إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شكاية الموحدين أمورهم لرب العالمين [3]

شكاية الموحدين أمورهم لرب العالمين [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يجوز لأحد أن يرفع شكواه إلا إلى خالقه ومولاه سبحانه تعالى، فهو الذي بيده النفع والضر دون سواه، إلا أن هناك من الناس ناساً انتكست فطرهم وطمس على قلوبهم فراحوا يشكون خالقهم ومولاهم إلى المخلوق الضعيف الذي لا يملك لنفسه -فضلاً عن غيره- شيئاً، وهذا الصنف على خطر عظيم إن لم يتب إلى الله تعالى، وهناك صنف يشكون غيرهم من الخلق إلى الله تعالى إذا وقعوا فيما يستدعي ذلك، فلا بأس بشرط أن يجعلوا أنفسهم وغيرهم في ذلك سواء، كما أنه يجوز شكاية المخلوق إلى المخلوق إذا وقع منه ظلم وتعدٍّ، بشرط عدم الكذب والافتراء والظلم.

    1.   

    شكاية الخالق إلى المخلوق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:

    الصنف الثاني: قلت: إنه أخبث الأقسام، وهو صنف خبيث نجس يشكو الخالق إلى المخلوق، ينقل الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن صفحة ست وثلاثين وأربعمائة عن الفضيل بن عياض سيد المسلمين في وقته عليه رحمة الله: أنه مرّ بإنسان يشكو ربه إلى غيره، فقال له: ويحك! تشكو من يرحم إلى من لا يرحم. وقد عبر عن هذا الإمام ابن القيم في كتابه الفوائد في صفحة ست وثمانين بقوله:

    وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

    وإذا شكا الإنسان أموره إلى غيره ضاع، ومن عدا الله لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً، فكيف يحق لنا أن نشكو أمورنا وخالقنا ونفوسنا وما يقع علينا إلى غيرنا ممن هو مثلنا؟! هذه هي الحماقة بعينها.

    أمر النبي صلى الله عليه وسلم باللجوء إلى الله تعالى وتحذيره من اللجوء إلى غيره

    لقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نلجأ إلى الله، وحذرنا من اللجوء إلى غيره، وأخبرنا أن اللجوء إلى غيره مضيعة وهلاك ومتاهة، ثبت في المسند وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ).

    وفي مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية، الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه وهو صحيح، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وأن عزه استغناؤه عن الناس )، فلا يحصل لك العز إلا إذا استغنيت بربك عن غيرك، فإذا لجأت إليهم ضعت وخسرت وهلكت وازددت غماً إلى غمك.

    ولذلك أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من وقع في كرب وشكا حاله إلى الله سيفرج عنه عاجلاً أو آجلاً، ومن لجأ إلى غير الله فلن يزيده لجوؤه إلى غير الله إلا ضياعاً وهلاكاً، ثبت في المسند وسنن الترمذي وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بغنى عاجل أو آجل )، نزلت به فاقة فلجأ إلى الناس وشكا إليهم لم تسد فاقته، وإذا أنزلها بالله وشكا أمره إلى الله، سيأتيه الفرج آجلاً أو عاجلاً.

    وجوب سؤال الله تعالى والتعفف عن سؤال غيره

    إخوتي الكرام! يقول أئمتنا: يجب التعفف عن سؤال غير الله، سواء كان التعفف فيما يتعلق بالأمور المالية، أو كان فيما يتعلق بالنصر في الأمور البدنية، فلا تطلب نصرة إلا من الله، ولا تطلب معونة إلا من الله، واللجوء إلى غير الله جل وعلا ذلّ ومهانة وعجز، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126]، إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160]، فإذا طلبت النصرة فاطلبها من الله فبيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير، فهذا الصنف الذي يسأل غير الله ويعول عليه هو مشرك خبيث، ثم ليت شعري من الذي يستحق أن يسأل؟! ومن ينبغي أن يسأل غير الله جل وعلا؟! وهل في غير الله من يوجد فيه صفات تستدعي أن نسأله ليقضي حوائجنا ويفرج كروبنا؟! لا ثم لا.

    ولذلك قال الإمام الفضيل بن عياض عليه رحمة الله: من عرف الناس استراح. يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [فاطر:15]، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، من عرف الناس استراح، لا يبالي بهم، لا يطلب منهم نصرة ولا معونة، ولا يرائي ولا يداهن ولا يتكبر ولا يسخر؛ لأنه عرف الناس وعرف قدرهم.

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- أن الإنسان لا يكمل إيمانه حتى يرى الناس كالأباعر ثم يرجع إلى نفسه فيراها أصغر من كل صاغر، من أنت أيها الإنسان لتسأل؟! أصلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وما بين الحالتين في جوفك العذرة، كما قال مطرف بن عبد الله بن الشخير لـيزيد بن المهلب عندما رآه يختال في مشيته، قال: هذه مشية يبغضها الله، قال: أتعرفني من أنا؟ قال: نعم، هذا نسبك، وهذا حالك، وهذه صفتك، نطفة مذرة هذه البداية، والنهاية جيفة قذرة، وما بينهما تحمل العذرة، الغائط في جوفك. وهذا الكلام قاله مالك بن دينار لوالد يزيد بن المهلب أيضاً، فلما تشابهت القلوب الطاهرة بين مالك ومطرف تشابه الكلام. فمن عرف الناس استراح.

    ولذلك كان الإمام إبراهيم النخعي عليه رحمة الله يقول: إن الأغنياء لا يعطونك بقدر ما يغنونك، إنما يعطونك بقدر ما يفضحونك. يعطيك لا ليغنيك، إنما ليفضحك ويهتك سترك ويقول: أعطيته وأعطيته، ولكن الذي يعطي بغير حساب هو الكريم الوهاب سبحانه وتعالى:

    لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

    هذا حال الله وهذا حال المخلوق، فمن تسأل؟ إذا سألت الناس أضجرتهم، وأهانوك في النهاية، يقول إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله: يلوموننا أننا لا نقبل منهم -أي: يعطينا الأغنياء ولا نقبل- يقول: فإذا قبلنا أهانونا، ثم إذا سألناهم لن يعطونا. هم يلحون في الأخذ، إذا أخذنا نحصل إهانة، ثم يقطعون العطاء، إذاً لا نأخذ من البداية، ونصون كرامتنا وعرضنا وماء وجوهنا ونلجأ إلى ربنا سبحانه وتعالى، ينبغي للإنسان أن لا يسأل إلا ربه جل وعلا، وأن يترفع عن سؤال المخلوقين.

    1.   

    شكاية الغير إلى الله تعالى

    الصنف الثالث من أصناف من يشتكون ويرفعون شكواهم إلى غيرهم: من يشكو غيره إلى ربه، وهذا محمود بشرط أن يضم شكوى نفسه أيضاً مع غيره إلى ربه، فيشكو نفسه وغيره إلى الله، وأما أن يشكو أحوال الناس إلى الله، وما هم فيه من انحطاط، وما يفعلونه نحوه من تقصير مع عدم شكاية نفسه إلى ربه، فهذا غلط، ففيك من التقصير أضعاف ما فيهم، وما يقع تقصيرهم عليك إلا بذنب منك، كما قرر ربنا جل وعلا هذا في محكم كتابه، فقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وقد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذه الآية أفضل آية في القرآن، وهي أرجى آية، هذا ثابت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم ومسند أبي يعلى بسند صحيح صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي عن علي رضي الله عنه، قال: (ألا أخبركم بأفضل آية أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم تلا هذه الآية من سورة الشورى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، قال علي رضي الله عنه: فإذا عوقب الإنسان وعجلت عقوبته فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده، وإذا عفا فالله أكرم من يعود في شيء قد عفا عنه)، فما يجري منك إن عوقبت عليه طهرت، وإذا عفي لك عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين سبحانه وتعالى، فشكوى المخلوق إلى الخالق لا بأس بها، بشرط أن نضم إلى شكاية غيرنا شكاية أنفسنا أيضاً.

    1.   

    شكاية المخلوق إلى المخلوق

    القسم الرابع: أن نشكو المخلوق إلى المخلوق، وهذا لا مانع منه إذا كان على الوجه الشرعي، والإنسان إذا أراد أن يأخذ حقه من طريق شرعي بلا تزيد ولا افتراء ولا بهتان، فلا حرج، وإن أراد أن يتنازل، وأن يعول على شكاية أمره لربه فهو أحسن وأفضل، إنما لو طلب فلا حرج، وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم قانوناً في هذا الأمر ومنهجاً، رواه الإمام البيهقي في سننه بسند حسن، والحديث روي بعضه في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال من الناس أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر )، والحديث رواه الإسماعيلي في مستخرجه بلفظ: ( ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب ).

    إذاً: إذا كنت تدعي دعوى، وعندك بعد ذلك بينة تبين صحة دعواك وأنت محق في ذلك فلا حرج، وإن أردت أن تؤخر الأمر ليوم القيامة، وأن ترفع أمرك إلى ربك فهو أحسن.

    مفسدة الإكثار من الشكوى إلى المخلوق

    إخوتي الكرام! كثرة الشكايات لا سيما في أمور تافهات مما يخدش مروءة الإنسان، وقد ينقص دينه في بعض الأحيان، لذلك ينبغي أن يبتعد عنه الإنسان، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن النساء عندما كنّ يكثرن الشكاية، كنّ أكثر أهل النار، فالمرأة شكايتها باستمرار تشكو مخلوقاً إلى مخلوق: زوجي ما أحضر لي، وما جلب للبيت، وما عاملني مثلما يعامل الناس زوجاتهم، ولا يفتر لسان أكثر النساء الخبيثات عن الشكاية، شكاية باستمرار، كأنه لا يوجد مجرم على وجه الأرض إلا هذا الزوج المسكين، كل يوم في تقصر.. حتى بلغت الشكاية ببعضهن إلى أنه إذا ما أحضر لها التلفزيون تشتكيه أيضاً، وتقول: هذا متزمت بخيل ما يريد أن يدخل هذا الجهاز إلى بيته، خلا الصالحات الطيبات، نسأل الله أن يبارك في الصالحين والصالحات.

    فالشكاية إذا كثرت في مثل هذه الأمور خدشت المروءة، وأنقصت الدين، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم واللفظ له وسنن النسائي في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد، بعد أن صلى صلاة العيد ووعظ الصحابة، ذهب إلى قسم النساء عليه صلوات الله وسلامه، فوعظهن وقال: ( تصدقن فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء -أي: من خيارهن وأتمهن عقلاً ورأياً- وقالت: لماذا يا رسول الله عليه الصلاة والسلام نحن أكثر حطب جهنم؟ فقال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير )، الشكاة، أي: الشكوى، ما تفتر ألسنتكن منها ولا عنها، وتكفرن العشير، وفي رواية للدارمي : ( لأنكن تغشين الشكاة واللعن، وتكفرن العشير )، تغشين هذا، أي: تفعلنه بكثرة، وهو دارج على ألسنتكن، كثرة الشكوى، واعتراض على إحسان الزوج، ثم بعد ذلك لعن وسبّ لمن في البيت من أولاد وذرية، ثم تنكر لهذا الزوج وعدم قيام بما ينبغي أن تقوم المرأة الصالحة نحو زوجها، فكان النساء أكثر أهل النار، وأكثر حطب النار؛ لأنهن يكثرن الشكاة والشكوى.

    إرشاد المشتكي إلى الأفضل

    وإذا كان للإنسان في شكواه وجهة نظر، لا مانع أن ينظر في شكواه ثم يوجه لأمر معتبر، فيقال: هذه الشكوى وإن كان لك فيها وجهة نظر، ولك في الطلب حق، لكن ذاك أكمل بك فخذه، واحرص عليه فهو أولى بك، وهذا كما في صحيح البخاري وسنن أبي داود عن علي رضي الله عنه قالت: شكت فاطمة رضي الله عنها من الرحى، اشتكت وقالت: هذه تتعبني في جرش وطحن الحب ليصبح دقيقاً وبالعجن وفي الخبز وفي تهيئة البيت، اشتكت من الرحى، فلما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم سبي قالت فاطمة لـعلي: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً يعطينا، كما يعطي الناس الإماء من بيت مال المسلمين، فقال: والله لا أسأله، سليه أنت، فذهبت إلى بيته فرأت أمنا عائشة رضي الله عنها، ولم تر النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبرتها بالأمر، فما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى أمنا عائشة إلا بعد صلاة العشاء، فلما أخبر بالأمر ذهب إلى بيت ابنته وابن عمه علي عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، وقد أخذا مضجعهما، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( مكانكما )، ثم جلس بينهما ومد رجليه، يقول علي: حتى وجدت برد أصابع رجليه في صدري، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس وهما مضطجعان، فقال: ( ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ ) يقول علي : فغمزت فاطمة لئلا تقول: أريد خادماً ولا أريد ما هو خير من خادم، غمزتها لئلا تقول: نعم نريد ما هو خير من خادم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تكبران الله إذا أخذتما مضاجعكما أربعاً وثلاثين، وتحمدانه ثلاثاً وثلاثين، وتسبحانه ثلاثاً وثلاثين، فهذه مائة فهو خير لكما من خادم ).

    يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله فيما يروي عنه الإمام ابن القيم في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب في صفحة مائة وواحدة، وأورد هذا ضمن فوائد الذكر في الفائدة الثالثة والستين، وأورد ما يزيد على ثلاث وسبعين فائدة، مع أنه قال: للذكر فوائد تزيد على المائة، يقول: قال الإمام ابن تيمية : من حافظ على هذا الدعاء عند نومه أعطاه الله قوة في بدنه تغنيه عن الاحتياج إلى خادم وإلى غيره، وهذا الكلام الذي قرره الإمام ابن تيمية حقٌ، وقد فعله سلفنا وكان في أبدانهم قوة واستغنوا عن مساعدة غيرهم، ولما حصل الآن فينا ما حصل ابتلانا الله بالأمراض والأسقام وضعف الأبدان وتشتت الأذهان.

    وقد تعقب الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله كلام الإمام ابن تيمية وقال: لا يلزم منه نفي التعب، لا يلزم من هذا الحديث أنه خير لهما -أي: هذا الذكر- من خادم نفي التعب عنهما، إنما إذا قالا هذا الذكر، وإذا قال الإنسان هذا الذكر إن تعب لا يعتريه ملل، ولا داعي لهذا التعقب، فهو متعقب، وهو في الحقيقة كلام لا يوجد ما يبرره ولا ما يدل عليه، فقوله: ( فهو خير لكما من خادم )، أي: يغنيكما هذا عن خادم في القوة والنشاط والجد، ويلزم من هذا نفي التعب، فليس المقصود أنه قد يتعب ولا يحتاج إلى خادم، وإلا فما هي الفائدة من هذا الذكر؟ بقي حاله كما كان سابقاً، إنما المقصود من نفي التعب هو أن الله يبارك في بدن الإنسان وصحته إذا قال هذا الدعاء، فلا يتعب بفضل الله وكرمه ومعونته، فإذا أورد الإنسان شكاية فيها نظر فإنه يوجه لأمر معتبر.

    ولذلك ثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي عن الزبير بن عدي ، قال: أتينا إلى أنس بن مالك نشكو إليه ظلم الحجاج ، هذه شكاية فيها وجهة نظر، لكن ينبغي أن نوجه الأنظار إلى ما وراء هذا، فقال: اصبروا، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شرّ منه حتى تلقوا نبيكم صلى الله عليه وسلم )، فهذا الظلم سيحصل، وما حصل من الحجاج من ظلم إلا لأن الرعية حصل فيها الظلم، فاصبروا على هذا والجئوا إلى ربكم جل وعلا، ولذلك لما قالت بنو إسرائيل، والأثر عن قتادة رواه الإمام الدارمي في كتاب رد على الجهمية، ورواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، وهو منقول في عدد من كتب أئمتنا، قالت بنو إسرائيل: يا رب! أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف نعرف غضبك من رضاك علينا؟ فقال: إذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم، وإذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، فإذا كان الأمر كذلك فاصبروا، وتوبوا إلى ربكم جل وعلا. فإذا أبدى أمراً كما قلت فيه وجهة نظر يوجه الأمر المعتبر.

    الوعيد الشديد لمن يكذب في شكواه إلى المخلوق من مخلوق آخر

    وأما إذا كان ظالماً في دعواه مفترياً كذاباً، فيا ويحه! ويا ويله في الدنيا والآخرة مما سيحل به من الخزي والعار عندما يشكو مخلوقاً إلى مخلوق بكذب وزور وبهتان، ودعا المظلوم في هذه الحالة مستجاب كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد تحققت إجابات كثير من المظلومين دعوى على من ظلمهم في العاجل، وما للظالمين في الآجل أشنع وأفظع، ذكر أئمتنا في ترجمة سعد بن أبي وقاص قصة طريفة عظيمة جليلة، والقصة مروية في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن النسائي ، حاصلها: أن أهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، شكاية مخلوق إلى مخلوق، فاستدعى عمر سعد بن أبي وقاص وقال: يا سعد ! لقد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة، لا تحسن تصلي، فقال: لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أحسن الصلاة، والله لقد أتى علي برهة من الزمن وأنا ثلث الإسلام، ثالث من أسلم، ولقد كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام أضع كما تضع الشاة، ما كنا نأكل طعاماً إنما نأكل ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا ويخرج منا بعر عند قضاء الحاجة، حتى صار هؤلاء يعيرونني أنني لا أتقن الصلاة! والله إني أصلي بهم صلاة رسول عليه الصلاة والسلام، أطول في الأوليين وأحذف في الأخريين، أي: أختصر وأجعل الأخريين أقل من الأوليين، قال: هذا الظن بك يا أبا إسحاق ! وأرسل عمر رضي الله عنه من يتحقق من الواقع في مساجد الكوفة، فدخلوا لبعض المساجد فأثنوا على سعد خيراً، فقام رجل وقال: إن سعداً لا يخرج في السرية، جبان جالس في بيته، ويحتجب عن الرعية، ولا يقسم بالسوية، هذا حاله، فقال سعد : اللهم إن كان هذا العبد قام مقام رياء وسمعة، وتكلم بالكذب والبهتان، فأطل عمره، وعجل فقره، وعرضه للفتن، فطال عمره وافتقر فبدأ يتعرض لسؤال الناس، وكان وهو في السوق يتعرض للجواري الإماء، ويقال: أما تستحي وأنت شيخ كبير ليس في لحيتك شعرة سوداء؟ فيقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد .

    ومثل هذا جرى لأخي سعد بن أبي وقاص سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أخيه في الله وفي الإسلام وفي الصحبة وفي العشرة المبشرين من الجنة، وحديثه أيضاً في المسند والصحيحين، جاءت أروى بنت أويس فقالت: أنصفوني من سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، إنه أخذ قطعة من أرضي، وكانت أرض سعيد بجوار أرض أروى بنت أويس ، وبنى فيها، فإما أن ينقض بناءه ويعيد إلي أرضي، وإما أن أصرخ في أمره في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، آتي في المسجد وأتكلم، ورفعت أيضاً شكاية عليه لـمروان بن الحكم ، وكان أميراً على المدينة في ذلك الوقت، فاستدعى مروان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، فقال: أنت أخذت قسماً من أرضها؟ فقال: أنا آخذ شيئاً من أرضها بعد أن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين )، أنا آخذ شيئاً وأنا أسمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا بأذني؟ قال: لا نريد منك بينة غير هذا، انتهى، اذهب، الأرض أرضك ولا تعد إليها شيئاً، لكن المرأة بقيت على طلبها، فنقض البناء وقال: لتأخذ ما تريد، ثم قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، فامتدت بها الحياة حتى عميت، فكانت إذا أرادت أن تخرج لقضاء حاجة أيقظت أحداً من أصحاب البيت ليكون معها، ففي بعض الأيام ذهبت بنفسها لتقضي الحاجة في الليل فسقطت في بئر لها في أرضها فماتت، ماتت في هذه الأرض التي اتخذتها.

    إخوتي الكرام! إن العشرة المبشرين بالجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام توفي وهو عنهم راض، ولكن يرد علينا إشكال حول ترجمة هذا العبد الصالح، وهو أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طعن جعل الخلافة في الستة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض وهم المبشرون بالجنة: عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، فلماذا لم يجعل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل معهم؟ ووالله! إنه لا يقل سابقة عن سابقة أولئك، بل إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أسلم قبل عمر ، وهو ابن عمه وزوج أخته فاطمة، وما دخل عمر في الإسلام إلا بسبب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، بعد أن دخل عمر ورأى خباب بن الأرت يعلم فاطمة ومعها زوجها، فضرب أخته وضرب زوجها، وحصل بينهما ما حصل ثم أسلم عمر رضي الله عنه، فسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أقدم إسلاماً ممن جعلت الشورى فيهم، وهو يشاركهم في السابقة، والنبي عليه الصلاة والسلام راض عنه، ومبشر بالجنة، فلماذا لم يعهد إليه بالخلافة؟

    إن الأمر حقيقة كان يحك في ذهن الإنسان ويتساءل، حتى رأيت الإمام الذهبي عليه رحمة الله في سير أعلام النبلاء في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين ومائة أزال الإشكال بكلام حقيقة يقبله أهل القلوب الطاهرة، يقول: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن لا يجعل أحداً من أعضاء مجلس الشورى من أهله ولا من عصبته، فلو عهد بالخلافة لولده عبد الله بن عمر لكان كفئاً كريماً صالحاً نقياً فاضلاً، ولو أدخل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لكان أهلاً لذلك ولا ينقص عن الستة، لكن حتى لا يقال ويقال، يقول الذهبي : وهكذا فليكن العمل لله.

    نبحث عن أحوالنا في هذه الأيام أخوتي الكرام، يقول لي بعض البله، والبله لعل الوصف فيه قليل، بعض من في قلبه خبث وفساد ونجاسة، واستغلال وظيفته لمصالح شخصية، يقول: أنا أعمل للمصلحة العامة والمصلحة الخاصة، قلت له: اعمل لله، دعك من المصلحة الخاصة، اعمل لله، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، دعك من المصالح الخاصة، لأن المصلحة الخاصة إذا دخلت أفسدت ما هو لله مباشرة، حالنا كالمشركين الذين قال الله عنهم: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136]، وفي النهاية فلو كان لله فلا يصل إلى شركائهم، فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]، عندما تشترك المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة قضي على المصلحة العامة وعلى المصلحة الشرعية، وتحصل المصلحة الرزية.

    انظر لهذا الفقه وهذا الفهم وهذا الورع وهذا الإيمان من هذا العبد الصالح عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا يشارك أولئك في كل فضيلة، إذاً لم ما أشركته؟ يقول: هذا ابن عمي، وزوج أختي، عصبة وختن، فلم يدخله لئلا يكون هناك شبهة، رضي الله عنه وأرضاه، هذا الذي يعمل لله لمصلحة المسلمين لا لمصالح خاصة؛ لأن المصلحة الخاصة إذا دخلت أفسدت أحوال البلاد وأهلكت العباد، فإذا كانت الدعوى من عبد على عبد مزورة ومكذوبة، فهذه تسود الوجه في الدنيا والآخرة.

    ادعيت دعوى على مطرف بن عبد الله بن الشخير الذي تقدم معنا خبره، والقصة في الحلية صفحة مائتين وستة، والدعوة مكذوبة أقاموها إلى أمير البصرة آنذاك زياد بن عبد الله ، فلما أقيمت الدعوة عند زياد استدعاه، فقال مطرف بن عبد الله: اللهم إن كان كاذباً فعجل موته، فمات في الحال، في مجلس القضاء، واستعدى أهل الميت زياداً عليه، وقالوا: قتل صاحبنا، قال: هل مسه؟ هل ضربه؟ هل أصابه؟ قالوا: لا، قال: دعوة رجل صالح وافقت قدر الله، ماذا أعمل؟ إن كان كاذباً فعجل موته. فحذار حذار أن تقيم دعوى من على مخلوق لمخلوق تكون هذه الدعوى لا صحة لها.

    1.   

    ضرورة الالتجاء إلى الله تعالى عند العسر والبلاء

    الدنيا دار ابتلاء

    إخوتي الكرام! وفي الختام: فنحن في دار ابتلاء في هذه الدار، ودار الابتلاء يمرّ فيها على الإنسان عسر ويسر، وألوان مختلفة، فينبغي أن نشكر الله في حال الرخاء، وأن نلجأ إليه في حال الضراء سبحانه وتعالى، وأن نرفع إليه أمورنا، وأن نشكو إليه أنفسنا وغيرنا، وكذلك وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:20]، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أن العسر واليسر يتناوبان على العباد، والأحوال تتداول بينهم، وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6]، ولن يغلب عسر واحد يسرين، كما ثبت هذا عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، ووجه ذلك: أن العسر معرف، فإذا كررت الثاني فهو نفسه الأول، فالعسران عسر واحد، واليسر منكر، فإذا كررت الثاني فهو غير الأول، فاليسران يسران مختلفان، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:6]، إن مع العسر الأول يسراً آخر، ولن يغلب عسر يسرين.

    وقد كان أئمتنا عليهم رحمة الله يصابون بأحوال عسر وشدة فيلجئون إلى الله جل وعلا، ولا يعولون على مخلوق، كما قلت: لا في طلب رزق، ولا في نصر ومعونة بدنية، فالله يتولاهم من حيث لا يحتسبون، ينقل الإمام الذهبي في ترجمة محمد بن هارون الروياني ، والقصة في تذكرة الحفاظ في الجزء الثاني ثلاث وخمسين وسبعمائة، يقول: جمعت الرحلة المحمدين الأربعة: محمد بن هارون الروياني ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومحمد بن جرير الطبري ، ومحمد بن المنذر ، اجتمع هؤلاء في الرحلة في مكة، في طلب العلم، وكانوا في حجرة واحدة، فأرملوا ونفد ما عندهم من طعام، فقال بعضهم لبعض: لابد من أن نقدم واحداً منا يدعو الله ليفرج كربنا، وليرزقنا بغير حساب وهو الكريم الوهاب، فكل واحد يقول: ليتقدم غيري ولست هنالك، لا أريد أن أتقدم بين أيديكم في الدعاء، قال: فاقترعوا، فوقعت القرعة على إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقيل له: ادع لنا ونحن نؤمن، فقال: أمهلوني حتى أصلي ركعتين، فبينما هو يصلي في قعوده الأخير مستقبلاً القبلة إذا بالباب يطرق، وإذا بعبد ومعه أربع صرر، فقال: أين محمد بن إسحاق بن خزيمة ؟ قالوا: هذا الذي يصلي، قال: أين محمد بن هارون الروياني ؟ يعدد أسماءهم ولا يعرف واحداً منهم، قال: أنا, قال: هذه صرة فيها خمسون ديناراً، والخمسون ديناراً في ذلك الوقت تزيد على خمسين ألفاً، ثم أعطى لكل واحد صرة فيها هذا المقدار وقال: إن الأمير كان قائلاً، أي: نائماً عند الظهر، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أدرك المحمدين الأربعة، وعد عليه أسماءكم، فهم جياع في مكان كذا، ويقسم عليكم الأمير بالله إذا نزل بكم حاجة أو طرأ بكم مثل هذا أن تخبروه فهو لا يعلم بحالكم.

    تفريج الله تعالى كربة من يشكو حاله ويلتجئ إليه

    شكاية الأمور إلى الله جل وعلا، والله يتولاهم ويفرج عنهم من حيث لا يحتسبون، لذلك لابد من اللجوء إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، ثبت في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )، قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37].

    وإذا لجأ الإنسان إلى الله وشكا نفسه وغيره إلى ربه فقد حصل له درجة المتقين، فسيتولاه رب العالمين قطعاً وجزماً، كما قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2-3]، ثبت في المسند ومستدرك الحاكم ومعجم الطبراني ، والحديث لا بأس به عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: ( تلا النبي صلى الله عليه وسلم عليّ هذه الآية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، فما زال يكررها عليّ حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر ! لو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم ).

    وعليه فإذا شكونا أحوالنا وأحوال غيرنا إلى ربنا فنحن بانتظار الفرج، وانتظار الفرج عبادة عظيمة كما ثبت في سنن الترمذي عن عبد الله بن مسعود، والحديث روي من رواية عدة من الصحابة الكرام، ونص على تحسينه الحافظ ابن حجر في الفتح، ونقل عنه هذا تلميذه السخاوي في كتابه المقاصد الحسنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ( سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج )، أي: إذا شكوت أحوالك إلى ربك وانتظرت فرجه، ونصره، ورزقه، ومعونته، ولطفه، وإحسانه، وبرّه، فأنت في انتظار الفرج، وأنت في عبادة عظيمة، والفرج سيأتي من حيث لا يحتسب الإنسان إذا عول في شكاية أحواله وأحوال غيره على ربه الإنسان.

    أسأل الله جل وعلا برحمته التي وسعت كل شيء أن يربط قلوبنا به، وأن يجعلنا نشكو أنفسنا وغيرنا إليه فهو مرجعنا ومآلنا وربنا، وعليه اتكالنا في جميع أحوالنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، واجعل خير ساعاتنا ساعة نلقاك وأنت راض عنا، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واختم بالصحة والسلامة غدونا وآصالنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.