إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. طرق الشيطان المريد في إضلال العبيد [1]

طرق الشيطان المريد في إضلال العبيد [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إبليس اللعين هو العدو اللدود لعباد الله المؤمنين، والعداوة بيننا وبينه قديمة منذ أن امتنع من السجود لأبينا آدم عليه السلام، ثم حين وسوس له بالأكل من الشجرة فأخرجه من الجنة، ولأجل ذلك فقد توعد بإضلال بني آدم بكل طريق وسبيل، فلم يترك باباً من أبواب الشر إلا وولجه وزين للناس العمل به، وطرقه في ذلك كثيرة، أعظمها وأشدها ضرراً هو الشرك بالله تعالى.. أعاذنا الله منه.

    1.   

    عداوة إبليس اللعين للمؤمنين

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يُرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه الآن يدور حول طرق الشيطان المريد في إضلال العبيد، وهذا الموضوع سبق الكلام عليه بشكل موجز في محاضرة سابقة بعنوان: اعتناء الحلفاء بمعرفة الأصدقاء والأعداء، وكنت قسمت الأصدقاء والأعداء في تلك المحاضرة إلى قسمين: فالأصدقاء ظاهرون يُرون بالأعين وهم المؤمنون والمؤمنات، ومستترون لا يرون بالأعين وهم ملائكة الله جل وعلا.

    والأعداء ينقسمون إلى قسمين أيضاً: عدو ظاهر مكشوف يُرى بالعين الباصرة، وهم الكافرون والكافرات، والمنافقون والمنافقات، وعدو مستور مخفي لا يُرى بالعين الباصرة، وهو الشيطان الرجيم عليه لعنة رب العالمين.

    وهذا العدو اللعين كنت تكلمت عنه ضمن خمسة أمور، وسعت الكلام على ثلاثة منها، وضاق الوقت للكلام على اثنين من تلك الأمور، أذكر الأمور الخمسة ليرتبط الكلام ببعضه ثم أفصل الكلام على موضوع محاضرتنا.

    إخوتي الكرام! الأمور الخمسة التي تكلمت بها عن الشيطان في تلك المحاضرة هي: أن هذا العدو هو أخبث الأعداء، وقررت هذا في أمور أربعة، فهو عدو جدنا، وهو عدو أبينا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فالعداوة بيننا وبين هذا الشيطان الرجيم قديمة قديمة.

    والأمر الثاني: المعاداة بيننا وبين هذا العدو سببها الدين، ولذلك لا يمكن للشيطان أن يهدأ له بال، ولا أن يستقر له قرار حتى نكفر بالله رب العالمين.

    والأمر الثالث: هذا العدو يرانا ولا نراه.

    والرابع: يصاحبنا في جميع الأحوال فلا يفارقنا، ولذلك كان هذا العدو أخبث الأعداء على الإطلاق.

    هذا الأمر الأول الذي تكلمت عليه في المحاضرة السابقة في عداوة هذا الشيطان الرجيم للمكلفين، ولا أريد أن أعيد ما سبق، فقد سردت الأدلة على ذلك في ذلك الوقت.

    الأمر الثاني الذي تكلمت عليه في المحاضرة السابقة: أن هذا العدو اللعين يلبِّس علينا عداوته، فيظهر لنا بمظهر الناصح الأمين، ولذلك تعظم بليته ويشتد خطره.

    الأمر الثالث: أنه بعد أن يوقعنا في الجرائم والبلايا يتبرأ منا وينفك عنا ويضحك علينا، وهذه الأمور الثلاثة تقدم الكلام عليها كما قلت مفصلاً.

    والأمر الرابع الذي سأفصل الكلام عليه في هذه الموعظة: أنه يسلك طرقاً خبيثة في إضلال المكلفين سنتدارسها في هذا الحين.

    والأمر الخامس لعل الله ييسر له موعظة كاملة للكلام عليه: كيف نحصن أنفسنا من هذا العدو الخبيث؟

    عباد الله! هذا العدو وهذا الماكر ضرره عظيم، وقبحه وخيم، لذلك ينبغي أن نحترس عنه، والإنسان يحذر من عدوه بمقدار شرره وضرره، وهذا العدو -كما قلت- يتصل بنا فلا يفارقنا، ويرانا ولا نراه، وهو أخبث الأعداء على الإطلاق، فلذلك ينبغي الحذر منه. نقل الإمام ابن الجوزي في كتابه صفة الصفوة في الجزء الرابع في صفحة سبع وسبعين ومائتين في ترجمة العبد الصالح أحمد بن عاصم الأنطاكي ، وكان من الأئمة الصالحين يُلقَّب بجاسوس القلوب؛ لأنه يتكلم عما فيها من العيوب، وكيف ينبغي أن يصلحها الإنسان وأن يقومها بشرع علام الغيوب.

    يقول هذا العبد الصالح أحمد بن عاصم الأنطاكي : أوجب الأعداء عليك مجاهدته والحذر منه من كان أقرب إليك من غيره، ومن كان أخفى عليك من غيره، ومن كان أعظم الأعداء ضرراً عليك، فهذا العدو أقرب الأعداء إلينا، فهو يجري فينا مجرى الدم -كما سيأتينا تقرير هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم- وهو أخفاهم عنا فلا نراه، وهو أعظم الأعداء ضرراً علينا.

    1.   

    الآيات الدالة على عداوة إبليس اللعين لعباد الله المؤمنين

    عباد الله! سأذكر ثلاث آيات فقط، وثلاثة أحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم في تقرير عداوة هذا العدو الخبيث، وكيف يتصل بنا اتصالاً حقيقاً، ثم أسرد الطرق التي يسلكها هذا العدو الخبث في إضلالنا.‏

    قوله تعالى: (فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم...)

    الآية الأولى في سورة الأعراف، وفيها يخبر ربنا جل وعلا عن الشيطان الرجيم أنه قال بعد أن طرده ولعنه رب العالمين: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16-17].

    فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، سأقعد على هذا الطريق وأمنع الناس عنه، ثم بعد ذلك سأتصل بهم من جميع الجهات لأحرفهم وأصدهم عن توحيد رب الأرض والسماوات.

    الأقوال الواردة في معنى قوله تعالى عن إبليس: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ...)

    وغاية ما أُثر عن سلفنا الكرام في معاني هذه الأمور الأربعة: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، أربعة أقوال كلها حاصلة في هذا العدو الخبيث:

    القول الأول: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، أي: فيما يتعلق بأمر الآخرة فأثبطهم عنها وأكفرهم بها.

    وَمِنْ خَلْفِهِمْ، فيما يتعلق بأمر الدنيا التي سيتركونها، فأزينها لهم ليعبدوها من دون الله.

    لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فيما يتعلق بأمر الآخرة، وَمِنْ خَلْفِهِمْ، فيما يتعلق بأمر الدنيا، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، فيما يتعلق بالحسنات، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فيما يتعلق بالسيئات، فأنفرهم من الحسنات وأثبطهم عنها، وأرغبهم في السيئات وأحثهم عليها، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.

    ويدخل في هذا القول: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، أي: من الدنيا فأزينها لهم، وَمِنْ خَلْفِهِمْ، من الآخرة التي تتبعها، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، فيما يتعلق بالحسنات، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فيما يتعلق بالسيئات، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.

    والقول الثاني الذي نُقل عن سلفنا، والآية تشمله وحال الشيطان يدل عليه ويتلبس به: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ: من سبيل الحق فأصدهم عنه، وهو الذي ينبغي أن يسلكوه فأبعدهم عنه، وَمِنْ خَلْفِهِمْ)، طريق الباطل وسبل الضلالة، فأرغبهم فيها بحيث يرجعون إليها القهقرى إلى الوراء، ولا يسيرون إلى الهدى إلى الأمام، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، فيما يتعلق بأمر الآخرة في الجنة، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فيما يتعلق بأمر الآخرة في النار، فأزهدهم في الجنة وأرغبهم في النار وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.

    والقول الثالث: (من بين أيديهم) أي: فيما مضى من أعمالهم، (ومن خلفهم): فيما يستقبلونه من أعمالهم، وقيل -وهو قول آخر يدخل في القول الثالث-: (من بين أيديهم): في الزمن الذي سيستقبلونه ويمر عليهم، فأزين لهم فعل السيئات، وفي الزمن الذي مضى فأجعلهم يعملون السيئات، فهم ينحرفون عن شريعة الله في جميع الأوقات فيما مضى وفيما يستقبل، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، فيما يتعلق بحال الغنى واليسار، وتحصيل الأموال التي يكتسبونها بالأيمان، فأجعلهم يأخذون المال من غير حله وينفقونه في غير حقه، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، إذا كانوا لا يحصلون المال فهم فقراء، فلا يصبرون، إنما يفعلون الحرام لتحصيل هذا المال وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.

    والقول الرابع: أن المراد أنه يأتيهم من جميع الجهات، فأخبر بهذه الجهات الأربع للإشارة إلى استيلاء الشيطان عليهم من كل جهة ومن كل طريق.

    هذه الأقوال الأربعة منقولة في كتب التفسير، وعليها يدور ما نُقل عن سلفنا الكرام في تفسير هذه الآية.

    والذي ذهب إليه الإمام ابن القيم -نوَّر الله مرقده وفي غُرف الجنان أرقده- في إغاثة اللهفان في الجزء الأول في صفحة (83)، فقال عليه رحمة رب العالمين: والآية على ظاهرها، والسُبل التي يسلكها الشيطان لا تخرج عن واحد من هذه الأمور الأربع: إما أن يمشي إلى الأمام أو إلى الوراء، أو إلى اليمين أو إلى الشمال، وهذه الأمور الأربعة سيقف الشيطان له فيها بالمرصاد، فإذا تحرك حركة يزين له معصية الله في تلك الحركة، سواءٌ كان يمشي إلى الأمام أو إلى الوراء أو إلى اليمين أو إلى الشمال.

    قال ابن القيم : ولو قُدِّر أن الإنسان يمشي إلى أسفل لزين له الشيطان ذلك، لكن الله جل وعلا ما ذكر هذا لأن الإنسان لا يمشي إلى أسفل وفي نزول، وأما الصعود فما ذكره الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا يحرس المكلفين من فوقهم ورحماته تتنزل عليهم، فلا يستطيع الشيطان أن يأتي الإنسان من فوقه، إنما تلك الجهة بينك وبين الله جل وعلا بلا حجاب ولا حاجز ولا ساتر، جهة فوق تلجأ بها إلى الله جل وعلا، فلا يوجد شيطان يعترضك، وأما سائر الجهات يعترضك فيها الشيطان ليزين لك فيها الآفات.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما ذكر الشيطان أنه يأتي المكلفين من فوقهم؛ لأنه علم أن الله فوقهم، وأن الله جل وعلا يحفظهم، ولا سبيل للشيطان في هذه الجهة. وهذا المعنى منقول عن الإمام الشعبي وعن قتادة رضي الله عنهم أجمعين: بأن الجهة الفوقية لا سبيل للشيطان عليها، والرحمات تتنزل عليك من ربك جل وعلا، وأما سائر الجهات فهو لك بالمرصاد فخذ حذرك، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17].

    قوله تعالى: (إن يدعون من دونه إلا إناثاً ... وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً...)

    الآية الثانية في سورة النساء، وفيها يقول رب الأرض والسماء سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا * إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:116-120].

    إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا، (إن) بمعنى: ما النافية، أي: ما يدعون من دونه وما يعبدون من دون الله إلا إناثاً، والمراد من الإناث هنا: الأصنام، وسميت بهذا الاسم ووصفت بهذا الوصف بوصف الأنوثة لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: لواقع حال المشركين، فإنهم كانوا يطلقون على الأصنام لفظ الأنثى فيقولون للصنم: هذه أنثى بني فلان، ويجعلون الأصنام إناثاً يتعبدونها ويجعلونها وسائط بينهم وبين الرحمن، فالله أخبر عن هذه الحقيقة التي صدرت من المشركين فقال: إِنْ يَدْعُونَ: ما يدعون من دونه إلا إناثاً، أي: أن الإناث أنزل من الذكور، وهؤلاء أطلقوا على الحجارة اللفظ النازل ثم عبدوه من دون الله! فاجتمعت النوازل والنقائص بأسرها فيما يتعلق بنقص الأنوثة، وفيما يتعلق بهذا الصنم، ثم زعموا أنهم يتقربون بذلك إلى الله.

    الأمر الثاني: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا أي: إلا جماداً حجراً مواتاً لا حياة فيه، وإذا كان الشيء لا حياة فيه ولا يعقل فإنه يُخبر عنه بلفظ الأنوثة والإناث، إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا أي: إلا أصناماً يطلقون عليها لفظ الإناث، وهذه الأصنام حجارة صماء ميتة لا حياة فيها ولا حركة.

    وقوله: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا أي: متمرداً عاتياً عدواً ظاهر العداوة والانحراف عن طاعة الله جل وعلا.

    لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ [النساء:118-119]، والتبكيت هو القطع، فيشقون آذان الأنعام ويغيرون خلق الرحمن.

    وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119]، والمراد من خلق الله هنا: الفطرة التي فُطر الناس عليها، والناس فُطروا على توحيد الله جل وعلا، كما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في الصحيحين وغيرهما: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء)، أي: كاملة الخلق سوية لا فيها نقص ولا آفة ردية، ( هل تحسون فيها من جدعاء؟ ) أي: من نقص أو شق أو قطع أذن أو نحوه، وهكذا حال المخلوقات أنهم يولدون على الفطرة.

    وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ، يغيرون هذه الفطرة، فبدل التوحيد يلحدون ويشركون بالله المجيد، وإذا غيروا هذه الفطرة وتغيرت هذه الصورة الباطنة لهم، فسيتغير الظاهر بعد ذلك، ويتغير ظاهر الإنسان حتى يعتدي على لحيته بالحلق، وتعتدي المرأة على شعرها بالقص والحلق، ويعتدون على ظواهر بشرتهم بالوشم وغير ذلك، وسيغيرون بقية المخلوقات فيؤلهون المخلوق بدل الخالق، فيعبدون الشمس والقمر والشجر والبقر عندما غيروا الفطرة السليمة التي فطرهم عليها رب العالمين.

    وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:119-120]، باطلاً لا حقيقة له.

    قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس...)

    الآية الثالثة تقدم ذكرها في المحاضرة السابقة في سورة الإسراء، وفيها يقول ربنا جل وعلا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:61-65].

    قوله: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا تقدم معنا تفسير هذه الآية، وقلت: الاحتناك هو الاستيلاء بحيث يستولي عليهم ويقودهم كما يستولي الإنسان على دابته عندما يضع لها حنكاً ويقودها.

    أي: لأفسدنهم كما يفسد الجراد الزرع، يقال: احتنك الجراد الزرع إذا أكله وأفسده، وهكذا الشيطان سيفسد المكلفين، ويضع لجاماً عليهم يقودهم إلى كل فعل ذميم.

    قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ [الإسراء:63-64]، أي: استنهض وصح وناد من استطعت منهم بصوتك، وصوت الشيطان كل ما يدعو إلى معصية الرحمن، ورأس ذلك الغناء الذي عكف عليه السفهاء في هذا الوقت.

    وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الإسراء:64]، استعن عليهم بكل راكب وماشٍ في معصية الله من جنودك، ثم شاركهم بعد ذلك في أمورهم وفي أحوالهم في الأموال والأولاد، وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:64-65]، والآيات في ذلك كثيرة.

    1.   

    الأحاديث الدالة على عداوة إبليس اللعين لعباد الله المؤمنين

    وأما الأحاديث التي سأذكرها في هذا الوقت، وقلت: هي ثلاثة أيضاً، وتدل على مدى تغلغل هذا العدو في ذراتنا وفي جميع أحوالنا.

    حديث: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)

    الحديث الأول: ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين، عن أمنا صفية زوج نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، تقول صفية رضي الله عنها: (زرت النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه ) عندما كان في المسجد، وقد سارت معها بقية أمهاتنا أزواج نبينا صلوات الله وسلامه عليهن أجمعين، فلما انصرف أزواجه إلى بيوتهن بقيت صفية ، قالت: ( فقمت لأنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم معي ليقلبني )، وإنما خرج معها دون غيرها لأمرين ذكرهما علماؤنا الكرام:

    الأمر الأول: أمهاتنا سبقنها بالزيارة لنبينا صلى الله عليه وسلم، فلما جلسن مقداراً كافياً خرجن فهي جاءت متأخرة فجلست بعض الوقت لتعوض ما فاتها، وهذا هو العدل والقسم بين الزوجات على أتم وجه، عليك صلوات الله وسلامه يا نبينا.

    فلما ذهب أزواجه جلست صفية لتأخذ حظها من زوجها كما أخذ بقية الأزواج، فلما بقيت مفردة وأرادت أن تخرج بعد العشاء إلى بيتها الذي هو مشرف على المسجد، خرج النبي صلى الله عليه وسلم معها ليوصلها إلى حجرتها. هذا الأمر الأول الذي من أجله تأخرت صفية وخرج النبي صلى الله عليه وسلم معها.

    الأمر الثاني: قيل: إن بيت صفية رضي الله عنها أبعد بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد، فهو في آخر البيوت، فلما كان الأمر كذلك خرج معها عليه صلوات الله وسلامه لئلا تبقى تسير منفردة في ظلام الليل، وهو مع زوجه صفية عليه صلوات الله وسلامه مر عليه رجلان من الأنصار الأبرار فأسرعا لما رأيا نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه، فقال: (على رسلكما)، وورد في بعض الروايات: ( أنهما أعرضا -أي: ذهبا في الاتجاه الآخر- فقال: على رسلكما )، أي: تمهلا وانتظرا، (إنها صفية)، هذه زوجتي وأنا معها في ظلام الليل، فقال الأنصاريان: (سبحان الله يا رسول الله! ) أي: أفيك نشك؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً )، وفي رواية: (شراً)، وإذا وقع في قلوبكما شيء من الخواطر الرديئة نحو خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه فيكون هذا كفراً وردة وخروجاً من الدين، فلذلك رحمة نبينا عليه الصلاة والسلام بأمته دعته أن يوقف هذين الرجلين ليبين لهما حقيقة الأمر، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فأخشى أن يقذف في قلبكما شراً، ولم أتهمكما فأنتما صحابيان مباركان صديقان طاهران.

    هذا حال الشيطان في الإنسان يجري فيه مجرى الدم، فلا يوجد ذرة فيك إلا ويتغلغل فيها الشيطان، ولذلك ينبغي أن تبذل ما يناسب ذلك من المجاهدة له في كل وقت ولا تغفل.

    حديث بداية خلق آدم من طين

    الحديث الثاني: ثبت في مسند الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه)، أي: قبل أن يخلق فيه الروح، أي: عندما خلقه من طين وشكله تركه على هذه الحال ملقى على الأرض قبل أن يتحرك، ( فجعل الشيطان يطيف به -أي: يدور حوله- فلما علم أنه أجوف )، أي: له جوف، وهذا الجوف محتاج إلى ما يملؤه؛ ( علم أنه خُلق خلقاً لا يتمالك )، أي: بإمكان الشيطان أن يضله بسبب هذا الجوف عن طريق تحصيل الطعام من الحرام، وعن طريق بعد ذلك اتصاف الإنسان بالآثام، فهذا الجوف الذي فيه حاجة للطعام تؤثر عليه الرغبة والرهبة، ويستفزه الغضب فيلعب الشيطان بعد ذلك به كما يلعب الصبيان بالكرة، فانتبه لحالك واعلم أن الشيطان لك بالمرصاد.

    حديث: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها ...)

    الحديث الثالث: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الشيطان لنا بالمرصاد عند كل أمر من أمور الخير، وكما قلت: هو يجري في جسمنا مجرى الدم، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وصحيح ابن حبان ، والحديث صحيح عن سبرة بن أبي الفاكه رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان قعد لابن آدم في أطرقه كلها)، كما قال الله إخباراً عنه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ [الأعراف:17].

    (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها، فقعد له في طريق الإسلام فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟) يا دعاة القومية! إمامكم الشيطان الرجيم حين قال: أتسلم وتدع دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ أتترك دين قومك؟ يا دعاة القومية! إمامكم هذا الشيطان الخبيث، فعصاه ابن آدم فأسلم فغفر الله له.

    (ثم قعد له في طريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتدع أرضك وبيتك وسماءك؟) يا دعاة الوطنية! إمامكم الشيطان الرجيم، الأرض والسماء والبيت، أتهاجر وتدع أرضك وبيتك وسماءك؟ فهاجر المسلم المؤمن المكلَّف وما أطاع وسوسة الشيطان الرجيم.

    ( ثم قعد له في طريق الجهاد فقال له: أتجاهد؟ إنه جهد النفس والمال، وإذا جاهدت قُتلت، فتنكح الزوجة ويقسم المال، وإن المجاهد كالفرس في الطول )، يقول الشيطان للإنسان: عندما تذهب لتجاهد أنت غريب، كالفرس إذا كان مربوطاً بالحبل لا يستطيع أن يجول هنا وهناك، وأنت كذلك، ابق في عشيرتك وفي وطنك ومع أهلك؛ لئلا تكون كالفرس في الطول، كالغريب المربوط الذي لا يستطيع أن يجول هنا وهناك.

    فما أطاعه المكلَّف وجاهد في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: (فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يغفر له ويدخله الجنة، فإن قتل أدخله الله الجنة، وإن مات أدخله الله الجنة، وإن غرق في البحر أدخله الله الجنة، وإن وقصته دابته أدخله الله الجنة).

    قعد الشيطان لابن آدم بأطرق الخير كلها، ولذلك من ركن إلى وساوس الشيطان وانقاد له فإنه يعاشره الشيطان عشرة أعظم وأدق وأتم من عشرة الزوج لزوجته، ورحمة الله على الإمام ابن مفلح تلميذ الإمام ابن تيمية وكان يداعبه ويقول له: أنت مفلح ابن مفلح، الإمام ابن مفلح يقول في كتابه مصائب الإنسان في مصائد الشيطان في صفحة تسع وخمسين: قال علماؤنا: الشيطان ذكر والنفس أنثى، فإذا حصل التزاوج بين الذكر والأنثى وتلذذ الشيطان بالإنسان، جاء أولاد الحرام من الأفكار والعصيان والمعاصي والآفات. الشيطان ذكر والنفس أنثى، فهذا الذكر إذا باشرك لا شك أنه أعظم وأتم وأكمل من معاشرة الزوج لزوجته، هذا يسكن في كل ذرة من ذرات جسمك، فإذا ما حصنت نفسك منه فالويل لك ثم الويل لك، إن الزوج يبتعد عن زوجته في أكثر أوقاته، ولا يتصل بها إلا قليلاً، أما هذا اللعين إذا حصل بينك وبينه المزاوجة فنعوذ بالله من زواج الشيطان للإنسان.

    يروي الإمام ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس في صفحة ثمان وثلاثين عن الحسن البصري عليه رحمة الله أنه سئل: أينام الشيطان؟ قال: سبحان الله! إن الشيطان لا ينام، ولو نام الشيطان لوجد الناس راحة. إن الشيطان لا ينام، هذا الزوج إذا تزوج النفس الخبيثة فاتصاله بها يكون أعظم اتصال يجعلها نفساً خبيثة شيطانية لا يصدر منها إلا كل شر.

    1.   

    أقسام الناس نحو طرق الشيطان وطريق الرحمن

    عباد الله! الناس نحو الشيطان ونحو طريق الرحمن ينقسمون لثلاثة أقسام: قسم يقصدون الله ولا ينحرفون عن الطريق المستقيم، وهذا حال سلفنا الطيبين.

    وقسم يعرضون عن رب العالمين ويجعلون إمامهم الشيطان الرجيم، وهذا حال الكافرين الملعونين.

    وقسم أخذوا يميناً وشمالاً. ونسأل الله أن لا يجعلنا من أصحاب الصنف الثاني، وأما الصنف الثالث فنحن من أهله، وأما الصنف الأول فبيننا وبينه مراحل، ونسأل الله أن يدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه إنه واسع الفضل والمغفرة، ولذلك حالنا في هذا الوقت حال المسلمين حال مرير لا يرضى عنه الله، ولا يرضى عنه الشيطان، ولا يرضى عنه الإنسان، فالله يريد منا أن نكون من المتقين، والشيطان يريد منا أن نكون من الكافرين الملعونين، ونحن نريد أن نكون من المتقين وما وصلنا لذلك، فحالنا ما أرضى الله، ولا أرضى الشيطان، وما أرضينا أنفسنا، نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يبصرنا بعواقب أمورنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    من الطرق التي يسلكها الشيطان لإضلال بني الإنسان الكفر والشرك

    عباد الله! وأما الطرق التي يسلكها الشيطان لإضلال بني الإنسان ولإخراجهم عن دين الرحمن، فهي سبع طرق: طريق منها لا ينجو منه أحد، لا ينجو منه الأنبياء ولا الرسل الكرام عليهم صلوات الله وسلامه، وعدة طرق يختلف حال الناس نحوها على حسب يقظتهم وإيمانهم وبصيرتهم، فلنذكر الطرق الست، ونبين موقف الناس نحوها، وهل خدعوا بوساوس الشيطان وتلبيسه فيها أم لا؟ ثم نستعرض الطريق السابع الذي لا ينجو منه أحد، بل كلما ازداد الإنسان إيماناً وثباتاً كلما ازداد عداء الشيطان له في ذلك الأمر، لكن المؤمن للشيطان بالمرصاد، فإذا كان الشيطان يصرع الإنسان؛ فإن المؤمن يصرع الشيطان، ويجتمع الشياطين على الشيطان المصروع الذي صرعه الموحد فيقولون: ما لك؟ فيقول: صرعني المؤمن.

    ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (أن الشيطان ما لقي عمر بن الخطاب سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فج عمر )، والله إن عمر يصرع شياطين الإنس والجن، فإذا رآه الشيطان الجني يدبر وله ضراط ويستلقي على الأرض فيجتمع إليه الشياطين فيقولون: ما لك؟ فيقول: صرعني عمر . كما يُوجد في الإنس من يصرعون من قبل الشيطان كالذي يتخبطه الشيطان من المس، يوجد في الجن من يصرعون من قبل أهل الإيمان.

    فالطريق السابع لن يسلم منه أحد، وإذا وصلنا إليه نتكلم عليه.

    أما الطرق الست التي يسلكها الشيطان فهي مرتبة كما سنذكرها، ولا ينتقل الشيطان إلى ما بعدها إلا إذا عجز عن الطريق الأول وعلى حسب الترتيب:

    أول طريق يسلكه الشيطان لإضلال بني الإنسان: أن يوقعهم في الكفر، أن يوقعهم في الشرك بالله سبحانه وتعالى، فإذا وقعوا في هذا استراح الشيطان غاية الاستراحة، وإنما يرغب الشيطان في إيقاع الناس في الكفر وفي الشرك لثلاثة أمور: ‏

    إن الشرك والكفر اعتداء وتعطيل لتوحيد الله تعالى

    أولاً: إذا وقع الناس في الشرك فقد عطلوا واعتدوا على أول واجب يجب عليهم، وعلى أوجب واجب يجب عليهم، أول ما يجب عليك أيها الإنسان أن توحد الله، أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا مع أنه أول واجب هو أوجب الواجبات أيضاً، ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنك تأتي قوماً من أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله -عليه صلوات الله وسلامه- فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).

    فالتوحيد أول الواجبات، وهو أوجب الواجبات ومن أجله أرسل الله الرسل، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    ومن أجله أنزل الله الكتب، ولذلك جميع نصوص الشرع المطهر من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام تدور على هذا الواجب، وتتحدث عنه، وهو توحيد الله جل وعلا، كما بين ذلك الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه مدارج السالكين في الجزء الثاني في صفحة خمسين وأربعمائة، فقال: جميع ما في القرآن حديث عن التوحيد والموحدين، ولا يخرج نص من آيات القرآن الكريم عن هذا الأمر العظيم، وذلك أن القرآن والسنة يتحدثان خمسة أمور كلها تدور حول توحيد العزيز الغفور سبحانه وتعالى:

    إما أن تتحدث نصوص الكتاب والسنة عن وجود الله جل وعلا، واتصافه بالصفات الكاملة، وتسميه بالأسماء الحسنى، وهذا هو التوحيد النظري الخبري، هذا هو توحيد الإثبات والمعرفة، توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

    وإما أن تتحدث نصوص الكتاب والسنة عن دعوة الخلق إلى عبادة خالقهم سبحانه وتعالى، وعدم الشرك به، وهذا هو توحيد القصد والطلب، وهو توحيد العبادة، توحيد الألوهية، عبادة الله وحده لا شريك له حسب ما شرع، (إياك أريد بما تريد)، كما هو مدلول كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وإما أن يكون في نصوص الكتاب والسنة أمر ونهي: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] ، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] ، وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] ، إلى غير ذلك من الآيات، فهذا من مقتضيات التوحيد ومستلزماته.

    وإما أن تتحدث نصوص الكتاب والسنة عما أعد الله لأوليائه من الكرامة في العاجل: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، وفي الآجل يدخلهم جنات النعيم: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، وهذا ثمرة التوحيد وجزاء من وحَّد الرب المجيد.

    وإما أن تتحدث نصوص الكتاب والسنة عن العقوبة والنكال التي ينزلها الله بأعدائه في العاجل: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40] .

    وإما أن تتحدث عن عقوبة الله لهم في الآجل: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] ، وهذا جزاء من أعرض عن التوحيد ولم يؤمن بالله المجيد.

    فهذا أول الواجبات وأوجبها، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فإذا حرف الشيطان بني الإنسان عن هذا الواجب فقط أفسدهم أعظم إفساد.

    في الكفر تعطيل للحكمة من خلق الإنسان

    الأمر الثاني الذي من أجله يرغب الشيطان في إيقاع الناس في الشرك وفي الكفر: أنهم إذا كفروا بالله وأشركوا به، عطلوا الغاية التي من أجلها خلقهم ربنا جل وعلا، فخلق الله الخلق لعبادته: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، فإذا أشركوا بالله سبحانه وتعالى ولم يوحدوه، عطل الشيطان هذه الغاية التي من أجلها أوجدوا، وبذلك حصل أعظم مأرب له منهم.

    مصير المشركين يوم القيامة الخلود في نار الجحيم

    الأمر الثالث الذي من أجله يرغب الشيطان أن يوقع الناس في هذه الهوة السحيقة، وفي هذا الوادي العميق: أن مصير المشركين يوم الدين هو الخلود في نار الجحيم، فلا يخرجون منها طرفة عين، ولا يرون الجنة ولا يشمون ريحها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:64-68].

    ويقول الله جل وعلا عن المشركين: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36].

    وقد ثبت عن ابن مسعود موقوفاً عليه من قوله رضي الله عنه، وروي الأثر مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه بسند ضعيف كما نص على ذلك أئمتنا، والأثر في معجم الطبراني الكبير وفيه الحكم بن ظهير مجمع على ضعفه، لكن الأثر كما قلت ثابت عن ابن مسعود ، يقول رضي الله عنه: (لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار بعدد حصى الدنيا لفرحوا).

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم بسند حسن إن شاء الله، عن أمنا عائشة رضي الله عنها، والحديث روي عن أنس وسلمان وأبي هريرة في معاجم الطبراني، ولفظ حديثهم جميعاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدواوين عند الله ثلاثة: فديوان لا يغفره الله وهو الشركإِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، ولذلك يفضل الشيطان إيقاع الناس في هذه البلية.

    والديوان الثاني: قال: (وديوان لا يعبأ الله به، والعفو فيه أقرب، وهو ظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه).

    والديوان الثالث: قال: (القصاص واقع فيه لا محالة، ولن يترك الله منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً)، فإذا أوقع الشيطان بني الإنسان في الكفر والشرك بالرحمن، فقد استوجبوا الخلود في النيران، ولن يخرجوا منها في زمن من الأزمان.

    1.   

    من وسائل إبليس للإيقاع في الكفر: تقديم العقل على النقل

    عباد الله! ويسلك الشيطان لإيقاع الناس في هذه الهوة وفي هذا الوادي السحيق طرقاً مختلفة ليكفروا بالله ويشركوا به، وهذه الطرق على كثرتها تؤول إلى طريقين:

    الطريق الأول له خمسة أنواع، والطريق الثاني نوع واحد، من وقع في أحد هذه الأمور فهو مخلد في نار الجحيم، يزين لهم الوقوع في الطريق الأول وهو الكفر، وللكفر خمسة أنواع لا يبالي الشيطان في أي نوع منها وقع الإنسان: إما أن يكون كفر الإنسان كفر تكذيب، وإما أن يكون كفره كفر إباء واستكبار، وإما أن يكون كفره كفر إعراض، وإما أن يكون كفره كفر شك، وإما أن يكون كفره كفر نفاق.

    وأما الشرك كأن يجعل لله نداً يسويه مع الله في العبادة والمحبة والتعظيم، وهذه الأمور يحتاج الكلام عليها إلى وقت كبير، وموضوع المكفرات وما يترتب عليها من آثار، لعل الله جل وعلا يأذن بمحاضرة كاملة حول هذا الأمر، حول شرح هذه الأمور المكفرة، وأنواع الكفر الخمسة، وأنواع الشرك.

    لكنني أريد أن أقول في هذه الموعظة: الضابط لأقسام الكفر ولنوع الشرك، الضابط لهذا كله: أن الإنسان يستحسن في حالة كفره وشركه تقديم عقله على وحي ربه، ويفضل الاحتكام إلى الآراء بدلاً من الرجوع إلى الشريعة الغراء، عمداً لا عن طريق الخطأ والتأويل، فمن وُجد فيه هذا الضابط فهو كافر مشرك، حكم العقل وترك الوحي، فضل الآراء وابتعد عن شريعة الله الغراء وهو في ذلك عامد متعمد، ما عنده خطأ في هذا الأمر وليس له فيه تأويل، فإذا فعل هذا فقد كفر وأشرك، وهو مخلد في نار الجحيم، والشيطان قد أوقعه في العقبة الأولى وفي الهوة الأولى وفي هذا الوادي السحيق، فجعل الشيطان من يقع في هذه العقبة ولا يجوزها يسلك مسلكه تماماً، أي: أنه قد صار شيطاناً؛ لأن هذا المسلك -وهو الاحتكام إلى العقل، والرجوع إلى الآراء، والابتعاد عن شريعة الله المطهرة- هو مسلك الشيطان، ومن أجله لعنه ربنا الرحمن، ولذلك يفضل الشيطان إيقاع بني الإنسان في هذا الطريق الذي يسلكه هو ويدعو إليه، كما أن الكفار يريدون منا أن نكفر، كما قال الله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، وكل من كان على نحلة وعلى صفة يتمنى أن يكون جميع الناس على شاكلته، ولذلك نقل الإمام ابن تيمية عليه رحمة رب البرية في كتابه الحسبة عن عثمان رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، فقال: تتمنى الزانية لو أن جميع النساء زنين. وهكذا الشيطان يتمنى أن يصير جميع الخليقة على طريقته، أن يرجعوا إلى آرائهم وإلى هوسهم وإلى عقولهم، وأن ينحرفوا عن شرع ربهم سبحانه وتعالى، ولذلك قال أئمتنا: أول من قاس إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.

    وهذا كلام الإمام الشعبي كما هو وارد في سنن الإمام الدارمي : أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وكان قياس إبليس الخبيث عندما أمره الله بالسجود لأبينا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، قال: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:61-62]، وقال أيضاً: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76]، هذا الكلام قياس عقلي صادم كلام ربنا القوي، فهو قياس منكر رديء يعبر عنه أئمتنا بأنه: فاسد الاعتبار، أي: لا ينظر في مضمونه إذا خالف القياس نصاً شرعياً، فإذا تعارض العقل مع النقل يقدم النقل، ولا يمكن أن يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح، فالعقل خلق الله والوحي أمر الله، ولن يتعارض أمر الله مع خلقه، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، إنما إذا تعارضا فالآفة في أحدهما: إما أن العقل منكوس معكوس مثل إبليس.

    فنقول لإبليس: لم فضلت المعدن والجوهر والمخلوق من النار على المخلوق من الطين؟ ما الداعي؟ إنك أولاً: بمخالفتك لربك ابتعدت عن الهدى والنور، ثم بعد ذلك ركبت رأسك وأتيت بكلام باطل، إن جوهر الطين أفضل من جوهر النار، فجوهر النار طياشة وتفريق، وجوهر الطين رزانة وتجميع، تضع في الطين وفي التراب حبة فتعطيك شجرة، وأما النار إذا شبت فتلتهم الأخضر واليابس.

    ثم نقول لهذا الخبيث: هب أن جوهر النار أفضل من جوهر الطين، فهل يلزم أن تكون أفضل من آدم؟ وهل يلزم أن يكون كل مخلوق من آدم أفضل من كل مخلوق من الطين؟ لا ثم لا، التفضيل هذا على حسب الالتزام بطاعة الله، وعلى حسب السير على الهدى، ولذلك إذا افتخر الإنسان بآبائه وهو خبيث، فهذا الافتخار عار عليه.

    إذا افتخرت بآباء لهم نسب قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا

    فإبليس طريقته أنه يعول على العقل، ويترك النقل، وأن يعرض عن الله، فضابط الشرك والكفر هذا: كل من عول على عقله ورأيه وانحرف عن شرع ربه ولم يتبع هداه، فهو كافر مشرك سلك طريقة إبليس.

    ضرورة ضبط العقل بالشرع

    إخوتي الكرام! والقوة العقلية كالقوة الجسمية، فهذه القوة الجسمية إذا لم تضبط بضوابط الخير والفضيلة لا يخرج منها إلا رذيلة واعتداء على الناس، وقوة العقل إذا لم تُضبط بنور الله ووحيه، لا يخرج من هذا العقل إلا مكر وخبث واحتيال وفساد، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله كما في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن عشر صفحة ستين، يقول: حدثني ابن الخضري عن والده وكان شيخاً صالحاً مباركاً: أن مشايخ بخارى كانوا إذا ذكروا ابن سيناء -الذي عول على عقله، وانحرف عن شرع ربه- كانوا إذا ذكروا ابن سيناء يتلون قول الله جل وعلا: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [غافر:21].

    وهذه القوة شاملة للقوة النظرية العقلية، وللقوة العملية البدنية، فكانوا إذا ذكروا ابن سيناء يتلون هذه الآية للإشارة إلى أن ابن سيناء عبد مخذول مخبول، يعول على عقله عندما ينحرف عن شرع ربه، فماذا أغنت العقول الخبيثة الخسيسة عن أصحابها في الأمم الماضية عندما انحرفوا عن شرع الله جل وعلا؟! يقول الله جل وعلا في سورة حم فصلت: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:13-15].

    فكل من عول على عقله، وانحرف عن شرع ربه فقد سلك طريق الكفر وطريق الشرك، وقد سلك طريق الشيطان، وصاده الشيطان في أول عقبة وأول طريق، ولذلك قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه مدارج السالكين في الجزء الثاني صفحة أربع وثلاثين وثلاثمائة، قال: الأصناف الأربعة في كل زمن وفي كل وقت يفسدون دين الله جل وعلا، وهم: أصحاب العقول، وأصحاب الأقيسة، وأصحاب السياسات، وأصحاب الأذواق والمواجيد الذين يعولون على ما ينقدح في نفوسهم من مخرفي الصوفية. عقول وقياسات وسياسات وأذواق ومواجيد، هؤلاء الذين يعولون على هذه الأمور، وينحرفون عن شرع وهدي النبي الرسول عليه صلوات الله وسلامه، فقد سلكوا طريق الشيطان وصادهم في أول طريق، ولذلك لابد من لجوء الإنسان إلى شرع الله جل وعلا لينجو من هذه العقبة من عقبة الكفر وعقبة الشرك، وإذا رأيت الإنسان يعول على رأيه أو ذوقه أو عاداته وأعرافه، فاعلم أن الشيطان قد صاده، وقد وقع في أول بلية من البليات التي يضل بها الشيطان.

    يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع صفحة أربع وسبعين وأربعمائة، والأثر رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: إذا حدثت الرجل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له السنة فقال: دعنا من هذا وهات القرآن، فاعلم أنه ضال.

    ثم ذكر الإمام الذهبي كلاماً نفيساً معلقاً على هذا الأثر أذكره بعد أن أنبه إلى أمر عظيم.

    (إذا رأيت الرجل عندما تذكر له السنة يقول لك: دع هذا وحدثنا بالقرآن، فاعلم أنه ضال). إي والله! من أراد أن يرجع إلى كتاب الله وأن يلغي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كافر بالقرآن قبل أن يكفر بالسنة، ويريد التلاعب بكتاب الله المجيد، ولذلك دعا إلى تعطيل السنة، ولذلك صاحب القذائف الضالة الضال الخبيث عندما دعا إلى إلغاء السنة والرجوع إلى كتاب الله جل وعلا، هو كافر ملعون بكتاب الله وبسنة نبينا الميمون عليه صلوات الله وسلامه، يريد أن يتلاعب بكتاب الله، ولذلك دعا إلى إلغاء السنة. وقد ثبت في سنن أبي داود وغيره بسند صحيح كالشمس عن المقداد بن معدي كرب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا عسى رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، قال نبينا عليه صلوات الله وسلامه: وإنما حرم رسول الله مثل ما حرم الله، ألا وإني أحرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير)، عليه صلوات الله وسلامه.

    وسنة النبي عليه الصلاة والسلام تنزل عليه كما ينزل القرآن، كما ثبت هذا عن حسان بن عطية من أئمة التابعين رضي الله عنهم، ونقل هذا عن الإمام الأوزاعي : غير أنها لا تتلى كما يتلى.

    يقول الإمام الذهبي معلقاً على هذا الكلام الجليل المبارك، على كلام أبي قلابة عليهم رحمة الله، يقول: وقلت أنا: إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من كتاب الله ومن أحاديث الآحاد فاعلم أنه أبو جهل. إذا رأيت المتكلم يريد أن يقرر ضلاله بقواعده الكلامية العقلية ويقول: دعنا من كتاب الله ومن أحاديث الآحاد، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي. أي: الذي يسلك الرياضة النفسية، ويجلس في الزوايا وفي المساجد، وفي أماكن منعزلة يريد أن يذكر الله وأن يعبده، وهو ينتسب إلى الإسلام، سالك توحيدي من الصوفية، إذا رأيت السالك التوحيدي.. أما السالك الذي لا ينتمي إلى التوحيد فذاك له حكم آخر، إذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل والعقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر في صورة بشر.

    السالك الذي يسلك الرياضات، ويتعبد بالصيام وبغير ذلك من الجوع والسهر، إذا ذكرت له الكتاب والسنة والعقل والدين يقول: دعنا من هذا، نريد مكاشفات وأذواق، يقول الإمام الذهبي : فهو إبليس ظهر في صورة بشر، فإن جبنت منه فاهرب فابتعد عنه، وإلا فاطرحه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه. فالذي يدعو إلى تعطيل الكتاب وأحاديث الآحاد أبو جهل، والذي يدعو إلى إهمال العقل والنقل ويقول: ينبغي أن نعول على الأذواق والمواجيد، إبليس ظهر في صورة بشر.

    تقديم العقل على النقل

    إخوتي الكرام! فلابد للإنسان من التعويل على النقل والاحتكام إلى شرع الله المطهر، وأما أن يعول الإنسان على رأيه وعقله، فهذا هو طريق المشركين، وهو طريق الشيطان الرجيم، ولذلك ذكر أئمتنا مثالاً عظيماً واضحاً للصلة بين عقل الإنسان ووحي الرحمن، فقالوا: عقل الإنسان بمنزلة العين، ووحي الله بمنزلة الشمس، فكما أن العين لا ترى بدون نور، فهذا العقل لا يهتدي بدون شرع العزيز الغفور، ولذلك الرأي بمنزلة الليل، والنقل بمنزلة النهار وسطوع الشمس، ولابد من اجتماع عين وشمس، وعقل ونقل، وكان الإمام أحمد عليه رحمة الله ينشد كثيراً هذين البيتين:

    دين النبي محمد أخبار نعم المطية للفتى الآثار

    لا ترغبن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار

    فإذا قدم الإنسان عقله على شرع ربه جل وعلا فقد صاده الشيطان في أول بلية، وحصل غايته منه، يذكر الإمام ابن سعد ويروي في طبقاته، والحديث بسند صحيح رجاله ثقات، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة في حجة الوداع عليه صلوات الله وسلامه، من أجل انتظار أسامة بن زيد رضي الله عنه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، وكان أسامة قد تأخر، فما جاء إلا وقد غربت الشمس فأخر النبي صلى الله عليه وسلم الإفاضة، فلما جاء أسامة ، وكان دميم الخلقة أسود الوجه أفطس الأنف، لكنه طاهر القلب أفضل عند الله من الملائكة، فقال بعض همج اليمن: من أجل هذا أخر النبي صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة؟ سبحان الله! كلمة عظيمة، اعتراض على من لا ينطق عن الهوى، يقول عروة : فلقد ارتد هؤلاء عامة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل هذه الكلمة، يعترضون بها على فعل النبي عليه الصلاة والسلام الذي أخر فيه طواف الإفاضة من أجل أسامة ، أسامة الذي من لم يحبه فلا إيمان له، كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة).

    وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما يقسم العطاء يعطي لولده عبد الله ثلاثة آلاف، ويعطي لـأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقال عبد الله : لم تفضله عليّ يا والدي؟ والله ما سبقني إلى مشهد، فقال له: ويحك! إن والده كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وهو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأنا أقدم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي، فأنا أحبك وأنت ولدي، ولكن ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم على محبوبي.

    فحذار حذار من الاعتراض، ومن تقديم العقل والنقل، فهذه أعظم الآفات وأول البليات، وصدق الله هو جل وعلا عندما يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    إخوتي الكرام! الفارق الوحيد بين الموحد والملحد، وبين المؤمن والكافر، هو هذا الأمر: إما أن نرجع إلى العقول والآراء، أو نرجع إلى النصوص وإلى وحي رب الأرض والسماء، هذا هو الفارق بين المؤمنين والكافرين، ولن أفيض الكلام في هذا الجانب، وكنت قد تكلمت عليه في محاضرة في موقف العقل البشري من الوحي الإلهي، لكنني سأتكلم على أمور ضرورية في هذه العقبة الرديئة التي ينصبها إبليس للمكلفين من البرية، وهي عقبة الكفر وعقبة الشرك، وقلت: الضابط لهذه العقبة: أن يقدم الإنسان عقله ورأيه على وحي الله جل وعلا ونوره وهداه.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.