إسلام ويب

رؤية المؤمنين لربهم [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد استدل أهل البدع على نفي الرؤية بأدلة لا يثبت لهم منها دليل، فكلها لا تصلح لنفي ما تواردت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، بل إن أحاديث إثبات الرؤية بلغت حد التواتر كما نص على ذلك العلماء، وهذا يعني العلم القطعي اليقيني، وعليه فالقول بإثبات الرؤية على ضوء الأدلة يقيني قطعي لا يتطرق إليه أدنى شك، والقول بنفيها يعرض صاحبه للخطر العظيم؛ لأنه يعتبر رداً لمعلوم من الدين بالضرورة.

    1.   

    شبهات القائلين بنفي رؤية الله في الآخرة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:

    سوف نتحدث اليوم عن شبهات المبتدعة حول مسألة الرؤية، ونرد عليها بما يتيسر بإذن الله، وقد يقول قائل: ما الفائدة من هذا؟ وكأن بعضهم يرى أنه إذا تكلم على المبتدعين يحصل شيء من التفريق، لكننا ما نريد لهم إلا الهداية والنصح، ونسأل الله أن يلهمهم رشدهم، ونحن ندعوهم لآرائنا فيعتبوا علينا، لكن عندما ندعوهم إلى اتباع كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، فلو أنصفوا لقالوا: جزاكم الله خيراً، ولكن الأمر كما قال الله: وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79]، ونسأل الله إذا امتنع أناس من قبول النصح أن يدخل أثر هذه الموعظة في قلوب كثيرين، وعجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، فرحمة الله واسعة وهو على كل شيء قدير.

    فالموضوع الذي نتكلم فيه أولاً: عقيدة أهل الحق نعتقدها، ثم بعد ذلك ننور قلوبنا ونبهج نفوسنا بها، ووالله كما قلت لكم: ما طابت الدنيا إلا بذكر الله ومعرفته، ولن تطيب الجنة إلا برؤيته ومشاهدته، نسأل الله كما هدانا للإسلام أن يمن علينا برؤية وجهه في غرف الجنان إنه رحيم رحمان، وأن يجعل هلاك الكافرين على أيدينا بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    استدلالهم بقوله تعالى: (لن تراني)

    إن مما قالوه النافون: إن الله تعالى قال لموسى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، ولن تفيد التأبيد، فلن يراه لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    والجواب: أن (لن) لا تفيد التأبيد، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة:95]، فليس النفي بـ(لن) هنا يفيد التأبيد، لكن هذا يستغرق الحياة، نعم لا يمكن ليهودي أن يتمنى الموت ما دامت الدنيا، وعندهم الحياة وكفى، والمال وكفى، يتمنى أن يعيش ولو ذليلاً، ولو ضربته وبصقت عليه، والمؤمن إما حياة في عز، وإما موت في عز، إما أن يحيا ويطيع، وإما أن يموت ويلقى ربه وحبيبه سبحانه وتعالى.

    إذاً: هنا نفي بـ(لن) ويفهم منه التأبيد، ومع ذلك ما أفاد عموم الأوقات المستقبلة في الدنيا وفي الآخرة، فالله أخبرنا أن الكفار في النار يتمنون الهلاك والبوار والدمار: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] فهم هنا قد تمنوا الموت.

    أيضاً: قال أئمتنا: لو كانت (لن) تفيد التأبيد من ذاتها ووضعها لما صح الاستثناء بعدها، ولما صح مجيء حتى بعدها: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف:80]، فلو كانت للتأبيد لما صح أن يقع بعدها حتى ولا استثناء؛ لأنها تفيد التأبيد، وهكذا آيات كثيرة إخوتي الكرام، فـ(لن) كما يعبر أئمتنا بقولهم: هذه (لن) الزمخشرية، أي: هذه (لن) بدعية ليست بـ(لن) عربية، اختلقها الزمخشري وقال: إنها تفيد التأبيد، والله يقول لموسى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، فلا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في الآخرة. جاء الخليلي في هذه الأوقات وقال: (لن) تفيد التأبيد، وهذا كلام الله، فيقال له: وعندما يقول الله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95]، هذا أيضاً كلام الله، أو كلام عنترة بن شداد ؟

    يا عباد الله! لا يجوز الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، (لن) تفيد النفي، نعم، لكن هل هذا للتأبيد أو في وقت من الأوقات؟ هذا يحتاج إلى قرينة، فعندما قال الله لكليمه موسى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، هل هو في الدنيا وفي الآخرة؟ هو في الدنيا قطعاً وجزماً؛ لأن الرؤية في الآخرة ثابتة له ولكل من يدخل الجنة بفضل الله وكرمه ورحمته.

    إخوتي الكرام! الزمخشري عند هذه الآية تسفه غاية السفاهة نحو أهل السنة الكرام، وقلت لكم: إنه هلك سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وأئمتنا يقولون في حقه كلمة نسأل الله أن يعاملنا بفضله، يقولون في حقه: عامله الله بعدله؛ لأن من أصول المعتزلة: العدل، وعلى تعبيرهم: أن الله قدر الخير وأراده ولم يقدر الشر ولم يرده، ومن أصولهم: إنفاذ الوعيد وأنه يجب عليه أن يعاقب العاصي، ولا يجوز أن يغفر له، وإذا عذبه فيجب عليه أن يخلده في نار جهنم كما يقول الإباضية.

    فأئمتنا يقولون: عامله الله بعدله. والله إن الكلمة قاسية، ونسأل الله أن يعفو عنه وعن المسلمين أجمعين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين؛ لأن كل من يعامله الله بعدله يلقيه على وجهه في نار جهنم، ولذلك الجنة هي دار الفضل، والنار هي دار العدل، وما دخل أحد النار إلا بعدل الله، وما دخل أحد الجنة إلا بفضل الله، وما اقتسم أهل الجنة منازلهم إلا بأعمالهم، وما رأوا وجه ربهم إلا بزيادة الله في إكرامهم، فالأمور أربعة: كل من يدخل النار بعدل الله، كل من يدخل الجنة بفضل الله، لا يوجد عمل يؤهلك لدخول الجنة، كلٌّ بعد ذلك من يأخذ منزلته على حسب عمله، (بما كنتم تعملون)، كل من يرى وجه الله زيادة إكرام لا يقابل هذا عمل من الأعمال، فضل وإكرام وإنعام من ذي الجلال والإكرام.

    يقول هذا الزمخشري عند هذه الآية، وأنها نص صريح في عدم الرؤية لوجود: لَنْ تَرَانِي ، يقول بيتين من الشعر في هجاء أهل السنة:

    لجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري موكفة

    يقول: هؤلاء حمير، لكنها ليست حمير فلتانة، بل حمير أهلية يوضع عليها الإكاف لتركب، يعني: يقودها كل إنسان، ليس كالحمير المخلاة الحمر الوحشية الشاردة، بل مسكينة كل واحد يركب ظهرها، يعني: أهل السنة يتبعون كل ناعق لا عقل عندهم ولا دين لهم.

    لجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري موكفة

    قد شبهوه بخلقه فتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة

    يقول: قد شبهوه بخلقه فقالوا: إن الله يرى، يقول: والذي يرى -على تعبيره- لابد من شيء مرئي يخرج منه إشعاع، مكاناً محدداً مبصراً، ليس بنحيف ولا دقيق ولا ولا.. على شروط وضعوها، وهذا إذا كان كذلك فهو جسم، والله ليس بجسم، واختراعات كلها حادثة وطواغيت يطوفون عليها.

    يقول: فتخوفوا شنع الورى، أي: تشنيع الورى؛ لأنه سوف يقال لهم: كيف تقولون إن الله يرى ولا يرى إلا ما كان جسماً؟

    قال: فتستروا بالبلكفة، يقول: وإياك أن تغرك البلكفة منهم فإنها من منصوبات أشياخهم، ويقصد بالبلكفة ما قاله أهل السنة: نرى ربنا بلا كيف، أي: بلا كيف نكيفه في هذه الحياة، كما نقول في جميع صفات رب الأرض والسماوات: النزول معلوم، والكيف مجهول، ولا يجوز أن تبحث في هذا الكيف، فلكل صفة كيفية قطعاً، لكن تلك الكيفية لا يعلمها إلا المتصف بها، فلا يعلم كيف الله إلا الله، ولذلك يقول الزمخشري : تستروا بالبلكفة، أي: كلمة (بلا كيف) هذه من منصوبات أشياخهم اخترعوها.. هذه من منصوبات أشياخنا أم من كلام ربنا؟ عندما قال الله في سورة الشورى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، هذه من منصوبات شيوخنا أم من كلام ربنا؟ (ليس كمثله شيء) إمرار، (وهو السميع البصير)، إقرار، نقر بالصفة ولا نبحث في كيفيتها كما دل على هذا كلام ربنا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، نؤمن بالصفة بلا إثبات كيفية، وإذا كنت أنت تتقن الشعر وتتقن الهجاء، وتقول ما تسوله لك نفسك، فهناك قلت: ذاك حديث مرقوع عمله أهل السنة، وهنا تصفهم بأنهم مشبهة حمير، فما عندنا لسان ينطق؟ عندنا والله من يوقفك عند حدك، ويأخذ على يديك ويأطرك على الحق أطراً ويبين سفاهتك وركة رأيك، ولذلك قال له أئمتنا -ونِعم ما قالوا- واستمعوا لهذه الأبيات كيف يهجونا ذاك بالافتراء، وكيف نرد عليه بكلامنا المؤيد بكلام رب الأرض والسماء.

    احكموا يا أهل الاعتزال والضلال، ويا معشر الخوارج والإباضية، ويا معشر الشيعة.. الآن نحتكم، واسمعوا ما نقوله من كلام واحكموا بعد ذلك.

    هل نحن من أهل الهوى أم أنتم ومن الذي منا حمير موكفة

    اعكس تصب فالوصف فيكم ظاهر كالشمس فارجع عن مقال الزخرفة

    يكفيك في ردي عليك بأننا نحتج بالقرآن لا بالسفسفة

    نحن ما قلنا: إن الوجوه تنظر إلى الله بأشياء موضوعة وضعناها: جسم وعرض وحيز وشعاع ونحيف ودقيق، إنما قلنا: قال الله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23].

    يكفيك في ردي عليك بأننا نحتج بالقرآن لا بالسفسفة

    أترى الكليم أتى بجهل ما أتى وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفة

    الكليم طلب من الله الرؤية وهم أعلم بصفات رب العالمين، وشيوخك هم أهل الجهل برب العالمين، فهل تفضل شيوخك أهل الضلال على كليم ذي الجلال؟

    نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفة

    إذا كنت تروي الشعر فتهجونا به، فعندما نرد الباطل بالأدلة الشرعية المحكمة القوية، ننطق بكتاب الله وأنت تنطق بالهوى.

    استدلالهم بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)

    من الأدلة التي استدل بها المبتدعة على نفي الرؤية: قوله تعالى في سورة الأنعام: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]، هذه الآية جعلها أهل البدع عندهم مما يدل على أنهم أهل الحق، ومما يدل على بطلان ما يقوله أهل السنة من رؤية الله يوم القيامة.

    الفرق بين الرؤية والإدراك

    نقول: إخوتي الكرام! ثبت بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه: (أن الكرسي موضع قدمي الله تعالى، وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله).

    فالله جل وعلا عظيم، فنحن عندما نراه هل نحيط به؟ السماء لعظمتها تراها لكن هل تحيط بها؟ الأرض لعظمتها تراها لكن هل تحيط بها؟ لا، ترى الأرض لكن لا تحيط بها، وترى السماء لكن لا تحيط بها، إنما إذا كان الشيء صغيراً تراه وتحيط به، فالله يقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، أي: لا تحيط به، هذا فيه نفي للرؤية أم للإدراك؟ فيه نفي للإدراك، أي: للإحاطة، وفيه إثبات للرؤية قطعاً، أي: تراه بدون إحاطة، لم؟ ليتميز عن المخلوقات الصغرى التي تُرى مع إحاطة، أما الله سبحانه فلعظمته فهو سبحانه يرى ولا يحاط به، ثبت هذا في كتاب الرؤية للإمام الدارقطني وكتاب التصديق بالنظر للإمام الآجري عن عكرمة رضي الله عنه، قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه)، وسيأتينا هذا -إخوتي الكرام- عند مبحث رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه ليلة الإسراء والمعراج، قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه)، وفي رواية: (رآه مرتين)، والحديث مروي هنا عن عكرمة من قوله، وهو ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو صحيح، وسيأتينا الكلام على هذا كما قلت إن شاء الله، لكن ذكرت هنا نسبة الكلام إلى عكرمة لما فيه من تعقيب هو محل الشاهد، فقيل لـعكرمة: كيف هذا والله يقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]؟ قال: ليس ذلك، ثم قال للقائل: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: هل تحيط بها؟ قال: لا. قال: ألست ترى الأرض؟ قال: بلى، قال: أتحيط بها؟ قال: لا، قال: فالله أعظم من ذلك. أي: الرؤية واقعة لكن بلا إحاطة، وهذا له شاهد في كتاب الله: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، انتبهوا -إخوتي الكرام- لدلالة الآية: لَمُدْرَكُونَ أي: إنا لمحاط بنا؛ لأن البحر أمامهم وفرعون وقومه وراءهم، وقد أحاط بهم التلف والعطب من كل جهة، فقالوا: (إنما لمدركون) فلا مهرب لنا ولا منجأ، البحر أمامنا سوف نغرق، والعدو وراءنا يقتل بلا رحمة، فنحن محاط بنا من جميع الجهات، وقعنا في الدائرة: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:62-63].

    إذاً: قوله: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] أي: لمحاط بهم، وهنا قوله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، أي: لا تحيط به، فالآية فيها إثبات للرؤية، لكن لرؤية ليست كرؤية المحدود، رؤية بلا إحاطة لعظمة الرب جل وعلا.

    وقد ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، وهذا لفظ الإمام مسلم: (أن الله يقبض السماوات بيمينه ويقبض الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)، فالسماوات مطويات بيمينه، والأرضون مقبوضات بشماله، فهذا إذا رؤي هل يحاط به؟ كلا، نراه من غير إحاطة، كما نرى السماء -ولله المثل الأعلى- من غير إحاطة، وكما نرى البحر من غير إحاطة، وكما نرى الأرض من غير إحاطة، فالله أعظم وأعلى وله المثل الأعلى.

    المعنى الثاني الذي يقوله المعتزلة والخوارج والإباضية والشيعة: يقولون: الإدراك بمعنى الرؤية، فنقول: لا حرج، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، أي: لا تراه، لكن في الدنيا لا في الآخرة، كما قال الله لنبيه وكليمه موسى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، فإن قيل: لم قلتم هذا؟ نقول: للأدلة المتعينة التي صرحت برؤية الله في الآخرة، فلأجل هذا قلنا: المعنى هنا: لا تدركه في وقت من الأوقات في هذا العالم الفاني، أي: لا تراه في هذه الحياة.

    ولم لا تراه؟ نقول: هذه الحياة الدنيا ليست محلاً لرؤية ربنا لثلاثة أمور:

    أولها: نحن طولبنا أن نؤمن بربنا إيمان غيب، ولو كنا نراه لصار الإيمان إيمان مشاهدة ولما وجد كافر، ولذلك الكفار في دار القرار يوحدون ويقولون: أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام:23-24]، ولذلك نحن طولبنا بالإيمان الغيبي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، فلو كشف ربنا عن نور وجهه في هذه الحياة، ومكننا من رؤيته؛ لصار الإيمان إيمان مشاهدة، وما تميز المؤمن من الكافر، والتقي من الشقي.

    الأمر الثاني: أن أعيننا في هذه الحياة لا تحتمل رؤية وجه ربنا، قال تعالى: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، الشوكة لو دخلت في رجلك تؤرقك فلا تستطيع أن تنام، والثعبان لو لدغك لقتلك، والرصاصة بمقدار أنملة لو دخلت في جسمك لأتلفتك، إذاً أنت ضعيف، وقواك لا تتحمل، فلابد من أن ينشئك الله تنشئة أخرى، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، فتتهيأ لرؤية ربنا المجيد، أما في هذه الحياة فلا يمكن.

    الأمر الثالث: رؤية نور وجه ربنا الكريم أعظم كرامة وأعظم نعمة، وهذه الدار خسيسة، ليست محلاً لتلك النعمة الكريمة النفيسة، ولو حصلت رؤية الله في الدار الفانية لتمني الإنسان البقاء فيها ولا يريد الانتقال منها، ولا يريد لقاء الله بعد ذلك؛ لأنه قد رآه ولقيه في هذه الحياة. إذاً: هذه الدار ليست بدار كرامة فلا تحصل فيها هذه الكرامة، بل هي دار امتحان وبلاء وعناء، نعم، أكرمنا الله بالإيمان لتطمئن قلوبنا، لكن الكرامة الحقيقية لن تحصل لنا إلا في جنة ربنا عندما نتنعم بنور وجهه، أما هذه الحياة فليست محلاً لرؤية نور وجه رب الأرض والسماوات، فلهذه الاعتبارات منعنا من رؤية الله في هذه الحياة.

    أيضاً: مما يرد عليهم به: أن المعنى: لن تروني في كل وقت إذا تجليت بنوري الذي هو نوري، فالله عندما يتجلى لنا يوم القيامة يتجلى لنا على حسب تحملنا واستطاعتنا في ذلك الوقت، أما إذا تجلى بنوره الذي هو نوره فلا يشاهده حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده.

    إذاً: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، ثبت هذا في سنن الترمذي وكتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة ومستدرك الحاكم ، ورواه الإمام البيهقي في كتاب الاعتقاد عن ابن عباس رضي الله عنهما، والأثر في درجة الحسن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه مرتين، فقيل له: ألم يقل الله جل وعلا: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]؟ فقال: ذلك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره)، لكن إذا تجلى تجلياً يناسب الرائي، فبإمكان الرائي أن يراه بعد ذلك، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي: لا تحيط به إذا رأته، لا تراه في هذه الحياة، لا تراه إذا تجلى بنوره الذي هو نوره.

    الاستدلال بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) على إثبات الرؤية

    هذه الآية -إخوتي الكرام- دليل على ثبوت رؤية المؤمنين لوجه ربهم الكريم، ووجه ذلك: أنها لو لم تكن دالة على ثبوت رؤية المؤمنين لوجه ربهم الكريم في جنات النعيم.. لو كانت دالة على النفي المحض فقط لكان فيها وصف لله جل وعلا بصفة سلبية، أي: بالنفي فقط، ولا يحصل تمدح وفضل في النفي المجرد، ولذلك قال أئمتنا: النفي المحض لا فضيلة فيه إلا إذا دل على إثبات ما يضاده من الكمال، فالنفي المحض، النفي المجرد لا مدح فيه، وهذا هو الحكم الفاصل بيننا وبين المبتدعة في الصفات، فانتبهوا لهذا الأمر ولا يغيبن عن أذهانكم إخوتي الكرام!

    النفي المحض، النفي الخالص، النفي المجرد يوصف به المعدوم، فكل نفي يصح أن تطلقه على المعدوم، فتقول: المعدوم لا يرى، المعدوم لا يكذب، المعدوم لا يزني، المعدوم لا يسرق، فكل نفي يجوز أن تطلقه على المعدوم، ولذلك ساء ظن المبتدعة في الحي القيوم عندما وصفوه بالسلوب ولم يصفوه بالإثبات؛ لأن المبالغة في السلب تؤدي إلى العدم والنفي، ولذلك على زعمهم عندما يقولون: لو وصفنا الله بصفات الإثبات يلزم من ذلك تشبيهه بالموجودات، نقول: وإذا وصفتموه بصفات النفي يلزم من ذلك تشبيهه بالمعدومات الممتنعات، ولذلك ليس في النفي المحض مدح، فالله عندما يقول: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، ينفي السنة والنوم نفياً محضاً خالصاً أو لإثبات ما يضادهما؟ لإثبات ما يضادهما قطعاً وجزماً، فالنفي المحض لا مدح فيه. فقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، لماذا؟ لاتصافه بكمال الحياة وتمام القيومية، فالله عندما قال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، أنا وأنت كل واحد منا حي قيوم، فكل واحد منا حي ليس بميت، وقيوم قائم على شئون أسرته وعلى تدبير نفسه، لكن حياتنا ليست كاملة بل هي ناقصة، حياتنا في الحقيقة حلم، ولذلك الفارق بين حياتنا وحياة ربنا هذا الأمر: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، فحياته حياة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، فلا تعتريه سنة وهي مبادئ النوم، ولا نوم أصغر، ومن باب أولى ولا نوم أكبر وهو الموت، لأن حياته حياة تامة كاملة لا نهاية لها، وحياتنا ليست كذلك، وكذلك قيوميتنا.. هل نحن نستطيع أن ندبر شئون أنفسنا، وجميع شئون من نقوم عليه من جميع الجهات، فنعلم سره وعلنه ونقدم ما يحتاجه وندفع عنه ما يضره؟ لا، فمن القائم بنفسه المقيم لغيره؟ إنه الله لا إله إلا هو ولا رب سواه.

    وعندما نفى الله جل وعلا عن نفسه صفة العجز: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:44] نفى العجز لاتصافه بصفات الإثبات التي تضاد العجز، فجاء السلب مقرراً معنى الإثبات وموضحاً له، وما الذي يضاد العجز؟ أمران لا ثالث لهما: العجز يضاده القدرة، ويضاده العلم، وسبب العجز: إما جهل وإما ضعف، فالضعيف عاجز، والجاهل عاجز، قد يكون قوياً لكن ليس عنده علم بصناعة الساعة، فماذا يقال عنه؟ عاجز، وقد يكون عليماً بصناعتها، لكنه عليل مريض ما عنده وقت وتفرغ ومقدرة لصنع الساعة، فيقال عنه: عاجز. فانتفى العجز عن ربنا لكمال قدرته وتمام علمه، وإلى هذا أشار الله في قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:44] لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:44]، كيف يتصف بالعجز وهو عليم قدير؟ ففيه صفات الإثبات التي تدل على نفي تلك الصفة وهي العجز، فجاء ذلك النفي مقرراً معنى الإثبات.

    وأما النفي المحض فلا مدح فيه، النفي الخالص لا ثناء فيه.. هل يصح عندما تمدح إنساناً أن تقول له: أنت لست بزانٍ ولا لوطي ولا سارق ولا مجرم ولا خبيث؟ هذا ليس فيه مدح، لكن عندما تقول له: أنت كريم عفيف، فهذا هو المدح بصفات الإثبات، وإذا أردت بعد ذلك أن تؤكد الإثبات فائت بالنفي، وكلما أوجزت وأجملت كان أحسن، ولذلك كل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده لا مدح فيه، وذلك لأربعة أمور كونوا على علم بها، واحذروا تشغيب المبدعة نحو هذه الآية؛ لأنها من عمدتهم على زعمهم في أن الله لا يرى. لو كان لا يرى لكان معدوماً.

    وعندما اجتمع بعض أهل السنة في مجلس بعض الأمراء في عهد الدولة العباسية مع بعض المعطلة الذين يقولون: إن الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا وراء ولا داخل العالم ولا خارج العالم! قال هذا الإمام السني: أيها الأمير! هؤلاء ضيعوا إلهك فاطلب إلهاً آخر. هذا الذي يصفونه معدوم، الله ليس فوقنا ولا تحتنا ولا عن يميننا ولا عن شمالنا ولا أمامنا ولا وراءنا ولا داخل العالم ولا خارج العالم. سبحان الله العظيم! إذاً: هو معدوم، فكرة خيالية فقط، مع أنه سبحانه العلي العظيم القاهر فوق عبادة: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، ( والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه ).

    وأنا أقول: حتى لا يقولوا: إن هذه الآية تدل على نفي الرؤية، نقول: لو دلت على نفي محض لكان فيها وصف الله بصفات المعدوم، فليس في كونه لا يُرى مدح؛ لأن المعدوم لا يرى، إنما المدح في كونه يُرى ولا يحاط به.

    النفي المحض المجرد لا مدح فيه

    النفي المحض المجرد لا مدح فيه لأربعة أمور:

    أولها: أن النفي المحض عدم محض، والعدم يكفي في تحقيره أنه عدم ليس بشيء.

    ثانيها: النفي المحض يوصف به المعدوم كما تقدم معنا، وليس في ذلك مدح.

    ثالثها: النفي المحض المجرد قد ينفى بسبب العجز لا بسبب اتصاف من نفيت عنه تلك الصفة بأنه كامل فاضل، فقد ينفى الظلم عن شخص ما لأنه عاجز، عاجز عن الاتصاف بالصفات المحمودة، وعاجز عن الاتصاف بالقدرة، وهذا لا مدح فيه، إذا نفيت الشيء عن الشيء لعجزه عنه لا لامتناعه لطهارة قلبه، فلا مدح فيه، ومنه قول الشاعر:

    قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

    فهو هنا يذمهم، يقول: هؤلاء قبيلة ممتهنة، لا يغدرون ولا يظلمون، وهل في نفي الغدر والظلم منقبة؟ لا، بل منقصة إذا كان نفي هاتين الصفتين سببه الضعف والخبث، قلوبهم تتحرق على الغدر والظلم لكنهم جبناء ضعاف لا يستطيعون أن ينتقموا ولا يثأروا، فنفي الظلم ونفي الغدر عنهم لا لعدلهم وفضلهم، إنما لعجزهم وضعفهم، وكقول الآخر:

    إن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

    إنسان يمتنع عن الزنا لأنه لا يتيسر له، لا لأنه عفيف، هل في نفي العهر عنه فضيلة؟ لا ثم لا.

    إذاً: قد ينفى الشيء عن الشيء لعجزه عنه فلا مدح فيه، قد ينفى الشيء عن الشيء لعدم قابليته له فتقول: الجدار لا يغدر، وليس في ذلك مدح.

    لهذه الأمور الأربعة كان النفي المحض المجرد لا مدح فيه، فلو كان قول الله جل وعلا: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، دالاً على نفي محض، أي: لا يرى، لما كان في هذا النص مدحاً لله جل وعلا، ولكان فيه تشبيه بالمعدوم، فنزه الحي القيوم عن ذلك الوهم الذي يقوله المتخرصون.

    1.   

    سرد بقية الأدلة من القرآن التي تدل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

    إخوتي الكرام! هذه أدلة القرآن التي تصرح بأن المؤمنين يرون ربهم في جنات النعيم، وقد ورد كما قلت: في القرآن أدلة أخرى بمثل هذه الأدلة في العدد، أذكرها فقط تعداداً دون الكلام على شيء منها، حتى إذا أراد أخ منكم أن يبحث فيها فتكون عنده جاهزة محضرة في مضانها وكتبها، وكما قلت: لعل الله يجمعنا اجتماعاً آخر فنتكلم على ما تركنا الكلام عليه إكمالاً لبحثنا إن شاء الله.

    الدليل الأول من الأدلة الخمسة الأخرى: قول الله جل وعلا في سورة يس: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55]، وورد في الحديث ما يشير إلى أنهم في شغل، والله جل وعلا يطلع عليهم من فوقهم ويقبل عليهم بنوره فينظرون إليه وينظر إليهم.

    الدليل الثاني: قول الله في سورة السجدة: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، ورأس ذلك النظر إلى وجه الحي القيوم.

    الدليل الثالث: آية اللقاء الكثيرة: وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب:44]، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف:110]، والدلالة تحتاج إلى تقرير، إنما هذا لفظ اللقاء يدل على حصول الرؤية.

    الدلالة الرابعة: الآيات التي صرحت بأن المؤمنين يفعلون ما يفعلونه ابتغاء وجه ربهم الكريم: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان:9]، وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]، وأحسن ما يفسر به اللفظ: يريدون التمتع والنظر إلى نور وجه الله الكريم.

    الدلالة الخامسة: الآيات المحتملة لرؤية خير البريات عليه الصلاة والسلام لنور وجه رب الأرض والسماوات في حادثة الإسراء والمعراج، والآيات المحتملة لذلك أربع آيات سأذكرها عند مبحث رؤية نبينا عليه الصلاة والسلام لوجه ربنا في ليلة الإسراء والمعراج.

    هذه عشرة أدلة من كلام الله تدل على ثبوت رؤية المؤمنين لوجه ربنا الكريم، قبل أن أنتقل إلى الدليل الثاني وهو السنة، أريد أن أقف وقفة يسيرة مع الآية الخامسة التي ذكرناها وهي قول الله جل وعلا: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]، وهذه الوقفة أثارها الشيخ أحمد الخليل بعبارة معسولة منمقة، والله لو علم قدرها الصبيان لاستحوا من ذكرها، وكيف نزل إلى هذا المستوى معها؟ يقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، لا تراه، وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، يراها، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103] يقول: إذا وافقتمونا بأن الإدراك معناه الرؤية، وقلتم: لا تراه في الدنيا، فهذا دليل عليكم على أنه لا تحصل رؤية في الآخرة، من أين هذا؟ قال: إذا كان لا يرى في الدنيا كما تقولون: إن النص يدل على عدم رؤيته في الدنيا: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103]، وهذا على أحد التأويلات التي ذكرناها، يقول: فنحن نستنتج من هذا أن الأبصار لا تراه أيضاً في الآخرة، ما وجه الاستنتاج أيها المستنتج؟ قال: صفات الله لا تتغير ولا تتبدل، فالله إذا كان لا يرى في الدنيا فلا يرى في الآخرة، كما أنه ليس له ولد في الدنيا فليس له ولد في الآخرة، فإذا قلتم: إنه يرى في الآخرة فنحن نقول لكم: ينبغي أن يتخذ ولداً في الآخرة، وأن يتخذ والداً في الآخرة، وأن يتخذ زوجة في الآخرة، وأن يظلم في الآخرة؛ لأنه في الدنيا لا يتصف بهذا، فإذا جاز تبدل صفاته وتبدل الصفات في حقه، جاز إذاً أن يوصف بتلك النقائص التي نفاها عن نفسه.

    وهذا تشويش، وهذه سفاهة، وهذه سفسطة، وهذه مجادلة بالباطل، وهذا تلبيس، وكما قلت لكم: إن الصبيان ينبغي أن يتنزهوا عن مثل هذا الهذيان، وأنا أقول له تثبيتاً لأهل السنة الكرام، ولعل الله يلقي في قلبه هذا الكلام فيرجع عن غيه وضلاله إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول: إن صفات الله جل وعلا لا تتبدل ولا تتغير، والله جل وعلا عندما أخبرنا في هذه الآية أننا لا نراه، لا تدركه الأبصار، لا تراه؛ ليس في ذلك تغير لصفاته عندما يرى، فقلنا: لا تراه، لا لأن هذا نقص في حقه لو رئي في الدنيا، إنما هذا لأمور أخرى كما ذكرت، لا تراه من أجل الضعف الذي فيها، لا تراه لأنها طولبت بأن تؤمن بالغيب، لا تراه، لأن هذه الدنيا ليست محلاً لهذا النعيم، لا تراه لا لأن الرؤية مستحيلة في حق الله كالولد والزوجة والظلم والكذب، تلك الصفات نقيصة مستحيلة على ربنا في الدنيا وفي الآخرة، لكن هل امتنعت رؤية ربنا جل وعلا في هذه الحياة لأن الرؤية مستحيلة في ذاتها أم لاعتبارات في حقنا؟ لاعتبارات في حقنا، فما تغيرت صفات الله، الله يجوز أن يرى في الدنيا وفي الآخرة، لكن أبصارنا في الدنيا لا تقوى على رؤيته، وفي دار كرامته يقويها ربنا جل وعلا فتراه، فما تغيرت صفات الله.

    ثم وصل به الأمر إلى أن قال: إذا كنتم تقولون: لا تراه الأبصار في الدنيا، فقولوا أيضاً: لا يرى الأبصار في الآخرة، كما أنه يجوز تغيير صفات الله، فقلتم هنا: لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار في الدنيا، فقولوا: تراه الأبصار في الآخرة ولا يرى الأبصار في الآخرة.

    إلى هذا الحد وصل الهذيان والتشويش حول آيات القرآن التي دل على مدلولها كلام نبينا عليه الصلاة والسلام وسلفنا الكرام والتابعون لهم بإحسان، وهو قول أهل السنة الكرام.

    أما الدلالة الثانية: هي دلالة السنة.. إخوتي الكرام! سنة نبينا عليه الصلاة والسلام في إثبات رؤية المؤمنين لربهم في جنات النعيم متواترة، انتبهوا لهذا اللفظ لنقف عنده بعد ذلك قليلاً، نص على تواترها جم غفير من أئمتنا، وأنا أتحدى منكري الرؤية إذا كانوا يستطيعون أن يثبتوا عن إمام من أئمة الحديث أنه يقول: إن أحاديث الرؤية آحادية.

    جمع الإمام الدارقطني أحادث الرؤية في كتاب مستقل سماه: الرؤية، وقد زادت في الأحاديث المرفوعة فيه عن عشرين صحابياً من طرق متعددة لكل صحابي.

    والإمام ابن القيم تتبع الأحاديث التي وردت في رؤية المؤمنين لوجه الله الكريم في جنات النعيم في كتابه العظيم: حادي الأرواح، من صفحة مائتين وخمس إلى مائتين وثلاث وثلاثين في قرابة ثلاثين صفحة، تتبع الأحاديث التي وردت في الرؤية فبلغت ثلاثين حديثاً، أي: عن ثلاثين صحابياً، أحياناً لكل صحابي عدة روايات مروية عنه من عدة طرق.

    ونقل الإمام الدارقطني عن أمير المؤمنين في الحديث في زمنه يحيى بن معين أنه قال: عندي في الرؤية -عنده فقط- سبعة عشر حديثاً كلها صحاح، وقد نص على أن أحاديث الرؤية متواترة.

    الإمام البيهقي في كتابه الاعتقاد على مذهب السلف في صفحة ست وستين، والإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الرابع صفحة أربعمائة وخمسين وفي الجزء الثاني صفحة إحدى وستين ومائة، قالا: أحاديث الرؤية متواترة لا يمكن دفعها ولا منعها، ونص على تواترها الإمام السخاوي في فتح المغيث في شرح ألفية الحديث في الجزء الثاني في صفحة إحدى وأربعين، ونص على تواترها الإمام القسطلاني والزرقاني في المواهب اللدنية وفي شرح المواهب اللدنية في الجزء السادس صفحة مائة وثلاث عشرة، ونص على تواترها الإمام الشيخ الكتاني في كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر، وقبله الإمام السيوطي في اللآلئ المتناثرة من الأحاديث المتواترة.

    ونص على تواترها الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى في عدة أماكن منها في الجزء السادس صفحة إحدى وعشرين وأربعمائة، قال: أحاديث الرؤية مجمع عليها عند أهل السنة، وهي متواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ونص على تواترها الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم والحافظ ابن حجر في فتح الباري.

    وجم غفير من أئمتنا، ولا يوجد إمام من أئمة الحديث إلا ويقول: أحاديث الرؤية متواترة، كما قال أئمتنا الكرام:

    مما تواتر حديث من كذب

    أي: حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

    مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب

    ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض

    أي: بعض أنواع الحديث المتواتر. فرؤية المؤمنين لربهم متواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الرد على من يقول: إن أحاديث الرؤية آحادية

    وجاء الشيخ الخليلي في هذا الكتاب الذي فتن به عوام المسلمين ووضع أمرين، ووالله إنه يعلم أن كلاً من الأمرين باطل، وأسأل الله جل وعلا أن يلهمه رشده، وأن يوفقه للإقلاع عن كلامه الذي قرره.

    قال: أولاً: أحاديث الرؤية آحادية. هلا سميت من قال هذا؟ فأنا وأنت لا في العير ولا في النفير، لا بد من أن نعول على أئمتنا ذوي القدر الجليل، وإذا كنت تعول على النقل عن البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، فنعم من تنقل عنهم، فهل واحد من هؤلاء قال: إن أحاديث الرؤية آحادية؟ فإذا قالوا ذلك فلنا معك بحث آخر: أنت تعلم أن أحاديث الرؤية متواترة، وإذا كانت أحاديث الرؤية التي بلغت ثلاثين حديثاً عن ثلاثين صحابياً -هذه المرفوعة دعك من الموقوفات والمراسيل- إذا كانت هذه آحادية، فليس في ديننا شيء متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام. ثلاثون حديثاً آحادي، أم هي متواترة تفيد العلم القطعي؟

    الأمر الثاني قال: إذا كانت آحادية فلا تفيد العلم إنما تفيد العمل، فيعمل بها في الأحكام ولا يجوز الأخذ بها في العقائد؛ لأن الحديث الآحادي لا يصلح أن يكون حجة في أمر قطعي.

    نقول: هذه القاعدة من جراب ومن جورب الكلام المذموم، ولابد من وضعها في موضعها كما قرر أئمتنا الكرام، فالحديث الآحادي يكون حجة في العقيدة والاعتقاد، ويفيد العلم القطعي باتفاق إذا تلقاه علماء الأمة بالقبول، فإذا سلمنا لك جدلاً وتنزلاً أن أحاديث الرؤية آحادية فهل يليق ويعقل أن الصحابة والتابعين ومن تبعهم والبخاري ومسلم وأئمة السنة ومن بعدهم، حين نقلوا تلك الأحاديث الآحادية المتعلقة بصفات رب البرية، لو كانت لا يجوز الاعتقاد بها، هل يعقل أنهم نقلوها وما نبهوا لذلك؟! فلو كانت لا تصلح حجة ولا يعول عليها، لكان ينبغي أن يعلقوا بكلمة فيقولوا: اعلموا أن هذه الأحاديث لم يكن عليها اعتقاد النبي عليه الصلاة والسلام، ولا من بعده، فكونوا على علم.

    فالحديث الصحيح الآحادي إذا تلقي بالقبول فهو حجة في العقيدة وفي غير ذلك، بل يقول الإمام السخاوي : الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول ينزل منزلة المتواتر، والسبب في هذا: أن إجماع الأمة معصوم من الخطأ، والأمة الإسلامية في عهد السلف الصالح عندما أجمعت على وقوع رؤية المؤمنين لوجه ربهم الكريم، لو كان الحديث ليس آحادياً بل ضعيفاً لتقوى بهذا الإجماع والاتفاق، وصار عقيدة يدان بها، فكيف والقرآن يصرح بذلك؟ فكيف والأحاديث متواترة تنص على ذلك؟ فكيف والصحابة يقرون هذا ويعتقدونه؟ فكيف والتابعون تتابعوا على هذا؟ فكيف وأهل السنة على هذا، حتى جاء بعد ذلك الخوارج ومنهم الإباضية، وجاء الجهمية ومنهم المعتزلة، وجاء الشيعة فقالوا: رؤية الله مستحيلة، ومن ادعاها فهو ضال. سبحان الله العظيم! كيف هذا؟!

    1.   

    الأحاديث الدالة على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

    إذاً: ما يقوله في كتابه من أنها أحاديث آحاد كذب على السنة، وليدعم قوله بإمام من أئمة الحديث ونحن راضون به.

    هذه الأحاديث المتواترة والتي بلغت ثلاثين حديثاً سأقتصر على حديثين اثنين من هذه الأحاديث، مع الأحاديث التي ذكرتها عند إيضاح مدلول الآيات المتقدمة.

    حديث: (إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر...)

    الحديث الأول: رواه الإمام أحمد ، وروي في الكتب السنة باستثناء سنن النسائي، فرواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، والحديث رواه الدارقطني في كتاب الرؤية، والإمام الآجري في كتاب التصديق بالنظر، والإمام البيهقي في كتاب الاعتقاد، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال عليه الصلاة والسلام: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته).

    الحديث في الصحيحين وفي غيرهما كما ذكرت، وإذا كنت تحتج بأحاديث الصحيحين فاسمع، وأما تعليقك بعد ذلك على أحاديث الصحيحين عند بحثك في أهل الكبائر وأنهم يخلدون في الجحيم، وأنه يوجد أحاديث في الصحيحين تدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، فقال: إن الأحاديث كثر فيها الخبط والخلط من قبل الرواة الذين لا يتورعون عن الزيادة والنقصان، وقد اغتر البخاري ومسلم بهؤلاء الرواة كما يظهر هذا واضحاً في كتابيهما.

    الآن أوضحت عن مرادك! الرواة كثر منهم الخلط والخبط فنقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر، وهذا يخالف ما عليه الإباضية، فماذا سنقول نحو هذا الحديث الذي في الصحيحين؟! نقول: الأحاديث كثر فيها الخبط والخلط؟ والله ما خبط وخلط فيها إلا أنتم، كثر فيها الخبط واللبط من قبلكم، لا بقرآن تقبلون، ولا بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام تقبلون! فمن الذي يخبط ويلبط؟ وعلام الإيمان ببعض الكتب والكفر ببعضه؟ ثم يقول: كثر الخبط واللبط من قبل الرواة الذين لا يتورعون من الزيادة والنقصان.. من أخرج له البخاري ومسلم فقد جاوز القنطرة وارتفع عنه القيل والقال، ومن طعن في رواية حديث في صحيح البخاري تحز رقبته، وإذا جاء آخر هذه الأمة في العصور المتأخرة يطعنون في الأحاديث التي دونت في القرن الثالث من قبل خيار خلق الله، فعلينا السلام وعلى ديننا العفاء.. نحن نطعن في كتب أئمتنا التي التزم أصحابها الصحة، ونقول: هؤلاء الرواة كثر منهم الخبط واللبط! وزادوا ونقصوا وما تورعوا! واغتر بهم البخاري ومسلم فأخرجا عن هؤلاء الرواة! هذا هو تعظيمك لصحيح البخاري ومسلم ؟! هنا الحديث في الصحيحين إذا كنت تعظم الصحيحين، وترى أن ما فيهما صحيح، فاقبل ما فيهما، وإذا لم تر لهما هذه المنزلة فلا يجوز لك أن تقول: رواه البخاري ومسلم ؛ لئلا تحل عاماً وتحرم عاماً، أحد أمرين: إما أن تقبل بـالبخاري وإما أن ترده، أما أن تأخذ حديثاً على زعمك يوافق قولك وتهمل الأحاديث الأخرى، ولا تجمع بينها، فهذا في الحقيقة خطأ وضلال.

    والحديث في الصحيحين عن جرير رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عياناً)، أي: بأعينكم الباصرة التي في وجوهكم لا ريب في ذلك ولا شك، (كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، بتخفيف الميم، أي: لا يلحقكم ضيم ولا مشقة، ترونه ويحصل لكم سرور، ليس لهذه الرؤية عناء وتعب وكلفة.

    وضبط: (لا تضامُّون)، بتشديد الميم، وضُبط بفتح التاء وتشديد الميم وضمها: (لا تَضامُّون)، أي: لا تتضامون، و(لا تُضامُّون)، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، ولا يزحم بعضكم بعضاً، كما ترون القمر، عندما نرى القمر هل يعترينا ضيم؟ لا، هل يزحم بعضنا بعضاً؟ لا.

    وفي رواية: (لا تضارون في رؤيته)، أي: لا يضار بعضكم بعضاً، وضبطت بتخفيف الراء: (لا تضارُون في رؤيته)، أي: لا يلحقكم ضير أيضاً، الضبطان واللفظان بمعنىً واحد في النهاية: لا يلحقكم ضيم ولا يزحم بعضكم بعضاً، كل واحد يرى ربه في محله وعلى أريكته وفي داره كما نرى القمر ليلة البدر.

    والحديث -إخوتي الكرام كما قلت- في الصحيحين فهو ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    حديث: (.. وأسألك لذة النظر إلى وجهك ..)

    الحديث الثاني: رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام النسائي في سننه وابن خزيمة في كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب، ورواه الحاكم في المستدرك والإمام البيهقي في كتاب الاعتقاد والدارقطني في كتاب الرؤية، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء)، وعمار بن ياسر ذكر هذا الحديث بعد أن صلى صلاة فأوجز فيها، فما أطال، وكان الإيجاز في القعود الأخير، أي: قعد وما أطال، فقال له الصحابة: تجوزت، فقال: سمعت من النبي عليه الصلاة والسلام دعا بما دعوت به في الصلاة.. يعني: ما قلت من الأدعية مثلكم تسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، وتسألونه بعد ذلك ما تريدون، بل دعوت بهذا الدعاء ومن أجل هذا كانت الصلاة موجزة على حسب رأيكم، ولو دعونا به الآن.. لو دعا به الأئمة بعد التشهد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام لقال المصلون: أطلتم، وأولئك هممهم تتعلق بربهم، ونسأل الله أن يجبر ضعفنا، وأن يعفو عن تقصيرنا.

    فقال لهم: (تجوزت)، ما أطلت في الدعاء، دعوت بهذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث ثابت، قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وقال في جامعه السنن: سألت عنه محمد بن إسماعيل -يعني: إمام المحدثين عند المسلمين أجمعين- فقال لي: حسن صحيح.

    واحفظوا -إخوتي الكرام- هذا الدعاء واضبطوه، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو به، فدعا به عمار في آخر صلاته رضي الله عنه وأرضاه: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين)، هذا دعاء نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، كان يدعو بهذا، وعمار دعا به في آخر صلاته، وفيه: (أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة).

    قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة في كتابه التوحيد بعد أن روى هذا الحديث، وهو من جملة من رواه: ألا يعقل يا ذوي الحجى -يا طلاب العلم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام يسأل ربه ما لا يجوز كونه؟! فإذا كانت الرؤية ليست كائنة ومستحيلة باطلة، فهل يجوز لنبينا عليه الصلاة والسلام أن يسأل ربه لذة النظر إلى وجهه الكريم؟ ألا يعقل يا ذوي الحجى يا طلاب العلم! أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ما لا يجوز كونه؟ هذا حقيقة لا يقول به عاقل.

    إخوتي الكرام! والحديث كما قلت صحيح، وهو ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    ومن عجيب أمر الإمام أبي الوفاء بن عقيل الذي توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة للهجرة، وتقدم معنا أن الزمخشري توفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وهو من أئمة الحنابلة الكبار، الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل ، وله كتاب الفنون زاد على أربعمائة مجلد، وعنده تحقيقات عظيمة بديعة، لكنه خالف السلف في كثير من الأشياء كما قال الإمام الذهبي في ترجمته في ميزان الاعتدال معلقاً على ذلك: إن كثرة علم الكلام مضرة بدين الإنسان، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

    وحقيقة علم الكلام ما دخل فيه إنسان إلا تلوث ذهنه، ورضي الله عن الإمام الجنيد عندما يقول: من تعلم علم الكلام سقطت هيبة الرب من قلبه. ولذلك لا يستبعد من المبتدعة عندما غلظت أكبادهم وقلوبهم أن يقولوا: إن القول برؤية الله في الآخرة ضلال؛ لأن هيبة الله سقطت من قلوبهم، أقل ما يحصل في قلب الإنسان عندما يتعلم علم الكلام والهذيان والجدال بالباطل، أن تسقط هيبة الرب من قلبه، فلا يعظم بعد ذلك شعائر القلوب، ويحرم لذيذ مناجاة علام الغيوب؛ لأنه هو يقول: يا رب! لا أريد لذة النظر إلى وجهك الكريم، فالله يقول له: وأنا سأزيدك، لن أرزقك لذيذ مناجاتي في هذه الدنيا، لا دنيا ولا آخرة؛ لأن من تلذذ بطاعتي في هذه الحياة يتلذذ بنور وجهي في نعيم الجنة، وأما أنت فتقول: لا أريد التلذذ بنور وجهك؛ فأنا سأعاقبك بأنك لا تتلذذ بطاعتي عندما تقوم بها.

    سمع أبو الوفاء بن عقيل رجلاً يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.. فقال: يا هذا! -كما يذكر هذا الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني في صفحة خمس وخمسين وثلاثمائة- يا هذا! هب أن له وجهاً؟ يعني سلمنا لك أن له وجهاً مع أننا لا نقول: إن له وجهاً، ولا يُرى ولا يتكلم.. ونحو ذلك؛ لأن هذا يوهم التشبيه والتجسيم على زعمهم، هب أن له وجهاً، أتتلذذ به أيضاً؟ يعني: بلغ من سفاهتك وضلالك أنك تقول: لله وجه، وأتلذذ بالنظر إليه، هب أن له وجهاً، أفتتلذذ بالنظر إليه؟ يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة رب البرية: وهذا الذي ينكره الإمام ابن عقيل هو ما قاله نبينا عليه الصلاة والسلام، فعلى من ينكر؟ فليس هو من دعاء ذلك الرجل، إنما هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديث صحيح، لكن هذا حال المبتدعة، كما أن الزمخشري المبتدع ينكر هذا؛ وهذا الذي سلك هذا المسلك، وتلوث ذهنه بعلم الكلام، يقول: هب أن له وجهاً أفتتلذذ به؟

    إخوتي الكرام! أحاديث رؤية المؤمنين لوجه الله الكريم في جنات النعيم متواترة عن نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، ولذلك يقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر صفحة أربع وخمسين، وفي الجزء العاشر صفحة خمس وخمسين وأربعمائة: إن أحاديث الرؤية متواترة. نعوذ بالله من الهوى ورد الحق بالباطل.

    ويقول في الجزء العاشر في المكان الذي ذكرته: يا سبحان الله! إن أحاديث الرؤية متواترة، فما أقل الإنصاف!!

    نسأل الله بفضله ورحمته أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ونسأله أن يمن بذلك على أمهاتنا وعلى آبائنا وعلى شيوخنا وعلى من علمنا وتعلم منا، وعلى جميع المسلمين والمسلمات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..