إسلام ويب

رؤية المؤمنين لربهم [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون ربهم سبحانه وتعالى يوم القيامة رؤية حقيقية لا مراء فيها ولا شك، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحق الذي يجب اعتقاده على جميع الناس، كيف وهذا الأمر هو الزيادة والكرامة التي وعدها الله تعالى عباده في الجنة، ولطالما انتظر المؤمنون الصالحون بشوق عظيم رؤية معبودهم تبارك وتعالى.

    1.   

    الأدلة القرآنية على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة المؤمنين! إن الحديث الذي سنتدارسه في هذه الليلة المباركة يدور حول أمر عظيم عظيم، ألا وهو رؤية المؤمنين لربهم الكريم في جنات النعيم، وهذا الموضوع -إخوتي الكرام- يتعلق بأتم نعمة، وأعظم تحفة في أعظم دار وأفضل دار، فهذه الرؤية التي تحصل للأبرار ستحصل في دار القرار، نسأل الله بفضله وكرمه أن يمتعنا بالنظر إلى نور وجهه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إخوتي الكرام! هذا الموضوع موضوع عظيم، وإذا مَنَّ الله علينا بالإيمان في هذه الحياة، فشرح صدورنا ونور قلوبنا بمعرفته، فنسأله بفضله ورحمته أن ينور أبصارنا بالنظر إلى نور وجهه في دار كرامته، فوالله ما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله وبمحبته، وما طابت الجنة إلا برضوان الله والنظر إلى نور وجهه.

    إخوتي الكرام! وضبطاً لهذا الموضوع ليسير بانتظام سأتكلم عليه في مسألتين اثنتين، كلٌ من المسألتين تحتوي على فرعين، مسألتان معهما أربعة فروع بإذن الرحمن، سنأخذ في هذه الأمور في المسألتين مع فروعهما فكرة واضحة مفصلة مؤيدة بالأدلة والبراهين حول هذا الموضوع العظيم.

    أما المسألة الأولى وهي محور البحث، وهي عنوان الموضوع: رؤية الله جل وعلا في جنة النعيم، هذا الأمر إخوتي الكرام! دل عليه كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه السلف الصالح الكرام، وأيده العقل الصريح، وسأتكلم إن شاء الله على دلالات القرآن وعلى دلالات أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام على هذا الموضوع العظيم الشأن، وأدرج ضمن الكلام على هاتين الدلالتين: ما يتعلق ببيان دلالة العقل واتفاق السلف الصالح على رؤية الله عز وجل.

    إخوتي الكرام! أما القرآن العظيم فقد دل على أن المؤمنين يرون ربهم في جنات النعيم، دل على ذلك في عشر دلالات متنوعة مقررة لهذا الأمر الكريم، وهذه الدلالات العشر سأتكلم على نصفها فقط، وأذكر النصف الآخر سرداً إن شاء الله، والكلام عليها سيكون كالكلام على ما سبقها من الدلالات التي سأشرحها، فإن يسر الله الكريم بعد ذلك موعظة أخرى أتكلم على هذه الدلالات التي ذكرتها ولم أشرحها.

    أما الدلالات التي سأبينها وأوضحها، وتقرر هذا الأمر العظيم فهي خمس من عشر:

    1.   

    قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)

    أولها: قول الله جل وعلا في سورة القيامة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة:22-25].

    قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ، من النضرة وهي البهجة والحسن والبهاء، أي: وجوه يومئذ بهية مبتهجة مشرقة منورة، وكيف لا يحصل لها هذا وهي تتمتع بالنظر إلى نور وجه الله الكريم؟

    إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، يحق للوجوه التي تنظر إلى الله جل وعلا أن تنظر، وأن تبتهج، وأن تنور، وأن يحصل فيها النور والبهاء.

    معاني النظر في اللغة العربية

    والنظر إخوتي الكرام حقيقته في لغة العرب: معاينة الشيء ورؤيته، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أي: تعاين الله جل وعلا وتراه بأعينها.

    وقد يتوسع في استعمال النظر فيخرج عن هذا المعنى لأمور أخرى لابد من بيانها لإدحاض شبه المبتدعة نحوها.

    إخوتي الكرام! قد يتوسع كما قلت في استعمال النظر في لغة العرب، فيستعمل بمعنى التأمل العقلي بدل التأمل البصري، إذا تأمل الشيء بعقله فقد نظر إليه نظراً معنوياً عقلياً، كما سأقرر هذا إن شاء الله بالأدلة من كلام الله، فقد يتوسع في معنى النظر وفي استعماله بحيث يشمل النظر العقلي، بمعنى التفكر والتأمل والتدبر، وقد يتوسع في معناه أيضاً بحيث يدل على انتظار الشيء وتمهله وتوقعه، وقد يتوسع في معناه أيضاً بحيث يفيد رعاية الشيء والعطف عليه.

    إذاً: إذا توسع في معنى النظر، واستعمل في غير معاينة الشيء ورؤيته بالبصر بالعينين التي في الوجه، فقد يأتي بمعنى النظر العقلي، بمعنى التفكر والتدبر والتأمل، ويأتي بمعنى الانتظار والترقب، ويأتي بمعنى العطف والرعاية، والمعنى الأول لا يغيبن عن أذهانكم: وهو معاينة الشيء ورؤيته بالعينين اللتين في الوجه.

    هذه أربعة معانٍ للنظر لا يمكن أن يخرج استعمال لفظ النظر عنها، فقد يأتي النظر بمعنى التفكر والتدبر، أي: النظر العقلي، وقد جاء هذا في كتاب الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:5-6]، أي: فليتأمل وليتفكر وليتدبر هذه الحقيقة العظيمة، كيف خلقه الله من ماء مهين، ثم جعله بشراً في أحسن تقويم! خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل:4]، إذا هو منطيق فصيح بعد أن كان شيئاً مهيناً ممتهناً، وهذا أحد المعنيين في تفسير هذه الآية.

    والمعنى الثاني من باب الفائدة: خلق الإنسان من نطفة، فإذا هو يخاصم الله ويجادله ويتكبر عليه، ويظاهر الشيطان في عداوته، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:5-6]، فأنت خلقت من هذه القطرات: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة:58-59].

    ويأتي النظر بمعنى التفكر والتأمل والتدبر، أي: يراد به النظر العقلي في آيات كثيرة من كلام ربنا القوي، منها قوله جل وعلا: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20]، أي: أفلا يتأملون في هذه المخلوقات التي خلقها رب الأرض والسماوات؟!

    هذا هو المعنى الأول للنظر، لكن هل يصح تفسير قول الله جل وعلا في سورة القيامة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، بمعنى التأمل والتفكر والتدبر؟ لا ثم لا؛ لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: أن معرفة الله ضرورية، ولا تكون استدلالية.

    الأمر الثاني: أن الكفار في ذلك الوقت في يوم القيامة يؤمنون، ولكن لا ينفعهم الإيمان، فهنا في هذه الحياة يتفكر الإنسان يتدبر، أما أن يتفكر في ذلك الوقت، ويتفكر في الله جل وعلا بحيث يدعوه ذلك إلى الإيمان فلا، ولهذا لا يصح تفسير النظر في آية القيامة بمعنى التفكر والتأمل والتدبر.

    الاستعمال الثاني الذي يتوسع في استعمال النظر فيه: بمعنى: انتظار الشيء وتوقعه، وقد جاءت هذا في آيات كثيرة، يقول الله جل وعلا في سورة ص: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص:14-15]، أي: وما ينتظر كفار مكة وعصاة قريش والملحدون في هذه الأمة، ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهي نفخة الصعق ويليها نفخة البعث؛ ليجازوا على أعمالهم بعد ذلك، وعلى ما قدموه: إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

    وقرأ حمزة والكسائي بالضم: (ما لها من فُواق)، وهما بمعنىً واحد، أي: ما لها من تأخر، والفَواق والفُواق: هو ما بين الحلبتين، عندما تحلب الناقة وتوقف يدك، هذه الفترة إذا أوقفت يدك عن الضغط والكبس على ثدي الناقة، وعلى ثدي الشاة، هذا هو الفَواق، أي: أنه وقت قصير، ما بين الحلبتين، حلبت ثم تركت الثدي ليمتلئ ثم حلبت، هذه الفترة التي تترك فيها الثدي هي الفَواق، مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ، أي: من تأخر ولا بمقدار لحظة ولا ثانية، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    وهذه الآية كقول رب العالمين في سورة يس: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:48-49]، أي: ما ينتظرون ويتوقعون، (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ).

    وقال الله جل وعلا في سورة البقرة: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، أي: فانتظار وتمهل إلى ميسرة، يأتي النظر بمعنى التمهل، وبمعنى التوقع، وبمعنى الانتظار.

    وقد جاء المعنى الأول والمعنى الثاني في قول الله جل وعلا في سورة النمل حكاية عن ملكة سبأ بلقيس: قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل:29-33]، النظر هنا بمعنى التأمل والتفكر والتدبر، أي: تأملي ماذا تأمرين فنحن نطيع؟ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ [النمل:34-35]، ما معنى ناظرة هنا؟ أي: منتظرة متوقعة، فجاء المعنيان في هذه الآية: فَانظُرِي أي: تأملي وتدبري وتفكري، ثم قولي لنا ما تقولين، فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ أي: متأملة متوقعة شيئاً يعودون إلي به. فيأتي النظر إذا توسع فيه بمعنى التأمل والتدبر والتفكر، ويأتي بمعنى الانتظار والتوقع.

    عدم صحة تفسير النظر بالانتظار في قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة)

    هل يصح تفسير النظر في قول الله في سورة القيامة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، بمعنى التأمل والتوقع والانتظار؟ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، أي: منتظرة؟ وهل يجوز أن نتلاعب بكلام الله كما تلاعب الشيعة والخوارج والإباضية والجهمية والمعتزلة الضلال الزائغون، فنقول: إلى ثواب ربها منتظرة؟ لا يجوز هذا أبداً لأمرين اثنين:

    الأمر الأول: أن نعيم الجنة حاضر ليس بغائب، وما غاب عن الأبرار في تلك الدار طرفة عين، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيتوقعون ماذا وهم في رضوان الله ونعمته وجنته؟

    والأمر الثاني: أن الانتظار لا يليق بمنصب أولئك الأبرار لكرم العزيز الغفار، فالانتظار مذلة، والله جعل أهل الجنة في دار إكرام، فكيف إذاً يذلون بانتظار النعيم وتوقعه؟! إن هذا لا يكون أبداً، ولا يقول هذا إلا من لم يعظم الله حق تعظيمه، ولم يعلم ما في الجنة من نعيم عظيم مقيم، فلا يصح تفسير النظر في آية القيامة بمعنى: انتظار الثواب؛ لأن الثواب حاصل، وانتظاره تنغيص ليس بعده تنغيص.

    إخوتي الكرام! وإلى هذا المعنى النبيل يشير ربنا الجليل في سورة الزمر عن أهل دار النعيم وعن أهل دار الجحيم، فيخبرنا ربنا الكريم عن الفريقين بقوله: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا [الزمر:73] قال بعد ذلك: وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73]، انتبه للواو في قوله: وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]، وقال في حق المجرمين: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:71].

    فدار النعيم التي أعدها الله للمقربين عندما يساقون إليها على النجائب أبوابها مفتحة، قلوبهم تكاد أن تطير شوقاً إليها فهم يرونها أمامهم، يدرون أين يسيرون، وكلما يقتربون يبتهجون حتى يدخلوا بعد ذلك هذه الدار المباركة، وأما أولئك فيدعون دعاً: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71]، هذا السوق دفع لهم فلا تساق دوابهم، إنما هم يساقون كما يساق المجرم، ثم يدفعون دفعاً، أين يؤخذون؟ لا يدرون، وهذا من أصعب ما يكون على الإنسان، أن يقاد إلى مكان ولا يعلم الجهة التي يؤخذ إليها، فإذا وصلوا أمام جهنم، أولاً: هم كانوا يدفعون ويدعون إليها دعاً، وهي موصدة أمامهم لا يعلمون ماذا يراد بهم وأين يؤخذون، فإذا اقتربوا منها -نسأل الله العافية من سخطه- فتحت أبوابها السبعة، وزفرت زفرة طيرت عقولهم والتهمتهم ودخلوا فيها.

    حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ، ووصلوا إليها؛ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ، فهم ما فتحت لهم من السابق؛ لأنهم لو سيقوا إليها وهم يعلمون مصيرهم لفزعوا، لكن لما كان في قلوبهم من الهول والفزع كما لو وصلوا بجوارها، ثم بغتة فتحت تلك الأبواب، وزفرت زفرة طارت عقولهم من رءوسهم بسبب ذلك.

    الشاهد إخوتي الكرام! أن دار الأبرار مفتحة، والمؤمنون عندما يسيرون ويتوجهون إلى الجنة على النجائب، هم يعلمون أين يذهبون، فكلما اقتربوا ازدادوا شوقاً وفرحاً، أما لو سيقوا ولا يعلمون الجهة التي يذهبون إليها، ولا يشاهدونها بأعينهم، وحبسوا عند باب الجنة فترة، لكان الله تعالى قد نغص أحبابه وآلمهم بهذا الانتظار، وهو الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى.

    أخوتي الكرام! يقول الله تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104]، ثبت في تفسير الطبري وكتاب التصديق بالنظر للإمام الآجري، وكتاب الاعتقاد للإمام البيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، والأثر رواه الإمام الطبري عن قتادة أيضاً من التابعين رضي الله عنهم أجمعين: ( أن المسلمين كانوا يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! راعنا )، أي: من الرعاية، والعطف، والحنان، فاليهود استعملوا هذه اللفظة وأرادوا بها الرعونة لحماقتهم وغبائهم وسفاهتهم، فأمر الله المؤمنين أن يقولوا للنبي عليه الصلاة والسلام: انظر إلينا، أي: اعطف علينا، فنحن أتباعك ونحن أحبابك، آمنا بك واتبعناك، فقال تعالى: لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104]. والأثر ضعيف الإسناد لكنه يتقوى بغيره.

    أمر ثالث: قول الله تعالى في سورة البقرة: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259]، انظر إلى الطعام ببصرك، وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259] انظر إلى حمارك ببصرك وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259]، وانظر إلى حمارك، إلى طعامك، إلى العظام، النظر عدي بـ(إلى)، ومن ذلك قول الله جل وعلا حكاية عن كليمه ونبيه موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]، يا معشر المبتدعة من خوارج وإباضية، ومن شيعة ومن جهمية وفروخكم المعتزلة! أنا أريد أن أسألكم فأجيبوا: علام أجمعتم على أن النظر في قول الله حكاية عن كليمه موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]، على أن المراد به النظر بالبصر بالعينين بلا خلاف، وفي آية القيامة قلتم: المراد انتظار الثواب والإحسان وتوقعه؟! هذا هو الضلال، وهذا هو التفريق بين المتماثلين، وهذا حال أهل البدع الذين يقررون كلاماً وينقضونه بعقولهم الضالة.

    إخوتي الكرام! تأويل المبتدعة ذلك: إلى ثواب ربها منتظرة، نقول لهم: الثواب هو الله أو غيره؟ والله يقول: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، فكيف قلتم: إلى ثواب ربها؟

    أقوال السلف في المراد بالنظر

    إذاً: إخوتي الكرام! وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] أي: تنظر إليه، هذا المعنى هو الذي فهمه السلف الصالح، ولا شك -إخوتي الكرام- أن من أخذ القرآن بلا سنة فقد عصى الرحمن، فلا يفهم القرآن إلا بسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ليبين لنا ما نزل إلينا، والذي فهم عنه ذلك البيان وبلغه إلينا هم سلفنا الكرام، فكل من يدعو إلى كتاب بلا سنة فهو ضال، وكل من يدعو إلى كتاب وسنة بلا فهم لسلفنا الأبرار فهو ضال، يريد أن يتسور على نصوص الكتاب والسنة بعقله دون أن يرجع إلى سلف الأمة الذين تمثل فيهم الإسلام في جميع جزئيات حياتهم؛ في كلامهم وفي أفعالهم وفي اعتقاداتهم، فكتاب مع السنة مع فهم سلف الأمة هو المنهج السليم.

    فهذا الفهم الذي قلناه للنظر، وأن النظر يأتي لأربعة معان، والمراد من النظر هنا: نظر العينين اللتين في الوجه: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، تنظر إلى الله، وتتنعم بذلك، وهذا أعظم نعيم، هل قال بهذا أحد من السلف الطيبين؟ وهل سبقنا إلى هذا القول أم أن هذا من مخترعاتنا ومستحدثاتنا؟ نعوذ بالله من كل محدث ومن كل محدِث.

    هذا القول إخوتي الكرام! منقول عن سلفنا الكرام، روى الإمام الطبري في تفسيره والإمام الآجري في التصديق بالنظر، وروى الإمام البيهقي في كتاب الاعتقاد عن عكرمة رضي الله عنه قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، تنظر إليه نظراً. وهذا هو الذي قاله الحسن البصري أيضاً، ونقل هذا الإمام الآجري والإمام ابن المنذر في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي ، ونقله الإمام الآجري والبيهقي وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، تنظر إلى ربها.

    إخوتي الكرام! وهذا الذي فهمه بعد ذلك أئمتنا الكرام أئمة الإسلام، روى الإمام أبو العباس السراج في تاريخه كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس عليه وعلى جميع أئمة المسلمين والمؤمنين أجمعين رحمات رب العالمين، أنه قال في قول الله جل وعلا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، قال: تنظر إلى الله جل وعلا عياناً. أي: بأعينها التي في وجوهها، فقيل له: إنهم يقولون: إن المراد من ذلك: انتظار الثواب، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، إلى ثواب ربها منتظرة. ومن الذي يقول في ذلك الوقت؟ الضالون أفراخ الجهمية المعتزلة الذين وجدوا في عهد الخلافة العباسية.

    قالوا: إنهم يقولون: إلى ثواب ربها منتظرة، قال: كذبوا، أين هم من قول الله جل وعلا: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:7-15]، فإذا كان الله يحجب أعداءه لسخطه عليهم، فيتجلى لأوليائه لرضاه عنهم، أين هم من قول الله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]؟ فإذا استوى الأبرار والفجار في حجبهم عن رؤية العزيز الغفار، فما الفارق وما الميزة بين الفريقين؟! إذا كان الأبرار يحجبون عن رؤية الحي القيوم، وهكذا الكفار يحجبون ويمنعون، فقد استوى الموحدون مع من بالله يكفرون ويلحدون! أين هم عن هذه الآية: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]؟

    إخوتي الكرام! وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن النظر يحصل للمتقين في جنات النعيم، وأن الناس يتفاوتون في ذلك في تلك الدار، فأعلاهم منزلة من ينظر إلى الله جل وعلا كل يوم مرتين: مرة في الغداة، ومرة في العشي.

    ثبت في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم وتفسير الإمام الطبري وكتاب الرؤية للإمام الدارقطني ، والحديث رواه عبد بن حميد في تفسيره، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله في كتاب السنة، وسند الحديث في درجة الحسن، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألف سنة)، وفي رواية: (ألفي سنة)، أي: ملكه لو أراد أن يقطعه في ألفي سنة لما قطعه، هذا أدنى أهل الجنة منزلة. (وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين: في الغداة وفي العشي)، فما المراد بالنظر هنا؟ إن المراد من النظر هنا ما أشار إليه ربنا: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، تنظر إليه نظراً حقيقياً، وتتمتع بالنظر إلى نور وجهه الكريم.

    إخوتي الكرام! ونظير هذه الآية ما قاله ربنا جل وعلا: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ [المطففين:22-23]، كل ما فيه وصف المتقين بالنظر في جنات النعيم فيدخل في هذا المعنى: ينظرون إلى ربهم الكريم، إلى نور وجه الله الكريم.

    بيان خطأ مجاهد في نفيه للرؤية في هذه الآية

    هذه الآية الأولى إخوتي الكرام من الآيات الخمس التي سنتدارسها، وتدل على أن المؤمنين يرون ربهم في جنات النعيم، وقبل أن أنتقل إلى الآية الثانية يوجد حول دلالة الآية الأولى إشكال نذكره من باب الإنصاف، فنحن إن شاء الله من أهل الحق، ونسأل الله أن يكرمنا برؤية ربنا الحق، نذكر ما لنا وما علينا ونزن بالقسطاس المستقيم، وليس حالنا كحال أهل البدع الذين ينظرون بعين ويغمضون الأخرى.

    إن قيل: إنه ثبت عن مجاهد بن جبر -الذي توفي سنة ثلاث ومائة للهجرة، وهو تلميذ الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين- إن قيل: إنه ثبت عن هذا العبد الصالح في تفسير الطبري بسند صحيح كالشمس ما يشير إلى خلاف ما ذكرنا، فقال مجاهد : (إلى ربها ناظرة): إلى ثواب ربها منتظرة، ولا يراه شيء من خلقه. إن قيل: إن هذا روي، فنقول: نعم قد روي، ونحن لا ننكر روايته، لكن هذه الرواية لابد من أن نقف عندها -إخوتي الكرام- لنبين هل قول مجاهد أولى بالاتباع أم الأقوال الأخرى التي قررنا دلالتها، وسنذكر بقية الأدلة إن شاء الله عليها؟

    هذا يحتاج إذاً إلى حكم منصف، نعم هذا أثر عن مجاهد ، ومجاهد بن جبر مع إمامته وجلالته ورفعة قدره أحياناً كان يرخي لعقله العنان فلا يتقيد بما ثبت عن الصحابة الكرام، ولذلك قال أئمتنا في ترجمته: كانوا يهابون تفسيره ويحترزون منه، فلا يأخذونه إلا بتدقيق وتمحيص؛ لأنه أحياناً كان يأخذ عن أهل الكتاب، وأحياناً يقول باجتهاده دون موافقة من سبقه، وكل إنسان يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى صلوات الله عليه وسلامه.

    لقد قال مجاهد بن جبر في قول الله جل وعلا: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:166]، قال: مسخت قلوبهم ولم تمسخ أبدانهم، وهذا مثل ضربه الله لهم كقوله في اليهود عليهم وعلى النصارى لعائن ربنا المعبود: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ [الجمعة:5]، وهكذا يقول مجاهد في تلك الآية: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً [الأعراف:166]، أي: صيروا قردة في الوصف، لا أن أبدانهم مسخت قردة، وهذا باطل قطعاً وجزماً، يوافق عليه أهل البدع وأهل الحق، وأن تفسير مجاهد قد ترك، وقد خالف شيخه ابن عباس ، وخالف الصحابة الكرام والتابعين في تفسير تلك الآية، فالمراد من ذلك: المسخ الحقيقي لأبدانهم، وهذا هو الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فانفراد مجاهد بأن المسخ هنا مسخ معنوي باطل، وما قلناه هناك فنقوله هنا، نقول: مجاهد أخطأ فكان ماذا؟ يرد عليه خطؤه ولا يؤخذ به، قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية من سورة القيامة: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]: أبعد قائل هذا القول النجعة.. والنجعة من الانتجاع، وهو المكان الذي يطلب فيه الإنسان الكلأ والمرعى لماشيته.

    أبعد النجعة وأبطل فيما ذهب إليه.

    وقال الإمام ابن عبد البر : إن هذا القول من مجاهد شذوذ باطل. وقال الإمام الدارمي بعد أن رد قول مجاهد في كتابه الرد على الجهمية: نقول للجهمية ولفروخهم من خوارج وإباضية ومن شيعة، نقول لهم: أخبرونا كيف ألزمتم أنفسكم باتباع المتشابه وترك المحكم؟ كيف رضيتم أن تتبعوا قول فرد وتتركوا قول الصحابة وبقية التابعين، وتتركوا بعد ذلك قول نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام؟! يقول: هذه علامة على ضلالكم، والله جل وعلا جعل علامة أهل الضلال اتباع المتشابه، فقال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7]، إذا أخطأ مجاهد فهل جعل الله مجاهد بن جبر حجة علينا؟ نعم، نحتج بقول التابعين لو أجمعوا، ونحتج بقول الصحابة الطيبين، أما أن ينفرد قول ويخرج عن الجماعة والجادة.. فإذا كان قائله من أهل الهدى نلتمس له عذراً، ونرده عليه ونسأل الله له المغفرة، أما أن يكون هذا الخطأ حجة علينا في ترك سنة نبينا عليه الصلاة والسلام وأقوال الصحابة والتابعين؛ فهذا هو الضلال المبين، ولذلك نقل عن العبد الصالح سليمان التيمي ، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة للهجرة، شيخ الإسلام في زمنه، كما في حلية الأولياء وجامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحله للإمام ابن عبد البر ، وكما في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام الخلال ، قال هذا العبد الصالح سليمان التيمي : من تتبع زلل العلماء ضل، ومن أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله. فهذه زلة من مجاهد وترخص مردود يرد عليه ويستغفر له وانتهى الأمر، أما أن نبني عقيدة على هذا القول، والله هذا هو محض الضلال.

    وهذا القول الذي قاله سليمان التيمي نقل مثله عن معمر بن راشد وعن إبراهيم بن أدهم عليهم جميعاً رحمة الله كما في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولفظ إبراهيم بن أدهم يقول: من تبع شاذ العلماء فقد حمل شراً كثيراً. ولذلك يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه إغاثة اللهفان في التحذير من مصائد الشيطان، يقول: من تبع زلل العلماء تزندق أو كاد. فكل إنسان يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، إذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- يقول: (وأعلاهم منزلة من ينظر إلى الله مرتين: في الغداة وفي العشي)، فبقي قولٌ لـمجاهد أو غيره؟ لا ثم لا، فلا يعترض علينا بقول مجاهد ، ولا يوجد للضالين عمدة في كلام سلفنا الطيبين إلا هذا القول فقط، وتراهم يلوحون به في كل مناسبة. سبحان الله! إذا كان شذوذ وخطأ وعثرة ممن وقعت، هل تبنى عليها عقيدة في دين الإسلام؟ فماذا بعد الحق إلا الضلال! فهذا القول منقول عن مجاهد ، لكنه شذوذ وعثرة نطرحه ونسأل الله أن يغفر لقائله.

    1.   

    قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)

    في الدلالة الأولى أخبرنا الله فيها أن المؤمنين يتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم، والدلالة الثانية يخبرنا الله فيها أن ذلك التمتع من باب الإحسان والفضل من الله جل وعلا على عباده المنعم عليهم، فالله جل وعلا كافأهم على حسناتهم بأضعاف مضاعفة، وجعلهم في جنات عالية، لكن بعد تلك المكافأة يكافئهم مكافأة أخرى، ويزيدهم سروراً على سرورهم، وهو زيادة إكرام وهي النظر إلى وجه ربنا الرحمن، فتلك فرحة بأنهم ينظرون، وهذه تبين أن هذا النظر من باب زيادة الإكرام من الحي القيوم لهؤلاء المنعم عليهم.

    يقول الله جل وعلا في سورة يونس: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس:26]، جزاؤهم الحسنى، للذين أحسنوا في هذه الحياة الحسنى بعد الممات، والحسنى هي جنة الله ودار كرامته، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:26-27].

    إخوتي الكرام! يقول تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى) وهي الجنة (وزيادة) ما هي هذه الزيادة؟ فسرها من بلغنا كتاب ربنا، من بلغنا كتاب ربنا فسر الزيادة، ووالله إن الخروج عن ذلك التفسير ضلال كبير، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، فما هو ذلك التفسير؟ وما قيمته؟ أي: قيمة ثبوته عن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه؟

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي وابن ماجه، وكتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة، وكتاب التصديق بالنظر للإمام الآجري، وورد الأثر في تفسير الطبري ، وكتاب الرؤية للإمام الدارقطني ، وكتاب الاعتقاد للإمام البيهقي، كما رواه الإمام البيهقي في الأسماء والصفات، وقلت: إن الحديث في صحيح مسلم : ( أن النبي صلوات الله وسلامه سئل عن الزيادة فقال: هو النظر إلى وجه الله الكريم ). هل يجوز ترك هذا التفسير؟ والله لا يتركه إلا كل ضال حقير، فأنت إذا أنصفت لما قلت وقلته أيها الشيخ الذي تريد أن تفتن عامة أهل السنة.. أو: عوام أهل السنة؛ لأن لفظ (العامة) يقصد به عموم أهل السنة، وحاشا ثم حاشا أن يفتن العقلاء الأتقياء الواعون من أهل السنة بخرافات المخرفين في كل حين، إنما تريد أن تفتن عوام أهل السنة بمثل هذا التلبيس وأن تقول: إن لغة العرب لا تدل على هذا، وليس في القرآن تفسير الزيادة بمعنى النظر إلى وجه ربنا الرحمن.

    1.   

    رؤية الله تعالى في الموقف من جميع الخلق بما فيهم الكفار والمنافقون

    إن الكفار والمنافقون وجميع الخلق سيرون الله تعالى في الموقف وفي ساحة الحساب، لكن لا يلزم من كون الكفار والمنافقين الأشرار يرون العزيز الغفار في عرصات الموقف وساحة الحساب؛ لا يلزم أنهم يرون الله كرؤية المؤمنين لربهم في جنات النعيم، فتلك الرؤية لا شك ستكون بعيدة؛ لأن أنواع الرؤية متباينة تبايناً عظيماً، ونحن نؤمن بأن أهل الجنة عندما يتنعمون ويتلذذون بالنظر إلى وجه الله الكريم كل واحد يتلذذ بالنظر إلى وجه الله على حسب مقامه ومنزلته، كما أن كل واحد ينعم في الجنة بأنواع النعيم الأخرى على حسب منزلته، فأنواع الرؤية متباينة، فلا يلزم من حصول رؤية أبي جهل لرب العالمين أن تكون تلك الرؤية كرؤية الصديق أبي بكر رضي الله عنه، شتان شتان، فهنا رؤية ضعيفة لا يعلم كيفيتها إلا الله تقع في ذلك الوقت ثم تعريف وتعذيب، وأما تلك فرؤية كاملة إكرام وإنعام.

    بهذه الأمور الخمسة فيما يظهر -والعلم عند الله- أن جميع الخلق يرون ربهم جل وعلا، لكن بعضهم يراه رؤية تعريف وتعذيب ثم يحتجب عنه، وبعضهم يراه رؤية إكرام وإنعام، ثم يواصل عليه مزيداً من إنعامه وفضله وإحسانه.

    1.   

    آداب متعلقة بالرؤية

    بعد أن أورد الإمام ابن تيمية عليه رحمات ربنا البرية هذه المسألة، ذكر آداباً حقيقة ينبغي أن نقف عندها لنميز المتفق عليه من المختلف، لتنظر لإنصاف أهل السنة، هذه جرى حولها خلاف ونزاع لتعارض الأدلة من حيث الظاهر، وأما تلك فقلنا: لا نزاع فيها ولا خلاف، فمنكر الرؤية -أي: رؤية المؤمنين لوجه الله الكريم في جنات النعيم- كافر خارج من الملة، ومنكر رؤية الكفار والمنافقين لله في عرصات الموقف، نقول: قول مقبول تحتمله الأدلة، انتبه! لكن الراجح والمعتمد حصول الرؤية، وهذا كما سيأتينا في رؤية نبينا عليه الصلاة والسلام لربنا ففيها أربعة أقوال، والقائل بواحد منها له سعة، لابد من هذا، المكان الذي احتملته الأدلة وتوسع فيه سلفنا لا نخرج عنهم، كما قلنا: كتاب وسنة وسلف الأمة، ومن أتانا بشيء جديد نقول: ضعه في جيبك واتركه عندك ولا حاجة لنا به، فإن نقلت لنا عن السلف فعلى العين والرأس، وعن نبينا عليه الصلاة والسلام ففوق ذلك، وعن الله جل وعلا فهو ربنا ونعم من تنقل عنه، أما أن تقول: هذا رأيي فدعه في جيبك.

    إذاً: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال منقولة عن علماء أهل السنة، والحكم على المخالف فيها ليس كالحكم على منكر الرؤية في الآخرة، أي: رؤية المؤمنين لربهم الكريم في جنات النعيم، فهذا كافر بلا شك، فإذا كان عنده شبهة تزال شبهته وتقام عليه الحجة، فإن أصر فهو كافر إذا وجدت الدولة الإسلامية تضرب رقبته، فلابد من التفريق بين هذا وبين ذاك، وأما هذا فعندنا آداب انتبهوا لها إخوتي الكرام:

    الأدب الأول: من سكت في هذه المسألة، قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: لا يجوز هجره ولا يحل تركه، سكت قال: يا عباد الله! المسألة أرى أن الأدلة فيها متعارضة، فلا أثبتها ولا أنكرها بل أسكت، أقول: رؤية المؤمنين لوجه الله الكريم ثابتة في جنات النعيم وكفى؛ نقول: جزاك الله خيراً وبارك فيك، من سكت يسعه السكوت.

    الأدب الثاني: لا يجوز أن نجعل هذه المسألة محنة وشعاراً لنا نمتحن بها الناس، ونفاتح بها العامة ونقول: هل الكفار يرون الله أم لا؟ حتماً سيقول لك الكافر: لا، فهل نقول: أنت ضال؟ وأنت ما تعرف أمور الاعتقاد؟ كل واحد سيرى ربه؟ حتماً لا؛ لأن الرؤية إذا أطلقت المراد منها رؤية الإكرام، فلا يجوز إذاً أن نجعلها شعاراً وسبباً للمحنة والخصوم فيما بيننا، يأتي محل البحث فنبينها بأدلتها، وننصف الناس فيها، ولهم -كما قلت- شبه متعللة، فلابد من إنصافهم فنقول: الأدلة تتسع، فمن قال بخلاف هذا القول فهو معذور، لكن هذا الذي يظهر هو الراجح والعلم عند الله.

    الأدب الثالث: قال الإمام ابن تيمية : لا يجوز لأحد أن يطلق القول بأن المنافقين والكفار يرون العزيز الغفار لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: أن الرؤية إذا أطلقت تنصرف إلى رؤية الكرامة والإحسان، ورؤية هؤلاء ليست بإكرام ولا إحسان، إنما هي من باب التعريف والتعذيب.

    فإذا قيل: إنها حاصلة فلم لا يجوز أن نطلقها لهم وأن نقول: إن الكفار يرون ربهم؟ نقول: الخلق يرون ربهم، وعموم الناس يرون ربهم في عرصات الموقف، والمكلفون يرون ربهم، والإنس قاطبة يرون ربهم، لكن لا نقول: خصوص الكافر والمنافق؛ لأن الرؤية إذا أطلقت تنصرف إلى رؤية الكرامة، وهؤلاء لا تحصل لهم.

    الاعتبار الثاني: الحكم العام إذا كان تخصيص بعضه باللفظ خروجاً عن الجميع، فلا يجوز أن نخص هذا البعض بذلك اللفظ، ولا يجوز أن نطلقه عليه.

    الحكم الآن عام، لكن عندما تخص الكافر بهذه الرؤية خرجت عن الأمر الذي هو مقرر عند المؤمنين، وهو أن الرؤية إكرام، وهؤلاء كأنهم أكرموا، وهذا كما قال أئمتنا: إن الله سبحانه وتعالى يقال عنه: رب كل شيء وخالق كل شيء، ولا يجوز أن تقول: إنه رب الكلاب والخنازير، وإذا سألت الله فقل: يا رب العالمين اغفر لي، ويا خالق كل شيء أغثني، ودخل في كل شيء: الشيطان والملائكة، لكن لا يجوز أن تفرد إضافة ربوبية الله إلى شيء ممتهن خشية إشعار ذلك بالنقص، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول كما في صحيح مسلم : (والشر ليس إليك)، وكنت قد بينت المعاني الخمسة التي تدل عليها هذه الجملة المباركة في دروسنا في الحديث في مسجد المعمورة.

    أحد المعاني الخمسة قلنا: لا يضاف إليك على انفراده، فلا يقال: يا رب الكلاب والخنازير، ويا خالق القرود والشياطين، لا يقال هذا، بل يقال: يا رب الملائكة وجبريل، يا رب النبيين والمؤمنين، اللهم رب الطيبين، أو أضف ربوبيته إلى عموم مخلوقاته ليدخل البر والفاجر: يا رب العالمين، يا خالق الخلق أجمعين، فهنا عندما تطلق الرؤية للكفار، هذا اللفظ العام عندما خصصته ببعض أفراده خرجت عن الجميع، ونحن قلنا: الرؤية عامة، فأطلق العموم لا حرج، أما أن تخصها بهذا الصنف الذي يوهم النقص فلا يجوز، انتبهوا لهذه الآداب التي ذكرها هذا الإمام، نسأل الله أن يجعل قبره روضة من رياض الجنة.

    وكم تهكم الخليلي بالإمام ابن تيمية عليه رحمة الله، وكم تهكم بتلميذه ابن القيم عندما رد أقوالهما، وحتى وصل به الشطط عندما نقل الإمام ابن القيم كلاماً عن عبد الله بن المبارك : أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة ويتلذذون بالنظر إلى نور وجهه الكريم في جنات النعيم، والله يحجب أعداءه عن هذه النعمة، قال: ومثل هذا الكلام ينبغي أن يدخر؛ لأنه من النوادر التي تتسلى بها الثكلى. كلام أئمتنا صار نوادر تتسلى بها الثكلى، من مات ولدها الوحيد! هكذا تعظيم أئمتنا! هذا الإمام ابن تيمية نظر بإنصاف محل الإجماع إجماع، ومحل الافتراق خلاف، هذه مسألة لا إجماع فيها، فلابد أن تتسع صدورنا لا لأهوائنا، بل كما قلت: عمدتنا كتاب وسنة وسلف الأمة، فالأئمة والسلف توسعوا في هذا، ورأوا أن الأدلة تحتمل هذه الأقوال فعلى العين والرأس، لكن الذي يظهر -والعلم عند الله- كما قلت: أن القول بعموم الرؤية لجميع الخلق أقوى.

    1.   

    رؤية النساء لله تعالى يوم القيامة

    الفرع الثاني: هل النساء يرين ربهن في جنات النعيم؟

    وإنما أوردت هذه المسألة لأن بعض كتب التوحيد تعرضت لها، وأنا أعجب غاية العجب عندما يقال: هذه المسألة كمسألة الفرع الأول! لا ثم لا.

    أيضاً أورد بعض من تكلم في هذه المسألة ثلاثة أقوال، كما فعل الإمام السيوطي في رسالة ألفها في هذه المسألة سماها: تحفة الجلساء برؤية الله للنساء، وأورد ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنهن لا يرينه أبداً.. يا عبد الله! لم هذا الشطط؟ ولم تضييق رحمة الله؟ قال: لأنهن مقصورات في الخيام. ونحن أيضاً في خيامنا ونرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر، وهنا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، واحذر هوس الخليلي ؛ لأنه يقول: أنتم تقولون: بلا كيف، والحديث يرد عليكم، نقول: كما ترون القمر، هذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، والحديث ليس فيه تشبيهاً، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، نراه بلا كيف كما قال النبي: (كما ترون القمر)، فهو تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: ترون الله جلياً واضحاً لا لبس في ذلك، لا تشبيه المرئي بالمرئي، تعالى الله أن يشبه شيء! فنقول: حتى لو كن مقصورات، فإنه كما جاء في الحديث: ( لا تضامُون في رؤيته ) ( لا تضارُّون في رؤيته ) فلا يلحقها ضيم ولا تحتاج أن تزاحم لا النساء ولا الرجال، فماذا يلزم؟ يعني: ما المحظور إذا رأت وجه العزيز الغفور؟

    هذا القول الأول، وهو باطل لا شك، والقائل به ظالم لنفسه عاص لربه، أجحف النساء حقهن وافترى على دين الله وتكلم بغير بينة.

    القول الثاني: أنهن يرين الله، لكن في أيام المواسم والأعياد والجمع فقط، كما أنه شرع لهن أن يحضرن المواسم مع المؤمنين في هذه الحياة، كما في الأعياد ينبغي أن تخرج الحيض وذوات الخدور من أجل أن يشهدن الخير ودعوة المسلمين في العيدين، فإذاً هذا الاجتماع الذي كان يحصل في الدنيا نظيره في الآخرة أيام المواسم: الجمعة الذي هو يوم العيد، وهكذا أيام الأعياد يحصل للنساء فيها رؤية؛ لأن التجلي يكون عاماً للنساء ولغيرهن، ولا دليل يدل على هذا، فلا يوجد ما يثبت هذا من دليل صالح معتبر.

    القول الثالث: وهو القوي ولا يصح ما عداه: أنهن في الحكم كالرجال، ويدل على هذا أمران معتبران ذكرهما شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء السادس صفحة ثلاثين وأربعمائة، وبحث في هذه المسألة من صفحة أربعمائة وثلاثين إلى صفحة أربعمائة وستين في ثلاثين صفحة متتالية في موضوع رؤية النساء لربهن، وذكر أمرين يدلان على هذا القول الثالث، وأسأل الله جل وعلا أن يجعله ممن يرون وجه الله في الجنة كل يوم مرتين، كما ذكر هذين الأمرين، وأن يجعلنا معه تبعاً له لحبنا له إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فالمرء مع من أحب.

    الأمر الأول: يقول هذا الإمام المبارك: النصوص المخبرة بالرؤية عامة للمؤمنين، ويدخل في هذا الوصف الكريم: النساء والرجال، فعندما يقول الله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، هذا ليس خاصاً بالرجال أو بالنساء بل هو شامل للصنفين، للمؤمنين في الجنة، فلهم الزيادة وهي النظر، فكما شمل هذا المعنى لذكور المؤمنين، يشمل أيضاً لإناث المؤمنين تماماً، النصوص المخبرة بالرؤية عامة للمؤمنين، فينبغي أن تشمل الصنفين، ومثله قول الله جل وعلا عن المتقين: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ [المطففين:18-19]، هذا عام للرجال والنساء، وهكذا بقية النصوص كلها عامة ليس فيها تخصيص للذكور بالحكم، وعندنا نحن في هذه الحياة ما يخاطب به الرجال ينصرف إلى النساء تبعاً، وما يشمل الرجل يشمل المرأة إلا ما قام عليه دليل التخصيص، فعندما يقول الله: (أقيموا الصلاة) صيغة خطاب للذكور، فالنساء يدخلن في هذا تماماً.

    وأحياناً قد يذكر الله الحكم في حق النساء على سبيل التخصيص، وأحياناً لا يذكر قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، فدخل النساء والرجال، لكن الله أفردهن بعد ذلك بالذكر لمزيد اهتمام بما أن هذا الأمر يتساهل به كل من الصنفين: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31]، لكن لو لم يقل للزم المرأة ما يلزم الرجل، فما يعامل به الرجل تعامل به المرأة، والنساء شقائق الرجال، ومثيلات للرجال في الحكم إلا ما قام عليه دليل التخصيص.

    الأمر الثاني: وهذا يفرح به النساء كثيراً وهو: أن كثيراً من النساء أعقل من كثير من الرجال، وأمنا عائشة رضي الله عنها هل يجوز أن نقرنها بنا؟ والله إن في ذلك تنقيصاً لقدرها، فهي امرأة لا شك رضي الله عنها وأرضاها، لكنها أفضل من ملء الأرض من الرجال، نعم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا قليل، لكن فيهن كاملات، وكم من امرأة أفضل من ملء الأرض من الرجال، فهل يعقل أن تكون الرؤية للناقص ولا تكون للكامل؟ هذا في الحقيقة إجحاف في حق الكامل، ووضع للشيء في غير موضعه، وعليه فينبغي أن تثبت الرؤية لكل مؤمن ذكراً أو أنثى، وهذا هو الحق في هذه المسألة.

    نسأل الله بفضله ورحمته أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ونسأله أن يمن بذلك على أمهاتنا وعلى آبائنا وعلى شيوخنا وعلى من علمنا وتعلم منا وعلى جميع المسلمين والمسلمات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.