إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شكاية الموحدين أمورهم لرب العالمين [2]

شكاية الموحدين أمورهم لرب العالمين [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على العبد أن يرفع جميع أموره وحوائجه إلى ربه سبحانه وتعالى، وإذا أصيب بشيء فلا يرفع شكواه إلا إلى من بيده تفريج الهموم، وتنفيس الكروب، الذي إليه التجأ اللاجئون، وبين يديه انطرح الخائفون الوجلون.. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه وأمته ألا يرفعوا شكواهم وجميع أمورهم إلا إلى الله تعالى، كما كان هذا هو دأب أنبياء الله ورسله جميعاً، وهو دأب عباد الله الصالحين من بعدهم.. الذين التجئوا إلى الله تعالى ففرج همومهم، وكشف غمومهم، وآتاهم سؤلهم سبحانه وتعالى.

    1.   

    أقسام الناس في باب الشكوى إلى الله تعالى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:

    فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نرفع حوائج أنفسنا وأمورنا، وأن نرفع ما يقع علينا من عباد الله إلى ربنا، وأن نشكو إليه أحوالنا، فهو صاحب العدل والفضل، وهو أحكم الحاكمين، ورب العالمين، وبيده مقاليد الأمور، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، فالرجوع لمن عدا الله زيادة في المضيعة، ولذلك ينبغي أن نرفع شكايتنا وأمورنا لربنا، وقد انقسم الناس في موضوع الشكوى إلى أربعة أقسام سنتدارسها إن شاء الله:

    القسم الأول والثاني وهما أعلى الأقسام: من يشكو نفسه وغيره إلى ربه جل وعلا.

    القسم الثالث وهو أنحف الأقسام وأنجسها: من يشكو الله إلى خلقه.

    والصنفان الوسطان متقاربان: صنف يشكو عباد الله إلى الله، وسنتكلم على هذا وهل يحمد أم لا؟ فإن أدخل نفسه بالشكاية حمد وإلا فهو مقصر.

    والقسم الرابع وهو الأخير: يشكو عباد الله إلى عباد الله، وهذا ليس كالصنف الثاني الذي يشكو فيه الله إلى عباد الله، إنما يشكو عباد الله إلى عباد الله.

    هذه الأقسام الأربعة ينبغي أن نعرف وضعها لنكون من القسم الذي كان منه سلفنا، وليحصل لنا من العز والتمكين والخير والبركة ما حصل لهم بفضل الله وكرمه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    وجوب رفع العباد شكواهم إلى رب العباد سبحانه وتعالى

    عباد الله! ينبغي للعاقل الكيس في هذه الحياة أن يرفع جميع شئونه التي تتعلق بنفسه، أو تقع عليه من غيره، إلى ربه جل وعلا، ليطلب الفرج منه، وليسأله اللطف فيما يقع عليه، والسداد فيما سيصير إليه ويريد فعله، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحض الأمة على هذا المسألة، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث في السنن الأربعة أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها )، أي: أن نطلب الله الخيرة فيما نريد أن نفعله، وهو الذي يوجهنا لما فيه خيرنا، وما فيه رضاه علينا وسعادتنا، هذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمه للصحابة ليفعلوه في جميع أمورهم، ولو استقرأنا أحوال كثير من المسلمين لوجدنا أنه ليس عنده عن صلاة الاستخارة ودعائها خبر، وأقول لكم بلا مبالغة: تتخرج الطالبة في هذه الأيام التي ستكون أماً وموجهة من قسم الدراسات الإسلامية لا تعرف صلاة الاستخارة، ولا تحفظ دعاء الاستخارة، يا سواد الوجه! ويا خيبة الآمال! وكنت قد سألت الطلاب في كلية الشريعة: من يحفظ دعاء الاستخارة؟ فالذين يحفظونه يعدون على أصابع اليدين، سبحان ربي العظيم! قال: ( يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر )، إذا أراد أن يتزوج أن يشتري بيتاً، أن يشارك أحداً، أن يتاجر... ونحو ذلك، أي: أمر من الأمور تلجأ إلى الله لتتوجه على حسب مشيئته ومعونته لا على حسب مشيئة نفسك وقوتك، فالخذلان أن يكلك الله إلى نفسك، والسعادة أن يتولى أمورك ليجعل لك من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وليرزقك من حيث لا تحتسب.

    يقول: ( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله )، ولا مانع أن يقول الإنسان: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، ( فقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الأمر حيث كان، ثم رضني به، ويسمي حاجته )، وهذا الأمر ينبغي أن يفعله الإنسان في اليوم مرات لكثرة ما يقوم به من أمور وحاجات، وأن يكون دائماً بين يدي رب الأرض والسماوات، معترفاً بضعفه، مسلماً لله جل وعلا تدبيره لأموره، هذا لابد منه، وهذا الدعاء إن أردت أن تقوله قبل السلام فلا بأس، وإن أردت أن تقوله بعد السلام فلا بأس، وإذا أردت أن تجمع بين الأمرين فأحسن ولا حرج في ذلك، فقله قبل أن تسلم من ركعتي النافلة، وإذا سلمت فكرره مرة ثانية، وأكثر منه في اليوم مرات؛ ليختار الله لك ما فيه سعادتك في العاجل والآجل.‏

    1.   

    تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاده لأصحابه أن يرفعوا شكواهم وجميع أمورهم إلى الله تعالى

    فالشكاية ينبغي أن ترفع لله جل وعلا، وأن نفوض إليه أمورنا، وأن نعول عليه في جميع أحوالنا، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة، وهو تعليم لهذه الأمة أن يلجئوا إلى الله جل وعلا عن طريق شكاية أمورهم ورفعها إليه في الصباح والمساء بدعاء فيه شكوى منهم لله جل وعلا، في تدبير أمورهم وتصريفها ليتولاهم من حيث لا يحتسبون، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي عن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي -أي: أعترف وأقر- فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )، فلابد أن تشكو نفسك إلى ربك، (أبوء بذنبي): أعترف وأشكو إليك حالي، وشكايتي ترفع إليك؛ فاغفر لي، وتول أموري ودبرني بلطفك وفضلك فأنت خير الحافظين، من قال هذا في الصباح وهو موقن به فمات قبل أن يمسي دخل الجنة، ومن قاله في المساء فمات قبل أن يصبح دخل الجنة.

    وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس هذه المعاني أن يشكو العباد أحوالهم إلى ربهم في جميع شئون حياتهم، يغرس هذا في أذهان الصحابة خير هذه الأمة وأفضلها، فهذا صديق هذه الأمة وأفضلها يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم دعاءً يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه، وهكذا الصحابة سألوا هذا أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم فأرشدهم إلى هذا الأمر، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، والحديث صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي وهو صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! مرني بدعاء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي )، وفي رواية أبي داود عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ( أن الصحابة الكرام قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: مرنا يا رسول الله! بأمر نقوله إذا أصبحنا وإذا أمسينا وإذا أخذنا مضاجعنا )، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدعاء في الصباح والمساء وإذا اضطجعوا: ( اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشِرْكه -أو وشر الشيطان وشَرَكِه- وأن أقترف سوءاً أو أجره إلى مسلم )، (من شر الشيطان وشِرْكه) أي: إرادة إغوائه لي بالشرك والكفر بالله، (وشَرَكِه) أي: من جميع مصائبه ووسوسته، يقول الإنسان هذا في الصباح والمساء، وإذا أخذ مضجعه يشكو نفسه إلى ربه جل وعلا، ( أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف سوءاً أو أجره إلى مسلم ).

    وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة أن يلجئوا إلى الله جل وعلا بشكاية أحوالهم إلى ربهم إذا وقعوا في الكربات والشدائد ليفرجها عنهم، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن حبان وكتاب الأدب المفرد للبخاري ، والحديث صحيح، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت )، إذا وقعت في كرب في شدة في عناء في بلاء فالجأ إلى الله بهذا الدعاء: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت).

    وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلمهم أدعية كثيرةً بها يرفعون شكايتهم إلى ربهم من أنفسهم، ومما يقع عليهم، ثبت في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات من الفزع ندعو بهن عند النوم، يأمرنا أن نقول: باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون )، همزات الشياطين: أن تتسلط الشياطين عليك في خنقك والوقوع عليك، لذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة: ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه -أي: خنقه- ونفخه -أي: تزيينه الكبر- ونفثه ) أي: تزيينه الشعر، يستعيذ بالله من هذا (من همزه) أن يتسلط عليك بخنقك وإيذائك، وأن يقع عليك، وأن ينالك منه مكر، ونفخه: أن تتكبر، فهذا من الشيطان، ونفثه أن تقول الشعر البذيء، وهنا كان يعلمهم هذا الدعاء أن يقولوه إذا أصابهم فزع، ويقولوه عند النوم: ( باسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ).

    1.   

    استطراد: حكم تعليق التمائم إذا كانت بأدعية شرعية وغير شرعية

    في الحديث: كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يعلم هذا الدعاء من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتب له هذا الدعاء وعلقه في صدره، وفي رواية: علقه في رقبته. وهذا التعليق هو من باب التمائم، واختلف أئمتنا في تعليق التمائم إذا كانت بأدعية شرعية، هل يجوز أم لا؟ على قولين:

    القول الأول: وهو المنقول عن عبد الله بن عمرو وغيره: أن هذا يجوز، وهذا يستثنى من التمائم التي ورد النهي عنها، وهي تمائم الشرك، فتلك لا يجوز أن نعلقها على أحد من خلق الله، وأما التمائم إذا كانت بأدعية شرعية فلا حرج، وهذا كالرقى، فالرقى إذا كانت بأدعية شركية فهي حرام، وإذا كانت بأدعية شرعية فقد رقى النبي عليه الصلاة والسلام ورقي ولا حرج في ذلك، وهذا ما مال إليه هذا الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو ، وكان يفعل هذا مع بنيه، وتبعه على هذا بعض السلف.

    القول الثاني: ذهب الجمع الغفير كـعبد الله بن مسعود وجمهور السلف الصالح إلى المنع من ذلك، ورجح بعض أئمتنا هذا لأربعة أمور:

    الأمر الأول: لعموم الأدلة التي تنهى عن التميمة، لكنني أقول: يمكن أن يقال: إن هذا مردود، فكما استثنينا الرقى الشرعية فلا مانع أن نستثني التمائم الشرعية، لما كان هناك مانع.

    الأمر الثاني: يقولون: سداً للذريعة، وفي الحقيقة في هذا شيء من الاعتبار، يقولون: إذا علقنا هذه التميمة في رقبة الولد وصدره لأنه لا يحفظ الدعاء، هذا سيجر الناس بعد ذلك لتعليق الحروز الشركية جرياً وراء هذا الذي فعلناه نحن، فنحن سداً للذريعة لا نفعل هذا، ولا نعلقه على أولادنا.

    الأمر الثالث: هذا يؤدي إلى امتهانه، ودخول الأماكن المستقذرة فيه، وينبغي أن تصان الأدعية الشرعية عن مثل هذا.

    الأمر الرابع: يقول بعض أئمتنا: ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام رقى ورقي، وما أشار إلى كتابة كلمة تعلق على رقبة أحد وصدره.

    وعلى كل حال: فالأمر فيه سعة وبحبوحة، فمن علق شيئاً من الأدعية الشرعية على أولاده لا يعترض عليه ولا ينكر عليه، وقد فعل هذا صحابي جليل، ومن لم يرض بهذا فليضرب رأسه بألف جبل، وليس في الصحابة مبتدع على الإطلاق، ومن لم يفعل فليس عليه حرج، وإن كنت أقول: إنه الأحوط، ولا أفعل هذا مع أحد من أهل بيتي، لكن لا ينبغي أن أضلل وأبدع من فعل هذا وقد فعله صحابي، وأما ما قاله بعض العلماء كما قال الشيخ محمد حامد الفقي عليه رحمة الله في تعليقه على فتح المجيب شرح كتاب التوحيد، فقال: لعل عبد الله بن عمرو كان يعلق هذا على صدر بنيه يعلقه في لوح، وكان يكتب لهم هذا في لوح خشبي ويعلقه لهم في صدورهم ليحفظوه، فهو في غاية البعد، ولفظ الحديث: (كان يعلم هذا الدعاء من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه له وعلقه في صدره ورقبته)، فمن أين أتينا بلفظ اللوح وأقحمناه في الرواية وأنه كتبه له وربطه على صدره ليحفظ منه هذا الدعاء؟! وهل الولد الذي لم يعقل ولا زال دون سن التمييز إذا كتبنا له هذا يفهمه ويحفظه؟ لعل الولد إذا جاء للسادسة والسابعة ما يستطيع أن يقرأ هذه القراءة، وبإمكاننا أن نحفظه قبل أن نعلمه القراءة؛ لأن الطفل إذا سمع حفظ، وأما القراءة فهي متعبة، تحتاج إلى تعليم حروف الهجاء في البداية، فهذا فيه بُعد.

    ثم ذكر كلاماً في منتهى الشدة أريد أن يتنزه عنه في مثل هذه المسائل، فقال: إن تعليق هذا الأمر -أي: الأدعية الشرعية في رقبة الأولاد- هذا أعظم من الاستخفاف بالقرآن، وأعظم من الاستهزاء به، وأعظم من جحوده! لم؟! قال: لأن هؤلاء يستهزئون بالقرآن من ناحية أخرى، ما هي؟ يقول: القرآن نزل شفاء للصدور فهؤلاء جعلوه شفاء للأبدان. هذا غلط منك أيها العبد! نسأل الله لك الرحمة والمغفرة، فكتاب الله نزل شفاء للقلوب وشفاء للأبدان، وقد ثبت في الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في قصة رقية أبي سعيد الخدري لسيد الحيّ الذي لدغته عقرب، رقاه بالفاتحة فقال: ( وما أدراك إنها رقية؟! )، وكلام الله رقية للقلوب من الضلال والشك والشرك، وهو رقية وغذاء لهذه الأبدان وسبب لصحتها، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، (شفاء) شامل للأمرين فلا داعي لمجاوزة الحد في الكلام، ولا داعي أن نعنف على من خالفنا إذا كانت مخالفته مستندة لدليل شرعي، وما ينبغي دائماً إذا ملنا إلى رأي أن يُرى هذا الرأي وحده وما عداه ضلال محض، ما زالت الشريعة تتسع، والأمر فيه كما قلنا: سعة، فمن أراد أن يفعل هذا فلا حرج، ومن تركه فلا حرج، والترك أحوط، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، أما أن من يفعل هذا فهو أعظم ممن يجحد القرآن ويستهزئ به، والله إن الكلام في منتهى القسوة.

    لذلك -إخوتي الكرام- ينبغي أن ننظر إلى غيرنا بإنصاف، وأن نشكو أحوالنا إلى ربنا جل وعلا.

    1.   

    شكوى الأنبياء عليهم السلام ورفع حوائجهم وجميع أمورهم إلى الله تعالى

    عباد الله! وهذا المسلك الذي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يغرسه في صدور الصحابة ليسيروا عليه، ولتسير عليه هذه الأمة المباركة، هو الذي كان يتصف به أنبياء الله ورسله الكرام عليهم صلوات الله وسلامه.

    آدم عليه السلام يشكو حاله ويطلب من الله مغفرة ذنبه

    هذا أبونا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما جرى منه ما جرى: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، شكاية حاله إلى ربه، فكانت النتيجة أن الله اجتباه وتاب عليه وهدى، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    نوح عليه السلام يشكو حاله إلى الله ويطلب منه النصر والتأييد

    وهذا نبي الله نوح أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد أن عمّ فيها الشرك، وكان بينه وبين آدم عشرة قرون كلهم على التوحيد، كما ثبت هذا عن ابن عباس في مستدرك الحاكم بسند صحيح، أرسل نبي الله نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه إلى أمة عاتية مشركة باغية، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن به إلا قليل، لجأ إلى ربه: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، التجاء إلى الله، وشكاية حاله إلى ربه جل وعلا: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، فجاءه الجواب الإلهي مباشرة لتفريج كربه، ونصره على عدوه: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر:11]، والفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، فعقب كلامه مباشرة وشكاية أمره إلى ربه جاءه الفرج: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:10-12] إلى آخر الآيات.

    أيوب عليه السلام يشكو حاله إلى الله ويسأله كشف الضر عنه

    وهذا نبي الله أيوب على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما أصابه الضر لجأ إلى من بيده الأمر سبحانه وتعالى، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، يتصرف في عباده كما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، قال تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، شكاية حال وثناء على ربه، أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:83-84]، بالفاء التي تفيد الترتيب مع التعقيب، لقد أصيب بضر عظيم في بدنه وماله وأهله وولده، وهذا الضر كان مرضاً يتحمله هذا العبد الصالح وليس فيه شيء من التنفير على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وما يحكى عن بني إسرائيل أن لحمه تناثر والدود بدأ يسري في بدنه، وألقي على مزبلة، وبقي في هذا ثماني عشرة سنة، فكل هذا ضلال يصان عنه أنبياء الله ورسله الكرام عليهم صلوات الله وسلامه، وهم يصابون بالأمراض التي تعتري البشر، لكن لا يكون فيها ما ينفر الناس عنهم، مرض عظيم في غاية ما قال أئمتنا: كان بين الجلد والعظم، كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يصاب الحمى والصداع، ويوعك كما يوعك رجلان قويان من هذه الأمة.

    والسبب في إصابة نبي الله بهذا الضر ليكون أسوة لمن يأتي بعده في الصبر، وما يحكى من الإسرائيليات من سبب ضره فكله هوس ينبغي أن ننزه أذهاننا عنه، من أنه استغاث به مظلوم فلم ينصره، ومن أنه كان يرعى غنماً بجوار جبار فما دعاه إلى الله، لأجل أن يفتح له هذا الجبار في رعي غنمه، فكان يداهن وذاك يداهن، هذا كله كلام باطل ينبغي أن تنزه الكتب عنه، وأن لا يلصق بأنبياء الله الطيبين الطاهرين عليهم صلوات الله وسلامه، إنما أصيب ليكون أسوة لغيره وليزيد الله في أجره، فأعظم الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84].

    وآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ، قيل: إنهم ماتوا فأحياهم الله، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:20]، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ، وأنعمنا عليه أيضاً بمثل هؤلاء الأهل زيادة في النعمة والفضل، وقيل: إن أهله غيبوا عنه فترة فأعادهم الله إليه، وقيل: آتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ، أي: مثل أهله، ومثلهم معهم، فأعطيناه ضعف أهله، مثلهم ومثلهم، وأما أولئك فماتوا ولم يعادوا، وقيل: آتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ، أي: ثواب أهله في الآخرة، وآتيناه مثل أهله في هذه الحياة الدنيا، والأقوال كلها منقولة عن أئمتنا، ولا مرجح لواحد منها، ولا مانع من قبولها والعلم عند الله.

    قال تعالى: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84]، وقال جل وعلا في سورة (ص): وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [ص:43]، والأمر كما قال شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله: يؤخذ من الآيتين أن صاحب اللب هو من عبَد الله، فالعاقل هو العابد، فمن انحرف عن عبادة الله فهو سفيه مجنون، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة:130]، في سورة (ص) وصفهم بأنهم أولوا الألباب، وفي سورة الأنبياء قال: وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .

    يونس عليه السلام يشكو حاله إلى ربه ويسأله أن يفرج عنه وينجيه من الغم

    وهذا نبي الله يونس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه حصل منه ما حصل، وأصيب بما أصيب به وابتلعه الحوت وصار في ظلمات ثلاث، شكا حاله إلى ربه ففرج الله عنه الكربة، يقول الله جل وعلا في سورة الأنبياء: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88]، عندما حصل من نبي الله يونس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ما حصل، وبلغ دعوة الله على أتم وجه لقومه، فما رأى منهم إلا إعراضاً ونفوراً، أنذرهم العذاب لفترة محددة إذا لم يؤمنوا فسينزل بهم العذاب، ثم خرج من بينهم؛ لأن العذاب سينزل عليهم، وما استأذن ربه في ذلك، إنما قدر أمراً واجتهد فيه: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا [الأنبياء:87]، مغاضباً لقومه، إما أغضبوه فغضب، أو غاضباً عليهم، فالمفاعلة ليست على بابها كما تقول: سافرت وعاقبت، فلا يشترط حصول الفعل لاثنين، (مغاضباً) إما غاضبوه فغضب، أو غضب عليهم وخرج من بينهم، فالغضب على قومه ومنهم، وقيل: مغاضباً من أجل ربه، ونقل هذا عن ابن مسعود وغيره، فغضبه وقع لله، والمعنى كما قال أئمتنا: أي: أن غضبه من أجل الله، خرج مغاضباً من أجل الله، أي: غضب على قومه لأنهم لم يؤمنوا بالله.

    فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، أي: أن لن نضيق عليه إذا خرج، أو ظن أنه لم يضيق عليه في الخروج إن خرج، فالخروج له في سعة، فإن خرج فلا حرج، وإن بقي فلا حرج، والأمر الأول: إن خرج فلن يحصل عليه ضيق؛ لأنه يرى أنه قام بالأمر كما ينبغي، فظن أنه إن خرج لن يضيق عليه، فظن أنه في فسحة وسعة، إن خرج ففي الأمر سعة، وإن بقي ففي الأمر سعة، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، أي: لن نضيق عليه في الخروج وأنه مخير، وهناك قول: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، أي: أن لن نقضي ونقدر عليه.

    والقول الثالث: أنه من القدرة، وقال شيخنا: هذا باطل ولا شك في بطلانه، ولا يقبل إلا على تأويل كما قال الإمام ابن الجوزي : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، أي: أننا لا نقدر عليه إذا ذهب، وإنه سيفلت منّا ويهرب عنا! وأين سيهرب؟! إنما يكون معنى الآية إذا قبل هذا القول كما قال الإمام ابن الجوزي : أن الآية استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: ما ظن عجزنا عنه، وما ظن أنه سيفلت منا ويهرب عنا، فلم خرج دون استئذاننا؟! فإذا كان يظن إنه إن خرج لن يخرج عن قدرتنا، فلم لم يأخذ إذناً من الله في الخروج؟ فهو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: ما ظن عجزنا عنه فلمَ خرج بدون استئذان منا؟

    فلما ابتلعه الحوت واستقر بعد ذلك في ظلمات ثلاث: ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، وقيل: إن الله سلط على الحوت حوتاً آخر، وحوتاً آخر، فصار الحوت ضمن حوت ضمن حوت، والعلم عند الله بالذي حصل، إنما عندما استقر في هذه الظلمات قال: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، اعتراف بالعجز وشكاية حاله إلى ربه، قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء:88]، بالفاء التي تفيد الترتيب مع التعقيب مباشرة، وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88] إذا وقعوا في مثل هذه الورطة وهذه الشدة يتكرم الله عليهم بالنجاة إذا لجئوا إليه وشكوا حالهم له، كما نجا هذا العبد الصالح يونس بن متى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    فضل الدعاء بدعوة ذي النون عليه السلام: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، ما دعا بها مسلم قط إلا استجاب الله له ).

    وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بقصة في أوله، وحاصلها: أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرّ على أخيه عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين -وهذا في خلافة عمر رضي الله عنه- فسلم عليه، فنظر عثمان إلى سعد وما رد عليه السلام، فكرر سعد السلام ثانية فنظر إليه عثمان وما رد عليه السلام، فذهب سعد إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عثمان ، فقال: هل حدث شيء في دين الله؟ قال: وما ذاك؟ قال: مررت على أخي عثمان فسلمت عليه مرتين فنظر إلي وملأ عينيه مني وما رد علي السلام، فاستدعى عمر عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين وقال: لمَ لم ترد على أخيك السلام؟ قال: والله لا أعلم وما سلم عليّ، ولا رأيته ولا علم لي بذلك، فحلف سعد بأن عثمان رأه، وأنه نظر إليه، وأنه سلم عليه وما رد السلام، وتحالفا أمام عمر ، ثم أطرق عثمان ، وقال: أستغفر الله، تذكرت، عندما مررت عليّ كنت أفكر بأمر والله ما فكرت فيه إلا تغشى قلبي وبصري غشاوة، فأغيب عن وعيي ولا أعي ما يقع حولي، تذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا: ( دعوة ذي النون )، ثم دخل عليه أعرابي فشغله عن إكمال حديثه، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد وما أكمل لنا الحديث، فكلما تذكرت ذلك الحديث تغشاني ما تغشاني من الكرب، تطلعاً إلى تلك البشارة، وإلى ذلك الخبر الذي كان نبينا صلى الله عليه وسلم سيقوله، فقال له سعد : أجل، أنا أخبرك بذلك، ما دام عندك عذر، وأنك كنت في حالة غيبوبة وذهول، فاسمع: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن شغله الأعرابي من المسجد تبعته، فلما خشيت أن يفوتني ضربت برجلي الأرض، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( أبا إسحاق ما لك؟ فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا شيء إلا أنك ذكرت لنا دعوة ذا النون، وشغلك الأعرابي، فماذا كنت تريد أن تقول لنا؟ فقال: نعم، دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، ما دعا بها مسلم قط إلا استجاب الله له )، فسري عن عثمان رضي الله عنه وفرح غاية الفرح.

    فلابد من الالتجاء إلى الله وشكاية أحوالنا ورفعها إليه، ومن ذلك أن نقول هذا الدعاء الذي قاله نبي الله أيوب: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، نلهج بهذا ليعطف علينا ربنا ويلطف بنا فيما جرت به المقادير، ربنا مسنا الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الفوائد -وهو غير بدائع الفوائد، فبدائع الفوائد أربعة أجزاء في مجلدين، والفوائد مجلد متوسط فقط- يقول في صفحة ثمان ومائتين، عند ذكر دعاء أيوب: وهذا الدعاء مجرب من قاله سبع مرات فرج الله عنه كربه، وأزال همه وغمه. ولا شك أن الدعاء به مطلوب محمود، لكنني أريد أن أنبه إلى أمر ينبغي أن نعيه، وهو: تحديد الأمر بسبعة أو سبعين، هذا لا ينبغي أن يدخل فيه عقل أحد من المكلفين، هذا مرده لنبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، فهو لو قال لنا: قولوا هذا سبع مرات لقلناه، ولو قال: سبعين لقلناه؛ لأن العبادات توقيفية، نعم، هذا الدعاء نلهج به، لكن لا داعي لأن نحشره في سبع أو في ثلاث أو في سبعين أو في سبعمائة، فمثل هذا الدعاء يقال، وهو في كتاب الله، وما ذكر إلا لنقوله، ولنتأسى بهذا النبي الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، لكن إدخال العقل البشري في تحديد عدد يقال به هذا الدعاء، ما أرى هذا مستساغاً في شريعة الله الغراء، فنقول: اللهج بهذا الدعاء مطلوب من المؤمنين دون تحديد لعدد، وقد ذكر هذا في كتاب الفوائد وليته علق عليه، إنما قال: هذا مجرب، وهو يقرّ هذا ويرضاه، فنحن نقول: احذف السبعة، وقل ما شئت من زيادة أو نقصان، فأنت في خير وفي أجر وتقرب إلى الرحمن سبحانه وتعالى.

    القراءات الواردة في قوله تعالى: (ننجي المؤمنين) وتوجيهها

    وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88]، قرأ ابن عامر وشعبة في روايته عن شيخه عاصم : (وَكَذَلِكَ نُجِي الْمُؤْمِنِينَ)، وكل من القراءتين كما قال أئمتنا: فيها إشكال من حيث الظاهر، ولا إشكال في الحقيقة، أما قراءة الجمهور: وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88]، فقد كتبت بنون واحدة في رسم المصاحف العثمانية، ولا إشكال في ذلك، فقد حذفت النون الثانية ليحتمل الرسم القراءة الثانية المتواترة التي قرأ بها ابن عامر وشعبة في روايته عن عاصم ، فكتبت: (نُجِي)، وتقرأ: (نُنْجِي) على أن النون محذوفة، ولذلك وضع فوق النون في الرسم نون صغيرة، ليدل بذلك على أنها تنطق بنونين على قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر وشعبة : (نُجِي الْمُؤْمِنِينَ)، تمشي مع الرسم تماماً، لكن فيها إشكال من حيث الظاهر: هل هي فعل ماض مبني للمجهول؟ فإن كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون القراءة: (نُجِي الْمُؤْمِنُونَ)، فهل المؤمنون هنا نائب فاعل؟ وقد أجاب أئمتنا عن ذلك بأجوبة ثلاثة معتبرة أذكرها من باب الفائدة:

    الجواب الأول: أن قراءة ابن عامر وشعبة : (نجي): أصلها: (نُنَجِّي)، بضم النون الأولى وفتح الثانية فهي مضارع نجَّى، فحذفت إحدى النونين تخفيفاً، حذفت النون الثانية فأصبحت (نجي)، وعليه: فـ(نجي) فعل مضارع حذفت منه إحدى النونين كقراءة الجمهور تماماً، لأن الأصل فيه (ننجي).

    وقيل: (نجي) أصلها: (ننْجي) بإسكان النون الثانية، مضارع أنجى، فأدغمت النون الثانية في الجيم فصارت (نُجِّي)، وإنما وقع الإدغام لاشتراك النون مع الجيم في ثلاثة أمور: في الجهر، والانفتاح، والتوسط بين الشدة والضعف، كما أدغم العرب (إجانا) أصلها: إن جانا، وكما أدغموا إنجاص فقالوا: إجاص، وهنا (ننْجي) أدغمت النون الثانية في الجيم فصار (نُجِّي).

    وقيل: إن (نُجي) هنا ماض مبني للمجهول، فكيف جاء (المؤمنين) منصوباً بالياء والنون؟ قالوا: لا إشكال، لأن نائب الفاعل محذوف وهو المصدر الذي دلّ عليه الفعل (نُجي)، والتقدير: وكذلك نجي الانجاء المؤمنين، فإن قيل: لمَ لم تفتح الياء (نجيَ)؟ قيل: هذا على لغة عربية فصيحة يلجمون الياء بالسكون كما في قراءة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيْ مِنَ الرِّبَا)، بإسكان الياء في (بقيْ) وهنا كذلك: (نجيْ) الانجاء المؤمنين.

    التجاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه وشكواه ورفع حوائجه وجميع أموره إليه

    وهذا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه كان يلجأ إلى ربه جل وعلا، ويشكو ما يقع عليه إلى ربه جل وعلا ليفرج الله عنه، ففي حادثة ذهابه إلى الطائف عليه صلوات الله وسلامه وفداه أبي وأمي، عندما مات عمه وزوجه، واشتد أذى المشركين عليه، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة ويدعو الناس إلى عبادة الله، فقوبل بأقبح مقابلة، واعتدي عليه ورجم بالحجارة عليه صلوات الله وسلامه حتى أدموا عقبيه، فداه أبي وأمي عليه صلوات الله وسلامه، فالتجأ بعد ذلك إلى بستانٍ من عنب لـعتبة وشيبة ابني ربيعة ، فلما جلس ليستريح رفع طرفه إلى السماء ويديه ونادى ربه بدعاء رواه الطبراني في معجمه الكبير، عن عبد الله بن جعفر ، والحديث رجاله رجال الصحيح، وإسناده ثقات كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء السادس صفحة خمس وثلاثين، لكن فيه عنعنة محمد بن إسحاق وهو مدلس، وعليه فيعتبر الحديث فيه ضعف من ناحية الصناعة الحديثية، وهذا الدعاء أورده ابن إسحاق في كتابه المغازي ومن طريقه ابن جرير في التفسير دون ذكر الإسناد، وعلى كل حال هذا الدعاء لا يخرج إلا من مشكاة النبوة، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن لم ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله )، عليك صلوات الله وسلامه، هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام شكاية أمره إلى ربه جل وعلا.

    وثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في غزوة ذات الرقاع، يقول جابر : عندما غزونا هذه الغزوة، وهي قبل نجد فنزلنا وادياً كثير العضاة والشجر، فتفرق الناس فيه يستظلون بظل الشجر، وذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى شجرة يستظل بظلها وعلق سيفه فيها، فانتظر بعض المفسدين المجرمين غفلة الصحابة عن نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، ثم جاء إليه وهو مضطجع تحت الشجرة، فأخذ السيف واخترطه، ففتح النبي صلى الله عليه وسلم عينيه واستيقظ والسيف في يد هذا الرجل الذي يقال له: غورث بوزن جعفر، ويقال له: دعثور أيضاً، ولعل القصة تكررت مع رجلين والعلم عند الله كما قال الحافظ ابن حجر، فهز هذا المشرك السيف وقال: ( يا محمد -صلى الله عليه وسلم- من يمنعك منّي؟ ) لا جبن ولا خور ولا عجز ولا ضعف، ( قال: الله. قال: هل تخافني؟ قال: لا )، من أنت؟ ورحمة الله على الإمام أحمد عندما قيل له: إننا نخاف من فلان؟ فقال: لو صححتم لما خفتم أحداً غير الرحمن، لو صح القلب ما تخاف إلا الرب، ( قال: من يمنعك مني؟ ) السيف مصلت بيدي، ( قال: الله )، الذي بيده مقاليد الأمور، ومن أنت أيها الصعلوك الحقير؟ يقول: ( فارتعدت يده فسقط السيف، فقام النبي عليه الصلاة والسلام فأخذ السيف وهزه فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! قال: قم، فقد عفوت عنك. فقال: والله لن أقاتلك ولن أقاتل مع أحد يقاتلك )، ثم ذهب إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا.

    فلابد أن نشكو أمرنا إلى الله جل وعلا، لابد من رفع أحوالنا إلى ربنا ليفرج كرباتنا سبحانه وتعالى.

    1.   

    شكوى الصالحين ورفع حوائجهم وجميع أمورهم إلى الله تعالى

    شكوى أبي بكر رضي الله عنه وابنته عائشة رضي الله عنهما إلى الله

    وقد كان الصالحون يسيرون على هذا الأمر، ويلزمونه في جميع أحوال حياتهم، هذا أبو بكر صديق هذه الأمة، يذكر لنا ربنا جل وعلا ما أوذي به هو وابنته الطاهرة العفيفة الفاضلة رضي الله عنهم وأرضاهم، وحشرنا بفضله ومنه معهم في دار كرامته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، حصل له أذى جسيمٌ جسيم، يخبرنا عن هذا رب العالمين في آيات تتلى في كتابه إلى يوم الدين: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، ثم قال في آخر الآيات موجهاً أبا بكر ومعاتباً له: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]، قال في أول الآيات: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، الإفك: هو البهتان، والإفك مأخوذ من الأفك، وهو الشيء المقلوب على وجهه، كلام باطل منكر، فحال أمنا عائشة معروف، وصلتها بنسبها وسببها في زواجها من خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه ما يستدعي براءتها عن هذا العهر الذي ألصق بها رضي الله عنها وأرضاها، فهذا إفك، إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ، هؤلاء تعصبوا في إذاعته ونشره، فهم جماعة على ضلال يجمعهم الخزي والعار، وكلام الأعداء لا يعبأ به.

    وإذا أهل الكرام أكرموني فلا أرجو الهوان من اللئام

    أي: لا أخاف، وإذا أحبك الكرام فمن هم اللئام؟! وهنا: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ، جماعة متعصبون أنذال، ثم هؤلاء قلة وشرذمة من الجمّ الغفير يعلمون طهارتها وموضعها ومكانتها، يقول الله لـأبي بكر المعني أصالة بهذا ولابنته وللنبي عليه الصلاة والسلام وللأمة تبعاً، فما يقع على عرض نبينا عليه الصلاة والسلام يقع على عرضنا، بل ما يلوث به عرض مؤمن على وجه الأرض يلوث به عرضنا: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ [النور:11]، لأنه يترتب على هذا خيرات كثيرة، فقد ظهرت المعادن، ومن يسير وراء التيارات، ترتب على هذا أنكم تلتجئون إلى الله، وتحصلون عظيم الدرجات، ( فأعظم الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل )، قال نبي الله داود، ونقل هذا الكلام أيضاً عن كليم الله موسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، كل واحد يقول: (يا رب! كف ألسن الناس عني، قال: هذا شيء ما ارتضيته لنفسي)، الله يخلق ويُعبد غيره، يرزق ويُشكر غيره، هو والإنس والجن في نبأ عظيم، هذا حاله، هو الخالق ويُعبد غيره، وهو الرازق ويُشكر غيره، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له نداً وهو يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم سبحانه وتعالى ).

    قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ [النور:11]، وهو رئيس المنافقين، لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11].

    معاتبة الله لأبي بكر لامتناعه من النفقة على مسطح ورجوعه إلى ذلك

    ماذا حصل من أبي بكر رضي الله عنه إثرها هذه الحادثة؟ ما حصل منه شيء على الإطلاق، رفع أمره إلى الله، لكن قال: هذا الذي تكلم على عرضي وقذف ابنتي لن أحسن إليه، ولن أتصدق عليه بعد ذلك، وهي لو أراد أن يمنع صدقته وإحسانه عنه قبل ذلك لما كان عليه لوم، فكيف بعد أن جرى من مسطح بن أثاثة ما جرى، وأراد أبو بكر فقط أن يقطع الإحسان، أما عقوبة وكلام ما جرى من أبي بكر شيء من ذلك، فالله ما رضي لـأبي بكر هذا الفعل، وأنزل آية يعاتبه فيها إثر معاتبة الصحابة الذين خدعوا بهذا الكلام وقالوه بألسنتهم دون اطمئنانٍ له بقلوبهم، فقال الله معاتباً لـأبي بكر : وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ [النور:22]، المقصود بهذا أبو بكر باتفاق المفسرين، لكن لمَ أخبر عنه بضمير الجمع؟ تعظيماً له، هنيئاً لك يا أبا بكر يعظمك ربنا العظيم في كتابه، أنت مفرد ويخبر عنك بالجمع، وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ [النور:22]، وصفك بالفضل ويخبر عنك بالجمع، فأنت صاحب الفضل على الإطلاق، والمراد من الفضل هنا نعمة الدين ونعمة الدنيا، فأنت كنت تحسن إلى مسطح وإلى غيره بغير مقابل، وتطمع بالأجر عند الله، فإذا جرى من مسطح ما جرى فلا يضيرك ولا يضرك، وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22]، فأنت الذي تجمع بين تعظيم الله والشفقة على عباد الله، والدين يقوم على هذا، فلذلك ما ينبغي لك أن تقصر، ولا أن تحلف على المنع من دفع النفقة إلى مسطح كما كنت تفعل؛ لأن الشروع في الإحسان يوجب الإتمام، فإذا كنت تحسن إليه وهو فقير محتاج ينبغي أن لا تقطع عنه ما دام محتاجاً، وما دمت صاحب إحسان.

    وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]، نعم، جرى منه ما جرى، لكن العفو مطلوب، وطلب الأجر عند علام الغيوب هو شأن أهل الألباب وأتقياء القلوب، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22]، قال أبو بكر: بلى، يقول الحافظ ابن حجر : وثبت في معجم الطبراني أن أبا بكر عاد بنفقته على مسطح ضعفي ما كان ينفق عليه، ولسان حاله: أنت آذيتني سأزيد في إحسانك.

    وقوله: وَلا يَأْتَلِ إما أن يكون من (الألو) وهو التقصير، أي: لا يقصر في النفقة، وإما أن يكون من الألية بوزن عطية وهي الحلف، أي: ولا يحلف، وقد وضح هذا قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة، وهو من القراء العشرة: (وَلا يَتَألّ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ)، وغفر الله للحافظ ابن حجر في الفتح فقال: حكى الإمام الفراء هذه القراءة عن أهل المدينة ولا تعرف، إنما تنقل عن الحسن البصري ، أي: هي شاذة! نقول: لا ثم لا، بل هي منقولة عن أبي جعفر شيخ نافع وقراءته متواترة باتفاق، (وَلا يَتَألّ)، أي: لا يحلف، فالتألي بمعنى الحلف، قال الشاعر:

    قليل الألايا حافظ ليمينه إذا صدرت منه الألية برت

    قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه يتعرض لمثل هذا، فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يسلك معه المسلك الذي سلكه معه رب العالمين، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ومعجم الطبراني الأوسط بسند حسن: ( أن رجلاً كان يجلس في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر حاضر، فنال هذا الرجل من أبي بكر فشتمه وكرر الشتم، وأبو بكر ساكت لا يتكلم والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر يتعجب ويبتسم، وذاك الرجل يتسفه، ثم رد أبو بكر رضي الله عنه بعض ما يقال له إلى القائل، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! لقد سمعت ما جرى منه فلما ردد عليه بعض مقالته قمت؟ قال: نعم، أرسل الله ملكاً يرد عنك، فلما رددت عليه وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد في مجلس وقع الشيطان فيه )، لمَ ترد عليه وهذا الكلام صفته، وأنت معروف من أنت، أنت صاحب الفضل بنص كلام الله، الذي يعلم من خلق، فماذا يضيرك كلامه؟ فعندما أردت أن تجيب، وأن تأخذ حقك دخل الشيطان، وستصبح المهاترة والزيادة في الخصومة، إذاً أنا أخرج، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا أبا بكر ! ثلاث هن حق فاعلم: ما ظلم عبدٌ مظلمة فصبر وعفا إلا زاده الله عزاً، وما فتح عبد باب عطية ليصل بها -أي: رحمه والمساكين والمحتاجين- إلا فتح الله له بها باب كثرة، وما فتح عبد على نفسه باب مسألة ليتكثر بها إلا فتح الله عليه باب قلة )، فإذا ظلمت وصبرت وعفوت يزيدك الله عزاً ورفعة وقدراً.

    ومثل هذا كان يقع أيضاً للصحابة الكرام، ففي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن مقرن المزني ، وهو من الصحابة الطيبين رضي الله عنه، وهو الذي قاد جيش المسلمين في موقعة نهاوند في إمارة وخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين في قتال الفرس، ولما أراد عمر أن يرسله قال: أريد أن أرسلك يا نعمان ، فقال: جابياً أم غازياً؟ إن كنت سترسلني جابياً فلا أصلح، وإن كنت سترسلني غازياً فنعم، فقال: بل غازياً، ثم أرسله، فلما كانت الموقعة قال لمن معه: سأحمل اللواء، فإذا اقتحمت فاقتحموا، وسأدعو فأمنوا، ثم قال: اللهم اكتب لي الشهادة بنصر المسلمين، أي: شهادة بثمن نصرهم، ثم تقدم فكان أول شهيد وقع في المعركة رضي الله عنه، وفتح الله على المسلمين ونصرهم وكسر الفرس وخذلهم، فلما انتهت المعركة كان لازال يلفظ أنفاسه، فجاءه بعض الناس بماء ليغسل وجهه فنظر إليه فقال: ما حال المسلمين؟ فقال: فتح الله عليهم ونصرهم، فقال: الحمد لله، اكتبوا بهذا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، ولما وصل الأمر والخبر إلى عمر وقيل: إن النعمان بن مقرن استشهد، وضع يده على وجهه وبدأ يبكي رضي الله عنه وأرضاه.

    يقول النعمان بن مقرن : ( كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فشتم رجلٌ رجلاً، فقال من وجه إليه الشتم: سلام عليك، سلام عليك، فذاك أعاد الشتم، فقال: سلام عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده! ما زال ملك بينكما يذب عنك، فإذا شتمك قال له المَلَك: بل أنت أحق وأحق، وإذا قلت له: سلام عليك، قال لك الملَك: بل أنت أحق وأحق ).

    بعض قصص الصالحين التي تبين التجاءهم وشكواهم ورفع أمورهم إلى الله تعالى

    وهذا المسلك كان هو خلق سلفنا رضي الله عنهم وأرضاهم، يذكر أئمتنا في تفسير قول الله جل وعلا: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]، والآية من سورة النمل، والقصة يرويها الإمام ابن كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية نقلاً عن تاريخ دمشق للإمام ابن عساكر ، يقول: أورد في ترجمة أبي بكر محمد بن داود الدينوري قصة حاصلها: أن هذا العبد الصالح كان يكاري على بغلة له بين دمشق والزبداني، وهي حي من أحياء دمشق، وقرية من قراها، فكان يحمل الناس بالكراء على هذه البغلة، يقول: فركب معه بعض الناس في يوم من الأيام، فلما خرج من دمشق قال: اتجه في هذا الطريق فهو أقرب، فقال له: هذا الطريق أسلكه منذ كذا سنة، ولا يوجد طريق من هنا، قال: أنا أقول لك: هذا الطريق أقرب، فالمؤمن غِرٌّ كريم، ومن خدعنا بالله انخدعنا، كما قال أئمتنا في قصة انخداع أبينا آدم بعدونا اللعين الشيطان الرجيم: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، وما كان يدور بخلد أبينا آدم أن مخلوقاً على وجه الأرض يحلف بالله كاذباً، إذا كان الأمر كذلك إذاً أقبل ما يقول، فجاء عن طريق خديعته بربه جل وعلا، خدعه بالله، وهذا الرجل كذلك، يقول: فلما سار في الطريق إذا بواد مملوء بالقتلى، فقال هذا الرجل: امسك لي البغلة لأنزل، فأمسكتها فنزل فقال: أريد أن أقتلك، قال: وعلام تقتلني؟ خذ البغلة وما معي واتركني، ماذا تريد أكثر من هذا؟ قال: كل ما ذكرت لي ولابد من قتلك، فلابد حينئذٍ من شكاية حاله إلى ربه، فقال: إن كان ولابُد فدعني أصلي ركعتين، قال: صل وعجل، وكان الرجل يحفظ القرآن، فلما شرع في صلاة الركعتين أرتج عليه فما استحضر آية إلا هذه الآية: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]، وذلك الفارس الطاغية واقف على رأسه، وإذا بفارس يأتي من أسفل الوادي على بغلةٍ بيضاء معه رمح طويل، فضرب هذا المجرم العاتي المعتدي في فؤاده فقتله، فقطع على العبد الصالح صلاته وقال: أسألك بالله! من أنت؟! قال: أنا من جنود الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، لابد من رفع شكاية أحوالنا إلى ربنا جل وعلا.

    وفي نفس المكان في تفسير ابن كثير نقلاً عن تاريخ دمشق لـابن عساكر أورد قصة ذكرها الحافظ ابن عساكر في ترجمة أم أحمد فاطمة بنت الحسن العجلية ، وحاصل هذه القصة: أنه وقعت حرب بين المسلمين والروم، فخذل المسلمون وكادوا أن ينكسروا، فوقف رجل على فرسه التي ما بدأت تطاوعه على الإقدام لقتال أعداء الرحمن من الروم، فقال: ما لك أقبلي؟ قالت: وكيف أتقدم وأنت لا تحسن علفي، تكلمت الفرس في ذلك المكان، فقال: وكيف لا أحسن العلف؟ قالت: تكل علفي إلى السائس ولا يشبعني، ولا يتقي الله في طعامي، فقال هذا العبد الصالح: لك عليّ أن لا أطعمك إلا في حجري بعد هذه الموقعة، فتقدمي أيتها الفرس، فانطلقت كالرمح، ودخل في صفوف المشركين يقتل ويضرب حتى ولوا الأدبار، وانكشفوا عن المسلمين وولوا هاربين، ثم عُلم هذا الرجل وظهر حاله، فقال ملك الروم: والله لا يمكن الانتصار على هؤلاء الناس وفيهم هذا الرجل، هكذا النصر -إخوتي الكرام- يحصل بأفراد أو بفرد، ونسأل الله جل وعلا على أن يطهر قلوبنا وأن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا.

    يقول: فاحتال ملك الروم على إحضار هذا الرجل بمكيدة ليذبحه، فأرسل رجلاً من النصارى عليهم لعائن الله المتتالية وأظهر الإسلام، وكان الأمر كذلك، فلما وصل إلى شاطئ البحر مع هذا الذي أظهر الإسلام وهو صليبي ملعون، رأى الكمين الذي نصب له في ذلك المكان، فرفع طرفه إلى الرحمن وقال: يا رب! إنهم خدعوني بك فاكفنيهم بما شئت، فأرسل الله سَبُعَين، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، فافترسا هؤلاء الروم، فعاد الرجل سالماً إلى بلدته، وإلى بلاد المسلمين.

    عباد الله! ومثل هذا كان يقع كثيراً في العصر الأول، ففي كتاب الفرج بعد الشدة للإمام التنوخي في الجزء الأول في صفحة مائتين يذكر قصة عجيبة وقعت لعابد مع حية، فبينما هو في حجرته يذكر ربه دخلت عليه حية وقالت له: أنا مستجيرة بك من إنسان يريد أن يقتلني ويعتدي عليّ، قال: ومن أنت؟ حية تتكلم؟! قالت: أنا من أهل لا إله إلا الله، أي: من الجنّ متصورة بصورة حية، أريد أن تغيثني من هذا، فقال: اختبئي في جهة من هذا الحجرة، فقالت: أخشى أن يراني، فقال: أين تريدين أن أخبئك؟ قالت: في جوفك؟ ففتح لها فاه فدخلت في جوفه، فجاء هذا الذي يريد الاعتداء عليها، وفتش فما وجدها، ثم انصرف، والقصة -إخوتي الكرام- من أخبار بني إسرائيل ولا مانع من وقوعها ففيها عظة وعبرة، ولا تخرج عن موضوع كلامنا، فلما انصرف الرجل قالت: والله لألدغنك لدغة في كبدك أفتت كبدك، فالتجأ إلى الله جل وعلا، ويروى أنه شرع في الصلاة، وفي بعض روايات القصة: أن الله أرسل إليه ملكاً، فلما رأى الملك ما في هذا الإنسان من الرعب، قال له: ما لك؟ فذكر له القصة، فقال: خذ هذا وكله فإذا أكلته تموت هذه الحية، وفي بعض الروايات: أن الله قال له: اقبض على بطنك هكذا فإنها تموت ثم بعد ذلك تلفظها وتخرجها، وقد حصل أنها ماتت، وفرج الله كربه عندما التجأ إليه وشكا أموره إليه.

    يذكر الإمام القرطبي عليه رحمة الله في تفسيره عن نفسه قصة في تفسير قول الله في سورة الإسراء: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الإسراء:45-46]، الآيات، يقول: كنت في بلاد الأندلس في حصن منسور، فلما دخل البربر إلى بلاد الأندلس وإلى هذا الحصن، يقول: كنت في العراء وفي الصحراء، ولا يوجد شيءٌ يسترني عنهم لا شجر ولا أكمة ولا مغارة ولا شاهق، فكنت أقرأ القرآن فحجبني الله عنهم، فكنت أروح وأجيء وأنام بجوارهم فلا يروني، وأسمع كلامهم بعضهم لبعض، يقول: وقد تبعني عندما رأوني في أول الأمر فارسان ثم أعماهما الله عني، يقول بعضهم لبعض: هذا الرجل الذي ظهر لنا ثم اختفى أين هو؟! فيجيبه ذاك: لعله جني ظهر ثم توارى، يقول: وأنا أسمع كلامهم، وأراهم ولا يروني، عندما التجأ إلى ربه وقرأ القرآن هذه الآية: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45].

    وقد ثبت في مستدرك الحاكم ، والحديث رواه أبو يعلى في مسنده وأبو حاتم في تفسيره بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، أن سورة المسد لما نزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1]، جاءت أم جميل تولول وبيدها حجر يملأ اليد وتنادي بأعلى صوتها:

    مذمّمّاً أبينا ودينه قلينا

    وأمره عصينا

    ثم تبحث عن النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد الحرام، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس في فناء الكعبة وأبو بكر معه، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أخاف عليك منها، فقال: (سأعتصم بالله منها، فقرأ القرآن فاحتجب عنها)، فجاءت ووقفت على رأس النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا أبا بكر ! بلغني أن صاحبك قد هجاني؟ قال: والله ما يقول الشعر، قالت: قد علمت قريش أني من أعلاها نسباً، ثم ذهبت تولول وتقول كلامها السابق، ولم تر النبي صلى الله عليه وسلم، فلا غرو ولا عجب أن يكرم بهذا الإمام القرطبي وغيره من أئمة المسلمين المتقين.

    هذا كان حال الصالحين أن ينزلوا أحوالهم بربهم، وأن يشكوا أمورهم إلى خالقهم ليتولاهم وليفرج كروبهم، والأمر كما قال زين العابدين عليه رحمة الله علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكلامه منقول في سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع صفحة ستٍ وتسعين وثلاثمائة، كان يقول: اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز عنها، ولا تكلني إلى خلقك فيضيعوني. فأنت بين ثلاثة أمور لا رابع لها: إن وكلت إلى نفسك فعاجز مهين، وإن وكلت إلى العبد ضعت وتخطفك أهل الشرق والغرب، وإذا وكلت أمرك إلى ربك تولاك من حيث لا تحتسب، اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز عنها، ولا تكلني إلى خلقك فيضيعوني.

    هذا الصنف الأول، وهو خير الأصناف، وهو الذي ينبغي أن نكون منه، وأن نحرص عليه، أن نشكو أحوالنا إلى ربنا آناء الليل وأطراف النهار، فاللجوء إلى الله جل وعلا سبب للفرج وإزالة الهموم والغموم والكربات التي نعيش فيها وتقع علينا من كل جهة، هذا الصنف الأول إخوتي الكرام.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.