحن تعلمنا لنهتدي ولنهدي الناس، فإذا اهتدينا وتعلمنا وعملنا وجب علينا أن ندعو إلى الله جل وعلا على بصيرة، والدعوة إلى الله فريضة ينبغي أن يقوم بها المسلمون، طالب العلم وطالبة العلم، ولذلك قال الله جل وعلا: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44]، سوف تسألون عن تبليغه وعن نشره وعن الدعوة إليه، هذا القرآن ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام ولقومه، وهم سيسألون عن تبليغه وعن نشره، وهكذا طالب العلم عندما يتعلم العلم صار له بذلك ذكر وقدر وأجر عند الله جل وعلا، وصارت له منزلة في هذه الحياة، فسيسأل بعد ذلك عن نشر هذا النور بين المخلوقات، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44].

    حث النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الله وبيان فضلها ومنزلتها

    وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على تبليغ الدعوة ونشر الهداية، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث رواه الإمام الترمذي وأبو نعيم في الحلية وغيرهم، والحديث صحيح صحيح من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، (بلغوا عني ولو آية)، انشروا هذا الهدى وعلموا عباد الله، علموهم القرآن، حديث النبي عليه الصلاة والسلام، بينوا لهم الحلال والحرام.

    فطالب العلم ينبغي أن يبلغ، وأن يدعو إلى الله على بصيرة، والأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح مسلم من رواية تميم الداري ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )، فينبغي أن ننصح المسلمين على وجه العموم، وأن نبين لهم دين الحي القيوم، وإذا نصحنا عباد الله حصلنا أجراً كثيراً، سواء حصل الأثر أم لا، إذا حصل الأثر واهتدوا فإن الأجر يتضاعف، وإذا ردوا علينا دعوتنا حصل لنا أجرنا عند ربنا، أما إذا قبلوا فلنا أجر عظيم، كما ثبت في المسند والصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعلي رضي الله عنه: ( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم )، وهي الإبل الجمال، وهي أنفس مال عند العرب، إذا اهتدى على يديك رجل واحد هذا خير لك من أن تملك عرض الدنيا، وأغلى شيء فيها، وأنفس شيء فيها، ألا وهو الإبل والجمال التي يحتاج إليه العرب في صحرائهم، والحديث رواه الطبراني وغيره من رواية أبي رافع رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعلي رضي الله عنه: ( والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت )، أي: خير من الدنيا وما فيها، إذا اهتدى واحد فقط هذا خير من الدنيا ومما فيها من متاع، وهذه البشارة أيضاً قالها نبينا صلى الله عليه وسلم لـمعاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن رضي الله عنه، كما في مسند الإمام أحمد ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن: ( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ).

    إذاً: ينبغي أن نقوم بهذه الأمور الستة -كما قلت- اكتساباً، ينبغي أن نكتسبها، وأن نتحلى بها: حسن الإصغاء والإنصات والاستماع أولها، وثانيها: حسن الفهم وحسن التدبر والتأمل، وثالثها: حسن السؤال وحسن الاستفسار، ورابعها: حسن الحفظ والضبط، وخامسها: حسن العمل، وسادسها: حسن التعليم وحسن الدعوة إلى رب العالمين.

    إذا اكتسبنا هذه الصفات واتصفنا بها، فإن علمنا علم نافع يقربنا إلى ربنا، وهذا من علامة إخلاصنا لله في طلبنا، فهنيئاً ثم هنيئاً لنا، وإذا تخلفت بعض هذه الصفات فينا فينبغي أن نتدارك أمرنا، وأن نصحح نيتنا ومسلكنا، لئلا يكون العلم علينا، فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من العلم الذي لا ينفع، ثبت في صحيح مسلم من رواية زيد بن أرقم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: ( اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع، ومن علم لا ينفع )، العلم الذي لا ينفع نعوذ بالله منه؛ لأنه مضيعة للوقت، وحجة علينا عند الله جل وعلا يوم القيامة.

    فالعلم إذا لم ينتفع به الإنسان فهو وبال عليه عند الرحمن، ولذلك كلما ازداد العلم ينبغي أن تزداد الخشية من الله عز وجل، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية )، والخشية تكون في النفس بمقدار العلم، وكلما ازداد العلم ازدادت الخشية، هذا إذا كان العلم نافعاً، (إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)، وهاتان الفضيلتان والقوتان هما منبع سائر الفضائل والكمالات، قوة علمية: أن يعرف الإنسان الحق، وقوة عملية: أن يخشى الله عز وجل، وكل كمال بعد ذلك متفرع عن هاتين القوتين الكريمتين: علم نافع، وعمل صالح، وخشية من الله جل وعلا.

    هذه الأمور الستة ينبغي أن يكتسبها وأن يتحلى بها وأن يتصف بها طالب العلم؛ ليكون العلم له، وليكون مخلصاً في طلبه، فهي علامات بينة على أنه يطلب العلم ليتقرب به إلى الله عز وجل.

    1.   

    ما ينبغي على طالب العلم تجنبه والحذر منه

    أما الأمور الأربعة التي ينبغي أن يحذرها طالب العلم وطالبة العلم، فبعد أن اكتسب الصفات الست ينبغي أن يجتنب الصفات الأربع، فدائماً الأمور تكون على هذه الحالة: اكتساب واجتناب، تخلية وتحلية، فإذا تحلى بالفضائل واكتسب الفضائل، ينبغي أن يتخلى عن الرذائل، أي: يجتنب الرذائل، فعندنا أمور ينبغي أن يحذر منها طالب العلم لأجل أن لا يفسد الفضائل التي حصلها بعلمه عن طريق الأمور الستة، هذه الأمور ينبغي أن يحذر منها طالب العلم، وإذا حذرها وابتعد منها واحترس عنها، فهذا برهان على صدقه في طلبه، وأنه يريد بعلمه وجه ربه جل وعلا، أولها: الحذر من ضياع الوقت، ثانيها: الحذر من الجدال والثرثرة والقيل والقال، ثالثها: الحذر من مخالطة أهل الدنيا المترفين، رابعها: الحذر من الوقوع في سلفنا الطيبين وعلمائنا المهتدين.

    وجوب حذر طالب العلم من ضياع الوقت فيما لا يفيد

    هذه الأمور الأربعة التي ينبغي أن يحذرها طالب العلم أقررها بشيء من الأدلة على وجه الإيجاز.

    أولها: الحذر من ضياع الوقت، فإن الوقت هو أنفس ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، فهو رأس ماله في معاملته لربه جل وعلا، لا نملك في معاملتنا مع ربنا في سيرنا إلى الله إلى الآخرة إلا هذا الوقت، فما دام هذا الوقت عندنا ولنا فسحة من الأجل فبإمكاننا أن نتقرب إلى الله عز وجل، وإذا انتهى العمر وذهب الوقت انقطع العمل، فهذا الوقت نفيس نفيس، بإمكان الإنسان في وقته أن يكون صديقاً، وبإمكانه أن يكون شقياً زنديقاً، بإمكانه أن يكون مغبوناً، وبإمكانه أن يكون مغبوطاً، فإذا اغتنم وقته فهنيئاً له، وهذا الذي يغبط ويحصل السعادة والهناء في الدنيا والآخرة، ولذلك إذا ضيع الوقت فهذا من علامات شقائه، وكيف سيحصل العلم ويعمل به ووقته يضيع فيما لا ينفع؟!

    وقد كان سلفنا يقولون: تضييع الوقت من المقت، إذا مقت الله عبداً وغضب عليه يجعله يضيع وقته فيما لا ينفعه، ولذلك أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الوقت نعمة عظيمة، لكن أكثر الناس في غفلة عن هذه النعمة، ولا يشعر بنعمة الوقت إلا الموتى، الذي يموت يتمنى لو امتدت حياته وعاد إلى الحياة التي نعيشها ولو بمقدار نصف ساعة لا ساعة، ليغتنم تلك المدة القصيرة فيما ينفعه، فكم عندنا من أوقات نضيعها! فإذا كان ضياع الوقت منقصة في عموم الناس، فكيف سيكون الأمر في حق طالب العلم! إنه منقصة أشنع وأفظع وأخبث.

    ولذلك ثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة، والحديث صحيح فهو في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ )، هاتان النعمتان أنعم الله بهما على العباد، لكن أكثر العباد غبنوا، أي: خسروا وفرطوا وضيعوا النافع نحوهما، نعمتان مغبون وخاسر فيهما كثير من الناس، نعمتان راسب فيهما كثير من الناس، فاشل فيهما ونحوهما كثير من الناس (الصحة) عنده عافية وقوة، وبإمكانه أن يتزود في صحته قبل أن يهرم وقبل أن يمرض، (والفراغ): الوقت، عنده متسع من الوقت، ضيع هذا المتسع من الوقت فيما لا ينفعه، هذا هو المغبون، هذا هو الخاسر، هذا هو الأحمق، هذا هو الشقي، ولذلك قال شيخ الإسلام الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله: الناس نحو الوقت ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا مغبونين، وإما أن يكونوا مغبوطين، إما أن يغبنوا، وإما أن يغبطوا، أي: أن يحسدهم الناس على ما حصلوا من خير في وقتهم، ويتمنوا مثلما حصلوه، هذا مغبوط، وإما مغبون، أي: خاسر محروم مضيع لوقته فيما لا ينفع، فضياع الوقت من المقت.

    فما ينبغي لطالب العلم ولا لطالبة العلم أن يضيعوا هذا الوقت الذي منّ الله به علينا فيما لا ينفع، فتضييعه من علامات شقاء العبد وخسرانه وخذلانه.‏

    حفظ الوقت بالإقلال من مجالسة الناس

    على الإنسان أن يستعين على المحافظة على وقته بقلة مجالسة الناس، ولا أقول: إنه يعاديهم، إنما يقلل من مجالستهم إلا بمقدار، ولا يجلس معهم إلا في جلسة ينفعهم أو ينتفع منهم، وما عدا هذا يجعل بنيه وبينهم حاجزاً من أجل أن يحفظ وقته عليه، وأن لا يضيع الوقت فيما لا ينفع، لاسيما أنه كلما امتد الزمان وتأخر يقل الجليس الصالح، والأنيس الناصح، وإذا كانت المجالس كلها لغط وهذيان وقيلٌ وقال فالاحتراز والاحتراس والبعد عنها واجب، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الأمور ستختل في آخر الزمان، ولن يحصل الإنسان من يجلس إليه من أجل أن ينصحه، أو يحصل نصحاً منه، ورد في معجم الطبراني الأوسط وكتاب حلية الأولياء لـأبي نعيم ، والحديث في إسناده رجل مختلف في توثيقه، ومعناه صحيح، من رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( سيأتي على الناس زمان لا يكون فيه شيء أعز من ثلاث )، أي: هذه الأمور الثلاثة عزيزة نادرة قلّ أن تحصل في ذلك الوقت، ( درهم حلال )، فالأموال كلها تختلط، والحرام ينتشر، وإذا ابتعد الإنسان عن الحرام يقع في الشبهات كحالنا في هذه الأيام، من لم يأكل الربا المحض والحرام الخالص يناله من غبار الحرام وغبار الربا، ولو وجد درهم حلال لو وجد رغيف من الحلال، خبز من الحلال، لعالج الناس به المرضى، قال: ( أو سنة يعمل بها )، سنة صالحة ثابتة يعمل الناس بها ويكونون على هدى؛ لأن البدع تنتشر، والعادات تسيطر، وتهدر السنة فلا يفعلون السنن، ولا يتبعون النبي المكرم عليه الصلاة والسلام، والأمر الثالث الذي يكون عزيزاً نادراً: ( أخٌ صالح يستأنس به )، فهذه الأمور تصبح عزيزة نادرة، وهذا موجود في هذه الأيام، نسأل الله حسن الختام، وإذا كانت المجالس ليس فيها فائدة ولا تذكير ولا مناصحة، فالبعد عنها واجب، والسعيد من حفظ وقته وحافظ عليه، ولذلك قال الحميدي شيخ الإمام البخاري عليهم جميعاً رحمة الله:

    لقاء الناس ليس يفيد شيئاً سوى الإكثار من قيل وقال

    فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال

    مجالس اللغط واللهو واللغو القيل والقال، هذا إذا تجنب الإنسان الحرام والغيبة والنميمة، أي فائدة ومجالس اللهو؟! قيل وقال، ذهبنا وعملنا بلا فائدة.

    فهناك مجالس مناصحة وتذكير ومدارسة وتعلم وتعليم، فهنيئاً لم يجلس فيها ومرحباً بتلك المجالس، وإلا فالبعد واجب، ولا تحصل السلامة للإنسان إلا بذلك.

    استغلال الوقت فيما ينفع المؤمن في دنياه وأخراه

    كيف يضيع الإنسان وقته بلهو ولغو لا ينفع؟ -هذا إن لم يحصل وزراً- كيف يضيع وقته بلهو ولغو لا ينفع، وبإمكانه أن يستغل هذا الوقت فيما ينفع؟ وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي بإسناد حسن من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة )، فإذا قال الإنسان هذه الجملة المختصرة: (سبحان الله وبحمده)، غرست له نخلة في الجنة، فإذا أراد أن ينطق باللهو باللغو بالكلام الذي لا ينفع، إذا لم يكن هناك معصية ولا غيبة ولا نميمة ولا كذب ولا بهتان، يكفي أنك ضيعت على نفسك الخيرات العظام، لهو لا فائدة منه، وإذا قلت مكانه: سبحان الله وبحمده؛ تغرس للإنسان نخلة في الجنة، وكلما زاد الإنسان يزيد الله له في الأجر والثواب فهو الكريم الوهاب سبحانه وتعالى.

    ليشغل الإنسان وقته فيما ينفعه، وليبتعد عن الثرثرة والهذيان، ولا يضيع وقته فيما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة، نخلة في الدنيا إذا أراد الإنسان أن يغرسها كم يتعب في حفر وسقي وتعهد، ثم هو سيفنى وهي ستفنى بعد ذلك في نهاية الأمر، وهنا نخلة باقية في جنة الله الخالدة، تغرس للإنسان عندما يقول: سبحان الله وبحمده، وإذا كرر الإنسان هذه الجملة المباركة مائة مرة: سبحان الله وبحمده، تحط عنه ذنوبه وخطاياه وأوزاره وإن كانت مثل زبد البحر، كما ثبت هذا في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر )، وهذا مما ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وأن يحافظ عليه، وأن يقول على أقل تقدير في كل يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، ليغفر الله له ذنوبه وأوزاره فهو الرحيم الكريم سبحانه وتعالى.

    إذاً لا ينبغي للإنسان أن يضيع وقته فيما لا ينفع، إذا هم الإنسان بالنطق في الباطل فليجعل مكان ذلك الباطل تسبيحاً لله جل وعلى وذكراً له وصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام، ثبت في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ).

    استغلال الوقت هو الطريق الوحيد للوصول إلى الغايات

    خلاصة الكلام أخواتي الكريمات: لابد من اغتنام الوقت، وأن لا يضيع الإنسان وقته فيما لا ينفعه، فمن ضيع وقته فيما لا ينفعه ينبغي أن يكتب على جبينه: لا يفلح ولا يأتي منه خير، أي: من يضيع وقته فيما لا ينفع ليس من المفلحين، ولا يمكن أن يحصل الخير في هذه الحياة ولا بعد الممات، وهكذا -أخواتي- ينبغي أن لا نضيع الوقت في كثرة نوم، كما لا يجوز أن نضيع الوقت فيما لا ينفع في مجالس اللهو واللغو إذا كنا مستيقظين، لا يضيع منا الوقت لا في حال يقظة ولا في حال نوم، فينام بمقدار، وما ينبغي أن يزيد نوم الإنسان في اليوم والليلة على ثمان ساعات، هذا على أكثر تقدير، ولو اختصر إلى ست ساعات لكان أحسن، ينام ست ساعات، ثم بعد ذلك يقظة وحضور وجد واجتهاد، أما أن يسترسل الإنسان في النوم، وإذا استيقظ يضيع وقته فيما لا ينفع، فكيف سيلقى الله عز وجل؟ وكيف سيحصل العلم في هذه الحياة؟ فلابد من جد واجتهاد.

    يغوص البحر من طلب الآلئ ومن رام العلا سهر الليالي

    تروم الوصل ثم تنام ليلاً لقد أتعبت نفسك في المحال

    الذي يريد أن يستخرج اللؤلؤ يكلف نفسه عناء نزول البحر وغوص البحر، وقد تتخطفه السماك والحيتان وتأكله، وهكذا الذي يريد العلم ينبغي أن يسهر الليالي.

    (تروم الوصل)، أي: الوصل بالله والاتصال به والقرب لديه والمنزلة عنده.

    تروم الوصل ثم تنام ليلاً لقد أتعبت نفسك في محال

    فإذاً لابد من أن نحافظ على وقتنا، وما ينبغي أن يضيع هذا الوقت منا، هذا هو الأمر الأول الذي ينبغي أن نحذره، تضييع الوقت، كان الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول: تضييع الوقت من المقت، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، والنفس إن لم تشغلها بحق شغلتك بباطل.

    ثانياً: اجتناب الجدال والمماراة والمخاصمة

    الأمر الثاني الذي ينبغي أن نحذره، وأن نبتعد عنه غاية البعد والحذر: الجدال والمماراة والملاحاة والمخاصمة الكلامية، فما ينبغي أن نعقد المناظرات والمجادلات بيننا وبين غيرنا، ومن تعلم العلم لله كسره العلم، فما يستطيع أن يقوم بالواجبات التي عليه إذا علم، فكيف يشغل وقته بعد ذلك بهذيان وقيل وقال وجدال وخصام؟ هذا لا ينبغي أن يتصف به طالب العلم على الإطلاق، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الناس لا يضلون بعد هدايتهم إلا إذا تجادلوا وتماروا واختصموا في الكلام، وكل واحد بعد ذلك أراد أن يفرض رأيه، وأن يظهر أنه هو على الهدى وخصمه على الردى.

    ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك وإسناده صحيح، من رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)، ثم قرأ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58].

    الجدال يزرع العداوة والبغضاء ويذهب نور العلم، ويمنع الناس من العمل، الفقيه هو الذي ينشر نور الله وينشر الحكمة وينشر العلم، فإن قبل منه حمد الله، وإن رد عليه حمد الله، ولا يجادل ولا يماري، ولا يشتغل بالخصومات، ولذلك كان أئمتنا الأبرار يبتعدون عن الجدال، جاء بعض المجادلين أهل الثرثرة والقيل والقال والخصومات والمنازعات والملاحاة إلى الإمام مالك بن أنس عليه رحمة الله، فقال: قف حتى أكلمك كلمة، قال: ولا نصف كلمة، أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فجادله. فإذاً لا داعي للجدال، ننشر الحق ونقرره بالأدلة، فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [يونس:108].

    وأما المجادلة بين طلبة العلم فيما تحتمله الأدلة وهو مشروع، فلا ينبغي أن يقع، فكل منهم إن شاء الله على الهدى، وشريعة الله تحتمل ما قالوه من أقوال إذا كانت معتبرة، فلا داعي للملاحاة ولا للمخاصمة ولا للتضليل، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون من نصوص الشرع ما يظهر لبعضهم أنه مراد، فيخالفه فريق آخر من الصحابة في الفهم، فلا يعيب أحد على أحد، ولا يعترض أحد على أحد، مادام هذا الفهم يحتمله الدليل الشرعي فلا داعي للجدال ولا للقيل ولا للقال.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بعد موقعة الخندق: ( لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة )، من أجل محاسبة هؤلاء اليهود عليهم لعنات ربنا المعبود، الذين نقضوا العهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، وتآمروا مع المشركين في موقعة الخندق التي جاء فيها الأحزاب عشرة آلاف من مكة، لما انتهت موقعة الخندق جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( وضعتم السلاح؟ قال: نعم، قال: لكنا في السماء لم نضع السلاح )، الملائكة مستنفرة، وأنتم كيف وضعتم السلاح؟! قال: ( فماذا تأمرني؟ )، قال: توجهوا إلى بني قريظة من أجل محاسبة هؤلاء الذين نقضوا عهدهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، وتآمروا عليه وعلى المسلمين عندما اتفقوا مع المشركين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة )، من أجل أن نوقف هؤلاء عن غيهم وضلالهم، وأن نحاسبهم على نقضهم لعهدهم، فذهب الصحابة مسرعين إلى دور بني قريظة، وخرجوا من المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، فأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فقال بعضهم: نصلي، لم يرد منا النبي عليه الصلاة والسلام أن نؤخر الصلاة، إنما أراد المسارعة، وقال فريق: قال لنا النبي عليه الصلاة والسلام: لا تصلوا إلا في بني قريظة، إذاً وقت العصر يتأخر إلى هناك حتى ولو وصلنا بعد العشاء؛ لأن هذا فيه نص صريح فنحن نلتزم به، فانقسموا إلى قسمين: قسم صلى في الطريق، وقسم أخر الصلاة حتى صلوا إلى بني قريظة، فما عنف النبي عليه الصلاة والسلام أحد الفريقين، وكل منهم على هدى، لم؟ لأن هذا الأمر يحتمله دليل الشرع، فلا داعي أن يضلل بعضنا بعضاً، ولا داعي للجدال ولا للملاحاة، فصاحبك إن كان على هدى فما ينبغي أن تماريه ولا أن تجادله، وإن كان على ردى فبين له الحكم الشرعي مقترناً بالدليل، فإن قبل فبها ونعمت، وإلا فلا داعي للجدال ولا للقيل ولا للقال: ( فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ).

    عظيم أجر من ترك الجدال وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذي يترك الجدال والملاحاة والقيل والقال مع الناس ولا يخاصمهم في الكلام له أجر عظيم عند ذي الجلال والإكرام، ثبت في سنن الترمذي وسنن ابن ماجة ، والحديث إسناده حسن من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من ترك الكذب وهو باطل بنى الله له بيتاً في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في وسط الجنة، ومن حسن خلقه بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة )، (من ترك الكذب وهو باطل)، أي: الكذب باطل ينبغي أن يترك، ولا يجوز للإنسان أن يكذب، فمن ترك الكذب يبني الله له بيتاً قصراً عظيماً في ربض الجنة، أي: في داخلها لكن في أطرافها، فلا يكون البيت في وسطها ولا في أعلاها، لأن هذا ينبغي أن يتركه على سبيل الوجوب، فهو قد فطم نفسه ولم يكذب له منزلة، لكن منزلة نازلة، (ومن ترك المراء وهو محق)، المراء هو الجدال والخصومة عن طريق الكلام، ترك المراء وهو على حق، هذا أصعب على نفسه، لأن الكذب خلاف الحقيقة فينبغي أن يتركه كل أحد، أما هنا فهو على حق وعلى هدى، لكن المراء يزرع العداوات، ويجعل الناس يتشبثون بآرائهم أكثر وأكثر مما لو لم تحصل المماراة والمجادلة، فهو على حق لكنه سكت، بين الحكم الشرعي ودلل عليه دون جدال وخصام، هذا ثقيل على نفس الإنسان، (ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في وسط الجنة)، وأعلى الدرجات: (من حسن خلقه بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة).

    ولعلكم -أخواتي- تستحضرون الحديث الذي تقدم معنا في الموعظة السابقة، وهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الذي أخرجه الإمام ابن ماجة والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه، عند بيان وجوب إخلاص النية في طلب العلم، وأن النية إذا فسدت فالعلم وبال على الإنسان لا له، فهو وبال عليه لا له، الحديث تقدم معنا ولفظه: ( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتحيزوا به في المجالس، ولتجيزوا به في المجالس )، ( لتخيروا به في المجالس )، (لتحدثوا به في المجالس، تصرفوا به وجوه الناس إليكم )، كما تقدمت معنا روايات الحديث: ( فمن فعل ذلك فالنار النار )، إذاً لا يجوز أن نتعلم العلم لنباهي العلماء، ولا لنماري، أي: نجادل السفهاء، فالمجادلة ينبغي أن نبتعد عنها، ومن تعلم العلم للمجادلة فمأواه جهنم وبئس المصير.

    إذاً: ينبغي أن نبتعد عن الجدال، ولا يقع الناس في الجدل إلا إذا تركوا العمل، ومن عمل بعلمه ليس عنده وقت للمجادلة ولا للملاحاة.

    هذا هو الأمر الثاني الذي ينبغي أن يحذره طالب العلم في طلبه، أن لا يجادل.

    ثالثاً: اجتناب مخالطة المترفين من أهل الدنيا

    الأمر الثالث الذي ينبغي أن يحذره ليحذر طالب العلم كل الحذر: مخالطة المترفين أهل الدنيا؛ لأن مخالطتهم تذكر بالدنيا وتلهي عن الآخرة، ولا أقصد من هذا أنه لا يسلم عليهم، ولا ينصحهم، ولا يقبل النصح منهم، بل لا يجعل مجلسه مع هؤلاء إلا من أجل مصلحة شرعية، أما مجالس التسلية مع أهل الدنيا فإن كل ما عندهم يذكر بالدنيا ويشد إليها، فالبعد عنهم من علامات إخلاص النية في طلب العلم، وهؤلاء تتصل بهم بمقدار، وأما مجالسك فتجعلها مع أصحابك الذين هم على طريقتك ومشربك تنصحهم وينصحونك، أما أهل الدنيا فبمقدار، وأما أن الإنسان ينهمك في المجالسة معهم، وفيهم ما فيهم، وعندهم ما عندهم، فهذا -كما قلت- يذكره بالدنيا ويشده إليها، ثم بعد ذلك قد تضعف نفسه فيحتقر نعمة الله عليه، ويقول: هؤلاء أحسن حالاً مني! والدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولذلك أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم إذا نظرنا في هذه الحياة إلى من عنده شيء من عرض الدنيا ومتاعها، إذا نظرنا ينبغي أن ننظر إلى من هو أسفل منا لا إلى من هو فوقنا، ثبت الحديث بذلك في الصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه )، (في المال) أي: في الغنى والثراء، (والخلق) في الصورة والحسن والجمال، وفي رواية في الصحيح: ( انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم )، أحق أن لا تزدروا، أي: تحتقروا، وتحقروا، وتصغروا نعمة الله عليكم، فإذا نظر الإنسان إلى من هو فوقه في الخلق والحسن والجمال والصورة، وفي المال، فسيقول: إذاً أنا حقي قليل ونصيبي ناقص في هذه الحياة، فيزدري نعمة الله، ويحتقر نعمة الله عليه، (فلينظر إلى من هو أسفل منه)، إلى من هو دونه، ولا ينظر إلى من هو فوقه.

    فالنظر إلى الأغنياء ومخالطتهم يدل على عدم إخلاص النية في طلب العلم، فالإنسان يخالط من يذكرهم بالله ويذكرونه بالله، أما أن يخالط هؤلاء من أجل عرض دنيا فإن هذا منقصة فيه، وإذا خالطهم وتذكر الدنيا، واحتقر نعمة الله عليه فهو منقصة فيه، فأنت -يا طالب العلم- لا ينبغي أن يكون لك إلى غير الله حاجة، فأنت خليفة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت وارث النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا جاءك الأغنياء نصحتهم وقمت بحق الله نحوهم، وأما أن تذهب إليهم وتتمسح بهم وبمجالسهم، فهذا من علامات فساد النية، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في جميع أحوالنا.

    إذاً يحذر الإنسان مخالطة المترفين مخالطة أهل الدنيا، ولذلك قال نبينا عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة رضي الله عنها، والحديث في سنن الترمذي ، وقال عنه الترمذي : غريب، وفي إسناده شيء من الضعف، لكن المعنى العام من هذا الحديث وارد في أحاديث صحيحة، أننا ننظر إلى من هو دوننا ولا ننظر إلى من هو فوقنا في الدنيا، ولفظ الحديث: عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( إذا أردت اللحوق بي فليكن زادك في هذه الحياة كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه )، إذا أردت اللحوق بي، وأن تكوني معي في الجنة وفي درجتي يوم القيامة وفي منزلتي ومعي، فحافظي على هذه الأمور الثلاثة: أولها: ( ليكن زادك في هذه الحياة كزاد الراكب )، أي: لا تنهمكي في الدنيا وطلبها وتشغلي نفسك بها، فالإنسان عندما يسافر من هنا إلى مكة -حرسها الله وصانها- أو للمدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، عندما يسافر من هنا إلى مكة يأخذ بمقدار نفقته أو زيادة شيء قليل، فإذا كان يكفيه من هنا إلى مكة ثلاثة آلاف قد يأخذ خمسة آلاف، لا يأخذ معه مئات الألوف، يأخذ بمقدار كفايته في سفره، وهكذا الإنسان في هذه الحياة ليكن زاده فيها كزاد الراكب، لا ينهمك فيها، ويجعل همته منصرفة إليها، القليل منها يكفي ونسأل الله جل وعلا أن يقنعنا بما رزقنا.

    الأمر الثاني: ( إياك ومجالسة الأغنياء )؛ لأنها -كما قلت- تذكر بالدنيا، وتجعل بعد ذلك الإنسان يحتقر نعمة الله عليه.

    قال: ( ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه )، أي: لا تعدي ثوبك خلقاً وبالياً وترمه إلا بعد أن ترقعيه، يعني: لا تحكمي على الثوب بأنه خلق بالي ينبغي أن يرمى، ولا يصلح للبس، إلا بعد أن ترقعيه، حافظي على هذه الأمور الثلاثة إذا أردت اللحوق بي، والحديث كما قلت في سنن الترمذي وقال عنه الترمذي : غريب، وإسناده فيه شيء من الضعف، لكن المعنى العام وارد في أحاديث صحيحة، فإذا نظر الإنسان إلى من فضل عليه في الخلق والمال فلينظر إلى من هو دونه لا إلى من هو فوقه.

    رابعاً: الحذر من الكلام في العلماء وسلف الأمة

    آخر الأمور الأربعة التي ينبغي أن يحترس منها طالب العلم وأن يحذرها هو: الوقوع في السلف الطيبين، وفي العلماء الصالحين، فإذا وقع طالب العلم في سلفنا الكرام, وضلل المتقدمين من هذه الأمة من صحابة وتابعين ومن تبعهم عليهم رضوان الله أجمعين، أو وقع في العلماء الصالحين؛ دل على أنه مغضوب عليه، وأنه ساقط من نظر الرب جل وعلا، فينبغي أن نقدر السلف الكرام وعلماء الإسلام، فهم أولياء الرحمن، ولذلك من عاداهم فقد عادى ذا الجلال والإكرام، والله سيعاديه، ومن عاداه الله فهو المغلوب المخذول، ثبت في صحيح البخاري ، والحديث رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، ورواه البغوي في شرح السنة، والإمام البيهقي في كتاب الزهد وفي كتاب الأسماء والصفات، وهو صحيح صحيح، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولأن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه )، قال الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي وغيرهما من أئمة الإسلام عليهم جميعاً رحمة الرحمن: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله وليٌّ في الدنيا ولا في الآخرة، أول ما يدخل في هذا اللفظ الكريم في الولاية لرب العالمين هم العلماء الصالحون، هم أولياء الله حقاً وصدقاً، فمن وقع في أعراضهم ونقص كرامتهم ووقع فيهم، فقد غضب الله عليه، فكيف يكون إذاً من طلاب العلم؟! طالب العلم ينبغي أن يحذر هذا، ينبغي أن نحذر من الوقوع والوقيعة والكلام والنقيصة لسلفنا الماضين ولعلماء الأمة الطيبين المباركين.

    أما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فلا يذكرون إلا بكل خير جميل، ومن ذكرهم بخلاف ذلك فهو ضال عن سواء السبيل، ولذلك حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من الوقوع والكلام في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان، والحديث إسناده حسن من رواية عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه )، (الله الله في أصحابي)، اتقوا الله وراقبوا الله في أصحابي، فهم خير هذه الأمة، وهم أفضل خلق الله بعد النبيين والمرسلين على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، (لا تتخذوهم غرضاً)، أي: هدفاً من بعدي، أي: مجالاً للكلام والقيل والقال والتكلم عليهم، كالهدف الذي يرمى إليه، (فمن أحبهم فبحبي أحبهم)، أي: أحبهم لأنه يحبني وهم أحبابي، فمن أحبني أحبهم، (ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، أي: لأنه يبغضني، فبغض الصحابة بغض لرسول الله عليه الصلاة والسلام، (ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله سيوشك أن يأخذه).

    إذاً: علماء الأمة والسلف الماضون ينبغي أن نعرف لهم منزلتهم، وينبغي أن نعرف لهم قدرهم، ولا يجوز أن نقع في واحد منهم، لذلك قال الإمام ابن عساكر عليه رحمة الله في أول كتابه تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري عليهم جميعاً رحمة الله، قال: اعلم أخي أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب. فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    لحوم العلماء مسمومة، أي: من وقع في لحومهم وأعراضهم وكرامتهم وتكلم عليهم، كأنه يأكل سماً يقتله، ويرديه ويرسله إلى نار جهنم، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، يهتك أستارهم ويفضحهم ويذلهم في هذه الحياة ويعذبهم بعد الممات، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    وتقدم معنا -أخواتي الكريمات- أن العلماء ورثة الأنبياء، فإيذاؤهم إيذاء لإمامهم وهو نبينا عليه الصلاة والسلام، فطالب العلم ينبغي أن يصون لسانه من الوقيعة في سلفنا الماضين وعلمائنا الطيبين.

    هذه الأمور الأربعة إذا حذرها طالب العلم واحترس منها، مع الأمور الستة إذا فعلها، واتصف بها، هذا دليل على إخلاصه في طلبه، والأمور الأربعة التي ينبغي أن يحذرها: ضياع الوقت، الجدل، مخالطة المترفين، الوقوع في سلفنا الماضين وعلمائنا الطيبين.

    نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، وأسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأن يرحمهم كما ربونا صغاراً، وأن يغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، وأسأله أن يحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.