إسلام ويب

ذكر الموتللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أعظم وأبلغ موعظة هي ذكر الموت، وقد كانت ملائكة السماء تحث نبينا عليه الصلاة والسلام على الإكثار من ذكر الموت، والنبي صلى الله عليه وسلم حثنا على ذلك ففي ذكر الموت فوائد عظيمة، فذاكر الموت المستحضر له كثير الإنابة إلى الله، قليل المعاصي، مبادر بالتوبة زاهد في الدنيا، لا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، قد كفاه الموت واعظاً.

    1.   

    استحباب الإكثار من ذكر الموت

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32]، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! تقدم معنا في المواعظ السابقة أن الإنسان إذا آمن بالله، وأخلص العمل له، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فستظهر فيه علاماتٌ ولا بد، وسيتنور قلبه، وينشرح صدره، وتبتهج نفسه، فيتجافى عن دار الغرور، وينيب إلى دار الخلود، ويستعد للموت قبل نزوله، ولذلك قلت: من وجدت فيه هذه العلامات سيكون الموت تحفةً له من العزيز الغفور، وتقدم معنا إخوتي الكرام بيان كون الموت تحفةً من الله لعباده المؤمنين، وقررت هذا بوجهين معتبرين:

    الأول: أن الموت ينقلنا من سجن الحياة إلى نعيم الجنات.

    والأمر الثاني: أن الموت يطهرنا ويغفر لنا ويمحصنا من الذنوب والخطيئات.

    ووقفت عند شيءٍ أكمله في هذه الموعظة إن شاء الله، وهو استحباب كثرة ذكر الموت، ثم بعد ذلك حكم تمني الموت.

    وكما قلت: أختم الكلام بعد ذلك بحال الميت في البرزخ في قبره، نسأل الله أن يجعل قبورنا روضةً من رياض الجنة.

    إخوتي الكرام! أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نكثر من ذكر الموت، والسبب في ذلك أن ذكر الموت حياةٌ للقلب، وهذان أمران أمرنا بالإكثار منهما: أمرنا أن نذكر الله كثيراً، وأن نذكر الموت كثيراً؛ لأن كلاً منهما يرقق القلب، ويجعل الإنسان ينيب ويتعلق بالرب سبحانه وتعالى، فذكر الإنسان لله كالماء للسمك، وهكذا ذكر الموت، والسمك إذا فصل عن الماء هلك وعطش، وهكذا هذا القلب إذا لم يكثر من ذكر الرب جل وعلا، ولم يكثر من ذكر الموت فإن هذا القلب يهمل ويغفو ولا يتعلق بالله، ولا يحب الرجوع إليه، ولذلك أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نكثر من ذكر الموت، كما أمرنا أن نكثر من ذكر الله جل وعلا.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه ، والحديث إسناده صحيحٌ ثابتٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد رواه ابن حبان في صحيحه أيضاً والحاكم في مستدركه، والطبراني في معجمه الأوسط، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، وإسناده صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثروا ذكر هادم اللذات الموت)، هادم بالدال المهملة، وهاذم بالذال المعجمة، وكلٌ منهما صحيحٌ فصيح ثابتٌ عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، أما الهادم -بالدال المهملة- هو الذي يزيل الشيء من أصله ولا يترك له أثراً، وهذا هو الموت، يقطع الحياة ولا يبقي لها أثراً.

    وأما هاذم اللذات فهو الذي يفرق الشيء ويبعثره بحيث لا يجتمع بعد ذلك، وهذا هو الموت يفرق الحياة عن البدن، ويزيل الحياة من البدن، (أكثروا ذكر هادم اللذات الموت)، وكلمة الموت من حيث العربية يجوز أن تضبط بالحركات الثلاث، فلك أن تجعلها على مجرور على أنها بدلٌ من هذه، (أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت)، كأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أكثروا ذكر الموت، لكن أراد أن يصف الموت بهذه الصفة التي تبين حقيقة الموت، وهي أنه يقطع الحياة ويزيلها.

    ويصح أن تجعلها -أي: كلمة الموت- موصوفةً بتقدير يعني، أكثروا ذكر هذه اللذات يعني الموت.

    ويصح أن تجعلها مرفوعةً على أنها خبرٌ لمبتدأ محذوف: أكثروا ذكر هاذم اللذات هو الموت.

    وهذا الحديث الثابت عن أبي هريرة رضي الله عنه روي أيضاً عن أنس وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالإكثار من ذكر الموت، كما أمرنا بالإكثار من ذكر الله؛ لأن هذا حياةٌ للقلب، فبه يتعلق القلب بالرب، فإذا ذكرت الله أحببته، وإذا ذكرت الموت أنبت إلى الآخرة، وأحببت الله جل وعلا وزهدت في هذه الحياة وما فيها.

    وصية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت ووصية النبي لأصحابه بذلك

    إخوتي الكرام! وإذا كان الأمر كذلك فقد كانت ملائكة السماء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام يوصون نبينا عليه الصلاة والسلام بالإكثار من ذكر الموت، وفي ذلك وصيةٍ لنا، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يؤكد على هذه الوصية.

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط بسندٍ صحيح كما قال الإمام الهيثمي والمنذري عليهم جميعاً رحمة الله، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاءني جبريل فقال لي: يا محمد ! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

    (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت)، وإذا كنا سنصل إلى هذا الأمر وهو الموت فينبغي أن نكثر من ذكره.

    (وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن ) أي: منزلته ورفعة قدره وكرامته عند الله ( قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

    وهذه الوصية التي كان جبريل يوصي بها نبينا الجليل على نبينا وعلى جبريل صلوات الله وسلامه، كان نبينا عليه صلوات الله وسلامه يوصي بها الصحابة الكرام في كل ليلةٍ قبيل الفجر، وفي ذلك وصيةٍ لنا بذكر الموت الذي سيدركنا عما قريب في كل ليلة.

    وثبت الحديث بذلك في المسند وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بإسنادٍ صحيحٍ كالشمس من رواية سيد القراء أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل -أي: إذا مضى ثلثا الليل- يقوم عليه الصلاة والسلام فينادي بأعلى صوته) ليسمع الصحابة ويستيقظ النيام، كل ليلةٍ إذا مضى ثلثا الليل ينشر فيهم هذا البلاغ عليه صلوات الله وسلامه، وفداه أبي وأمي ( فيقول: يا أيها الناس! اذكروا الله يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه)، هذا كلام نبينا عليه صلوات الله وسلامه، إذا مضى ثلثا الليل ودخل الثلث الأخير، وهو وقت نزول ربنا الجليل إلى السماء الدنيا عندما يقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر)، وحديثه في المناداة كل ليلةٍ عندما يبقى ثلث الليل الآخر متواترٌ كما قال الإمام الذهبي ، وقال: أقطع بذلك وأسأل أمام الله جل وعلا.

    فقال أبي بن كعب لنبينا عليه الصلاة والسلام عندما سمع منه هذا الكلام: (اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، فقال أبي بن كعب : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما شئت، فقال أبي بن كعب : الربع؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما شئت، وإن زدت فهو خيرٌ لك، فقال: الثلث؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خيرٌ لك، قال: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خيرٌ لك، قال: أجعل لك ثلثي صلاتي؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خيرٌ لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذاً يكفيك الله همك، ويغفرك لك ذنبك). (يكفيك الله همك)، أي: يذهب عنك الحزن والغم والهم في هذه الحياة، وإذا غفر لك ذنبك فسيذهب همك بعد الممات، (يكفيك الله همك، ويغفر لك ذنبك).

    والمراد من قول أبي رضي الله عنه: (كم أجعل من صلاتي؟) أي: من دعائي وأورادي، أي: من الوصف الذي جعلته لذكر ربي جل وعلا، قال الإمام ابن تيمية كما نقل عنه تلميذه الإمام ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير خلق الأنام عليه صلوات الله وسلامه، قال الإمام ابن تيمية : وكان لـأبي بن كعب ساعةٌ ينادي فيها ربه.

    فكم ينادي فيها ربه في الليل، فكم سيجعل من هذه الساعة من هذا الوقت صلاةً وسلاماً على النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال له: أجعل ربع هذا الوقت صلاةً وسلاماً عليك، وثلاثة أرباعه ذكراً لله، قال: (ما شئت، وإن زدت فهو خيرٌ لك)، قال: أجعل نصف هذا الوقت، أجعل ثلثيه، ثم قال: أجعله كله صلاةً وسلاماً عليك، ولا أذكر صيغةً أخرى من صيغ الأذكار، ولا أسأل ربي حاجةً لنفسي، إنما أجعل هذا الوقت بكامله صلاةً وسلاماً عليك على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إذاً يكفيك الله همك، ويغفر لك ذنبك).

    والحديث إخوتي الكرام صحيح، وقال عنه الإمام الترمذي في السنن: حسنٌ صحيح. وصححه الحاكم وعقبه الذهبي ، وتتابع أئمة الإسلام على تصحيحه، والشاهد في قوله: (جاء الموت بما فيه)، يقول هذا كل ليلةٍ إذا ذهب ثلثا الليل.

    إذاً: أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نكثر من ذكر الموت، وكان جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يوصي نبينا بهذا الأمر ويخبره بهذه القضية، وأنه مهما عاش سيموت، وسيلقى الحي الذي لا يموت.

    أهمية تذكر الموت

    والأمر الثالث: نبينا عليه الصلاة والسلام كان يذكرنا بالموت في كل ليلةٍ إذا دخل ثلث الليل الأخير الذي هو وقتٌ لنزول ربنا الجليل.

    إخوتي الكرام! الموت حق، ووقته مجهول، ووقوعه قريب، وهذه الأمور الثلاثة إذا اجتمعت به حقيقةً تجعل له أهمية مع أهميته لجهالة وقته ينساه كثيرٌ من الناس، فلا بد إذاً من استحضاره، وتذكره، والتذكير به في كل وقت، فهو حق، وهو لا شك فيه ولا مرية فيه، وسنموت كما ننام، وسنبعث كما نستيقظ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2].

    وقد قال الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام ولجميع الأنام في سورة الزمر: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، حق كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26].

    ويقول الله جل وعلا في آخر سورة القصص: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88]، هذا الأمر حق، ومع أحقيته وثبوته كأنه بين الناس باطل، ولذلك كان بعض علمائنا يقول: ما رأيت حقاً أشبه بباطلٍ من الموت.

    أي أنه حق لكنه شبيهٌ بالباطل كأنه لا حقيقة له، وكأنه لا وجود له، مع أننا نشيع كل يومٍ غادياً أو رائحاً إلى الله جل وعلا في الصباح وفي المساء، فارق الأحباب، وافترش التراب، ووضع في بطن الأرض غير موسدٍ ولا ممهد، فهنيئاً له إن كان عمله صالحاً، وما فينا واحدٌ إلا وآباؤه موتى، فـ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، وابن آدم أعظم نسب له الموت، فهو ابن الأموات، هذا الحق الذي لا شك فيه، وقته مجهول، وهو قريب الوقوع منا، فلا بد من التذكير به، فالموت حق، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    دلالة اقتران الموت بالنوم في القرآن الكريم

    وقد قاس الله جل وعلا في كتابه الموت على الموت الأصغر وهو النوم الذي يقع علينا باستمرار، كما قاس الموت أيضاً على الموت الذي سبق وجودنا وهو العدم، وإذا كنا لا نشك في هذين الأمرين: في النوم الذي هو موتٌ أصغر، وفي العدم الذي سبق حياتنا، فينبغي ألا نشك في الموت الذي سيطرأ على هذه الحياة، وينبغي أن نعد له عدته، وقد قرر الله هذين الأمرين: الموت الأكبر مع الموت الأصغر، والموت الذي يفني الحياة مع الموت الذي سبق الحياة، قرر كلاً منهما في موضعين اثنين:

    الموضع الأول في سورة الأنعام، يتكلم ربنا جل وعلا عن الموت الأصغر والموت الأكبر، وكما ننام فسنموت، يقول جل وعلا في سورة الأنعام: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]، ويراد من الوفاة هنا النوم كما لا يخفى على أحد، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [الأنعام:60-61]، أي موت؟ الموت الأكبر الذي تفارق فيه الروح البدن، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:61-62].

    إذاً يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام:60]، فإذا انتهت الأيام المعدودة والمدد المطلوبة وجاء الموت، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يضيعون ما أمروا به، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وهنا قدم الله الموت الأصغر على الموت الأكبر.

    والآية الثانية في سورة الزمر: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، أي: حين موتها الموت الأكبر، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، التي لم تمت موتاً أكبر إنما ماتت الموت الأصغر، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر:42]، وهي التي ماتت الموت الأكبر، وَيُرْسِلُ الأُخْرَى [الزمر:42] أي: التي توفاها في منامها إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:42].

    فكما تنام ستموت، وكما تستيقظ ستبعث، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى هذه الدلالة في أحاديثه الصحيحة، فأمرنا أن نقول إذا استيقظنا هذا الدعاء الذي رواه الإمام ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره، أشهد أن الله يحيي الموتى وهو على كل شيءٍ قدير) كل يوم نموت، وكل يومٍ نبعث، حتى يأتي الموت الأخير وبعده البعث الأخير.

    وثبت في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أوى إلى مضجعه: باسمك اللهم أموت وأحيا )، هذا النوم يقع بأمرك فأستعين بك عليه، وسأحيا وأبعث واستيقظ على اسمك، (باسمك اللهم أحيا وأموت).

    وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره -أي: طرف إزاره- فإنه لا يدري ما خلفه عليه)، أي: ماذا جاء على الفراش من حشرات، من عقربٍ أو غير ذلك، وهذا عندما كان لا يوجد في البيوت هذه المصابيح وهذه السرج، نسأل الله أن ينور قلوبنا وقبورنا، وأن يجعل لنا نوراً من جميع جهاتنا.

    الإنسان إذا أوى إلى فراشه في الظلمة (فلينفض في فراشه بداخلة إزاره -بطرف إزاره- فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها) كم من إنسانٍ ينام فيموت ولا يستيقظ، كم (إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).

    إذاً: إخوتي الكرام! ذكر الله الموت الأصغر والموت الأكبر في آيتين لنعتبر بالموت الأصغر، لنعتبر بالموت الأكبر، وليكون هذا دليلاً على ذاك، ولنعتبر بالموت الأصغر على الموت الأكبر.

    دلالة ذكر الله للموت والعدم الذي سبق حياتنا واقترانه بالموت

    وهكذا ذكر الله الموت الذي سبق حياتنا وهو العدم في موضعين أيضاً من كتابه؛ لنعتبر بالعدم الذي سبقنا على العدم الذي سيطرأ على أبداننا بعد خروج الروح منا، يقول الله جل وعلا في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28]، سبحانه وتعالى، كنتم أمواتاً في عالم العدم، والعدم موت، فأحياكم عندما نفخ لروح فيكم في ظلماتٍ ثلاث، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران:6]، ثم بعد ذلك يميتكم، ثم يحييكم.

    أمران لا شك فيهما: عدمٌ ثم حياة، وأمران يقاسان عليهما فلا شك فيهما: حياةٌ ثم ممات، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].

    وقال سبحانه في سورة غافر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر:10]، أي: صاروا يمقتون أنفسهم، ويدعون على أنفسهم باللعنة والويل في نار جهنم، فيقول الله لهم: مقتي لكم عندما دعيتم إلى الإيمان فكفرتم أشد من مقتكم لأنفسكم، قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:11-12].

    (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ): الإماتة الأولى: هي العدم الذي سبق الحياة، والإماتة الثانية: هي الموت الذي طرأ على حياتنا.

    (وأحييتنا اثنتين): حياةٌ بعد عدم، وحياةٌ بعد موتٍ في يوم البعث، قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:11].

    الموت حق وإذا كان حقاً فينبغي أن لا يغيب عنا، وينبغي أن نكثر من ذكره، ولذلك كان يذكرنا به نبينا عليه الصلاة والسلام على الدوام، ويأمرنا أن نقول دعاءً عند النوم وعند الصباح نستحضر به هذا الموت الذي لا ندري متى سيفجأنا، نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    جهالة وقت الموت

    والأمر الثاني الذي من أجله ينبغي أن نكثر من ذكر الموت: مع أنه حق فهو مجهول الوقت، ولذلك صار عند كثيرٍ من الخلق كأنه باطل؛ لأن وقته مجهول، وكم من إنسانٍ يضحك وأكفانه قد نسجت، وكم من إنسانٍ يخرج من بيته ولا يعود، فالموت وقته مجهول، وأذكر أنني كنت في بعض الأماكن إخوتي الكرام وأنا ذاهبٌ إلى صلاة العصر مع ولدي، قابلنا بعض الشباب الذي هو دون الثلاثين في القرية التي كنت أسكن فيها، وكان أحدهم في عنفوان شبابه يقود سيارته، فأشرت له الصلاة إلى المسجد، قال: آتي قريباً الآن يؤذن، خرجنا من الصلاة قالوا: الشاب مات، سبحان ربي العظيم! لو هز شجرةً لقلعها، ماذا طرأ عليه؟ قالوا: ذهب إلى البئر في المزرعة ليشغله ثم يأتي إلى الصلاة فسقط في البئر ومات، قابلناه في ذهابنا إلى المسجد، لما خرجنا يعلم الله ما وصلت البيت وأدركته في الطريق في الذهاب إلى المسجد، وأدركت خبره في العودة من المسجد إلى البيت قالوا: مات، هذا لو كان يعلم أن موته سيدركه في هذه الحال لذهب إلى المسجد، ولما ذهب إلى البئر، فإذا كان الموت مجهول الوقت فينبغي أن نكثر من ذكره، فما ندري متى يفجأنا ويحل بنا ونكون على احتراز.

    وخمسٌ استأثر الله بعلمها فما أطلع أحداً من خلقه عليها، لا ملكاً مقرباً، ولا نبيناً مرسلاً: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    انتبه -أخي الكريم- لهذه الإشارة من ربنا العظيم: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ [لقمان:34]، لم لم يقل: وما تدري نفسٌ في أي وقت؟ لم ذكر المكان دون الزمان؟

    كأن الله يقول: علم العباد قادرٌ على إدراك مكان موتهم، والمكان لهم فيه مدخل، ولهم فيه اختيار، فقد يقول إنسان: أنا سأبقى هنا ولا أخرج منها فسأموت هنا، يقول الله له: المكان الذي لك فيه اختيار ليس كذلك، إذا جاءك أجلك وقدر لك الأجل في مكانٍ آخر فتطرأ عليك حاجةٌ قبل الأجل بكذا فتذهب إلى ذلك المكان وتقبض هناك، والمكان لا تعلمه، أما الزمان الزمان ليس بوسعك، الزمان ليس لك فيه اختيار، فإذا عجزت عن إدراك المكان الذي ستموت فيه وعن العلم به، فليس لك فيه مدخلٌ ما، فأنت عنه عاجز وعن علمك بالزمان الذي ستموت فيه أعجز وأعجز وأعجز، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    ذكر أئمتنا عند تفسير هذه الآية كما في روح المعاني للإمام الألوسي في قصةً عن خيثمة بن عبد الرحمن ، وهو من التابعين الكرام، كان يتمنى الموت في السنة مرتين وقد أدرك الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، والقصة يذكرها عن أخبار أهل الكتاب ومثلها يرخص في حكايته، والإمام الألوسي يقول: رواها ابن أبي شيبة في المصنف، وهذا الأثر الذي عزاه الإمام الألوسي لمصنف ابن أبي شيبة أيضاً: رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (4/118 في ترجمة خيثمة بن عبد الرحمن .

    وحاصل القصة عن أهل الكتاب كما قلت: أن نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام كان جالساً مع أصحابه في بيت المقدس في تلك البلاد المباركة في بلاد الشام، فجاءه ملك الموت زائراً بصورة إنسان، والملائكة تتشكل بالأشكال التي يريدونها حسبما خلقهم ربنا جل وعلا على ذلك، وقد كان جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يأتي نبينا عليه الصلاة والسلام بصورٍ مختلفة، وكثيراً ما كان يأتيه بصورة دحية الكلبي من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    جاء ملك الموت يزور هذا النبي الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في مجلسه، فلما جلس أحدَّ النظر في بعض الحاضرين، ففزع ذاك الحاضر: لماذا هذا يحد النظر بي؟ ماذا يريد مني؟ فقال: لنبي الله سليمان: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: قطع قلبي، أسألك بالله الذي أكرمك أن ترحلني من هذه البلدة، لا أريد أن أجتمع مع ملك الموت في هذا المكان، أراه ينظر إليّ. قال: إلى أين؟ قال: أريد أن تأمر الريح لتلقيني في بلاد الهند، قال: لك ذلك، فخرج من المجلس، والله يقول عن الريح التي سخرها لنبيه سليمان: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12]، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء:81]، أي: تسير في الصباح، في ساعةٍ من الصباح ما يقطعه الراكب المجد على الخيل مسرعاً مدة شهر، يعني أسرع من الطائرات بكثير، وتسير في ساعةٍ من الليل، ساعة بمقدار ما يقطعه الراكب المجد على الخيل المضمرة المسرعة بمقدار شهر.

    غدوها. أي: سيرها في الصباح ساعةً بمقدار شهر يسيره الراكب، وهذا من المعجزات التي يكرم الله بها أنبياءه عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    فطرحته الريح في بلاد الهند، ثم ضحك ملك الموت، فقال له نبي الله سليمان على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: ماذا يضحكك؟ ومن أي شيءٍ تتعجب؟ قال: أتعجب من قدرة الله، لما أوحى الله إليّ أنني سأقبض هذا الإنسان الذي ترك مجلسك في الهند في هذا اليوم، وأنا أراه الآن في بلاد الشام في بيت المقدس، وبينه وبين الهند مسافات؟! كيف سيصل إليها ويحتاج إلى شهور وأنا فيما أوحي إليّ سأقبض روحه هذا اليوم في الهند؟! فضحك نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقال: قد سبقك، وهو ينتظرك هناك، قال: وكيف؟ قال: فزع منك، وقال: إنك قطعت قلبه، فطلب مني أن تلقيه الريح وأن تحمله إلى بلاد الهند وهو هناك، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    وفي مدارك التنزيل عند تفسيره هذه الآية: أن أبا جعفر المنصور رأى ملك الموت في النوم، فقال له: كم بقي من أجلي؟

    وما أكثر ما يحرص الإنسان على هذا ولكن: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188]، هذا مما طوي علمه عن جميع الخلق.

    قال له: كم بقي من أجلي؟ فأشار له ملك الموت إلى خمس، وقال: خمس، فما استطاع أن ينام أبو جعفر ، وقام فزعاً وقال: عليّ بـأبي حنيفة فقيه الملة رحمه الله ورضي عنه، ادعوه في وسط الليل.

    الآن يعني ما أعلم ما المراد بالخمس؟ خمس ساعات، خمسة أيام، خمسة أسابيع، خمسة أشهر، خمس سنين، فلما جاء أبو حنيفة قال: رأيت كذا، فما تأويل الرؤيا؟ قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، يقول لك: خمسٌ لا يعلمها إلا الله، كيف تسأله عما لا يعلم، ملك الموت لا يعلم متى ستقبض روحك، أنت وغيرك لا يعلم، تنزل عليه في كل يوم روح هذا وروح هذا تقبض وانتهى الأمر.

    والعالم بأسرهم أمام ملك الموت وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] كحال إنسانٍ يجلس في صحنٍ كبير والناس حوله، ينزل فيقبض أرواح من أمره الله بقبضهم.

    وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ: لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم ما يكون في بطن الأرحام إلا الله، ولا تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً، وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت، ولا يعلم أحد متى يجيء المطر، ثم تلا: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان:34] ).

    وثبت في مسند الإمام أحمد ومسند البزار والأحاديث المختارة في الجياد للإمام الضياء المقدسي ، وإسناد الحديث صحيح كما قال الهيثمي من حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعملها إلا الله، ثم قرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34] )، الموت حق ووقته مجهول.

    1.   

    الموت قريب الوصول

    الأمر الثالث: الموت قريب الوصول، حقٌ لا شك فيه، زمنه لا نعلمه، لكن هو أقرب إليك من شراك نعلك، ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8].

    لكن متى؟ مجهول!

    هل تجزم أنك ستدرك غداً أو بعد غد؟ كل من اعتبر غداً من عمره ومن أجله فما نزل الموت منزلته، إذا كان يقول: غداً هذا من عمري، فما أعطى الموت منزلته، ولا أعطاه حقه من التذكر والاعتبار، (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)، أي: من الخيط الذي يربط به النعل، (والنار مثل ذلك)، أي: أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، وإذا جاءك الموت لحظات يقولون: خرجت روحه، سبحان الله! يأتي بأطباء الأرض ليعالجوه، ولا حيلة في ذلك ولا فائدة من المعالجة، وسيأتينا في أمر الروح إن شاء الله عند الحياة البرزخية لنرى هذا الأمر الذي استأثر الله بعلمه، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    إذا خرجت نفس الإنسان ومات ألا يمكن أن يعاد؟ ليس بإمكان أهل الأرض ولا أهل السماء أن يعيد الروح إليه بعد ذلك.

    إذاً (الجنة أقرب إليك من شراك نعلك)، فإذا كنت صالحاً ومت في لحظةٍ دخلت الجنة، وإذا كنت غير ذلك ومت في لحظةٍ دخلت النار.

    إذا كان الموت حقاً، ووقته مجهول، وهو قريب الوقوع فهل ينبغي أن نغفل عنه أو أن نكثر من ذكره؟

    ينبغي أن يكثر من ذكره ذكراً لا تفتر عنه همتنا، (أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت).

    جاء في الحديث عن سعد بن أبي وقاص ، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط، والبيهقي في الزهد عن أنس بن مالك ، ورواه البيهقي في الزهد عن جابر بن عبد الله ، عن أربعةٍ من الصحابة الكرام: أبي أيوب ، وسعد بن أبي وقاص ، وأنس ، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني)، والحديث إخوتي الكرام إسناده في درجة الحسن، قال: أوصني، فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بأربعة أمور:

    الوصية الأول: (عليك باليأس مما في أيدي الناس).

    الوصية الثانية: (إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر)، العبد حرٌ ما قنع، والحر عبدٌ ما طمع.

    والوصية الثالثة من نبينا عليه الصلاة والسلام: (وإذا صليت فصل وأنت مودع)، تودع الحياة، فتعتبر هذه الصلاة آخر صلاة لك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والوصية الرابعة: (وإياك وما يعتذر منه).

    إذاً: أوصاه فقال: (عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإذا صليت فصل وأنت مودع، وإياك وما يعتذر منه).

    وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يلفت أذهاننا إلى استحضار الموت في جميع أحوالنا، ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا أخذت مضجعك -أي: أردت أن تنام- فتوضأ وضوءك للصلاة)، لتنام على طهارة.

    والمعتمد إخوتي الكرام فيما يظهر لي -والعلم عند ربي- أن هذا الوضوء يشرع للإنسان سواءٌ كان الإنسان متوضئاً متطهراً أو لا، أي: وإذا كان متطهراً فليتوضأ قبل نومه؛ لأن الوضوء عبادة، وإذا توضأ زال عنه ما على جسمه من الخطايا والذنوب كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الوضوء يغسل الخطايا، فإذا صلى الإنسان العشاء لنفرض أنه تكلم كلاماً مباحاً ليس فيه غيبةٍ أو نميمة، أو جرى منه ما لا ينبغي أن يجري منه من أن يشتغل ببعض الفضول، فلا بد إذاً من الوضوء لتغسل عنه تلك الشوائب التي شغل بها وإن كان متوضئاً، فإذا أردت أن تنام وأنت متوضئ فتوضأ كوضوئك للصلاة وضوءاً آخر، ثم اضطجع على شقك الأيمن كما نضجع الميت عندما نلحده ونوجهه لجهة القبلة.

    وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام إذا نام يضطجع على كفه الأيمن ويضع كفه اليمنى تحت رأسه ويقول كما ثبت في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث أمنا حفصة وغيرها رضي الله عنها: (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك).

    توضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك مت على الفطرة)، وضوء وتوحيد، والتجاء إلى الله، وإيمان بالبعث، وإسلام النفس إليه، إن مت مت على الفطرة وعلى الدين الحق، وعلى الدين الخاتم، (وإن أصبحت أصبت خيراً)، فلنحافظ على هذا الدعاء إخوتي الكرام ولنعلمه أهلنا وأولادنا جميعاً إذا أرادوا أن يناموا، ليتوضأ كل واحدٍ منا ثم ليقل: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت قال البراء : فعدت هذا الدعاء على النبي عليه الصلاة والسلام، وقلت في آخره: آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، قل: ونبيك الذي أرسلت)، أي: يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام بوصفي النبوة والرسالة، أما إذا قلت: ورسولك الذي أرسلت هذا تحصيل حاصل، ورسولك إذاً هو مرسل، ونبيك الذي أرسلت، فهو نبي عليه صلوات الله وسلامه، وهو رسولٌ إلى الناس جميعاً، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

    1.   

    فوائد الإكثار من ذكر الموت

    إخوتي الكرام! الموت حق، ووقته مجهول، وقريبٌ منا، وقد تتابعت الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام باستحضار هذا الموت في جميع الأحوال.

    قد يقول قائل: هل الإكثار من ذكر الموت فائدة؟

    والجواب عن ذلك: نعم، في ذلك فوائد كثيرة، أحاول أن أوجزها في ثلاث فوائد:

    الفائدة الأولى: الحث على التوبة والحيلولة بين العبد وبين الذنوب

    أولها: أن الذي يكثر من ذكر الموت يقلع عن الذنوب، ويتوب إلى علام الغيوب، ولا شك في هذا.

    والله لو استحضرنا الموت لما عصينا ربنا، لكننا نعصيه لغفلتنا عن ذكره، فإذا استحضرت يا أخي الموت فلن تعصي الله.

    كان مرةً رجل من العباد الصالحين في زمن التابعين مع زوجه في مكة المكرمة في بلد الله الحرام، ويخبر هو عن زوجه يقول: كانت أجمل نساء الدنيا، فقالت له مرةً هذه المرأة لتظهر له جمالها ومكانتها، قالت: أيها الزوج الصالح أترى أن أحداً يرى وجهي ولا يفتتن؟ قال: نعم، يوجد من يرى وجهك ولا يفتتن. قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير العابد الصالح الذي كان يحضر وعظه ودعاءه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهو من أئمة التابعين. قالت: سبحان الله! هذا إذا رأى وجهي لا يفتتن، قال: وجهك ووجه البقرة عنده سواء، وإن شئت جربي. قالت: أتأذن لي؟ قال: أذنت، فذهبت وجلست معه في مجلس الذكر والعلم في المسجد الحرام حول الكعبة المشرفة، فلما انفض المجلس قالت: لي إليك حاجة أريد أن أسألك، قال: وماذا تريدين يا أمة الله؟ قالت: وراء ستار يعني لا يسمعنا أحد، فأخذته على قراب وكشفت عن وجهها، وقالت: أريد أن تقضي حاجتي، فصرخ رضي الله عنه وقال: يا أمة الله! أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد جاءك ملك الموت ليقبض روحك، قالت: اللهم لا.

    أعوذ بالله، بعد الزنا تقبض الروح؟ من يريد هذا؟ لو قلت لإنسان يزني فيدخل عليه عشرة من رجال قومه من الصالحين ويرونه على هذه الحالة، لقال: ليت الأرض بلعتني، فكيف لو قلت له بعد الزنا سيقبض ملك الموت روحك، أو أنت في هذه الحالة، والإنسان يبعث على ما مات عليه، وكم من إنسانٍ يموت في عهرٍ وسكر، فيبعث يوم القيامة بتلك الصورة، نسأل الله حسن الخاتمة.

    قال: أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد جاءك ملك الموت ليقبض روحك، قالت: اللهم لا، قال: أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد وضعت في قبرك، قالت: اللهم لا، قال: أيسرك أنني قضيت حاجتك وقد بعثت من قبرك ووزنت فنفذت الموازين ونفرت الدواوين، ووقف العباد أمام رب العالمين، قالت: اللهم لا، قال: أيسرك أني قضيت حاجتك وانصرف الناس إما إلى نعيمٍ وإما إلى جحيم، قالت: اللهم لا، قال: اذهبي يا أمة الله عني، فذهبت تبكي، فلما دخلت إلى بيتها لبست أحسن ثيابها، ولزمت محرابها وبدأت تصلي، فجاء الزوج يكلمها فترد عليه لكن مع انشغالها بأمور الآخرة، ما بقي التزين والجمال، قال: ما بك؟ قالت: أنت بطال وأنا بطالة، الرجل هو عبيد بن عمير ، فكان هذا الزوج يقول: ما لي ولـعبيد بن عمير أفسد عليّ عرضي، كانت زوجي كل ليلةٍ عروسة فسارت راهبة.

    نعم هذا حال من يستحضر الموت، أيسرك يا عبد الله أنك تعصي وتموت؟ كل واحدٍ يقول: لا، أعوذ بالله.

    إذاً: ما عصيت إلا لغفلتك عن الموت، فإذا استحضرت الموت تقلع عن الذنوب، وتتوب إلى علام الغيوب.

    وقد كان أئمتنا رضوان الله عليهم يعظون بلحظهم كما يعظون بلفظهم، ولا خير فيمن لم ينفعك لحظه، وإذا لم ينفعك لحظ الإنسان فلن ينفعك لفظه كما قال أئمتنا، وقد كان سلفنا دواء يتداوى به، فصرنا داءً لا دواء له، فنسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يتوب علينا، وأن يعفو عنا، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

    إذاً: استحضار الموت يحول بينك وبين الذنوب، ويحثك على التوبة، عندما تستحضر الموت تقوم بالحقوق الواجبة وتترك المخالفات، ما عصى من عصى إلا لغفلته عن الموت، ولذلك كان كثيرٌ من سلفنا يقولون: استحضر الموت وتذكره قبل أن تتمناه فلا تحصله.

    نسأل الله ألا يجعلنا ممن يتمنون الموت، وأن يجعلنا ممن إذا بعثوا فرحوا لأنهم لا يموتون، أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات:58-60].

    من الذي يتمنى الموت؟ أهل النار، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، يميتنا يريحنا، قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:77-80].

    والآيات في أولها: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:74-77]، ولذلك الكافر يوم القيامة يأتيه الموت من كل مكان، أي: أسباب الموت تأتيه، والعذاب الذي ينزل به ينبغي أن يفنيه، وما هو بميت، يتمنى أن يموت.

    ماذا يقول الكافر؟ كما أخبرنا الله عن هذا في سورة النبأ: إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، وقوله: (يا ليتني كنت تراباً)، يحتمل أمرين كل منهما حق منقولٌ عن أئمتنا الكرام: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، أي: لم أخلق بشراً، وبقيت تراباً على أصل الخلقة.

    يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، أي: بهيمةً وحماراً، لم؟ لأنه يرى الحمر يوم القيامة والبهائم صارت تراباً؛ لأن الله يجمع الخلائق بأسرها بقضها وقضيضها، مكلفها وغير مكلفها، ويبلغ من عدل الله يوم القيامة أن يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، وبعد القصاص يقول الله لغير المكلفين من البهائم والحيوانات: كونوا تراباً، فالكافر عندما يرى أن الحمار صار تراباً يقول: (يا ليتني كنت حماراً).

    حقيقةً إذا استحضر الإنسان الموت قام بالحقوق الواجبة عليه؛ لذلك ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما حق امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده)، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما بت ليلةً إلا ووصيتي عندي بعد سماع هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، أي: يجب عليك إذا كان عندك شيءٌ توصي به مما لك أو عليك من الحقوق، يجب عليك ألا يمر عليك ليلتان إلا ووصيتك مكتوبة، يعني: يرخص لك أن تغفل الليلة إلى الليلة الثانية، أما ليال تمر عليك وليس عندك وصية وتقول: لعلي أكتبها في شهر ربيعٍ الأول، وجاء ربيعٌ الأول فقلت: في شهر ربيعٍ الثاني. فهذا لا يرخص لك، وهذا من غفلتك وبلادتك وعدم استحضارك للموت.

    الفائدة الثانية: ذاكر الموت لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود

    الأمر الثاني من فوائد كثرة ذكر الموت واستحضاره: أن من أكثر من ذكر الموت لا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، ولا يحسد أحداً في الوجود كونه عنده الذهب والفضة، ولو يملك جبالاً من ذهب، يقول: ما لي وله، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، وما قدر لي سيأتيني، هذا عندما يستحضر الموت.

    لكن إذا غاب عنه الموت لو جاءه جبلٌ من ذهب لقال: أريد جبلين وثلاثة، ولو ملأت له الدنيا لم يشبع، لكن إذا استحضر الموت يقول: ما عندي من قليل يكفيني، ولذلك عند ذكر الموت القليل يصبح كثيراً، فهو يكثر القليل، ويقلل الكثير، والكثير عندك تستقله ولا تركن إليه؛ لأنك تعلم أنه بجوار ما أعد لك في الآخرة ولا شيء، وبالتالي لا تعظمه، وتنفق منه آناء الليل وأطراف النهار.

    إذا ذكرت الموت إذا كنت على كثرةٍ قلت، وإذا كنت على قلةٍ كثرت، ما ذكره أحدٌ إلا وإذا كان ما عنده كثيراً استقله وما اهتم به ولا فرح ولا ضيع جهده به، وإذا كان قليلاً رضي به وربط قلبه بربه جل وعلا، وقد كان سلفنا يعنوا بهذا الأمر عنايةً كبيرة.

    ثبت في سنن ابن ماجه ، والحديث رواه الحاكم وابن حبان ، ورواه الإمام الطبراني في المعجم الكبير، أبو نعيم في الحلية وغيرهم، وإسناد الحديث في الصحيح عن أنس بن مالك وغيره: أن الصحابة الكرام ومنهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين ذهبوا إلى سلمان الخير ، سلمان الفارسي ، سلمان الإسلام ، وقد عمر وعاش (250) سنة رحمه الله ورضي عنه ( سلمان منا آل البيت ) الحديث في المستدرك وفيه ضعف، وهو من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين.

    سلمان ولاه عمر على المدائن، وكان فيها ما يزيد على ثلاثين ألفاً هو أميرهم، وجعل له كل يومٍ درهماً، فكان يشتري بهذا الدرهم خوطاً ينسجه، فيتصدق بدرهم بعطاه، وينفق على نفسه درهماً، هذا كان حاله رضي الله عنه وأرضاه وهو أمير المدائن.

    سلمان لما اشتكى وزاره الصحابة الكرام ومنهم سعد ، بكى الصحابة حوله، فقال له سعد : ما يبكيك يا أبا عبد الله ! صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم عليه، وترد حوضه؟ فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: والله ما أبكي على إحدى اثنتين: ما أبكي ضناً على الدنيا ولا كراهيةً في الآخرة، لست بحاجةٍ على الدنيا، ولست بكارهٍ للآخرة، لكنني أبكي على شيءٍ ضيعته، أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نستعد له، قال لنا النبي عليه الصلاة والسلام: (ليكن زاد أحدكم في هذه الحياة كزاد الراكب)، فإذا سافرت إلى مكة ماذا تأخذ معك من الطعام؟ ما يكفيك لذهابك وإيابك، لا تملأ شاحنات وتأخذها معك، (ليكن زاد أحدكم في هذه الحياة كزاد الراكب)، وما أراني إلا قد فرطت، رضي الله عنك وأرضاك، أتعبت من بعدك، فيماذا فرطت؟ وماذا عندك؟ تركة سلمان من أولها لآخرها قومت بخمسة عشر درهماً فقط كما ثبت في صحيح ابن حبان ، وفي بعض الروايات: جمع ما عنده من مالٍ وأمتعة فما وصل ثلاثين درهماً، ومع ذلك يقول: أخشى أنني فرطت.

    إذاً: إذا كنت تكثر من ذكر الموت فالقليل كثير، والكثير قليل، ولا تركن إلى هذه الحياة وتقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.

    وهذا الأمر إخوتي الكرام تكرر لبعض الصحابة الآخرين، منهم خباب بن الأرت قال أيضاً نفس هذا الكلام كما ثبت في معجم الطبراني ومسند أبي يعلى بإسنادٍ صحيح أنه قال أيضاً: ( عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم أن يكون زاد أحدنا في هذه الحياة كزاد الراكب، وما أراني إلا قد فرطت ).

    الفائدة الثالثة: أن الموت يرقق القلب ويهذب النفس

    الفائدة الثالثة: بالموت يرق القلب، وتتهذب نفوسنا، وتتعلق هممنا بما عند ربنا، وكفى بالموت واعظاً، ومن لم يعظه الموت فلن تعظه موعظة.

    تقول لي بعض الأخوات الصالحات في سبب التزامها: تقول: كان عندها أخٌ كالجمل -على تعبيرها- أصيب بمرض ما بقي إلا أياماً ثم مات، تقول: بدأت أفكر في مصيري وفي مصيرنا، وفي مصير الأحياء، إنسانٌ يموت في أيام وليس به علة، فدعاها هذا الالتزام إلى الخشية من الرحمن.

    ويقول لي بعض الشيوخ الكرام: أعظم موعظةٍ رأيتها في حياتي وفاة بعض الأثرياء في بعض البلاد الغنية، يقول لي: توفي بعد العصر، فدفن قبيل المغرب، فلما أنزلته حفرته قلت: سبحانك ربي! هذا الذي يملك الملايين مات بعد العصر، ما دخل وقت المغرب حتى دفناه، وما أخذ من ملايينه ريالاً واحداً، أخذ منه المال كله، وسيسأل عنه بعد ذلك كله، سبحان ربي العظيم!

    هذه الموعظة بليغة، فإذا أكثرنا من ذكر الموت نستفيد هذه الفوائد.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة، ولا فتنةٍ مضلةٍ يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولشيوخنا ولمن أحسن إلينا، ولمن علمنا وتعلم منا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.