إسلام ويب

خذ من أموالهم صدقةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ورد الوعيد الشديد على الذين يكنزون أموالهم ولا ينفقونها فيما أوجبه الله تعالى عليهم بأنه سوف تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم في نار جهنم، وقد ورد الفضل العظيم والأجر الكبير لمن أنفق ماله فيما أوجبه الله تعالى عليه، سواء أنفق على نفسه أو على أهله ومن يعول، أو على الفقراء والمساكين بإخراج الزكاة ونحوها من الواجبات، فإن في المال حقاً سوى الزكاة.

    1.   

    فضل الإنفاق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة المسلمين! أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى الله جل وعلا المساجد، فهي بيوت الله، وفيها نوره وهداه، وإليها يأوي المؤمنون الموحدون المهتدون، وقد نعتهم الله بأنهم رجال، ووصفهم بأربع خصال، لا تلهيهم البيوع والتجارات عن طاعة رب الأرض والسماوات، يعظمون الله ويعبدونه، فيذكرونه ويصلون له، يشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم، ويتصدقون عليهم، يبذلون ما في وسعهم استعداداً للقاء ربهم، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37].

    وكنا نتدارس إخوتي الكرام! الأمر الثالث من صفات هؤلاء العباد الأخيار، ألا وهو إيتاء الزكاة، لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]، وقلت -إخوتي الكرام-: سنتدارس هذا الأمر ضمن ثلاثة مباحث، أولها: في بيان وجوب الزكاة وفرضيتها، وثانيها: في بيان فضل النفقة والزكاة الواجبة، وثالثها: في بيان فضل الزكاة والصدقة المستحبة.

    عباد الله! نعت الله عباده الطيبين الذين يعمرون بيوتهم في الأرض بأنهم يصلون لله، ويزكون أموالهم فيتصدقون على عباد الله، فهم جمعوا بين تعظيم الله والشفقة على خلق الله، وقدموا جزءاً من مالهم عند ربهم جل وعلا، فهم يعلمون حقاً أن ما قدموه يدخر لهم عند عالم الغيب والشهادة، فهو الذي سينتفعون به بعد موتهم، وهذا ما كان يشير إليه نبينا عليه الصلاة والسلام في كثير من أحاديثه الصحيحة والحسنة، ثبت في سنن الترمذي وغيره، وإسناد الحديث صحيح، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( ذبحنا شاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوزعنا منها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عائشة! ما بقي منها؟ قالت: لم يبق إلا كتفها )، يعني: وزعنا جميع اللحم، ولم يبق إلا قسم منها ألا وهو الكتف، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا عائشة ! بقي كلها غير كتفها )، أي: هذا الذي تصدقنا به، وأهديناه، هو الذي يدخر لنا عند ربنا جل وعلا.

    إخوتي الكرام! إن المال تنتفع به إذا قدمته بين يديك، ليكون زاداً لك عند ربك جل وعلا، وذخراً لك عند الله جل وعلا، فهذا المال إذا أنفقته في سبيل الله جل وعلا انتفعت به، وإلا فأنت عبد له، كما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري، وسنن الإمام النسائي ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما منا من أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، فقال عليه الصلاة والسلام: فإن مالك ما قدمته، وإن مال وارثك ما أخرته )، أنت للمال إذا أمسكته، فإذا قدمته وأنفقته فالمال لك، فهؤلاء العباد الأخيار ينفقون في سبيل الله آناء الليل وأطراف النهار.

    إخوتي الكرام! وقد مر معنا تعريف الزكاة، وبيان وجوبها، ودللت على تحريم منعها، وكما قلت سأكمل البحث في هذه الموعظة إن شاء الله.

    1.   

    الوعيد الشديد للذين يكنزون المال ولا ينفقونه

    عباد الله! إذا أدى الإنسان ما أوجبه الله عليه في ماله، فقد زكى ماله وطهره، ولم يعذب به عند الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    المراد بالكنز المذموم

    والكنز معناه في لغة العرب: هو المال المدخر الذي يوضع بعضه فوق بعض من كثرته، فهذا المال المكدس إذا خزن وخبئ وادخر فهو كنز، وهذا التعريف اللغوي لا يراد من الآية الكريمة، إنما المراد من الكنز في الآية الكريمة الذي يعذب الإنسان به ويكوى به جبهته وجنبه وظهره: هو المال الذي لم تؤد زكاته، وقد ثبت هذا عن الصحابة الكرام، وثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فالمال إذا أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، والمال إذا لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض.

    ثبت الأثر بذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في معجم الطبراني الأوسط، وتفسير الإمام الطبري، والأثر رواه الإمام الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن، وإسناده صحيح كالشمس عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه موقوفاً عليه من قوله، وروي في معجم الطبراني الكبير، وتفسير الإمام الطبري، وسنن الإمام البيهقي روي مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والأصح وقف الأثر على عبد الله بن عمر، ولهذا الوقف حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    يقول هذا الصحابي الجليل: ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته فهو كنز، وإن كان على ظاهر الأرض. وإن كان ظاهراً، وإن كان على وجه الأرض، وإن لم يكن مدفوناً، فالكنز الذي يعذب الإنسان عليه هو الذي لم يؤد الحق الواجب فيه، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، أي: لا يخرجون ما أوجبه الله فيها، وأما إذا أخرج ما أوجبه الله في ماله، ثم كنز هذا المال وادخره وخبأه فوق الأرض أو تحتها، كل هذا لا يضره ولا يضيره إذا أخرج ما أوجب الله في هذا المال.

    إذاً: ما أديت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز، سواء كان ظاهراً أو باطناً، وهذا الأثر الذي ثبت عن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه -وكما قلت-: روي موقوفاً عليه من قوله، وروي مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثبت عن عدد من الصحابة الكرام، وثبت معناه في عدة أحاديث صحيحة وحسان عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ففي تفسير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفاً عليه من قوله، قال في تفسير قول الله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، قال: أي: لا يزكون أموالهم، فالكنز هو ما لم يزكَّ.

    وثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما لم تؤد زكاته فهو كنز. وهذا الأثر الثابت عن هذا الصحابي الجليل المعتبر رضي الله عنه وأرضاه رواه الإمام البخاري في صحيحه، وجعله ترجمة باب من أبواب صحيحه في كتاب الزكاة، فقال: باب ما لم تؤد الزكاة فهو كنز. وهذا الأثر الذي ثبت عن هذين الصحابيين الجليلين من قولهما عن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ثبت معناه في أحاديث كثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ففي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم والحديث صحيح، عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها ، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أديت زكاته -أي: زكاة المال- فليس بكنز ).

    وهذا ثبت أيضاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام في حديث آخر رواه الإمام الترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن خزيمة في صحيحه أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أديت زكاة مالك فقد أديت ما عليك، ومن اكتسب مالاً حراماً ثم أنفقه وتصدق لم يكن له عليه أجر، وكان عليه إصره )، أي: ذنبه ووزره.

    إذاً: إذا أديت زكاة مالك فقد أديت ما عليك، وثبت هذا المعنى أيضاً في حديث رواه جابر بن عبد الله عن نبينا رسول الله عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، والحديث في معجم الطبراني الأوسط، ورواه أبو يعلى في مسنده، والإمام ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قلت من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أديت زكاة مالك فقد ذهب عنك إثمه )، أي: ليس هو بكنز تعذب عليه يوم القيامة.

    هذه الآثار الكثيرة -إخوتي الكرام- تقرر لنا أن الكنز في الشرع هو ما لم يُدفع الحق الواجب فيه، وإن كان في لغة العرب أعم من ذلك، فكل مال مدخر في لغة العرب يعتبر كنزاً، وهذا لا يراد من الآية، إنما يراد خصوص المال الذي لم تدفع زكاته، سواء كان مدخراً مخبأً مخفياً، أو كان ظاهراً واضحاً جلياً، كل ما لم تدفع زكاته من الأموال فهو كنز، وستعاقب عليه عند الله جل وعلا.

    بيان النبي صلى الله عليه وسلم المقصود بالكنز في الآية

    وهذه الآية -إخوتي الكرام- عندما نزلت شق أمرها على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وكأنهم فهموا رضي الله عنهم أنه لا يجوز للإنسان أن يدخر شيئاً من المال، على حسب مفهوم اللغة، وأنه ينبغي أن يخرج الإنسان جميع ما يملك لئلا يدخره، ولئلا يكون كانزاً لشيء من المال، ثم بعد ذلك أزيل الإشكال بجواب نبينا عليه الصلاة والسلام، ثبت في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( لما نزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين: أنا أكفيكم ذلك )، أي: أسأل نبينا عليه الصلاة والسلام، أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية وعن المخرج، ( ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه! شق على أصحابك هذه الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] )، وحقيقة إذا كان المراد من الكنز ما هو معروف في اللغة، فإنها فيها شيء من المشقة على عباد الله، فلو ادخرت درهماً وريالاً واحداً لكنت من الكانزين على حسب ظاهر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا عمر! إن الله فرض الزكاة ليطهر بها ما بقي من أموالكم، وشرع المواريث لتكون لمن بعدكم)، وعليه إذا أخرجتم الزكاة فقد طهرت هذه الأموال، وليست بكنز تحاسبون عليه عند ذي العزة والجلال، ومن أجل ذلك شرع الله المواريث وفرضها، وبين لكل ذي حق حقه، وهذا لا يكون إلا إذا ترك الإنسان مالاً وتركه، والمقصود من الإنفاق إنفاق جزء يسير بينه لنا ربنا الجليل سبحانه وتعالى، فإذا أنفقت هذا الجزء كأنك أنفقت المال كله، فالله جل وعلا ينمي لك هذا الجزء بحيث معنا تصبح التمرة واللقمة عند الله أعظم من جبل أحد، ومن هان عليه أن يدفع جزءاً من ماله طاعة لربه جل وعلا، سيدفع كل ماله إذا اقتضى ذلك طاعة لربه عز وجل أيضاً.

    إذاً: يا عمر! إن الله فرض الزكاة ليطهر بها ما بقي من أموالكم، وشرع المواريث، وفرض المواريث لتكون -أي: الأموال بعد ذلك- لمن بعدكم، فلا حرج في ادخار المال إذا أدي ما أوجبه ذي العزة والجلال فيه.

    إخوتي الكرام! فرض الله هذه الزكاة ليطهر الإنسان بها نفسه من رعونات البخل، وليطهر به ماله من شوائب قد تقع عند جمع المال وتحصيله، كما شرع الله هذه الزكاة لتكون أيضاً بعد ذلك طعمة وسد حاجة للفقراء والمساكين، فحال الزكاة الواجبة كحال صدقة الفطر التي شرعها نبينا صلى الله عليه وسلم بهذين الأمرين المعتبرين، لتطهر المتصدق المزكي، ولتساعد المتصدق عليه المحتاج، ثبت في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم ، والحديث رواه الإمام ابن ماجه في السنن أيضاً، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فإنما هي صدقة من الصدقات )، إذاً: صدقة الفطر طهرة لصومك، وزكاة المال طهرة لمالك، كما بين نبينا صلى الله عليه وسلم.

    سبب إفراد الضمير في قوله: (ولا ينفقونها) مع أنه عائد على مثنى

    إخوتي الكرام! إذا أدى الإنسان ما أوجبه الله عليه في ماله، فماله لا يعتبر كنزاً، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، وقول الله جل وعلا: وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:34]، ينبغي أن نقف عند هذه اللفظة وقفة يسيرة، فالله ذكر نوعين من أنواع المال: الذهب والفضة، ثم أفرد الضمير، ثم قال: (ولا ينفقونها)، والأصل إذا جاء الكلام متصلاً مع بعضه أن يتناسب الضمير مع ما يعود إليه، وهنا الضمير عاد إلى ما تقدم فينبغي أن يكون بصيغة التثنية: ولا ينفقونهما في سبيل الله، فعلام أفرد الله الضمير، وأعاده على مفرد، والمذكور مثنى اثنان ذهب وفضة؟

    ذكر أئمتنا في ذلك عدة أجوبة أبرزها: أن الضمير هنا عاد إلى الكنز المتقدم ذكره من ذهب وفضة وغيره، والتقدير: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها، أي: لا ينفقون الأموال المكنوزة أياً كانت من ذهب أو فضة أو غير ذلك، أي: لا يؤدون حق الله في أموالهم، فبشرهم بعذاب أليم، إذاً: (ولا ينفقونها) أي: لا ينفقون الأموال المكنوزة.

    وهناك قولٍ ثانٍ، ولعله أوجه في التعليل والعلم عند الله الجليل: أن الضمير هنا عائد إلى آخر مذكور ألا وهو الفضة، وأما الذهب فهو مذكر، فيقال عنه: ولا ينفقونه، وأما الفضة فهي مؤنثة، فقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، أي: لا ينفقون الفضة في سبيل الله، فعلام اقتصر على ذكر الفضة دون ذكر الذهب؟

    ذكر أئمتنا في تعليل هذا القول عدة أقوال معتبرة أوجهها: أن الله جل وعلا خص الفضة هنا بالذكر تنبيهاً بالأدنى على الأعلى؛ لأن تعلق قلوب الناس بالفضة أقل من تعلقهم بالذهب، وتعلقهم بالذهب أكثر من تعلقهم بالفضة، فإذا كنت تتوعد بهذا الوعيد الشديد على ما لا تميل إليه كثيراً، ولا يتعلق به قلبك كبيراً، فكيف بالذهب إذا بخلت به، إن الوعيد في ذلك أشد وأشد؛ لأن من بخل بإخراج الفضة في سبيل الله سيبخل بإخراج الذهب في سبيل الله من باب أولى، ومن تعلق بالفضة ولم يخرجها ولم يخرج حق الله منها، فيتعلق بالذهب من باب أولى، فإذا توعدت أنت بهذه العقوبة على شحك فيما لا تميل إليه كثيراً فأنت متوعد فيما تميل إليه كثيراً من باب أولى، هذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، والله عندما قال في كتابه موصياً الأبناء والأولاد بحق الأبوين: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، قوله: (ولا تقل لهما أف) من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، والصغير على الكبير، أي: إذا حرم عليك أن تتأفف من والديك، وأن تظهر الضجر الظاهر منهما، فمن باب أولى يحرم السب ويحرم الضرب، ويحرم ما هو أشنع من ذلك، وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالقليل على الكثير، وباليسير على الكبير، وهنا كذلك، فإذا أنت بخلت بإخراج الفضة في سبيل الله فلك عذاب أليم، فكذلك إذا بخلت بإخراج الذهب في سبيل الله فلك هذه العقوبة من باب أولى، هذا تعليل ثان وهو معتبر.

    وقيل: إن الضمير عاد على الفضة دون الذهب من باب الاكتفاء، وعادة العرب إذا ذكروا شيئين وأرادوا أن يخبروا عنهما فإنهم يخبرون عن واحد منهما؛ لأن حكم الثاني كحكم المذكور عندهم، وهذا مقرر في أذهان الناس، وعليه ولا ينفقون الفضة في سبيل الله، والتقدير: ولا ينفقون الذهب أيضاً في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم.

    وهذا كقول القائل:

    نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف

    فالتقدير: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، ومنه أيضاً قول الآخر:

    إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناً

    إن شرخ الشباب: أي: شدة الشباب وعنفوانه، والإنسان إذا كان في أول عمره وفي ريعان شبابه، والشعر الأسود في احتمال قوته ما لم يعاص كان جنوناً، والأصل أن يقول: ما لم يُعاصا، فخص الشعر بالذكر، فإذا لم تعص هواك عند سواد شعرك فأنت هالك، وإذا لم تعص هواك عند شرخ شبابك فأنت هالك، فهذا من باب الاكتفاء والدلالة بأحد الأمرين على الآخر، والعلم عند الله جل وعلا. قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة:34-35]، أي: يكوون بهذا المال، يصفح صفائح من نار ويكوون به من جميع جهاتهم، وإنما بدأ الله بالجبهة، ثم ثنى بالجنبين، ثم ثلث بالظهر والمؤخرة؛ لأن الترتيب الذي يقع من البخيل في هذه الحياة على هذه الصورة، فإذا جاءه فقير وطلب منه إحساناً عبس في وجهه وأعرض عنه، فيأتيه الفقير من جهة اليمين وجانبه الأيمن، فيطلب منه فيعبس في وجهه ويعرض إلى الجهة الأخرى، فيأتيه الفقير من هذه الجهة، فيعرض عنه ويوليه الدبر ويمشي.

    إذاً: أنت أعرضت عندما بخلت بوجهك وبجنبيك وبظهرك، هذه الجوانب كلها ستكوى يوم القيامة بهذا المال الذي بخلت به: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35].

    1.   

    وجوب النفقة على النفس وعلى من يعول

    عباد الله! وقد يتساءل متسائل فيقول: إذا أخرج الإنسان زكاة ماله كما ذكرت، فهل أدى حق المال بكامله، وهل هذا المال بعد ذلك لا يحاسب عليه إذا اكتسب بالحلال؟

    والجواب: هناك ثلاثة واجبات تجب عليك نحو مالك:

    أولها: ما تقدم، ألا وهو الزكاة.

    والثاني: مما ينبغي أن تخرجه من مالك على سبيل الوجوب: النفقة على نفسك، وعلى من تلزمك نفقته من ولد وزوجة ووالد، ومن أنت مسئول عنه من غير إسراف ولا تقتير، هذا على سبيل الوجوب، وإذا لم تفعل هذا فقد أثمت، بل يكفيك هذا الإثم عن سائر الآثام والمعاصي، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن وسنده صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت، كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول )، أي: من تقوته وتجلب له قوته، من تعوله وأنت تنفق عليه، إذا قصرت في حقه وضيعته كفاك هذا الإثم عن سائر الآثام، كأن هذا الإثم يكفيك عن اقتراف سائر الآثام، فهذا سيهلكك في الدنيا والآخرة، ويوجب غضب الله عليك.

    والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته )، أي: عن ممالكيه وأجرائه، وإذا كنت تعاقب بهذه العقوبة إذا حبست القوت عن المملوك، فكيف بالزوجة والولد والوالد ممن لهم أيضاً نفقة واجبة آكد من نفقة المملوك، وهذه النفقة الواجبة التي ينفقها على الأهلين يؤجر عليها عند رب العالمين، كما يؤجر على الزكاة التي فرضها الله للفقراء والمساكين.

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي ، والحديث في سنن ابن ماجه أيضاً من رواية أبي موسى عقبة بن عامر البدري الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( نفقة الرجل على أهله صدقة )، وفي رواية: ( إذا أنفق المسلم على أهله يحتسبها كان له صدقة )، قوله: (يحتسبها) أي: يحتسب هذه النفقات، كان له عند الله صدقة، وفضل الصدقة الواجبة، من نفقة على الأهل، أو من أداء حق الزكاة للفقراء والمساكين، سيأتينا تفصيل الكلام عليه إن شاء الله عند المبحث الثاني بعون الله.

    إخوتي الكرام! هذا هو الحق الثاني وهو الذي يجب في المال وأمره لا يخفى على كثير من الخلق.

    1.   

    وجوب إخراج المال للمصالح العامة عند الحاجة

    أما الحق الثالث، وهو ما ينبغي أن نقف عنده وأن نعيه، وهو أن هناك حقاً واجباً أيضاً يجب في مال الإنسان من غير أن يكون زكاة مفروضة ذات أنصبة ومقادير معينة، ومن غير أن يكون نفقة على الأهلين من زوجة وولد ووالد، هناك أيضاً حق في المال، هذا الحق يجب إذا وقع موجبه ووجد سببه، وإلا فليس بواجب في الأصل، إذا وقعت الأمة في ضائقة، واحتاجت إلى مال من أجل مشكلة تورطت فيها، من أجل مشكلة وقعت فيها، كما لو أرادت أن تبني شيئاً تدفع به من حصون كيد الأعداء، أو أن تتخذ سلاحاً تقاتل به الأعداء، وما عند المسلمين في بيت المال لا يسد الحاجة ولا يكفيها، فيلزم المسلمون في هذه الحالة بدفع قسط من أموالهم حسب الحاجة على سبيل الوجوب لا على سبيل الندب، ويؤخذ هذا منهم من أجل دفع المضرة عن المسلمين، وهكذا أيضاً يلحق بهذا وله حكمه لو علمت بإنسان محتاج بحيث لو لم تسعفه ولو لم تساعده لهلك، وليس عليك زكاة واجبة، إما أنك قد أديتها وإما أنك لا تجب عليك الزكاة، فما ملكت نصاباً، لكن هذا بحاجة إلى طعام أو إلى كساء، بحيث لو لم يوفر هذا له لتضرر وتأذى، إما بمرض وإما بموت، فيجب عليك في هذه الحالة أن تساعده على سبيل الوجوب، كما تنفق على نفسك، وكما تخرج زكاة مالك، وإذا قصرت في هذا فأنت آثم عند الله جل وعلا.

    والدليل على هذا إخوتي الكرام أمران:

    الأول: أمر عام، وهو عمومات الأدلة.

    الثاني: أمر خاص، وهو دليل في هذه القضية بخصوصها وعينها.

    الأدلة العامة الدالة على أخوة المسلمين وأنهم كالجسد الواحد

    أما الأدلة العامة: فأهل الإيمان إخوة بنص القرآن، يقول رب الأرض والسماوات في سورة الحجرات: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، ومن مقتضيات هذه الإخوة أن يساعد الغني الفقير، والقوي الضعيف عند الحاجة المتأكدة، فإذا لم تساعده سيهلك، فمساعدته واجبة وفرض بحيث لو لم تساعده وهلك للقيت الله كأنك قتلته، فانتبه إلى هذا فهذا حق واجب يجب عليك، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن صلة المسلمين ببعضهم في هذه الحياة، ففي صحيح مسلم ، والحديث في مسند الإمام أحمد أيضاً من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )، وفي بعض روايات الحديث: ( مثل المؤمنين كمثل رجل واحد، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )، وفي بعض روايات الحديث: ( مثل المؤمنين كمثل رجل واحد، إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله ).

    إذاً: هذا الجسم مترابط ببعضه، فأنت مع عباد الله المؤمنين كأنك أصبع في اليد، وكأنك يد في جسم، فكما أن هذه الإصبع تتحرك بحركة اليد، واليد تتحرك بحركة الجسم، هكذا الأمة الإسلامية ينبغي أن تتحرك مع بعضها، وأن يساعد بعضها بعضاً، وإذا كان هناك ضعيف محتاج حاجته ضرورية وما عندهم حق واجب عليهم، ينبغي أن يساعدوه بفضل أموالهم طاعة لربهم عز وجل، وإذا قدر أن هناك غني وعليه زكاة واجبة وبخل، وأنت فقير، لكن عندك ما يسد حاجة الفقير الذي حاجته ضرورية بحيث لو لم يساعد لهلك، لوجب عليك أن تساعده بما تملك بجزء منه، وإن كنت محتاجاً فقيراً، أو تساعده على حسب استطاعتك لتدفع الهلاك عنه.

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام: ( أن المؤمنين كالبنيان )، والحديث ثابت في المسند والصحيحين، وسنن الترمذي والنسائي من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً )، فكيف تترك هذه اللبنة وتخرج من هذا الجدار، وتهلك، وبإمكانك أن تساعده وأن تنقذه من الهلكة التي تعرض لها.

    الأدلة الخاصة الصريحة في وجوب ذلك

    هذه أدلة عامة وهي كافية في المطلوب والدلالة على المطلوب، لكن ورد ما يدل على هذا صراحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإليكم بعض الآثار التي تقرر هذا.

    أخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والأثر في مسند أبي يعلى ومعجم الطبراني الكبير، وسنن الإمام البيهقي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع )، والحديث رواه البزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير، وإسناد الحديث حسن، وإسناد الأثر الذي قبله صحيح، وإسناد الحديث حسن، كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم )، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً، وأبو يعلى في مسنده، ورواه الإمام البزار والطبراني في معجمه الأوسط، وإسناد الحديث صحيح أيضاً، من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله )، (أيما أهل عرصة). أي: أهل بقعة ومحلة وناحية وحارة وحي، (أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله)، كيف يشبعون وهذا يجوع؟ وهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

    إخوتي الكرام! بهذا التساعد والتساند والتعاطف يقوم أمر المسلمين في هذه الحياة، وقد وضح لنا نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الحالة للمؤمنين في الحديث الذي رواه أبو داود في السنن والإمام ابن ماجه في سننه أيضاً من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ويرد مشدهم على ضعيفهم، ومتسريهم على قاعدهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده ).

    (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)، فإذا أعطى عهداً، وهو أقل واحد فيهم شأناً، فهذا كما لو أعطاه من هو أعلى واحد فيهم شأناً، فهم يذود بعضهم عن بعض.

    (ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم)، أقصى المسلمين، ومن هو أقلهم شأناً في هذه الحياة، إذا أجار أحداً وأعطاه أمان الجوار، فلا يجوز أن يخفر جواره.

    (وهم يد على من سواهم)، جميعهم قوة واحدة، ويد واحدة على من سواهم.

    (ويرد مشدهم على ضعيفهم)، مشدهم أي: قويهم، على ضعيفهم، والمراد من الرد هنا: إذا كانوا في سفر، وانقسموا إلى قسمين أشداء وأقوياء، وضعاف ومساكين، فينبغي على الأشداء أن يردوا أنفسهم، وأن يكبحوا من جماح قوتهم ليوافقوا هؤلاء في السير، يرد مشدهم، أي: يرد عليهم نفسه، ويكون معهم في هذا السفر، فلا يتقدمهم وهو قوي، وإذا كنت مع إخوانك في السفر، وأنت قوي، فينبغي أن تصاحبهم، وأن تسير معهم، وأن لا تسبقهم، وأن لا تتميز عليهم، فمن باب أولى إذا كان في بدن أخيك ضعف، واعتدي عليه من قبل الأشرار، فينبغي أن تساعده إذا كنت قوياً متمكناً من ذلك، ويرد مشدهم على ضعيفهم.

    (ومتسريهم على قاعدهم)، المتسري هو الذي يخرج في سرية، وهي قطعة من الجيش، فالجيش إذا خرج للقتال في سبيل الله، ثم خرجت منه فرقة تقاتل، فهذه الفرقة إذا كتب الله لها النصر، وأحرزت المغانم، فمن خرج في هذه السرية لا يستأثر بالمغانم، إنما هي له ولجميع أفراد الجيش الذي خرج وإن لم يشاركوا في تلك السرية.

    نعم، لا يشارك في تلك المغانم من لم يخرج للجهاد، أي: هو قاعد في بيته، أما من خرج فقد هيأ نفسه لقتال أعداء الله، أما إذا باشر القتال فئة قليلة ونصرهم الله، فلا يستأثرون بالغنيمة ولا يحرزونها بمفردهم، بل يرد متسريهم على قاعدهم، أي: من قعد من أفراد الجيش، ولم يشارك في القتال، فيأخذ ًمن هذه الغنيمة كما يأخذ من قاتل.

    (ولا يقتل مؤمن بكافر)، وكيف يسوى بين أولياء الله وأعداء الله؟! وكيف يسوى من هو طيب طاهر بمن هو نجس خبيث؟! ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية قد يتوهم بعض الناس أن دم الكفار هدر وينبغي أن نريق دماء كل الكافرين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال -انتبهوا-: ( لا يقتل ذو عهد بعهد )، فمن له أمان في رقابنا وذمة عندنا، لا يجوز أن نبطل هذا الأمان، ولا أن نخفر هذه الذمة، ولا يجوز أن نغدر، فإذا أعطينا كافراً عهداً فلا يجوز أن نقتله وإن كان كافراً، ( لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده )، وكذلك صاحب العهد لا ينبغي أن يقتل، وينبغي أن نقف عند حدود الله عز وجل.

    إخوتي الكرام! هذا الحق الثالث الواجب في المال: مساعدة عباد الله ومواساتهم بمالك إذا تعين ذلك عليك، سواء كان عليك زكاة واجبة أو لا، فإن كان عليك زكاة واجبة أعطيتهم منها، وإذا لم يكن عليك بأن أخرجت الزكاة الواجبة، أو لا تجب عليك أصلاً، وجب عليك أن تساعد هذا المحتاج بما يدفع حاجته وضرورته ويدفع الهلاك عنه، وإلا فأنت قد شاركت في وزر قتله، وفي وزر ضره، وكنت كمن أوقع ذلك عليك، هذه من الحقوق في الأموال على سبيل الوجوب.

    1.   

    الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (إن في المال حقاً سوى الزكاة) وقوله: (ليس في المال حق سوى الزكاة)

    وبهذا التفصيل الذي ذكرته يتضح لنا معنى الأثرين الواردين، وفي الظاهر بينهما اختلاف، وقد جمع أئمتنا بينهما بجمع، والجمع الذي ذكرته فيما يظهر أولى وأقوى والعلم عند الله، ثبت في سنن الترمذي من رواية شريك بن عبد الله عن أبي حمزة ميمون الأعور ، عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن في المال حقاً سوى الزكاة )، قال الإمام الترمذي بعد روايته للحديث: فيه ميمون الأعور أبو حمزة ليس بذاك، يضعف في الحديث. فإسناد الحديث ضعيف لأجل ميمون الأعور.

    والحديث رواه ابن ماجه في سننه أيضاً بالسند المتقدم، من رواية شريك عن أبي حمزة ميمون الأعور عن عامر الشعبي، عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس في المال حق سوى الزكاة )، الأول: ( إن في المال حقاً سوى الزكاة )، وهنا: ( ليس في المال حق سوى الزكاة )، فبعض أئمتنا قالوا: إن الحديثين ضعيفان مع وجود هذا الراوي في الإسناد، وهناك اضطراب أيضاً، فأحدهما يثبت والآخر ينفي، وكما قال شيخ الإسلام الإمام العراقي عليه رحمة الله: ومثل هذا اختلاف لا يحتمل، وعليه فالحديث مضطرب، والاضطراب يوجب ضعف الحديث، عدا عن وجود كلام في أبي حمزة ميمون الأعور ، وذهب بعض أئمتنا على فرض القول بصحة الحديثين، إلى أن الاضطراب يمكن أن يزال، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام الشيخ زكريا الأنصاري عليهم جميعاً رحمة الله فقال: يحمل النفي (ليس في المال حق سوى الزكاة) على الحق الواجب، (وإن في الماء حقاً سوى الزكاة) على الحق المستحب.

    والذي يظهر لي والعلم عند الله بحسب ما أشرت إليه في هذه الأمور الثلاثة المتقدمة الواجبة المال أن قوله: (إن في المال حقاً سوى الزكاة)، أي: إذا تعينت عليك مساعدة المحتاج، ولا تدفع حاجته إلا بمساعدتك، فيجب أن تساعده بغير الزكاة، وهذا من الحق الواجب سوى الزكاة.

    والحديث الثاني: ( ليس في المال حق سوى الزكاة )، هذا على الأصل، فالأصل أنه لا يجب عليك شيء سوى الزكاة إلا إذا وقع مضطر في حاجة وجب عليك أن تساعده، كما تقدم معنا في الحديث: ( أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ).

    1.   

    فوائد إخراج الحقوق المالية الواجبة

    إخوتي الكرام! إذا قام الناس نحو هذه الحقوق الواجبة كما ينبغي، من زكاة واجبة، ومن مساعدة واجبة، ومن نفقة واجبة، سلم بعضهم من بعض، ورضي الله عنهم، وعاشوا في سعادة في هذه الحياة، ورضي الله عنهم في الدنيا وبعد الممات، وحصلوا خيري الدنيا والآخرة، وكيف لا يكون ذلك والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وإذا تخلت الأمة عن هذا، فبخل الغني بماله عن الفقير، فما أعطاه حقه من المال الذي أعطاه الله إياه، وشرع فيه حقاً لهذا، وما ساعده عندما تعينت المساعدة، ثم بعد ذلك ضن بالنفقة الواجبة، إذا وجد هذا في الأمة فستختلف الأمة وتتفرق، فالغني بخل، والفقير حسد، ووقعت العداوة والبغضاء، وتخلى عنهم بعد ذلك رب الأرض والسماء، ولا يمكن أن يقع في الدنيا عوز وفقر إلا عند منع الحق الواجب، والذي خلق العباد وأعطاهم هذه الأموال، علم أنه إذا أدي ما أوجبه ذو العزة والجلال، وسد حاجة الفقراء على وجه التمام والكمال، صلحت الحياة واستقام الحال.

    ثبت في معجم الطبراني الأوسط، ومعجم الطبراني الصغير، وإسناد الأثر حسن، فليس في إسناده من تكلم حوله إلا ثابت بن محمد ، وهو كما قال أئمتنا: زاهد عابد صدوق، يخطئ أحياناً، وقد أخرج البخاري حديثه في صحيحه، وأخرج عنه الإمام الترمذي عليهم جميعاً رحمة الله، وتوفي سنة 215 للهجرة، ثابت بن محمد الزاهد، وكما قال الإمام المنذري : هو ثقة روى له البخاري، وعليه فالأثر صحيح، نعم، اختلف في رفعه ووقفه ورجح الإمام المنذري أنه موقوف على علي رضي الله عنهم أجمعين من كلامه، ولفظ الأثر: عن علي رضي الله عنه قال: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يسع الفقراء، فإذا عري الفقراء أو جاعوا فبسبب أغنيائهم، وإن الله سائلهم يوم القيامة عن ذلك، وسيحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً. إذا عري الفقراء، إذا جاع الفقراء، بسبب الأغنياء، أي: بخلوا بالحق الواجب، نعم لو أخرج الناس الزكاة وأنفقوا لما وجد في الدنيا فقير عار.

    وهذا النظام الذي شرعه لنا ربنا الرحمن هو نظام الوسط الذي يتناسب مع فطرة الإنسان، فلا غلو في جمع المال، فالحياة الرأسمالية التي لا تعطف على فقير ولا على مسكين، ولا يعرف الإنسان في تلك الحياة الرديئة، لا يعرف أمه ولا أباه، ولا أخاه، ولا صديقه، ولا أحداً من خلق الله، إنما يدور مع الدولار حيث دار، فهذه أمة خبيثة لا يساعد بعضها بعضاً، ويقابلها فرقة أخرى أجحفت في حق البشر، وسلطت عليهم نخبة من الناس أخذوا هذه الأموال، ثم بعد ذلك ساموا الناس سوء العذاب، فوزعوا الفقر -كما يقال- على الناس بالتساوي، وحرموهم من جمع المال، ومن ادخار المال، ومن الإحسان بعضهم إلى بعض، كما هو الحال في الشيوعية الاشتراكية الغوية، فلا رأس مالية، ولا شوعية اشتراكية، إنما إسلامية ربانية، تجمع المال وتدخره، فلا حرج عليك في ذلك، لكن تخرج الحق الواجب عليك، وتساعد عباد الله إذا تعينت مساعدتهم، وتنفق على نفسك وأهلك بالمعروف، فلا حرج في ذلك، هذا شرع الله، وهذا الذي يتناسب مع فطرة هذا الإنسان وهذا المخلوق.

    عباد الله! إذا بخل الناس وضنوا بما أوجبه الله عليهم، فسيعجل الله لهم العقوبة في الدنيا، وما يدخر لهم عند الله في الآخرة أشد وأفضع، أخرج الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بسند رجاله ثقات عن بريدة رضي الله عنه، والأثر رواه الإمام ابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، ولفظ حديث عبد الله بن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن ونزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم، فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ).

    الشاهد إخوتي الكرام: إذا منعوا زكاة أموالهم، وضنوا بما أوجب الله عليهم، منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، نعم، إن الناس يستبطئون المطر، وأهل النهى والعقول يستبطئون نزول الحجر، فنسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعاملنا بفضله وإحسانه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم لا تعاقبنا بما فعل السفهاء منا، وعافنا واعف عنا، وإلى سواك ربنا لا تكلنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

    والحمد لله رب العالمين.